Wednesday, March 14, 2012

قصصنا المنسية - يوميات معارض ليبي مهاجر خلال سنة 1987-1988 -21

                                             بسم الله الرحمن الرحيم

لقد سبق وأن كتبت هذه الخواطر سنة 1988م ،، ولم تكن الظروف ملائمة في ذلك الوقت لنشرها ،، والآن بعد أن تنشقنا نسيم الحرية العليل ،، حان الوقت المناسب لإطلاع جمهور القراء عليها ،، ووجدت من المفيد سردها حتى تكون عبرة لشبابنا ،، وتذكيراً لشيوخنا ،، راجياً من المولى عز وجل ،، أن تتحقق الإستفادة للجميع ... 

                                                      التاجر

               إن الصفة  والإسم لكلمة التاجر ،، أطلقت على الإنسان الذي يتعامل بالبيع والشراء في أي نوع من أنواع المواد والسلع التي يحتاجها الآخرون  (الزبائن) ... كثيرون من رجال الأعمال والتجار لا يعرفون المعنى والصفات الحقيقية ولماذا أطلقت هذه الكلمة ولم تطلق كلمات وصفات أخرى ،، فكلمة التاجر في اللغة العربية تتكون من أربعة حروف كل حرف له صفة جليلة  ،، وإذا الصفات إجتمعت مع بعضها في شخص ما ، عندها يطلق عليه ويعرف لدى المجتمع  بأنه تاجر ،،
الحرف الأول ( التاء )  صفتها التقوى والإيمان والخوف من الله عز وجل في كل خطوة يخطوها الإنسان ...  حتى يبارك الرب في رزق الحلال ويزداد مع الوقت لأضعاف مضاعفة !
وحرف ( الألف )  صفتها الأمانة والصدق في العهد والوعد ،، وأن لا يتملص الإنسان ويغش ويخادع ويأخذ حق الغير بالباطل والبهتان ،، حتى لا تضيع الثقة الغالية لأنها الرأسمال الحقيقي للتاجر ،، فكثير من الأحيان لا توجد السيولة النقدية لدى التاجر ،، ولكن لأمانته وصدق العهد والكلمة  يتعامل الآخرون معه بكامل الثقة  ،، وبالتالي يستطيع العمل والمرابحه والبيع والشراء بالكلمة ،، في كثير من الأحيان بدون أن يسدد الثمن ،،
حرف الجيم ،، يدل على الجسارة والمغامرة والإقدام ،، وسرعة القرار في البيع أو الشراء ففي كثير من الأحيان الصفقات تضيع نظير التلكأ والإنتظار ،، فكثيرون من التجار على الهامش نظير الحسابات الزائدة عن اللزوم وعدم البت بسرعة ،، مثل المثل الشعبي الذي يقول ( أم الجبان لا تفرح ولا تحزن )  لأن الجبان دائماً يسير ويتوارى في الظلال ،، وليس مقداما ،، وبالتالي لا يعمل أي شىءجسور يشرف حتى تفرح الأم وتفخر بإبنها ،، ماذا عمل وقدم ،، وفي نفس الوقت لا تغضب ولا تحزن لأنه دائما بعيد عن المشاكل والمعارك ،، لا يتحدى ويقاوم حتى يناله بعض الضرر ،، يعيش على الهامش ...  مهما عاش بالدنيا وطال به العمر لا يذكر ولا من يشير له بالبنان بأنه قدم معروفا وإحسانا ،، وإذا توفي ومات إنتهى بدون ذكر ومع الوقت ينتسى وكأنه لم يكن يوما بها ،،، فالجسارة مهمة ولكن ضمن التخطيط المدروس وعدم الإندفاع بردود أفعال ساعة الغضب ،، وعندها الخسارة الجسيمة ويصعب التعويض !
