Tuesday, June 30, 2015

قصصنا المنسية 27

 بسم الله الرحمن الرحيم

 مدينة درنة الصحابة 2

               قبل وصول الجيش الإسلامي إلى مدينة درنة بمسافة،  حيث كان يسير ببطء ضمن قافلة كبيرة طويلة من الإبل المحملة والخيول، تقدمت كوكبة القيادة،  حوالي 77 فارسا ، مسرعين إلى المدينة  للراحة والإستجمام،  بقيادة القائد عبدالله بن قيس البلوي وبرفقته القاضي منصور والذي بعدها سميت الهضبة خلف ساحةالمعركة بمنطقة (باطن بومنصور) تيمنا وبركة بالفاتحين... ووقت الوصول إلى مشارف المدينة كانت وقتها مراكب الغزاة الروم البيزنطيين راسية بالميناء ومحاربيهم يعيثون الفساد فيها من قتل وسبي للمواطنين وإشعال حرائق  وخراب وتدمير ببلدة درنة...   وإستنجد الأهالي بالقادمين لحمايتهم ولم يسمح الوقت للفرسان القادمين بالإنتظار حتى يصل الجيش، ودفعت الحمية والنخوة للقائد عبدالله بالدفاع عن المدينة وأهاليها ودخلت المجموعة في معركة غير متكافئة العدد أمام جحافل الروم ، وإستمر القتال بعنف وقوة بعض الوقت ولكن العدد الكثير يغلب الشجاعة مهما كانت وإستشهد الجميع وسيوفهم بأيديهم ذودا عن الدين والكرامة في ساحة المعركة .