حرف الراء ينقسم إلى شقين ،، الأول الرأفة وعدم التسلط والإحتكار ورفع الأسعار ،، بل الرأفة بالبشر الزبائن حتى يبارك الرب الخالق في الرزق ويزيده أضعافا كثيرة بدون أن يدري ،، والشق الثاني من حرف الراء ،، بعض الرأسمال للأنسان كبداية حتى يبدأ ويشق الحياة العملية في السوق كتاجر ...
هذه الأربع صفات إذا كانت مجتمعة في إنسان فهو تاجر يستطيع المقارعة مع الغير في الأسواق ويستطيع بالحظ والعمل الدوؤب بما يرضي الله عز وجل من الحصول على المجد بسرعة والإثراء بالحلال ...
لقد شوه عقيدنا المجنون التجار ورجال الأعمال في ليبيا  في منتصف السبعينات ونعتهم بأبشع النعوت ووصفهم بأنهم مصاصو دماء الفقراء الزبائن المحتاجين وأطلق عليهم أسماءا من صنع خياله المريض زيادة في الإستهزاء ،، مثل إسم الحاج عمر للتاجر ،، والحاج مفتاح للمقاول ،، عندما كان يقضي  الساعات الطويلة في برامج على القناة المرئية يشرح النظرية الهزيلة للكتاب الأخضر ،، وفرضها بالقوة وصرف عليها المليارات من دم وأرزاق أبناء الشعب الأبرياء ،،، ونسي أصله وفصله ومن يكون هو ضمن المجتمع ،، عبارة عن نكرة ،، وشائبة ظهرت على السطح في غفلة من الزمن والشعب ووصل إلى الحكم بالحظ وعن طريق القوى الخفية ومساندتها وتسلط على الجميع بقوة السلاح والعسكر ،، أليست بشىء مؤسف ومأساة ؟؟
التجارة مهمة لحياة الشعوب ،، فهي الإقتصاد وعصب الحياة ،، من أجلها قامت التحديات والحروب منذ الأزل ،،، لإحتكار الثروات ،، مارسها معظم الأنبياء والرسل ،، فهي حرفة مباركة من الله عز وجل ،، إذا التاجر قام بالأصول كما يجب ضمن المعاني التي تم ذكرها ...
لقد مارستها منذ أن تركت الدراسة وأنا صغير السن ،، والحمد لله عز وجل ،، دائما رافعا الرأس غني النفس ،، لم أعمل مطلقا تحت إمرة أي أحد طوال مسيرة العمر أكثر من نصف قرن ،،، لم أتقاضى مرتبا آخر الشهر ،، ونجحت ووصلت لأعلى القمم ،، وفرت شغلا وعملا  لعشرات المئات من البشر في الأعمال العديدة ،، وكنت دائما أضع نصب الأعين مخافة الله عز وجل حتى لا أخطىء في حق أي أحد ،، وحسب علمي وبحمد الله تعالى ،، لم أحسد وأحقد على أي أحد ،، ولم آكل عرق الأجير،، ولا أي حقوق لأي مستخدم  تحت أي ظرف ،، فأنا أخاف من يوم الحساب ،، والعقاب حيث لا ملجأ وحماية غير العمل الصالح ورضاء الله سبحانه و تعالى !  
عشت كتاجر ورجل أعمال ومقاول ومعارض للنظام ،، سافرت في الدنيا بالطول والعرض خلال مسيرة أفراح وسعادة ،، أتراح وحزن و مآسي ومعاناة وضيق ذات اليد في بعض الأحيان ،، مطاردات كثيرة في دول العالم وضغوط ،، والحمد لله عز وجل على عطاياه ،، وسوف أقاوم طالما بي نفس حياة ،، وبالصمود والتصدي والصبر سوف أصل يوما إلى الوطن ليبيا منصورا مهما حاول الظالم  الصد والمنع ،، فالظلم ظلمات ،، ونهاية النفق نور وضياء ،، والله الموفق .

                                                         رجب المبروك زعطوط

                                                             1988/4/21م  

No comments:

Post a Comment