              للأسف الشديد الآن ساحة المعركة جزءا منها بني عليه  سوق الخضار والجزارين حيث أرضا مقدسة ولكن ذوي القرار في المدينة يجرون وراء الدنيا ونهب الأموال،  وليست لديهم النظرة البعيدة المستقبلية لإحياء الذكرى وما قام به الفاتحون من جهد ودم ... هؤلاء المسؤولين جهلة بالتاريخ لأنهم لا يمتون للمدينة بأية جذور ... من المفروض الاهتمام وجعلها منطقة اثرية تاريخية   اسلامية مقدسة،  ويقام عليها متحف كبير يخلد المعركة حتى تصبح قبلة للزائرين ، بجانب جامع الصحابة والمقبرة التي يضم ترابها أجساد الصحابة الكرام المجاهدين والشهداء من أجل رفعة الدين الإسلامي وحماية الوطن .
             وصلت طلائع الجيش إلى مشارف المدينة وهرب الروم إلى مراكبهم مسرعين في البحر مطاردين كعادتهم والمسلمين على الشاطىء متجمهرين غاضبين مغتاظين على عدم الأخذ بالثأر لقائدهم ورفاقه الشهداء الكرام وتم دفن القائد الشهيد عبدالله في قبر بمفرده و القاضي الشهيد بومنصور في قبر آخر وبقية  الشهداءالآخرين في قبر جماعي مع بعض... وأصبحت مقبرة مقدسة منذ ذاك التاريخ.
               أيام العهد التركي الثاني قام أحد الولاة الصالحين ( سيدي إمحمد باي ) ببناء جامع صغير وحفر بئر، ومع الوقت وتكرار السنيين تهدم الجامع وتم بناء جامع كبير في منتصف السبعينات وكان لي الشرف في المساهمة ببنائه مع الآخرين وتم توسعته مؤخراً وإضافة أجنحة أخرى ودورات مياه للوضوء في منتصف الثمانينات كما يبدو الآن في وقتنا الحاضر في وسط المدينة وأحد المعالم الدينية المقدسة التاريخية التي يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار بقوة وتخطط التخطيط الجيد وتشييد المتحف وساحة كبيرة لإحياء المواسم والحفلات الدينية وأماكن لتحفيظ القرآن للأطفال ...  ودور ضيافة لكل من يزور درنة بالمجان من شيوخ ومريدي الزوايا وحفاظ القرآن ومنارات العلم حتى تخلد المعركة إلى ماشاء الله عز وجل .
             المنطقة مقدسة بها جامع السنوسية الصغير في أحد كهوف الجبل المشرف على الوادي والمقبرة لها شأن خاص روحي في قلوب السكان سيظل شاهدا على التضحية إلى ما شاء الله...  ففيها بركة من الرب الخالق تجعل أي مواطن من المدينة شرب من مائها ( مياه الدفلة ) وعاش بها، وقت الضيم والظلم تغلي بعروقه دماء الغضب، مستعدا للتضحية والفداء كما فعل الأجداد من قبل . وهذا هو السر الكبير الإلاهي الغير معلوم ولا مفهوم للكثيرين الذي يدفع شبابها ورجالها إلى التضحية والفداء .
                  مدينة درنة مدينة عريقة ذات نبل وكرم فقد سكن بها الأوائل الأندلوسيون عشرات السنيين عندما تم نزوحهم من ظلم محاكم التفتيش الإسبانية  وتوزعوا على طول شمال أفريقيا حتى تاجوراء...  ثم الهجرة الثانية عندما إستوطن الفرسان الصليبيون مدينة طرابلس بأمر من بابا الفاتيكان ، وتم النزوح إلى المنطقة الشرقية وإقامة إمارة حدودها من قرنادة (اسم غرناطة المدينة الأسبانية التي كانت يحكمها العرب بالسابق) حتى أم الرزم تحت قيادة ( بوزكور القاضي ) والتاريخ يشهد بذلك حيث طمست هذه المعلومات التاريخية من القوى الخفية وأياد الشر لأغراض خاصة جهوية لإمتلاك الارض .
              في تلك الحقبة التاريخية كان صراعا كبيرا سياسيا على المنطقة الشرقية بين العائلة القرمانلية الحاكمة في طرابلس، يوسف باشا،  وحاكم مصر محمد علي باشا الكبير، الذي كان يرغب في توسيع ملكه بالغرب وضم ولاية برقة لمصر بمساعدة وولاء قبائل أولاد علي من جوازي وفوايد الذين كانوا يسومون الآخرين من العبيدات والمرابطين العذاب والظلم بالجبروت والقسوة ، ووقتها كانت الصراعات شديدة بينهم مع أنهم تحت حكم العثمانيين الأتراك الأسمى ويدفعون  الضرائب والهدايا للباب العالي مقابل السكوت وتركهم يحكمون كما يشاؤون...  وعلى الصعيد المحلي الصراع بين قبيلة أولاد علي وقبيلة العبيدات .
               وأستغل الباشا يوسف القرمانلي الفرصة والصراع الدموي وجهز جيشا وضم له الكثير من المتطوعين من رجال القبائل المجاورة ، تاجوراء وزليتن ومصراته وورفلة وغيرهم من قبائل الغرب الأخرى،   ضمن حملة عسكرية بقيادة أحد أبنائه ( القصة طويلة ولها تفصيلات عديدة ) حتى وصلت إلى بنغازي ، ولم تضمر الحملة الشر والعدوانية في البداية مدعين السلام مما إستكان شيوخ وزعامات قبيلة الجوازي للأمر ولم يأخذوا أهبتهم والحيطة من الغدر ويستعدون وبالأخص عندما تمت دعوتهم لحضور وليمة مصالحة وسلام .
               وأثناء الوليمة كان الأمر مخططا له ، هجم الحراس وتم  قتل جميع المدعوين من الشيوخ كبار السن المهمين في مجزرة دموية لكسر شوكتهم وإنهائهم من التحالف لحاكم مصر ، وتم سبي كل مايملكون من أموال وحيوان بالمنطقة بالغدر وهربت قبيلة الفوايد إلى الشرق ، مصر،  بالفيوم طالبة الحماية من باشا مصر محمد علي الكبير ولم تخسر أي شىء فقد رحلت بدون حرب ولا ضرر نظير دهاء شيوخها وإستقرائهم للأمر .
              تقدمت حملة الباشا القرمانلي إلى الشرق وتمت هزيمة بقية أولاد علي في معركة مشهورة مباغتة في الفجر لمعسكرهم جنوب درنة (سميت الحملة بتجريدة حبيب) وتمت ملاحقة الفلول الخاسرة حتى السلوم حاليا من ضمن أراضي مصر، وتم الإتفاق والصلح بين الطرفين ، أولاد علي لا يقدمون إلى الشرق ويملكون ويسكنون في المنطقة من الحجاج (عقبة الجبل) أي أراض السهل إلى رأس الحكمة في مثلث من الأرض الذي هو أصلا أرضا ليبية وليست مصرية كما يدعي الكثيرون...  ( الحدود الشرقية رسمت بالخط الوهمي الطولي من طرف  الإستعمار عندما إحتلت إيطاليا ليبيا عام 1911م ، بين الإنجليز والطليان ولم يطالب بها الشعب الليبي حتى الآن!  والتي تعرف في الوقت الحالي في مصر بالساحل الشمالي ) ومثلث آخر في الصحراء الليبية يقارب المساحة يخص مصر ومن أراضيها وإعتبر الأمر محسوما ولكن الفرق كبيرا بين الساحل و الصحراء .
                عندما أراد الجيش الرجوع للغرب بعد أن تم الإتفاق والعهد مع أولاد علي على  حدود الجبل المطل على السلوم بأن لا يأتوا للشرق غزاة تحت أي ظرف كان، خاف حبيب وشيوخ العبيدات والمرابطين من الإخلال بالإتفاق والغدر من أولاد علي والهجوم عليهم بغتة ودمارهم عندما يعلمون بأن الجيش والمحاربين من قبائل الغرب غادروا المنطقة إلى ديارهم وأهاليهم ، حيث كانت وقتها المسافات بعيدة ولا توجد إتصالات سريعة مثل عصرنا الحاضر ، وتأخذ وقتا طويلا شهورا وسنين للتجهيز والقدوم مرة أخرى للنجدة مما تصبح النهاية محتومة ويكونون قتلى موتى!
               سعوا قدر إمكانهم وجهدهم أن يبقى المحاربين القادمين بجوارهم لحمايتهم في المستقبل القريب والبعيد ، وتم إمتلاك درنة ونواحيها كحصة وجائزة لهم على النجدة والدم الذي أريق والدفاع عنهم والتي أصلا إمارة القاضي بوزكور والاندلوسيين ، مما حبذ الكثيرون من الشباب العزاب البقاء والسكن مع أخوتهم الأندلوسيين المقيمين في درنة قبل الأحداث والصراع بين أولاد علي والعبيدات ، والجواز والمصاهرة مع العبيدات والمرابطين بحيث أصبحت صلة رحم ودم مع معظم العائلات الدرناوية التي أجدادهم من الغرب والبعض المتزوجين أتوا بعائلاتهم وأولادهم عن طريق البحر وأقاموا بالمدينة وأختلط الدم وأصبحت مدينة درنة تضم الجميع من شرائح الوطن منذ ذلك الوقت .
               الرباط والأخوة مع جميع شرائح أبناء الشعب في مدينة درنة، رباط مقدس لن يستطيع أي حاكم أو أي إنسان متهور جاهل أو فئة مهما بذروا من بذور الفتنة والخلاف والشر للفرقة بين الأطراف وإحياء النعرات القبلية، لن يستطيعوا الفوز والنجاح، فنحن جميعا أخوة في الدين والمصير والدم إختلط مع بعض حسب القول المأثور الشعبي ( كيخي وبنيخي ) طالبا من الله عز وجل أن يوفق الجميع للتآخي والوحدة والتفاهم للمصلحة العامة... مصلحة الجميع في ليبيا الجديدة .
               مرت أحداثا كثيرة على المدينة من كر وفر وكانت العاصمة أيام عهد القرمانليين طرابلس والبكوية في مدينة درنة التي وقتها تعتبر الثانية في ليبيا في ذلك الوقت من ناحية الترتيب ولكن بسبب الصراع على السلطة داخل العائلة القرمانلية نفسها ، وإنحياز الباشا أحمد القرمانلي إلى الأمريكان في صراعهم ضد أخيه باشا طرابلس على السيادة في البحر الأبيض المتوسط والإتصالات التي حدثت في مصر والإتفاق معه، وحضوره غازيا مع الحملة الأمريكية عبر الصحراء التي كانت وقتها تعتبر مجاهل يصعب إجتيازها نظير انعدام الطرق والمواصلات والإتصالات وقطاع الطرق الذين يسبون ويسرقون ويقتلون نظير الحاجة و الجهل الذي كان ضاربا أطنابه على الجميع في ذاك الوقت المظلم من التاريخ .
                تم إحتلال مدينة درنة سنة 1805م بقيادة المغامر أيتون ورفع العلم الأمريكي عليها، وكان الإحتلال لمدينة درنة يعتبر أول مرة في تاريخ أمريكا أن يرتفع علمها على أرض أجنبية خارج أراضيها وقتها ، وقصة السفينة فيلادلفيا التي يقولون حسب الرواية الليبية أنها حرثت في ميناء درنة أثناء المطاردة لبعض زوارق البحرية الليبية والذي ربابنتها يعرفون مدخل الميناء جيدا مما قاموا بنصب حيلة للسفينة العملاقة ذات الأشرعة والتي تعتبر وقتها مفخرة البحرية الأمريكية، وتمت مناوشتها بإطلاق النار عليها حتى طاردتهم ودخلت للميناء في المكان الضحل وحرثت مقدمتها في الرمل ولم تستطيع أن تتراجع للخلف للبحر العميق حتى تصبح حرة طليقة، حيث لا توجد رياح قوية وبحر هائج ليساعدها على الحركة مما أصبحت كالبطة في البركة بدون أجنحة لتطير وتهرب .
            الزوارق الليبية أحاطت بها وتم القفز عليها من جميع الجوانب، وبعد معركة حامية قوية بالسيوف والغدارات بين الطرفين إستسلم البحارة الأمريكان وتمت السيطرة عليها وأسر جميع طاقمها الأحياء وتم قطرها إلى طرابلس بعد فترة بناءا على أوامر الباشا ونقل الأسرى إلى طرابلس ، والبعض أسلم وبقي في مدينة درنة مواطنا وتزوج وذريتهم حتى الآن موجودة تحتاج للبحث بالطرق العلمية الحديثة عن طريق الدم (الدي ان اي) .
              السفينة المأسورة، فيلادلفيا، تم إرساؤها بجانب السرايا الحمراء حتى يتم البت في أمرها مما قامت  قيادة البحرية الأمريكية بعمل المستحيل لدفع الفدية وإسترجاع السفينة والبحارة الأسرى ، ولكن الباشا يوسف تجاوز الحدود ولم يرضخ للعقل ويسلم السفينة وقبل الفدية وأطلق سراح البحارة الأسرى مما بعث الأمريكيون فرقة فدائيين (كوماندوس ) وبالليل في غفلة من الحراس تم إشعال النار فيها وحرقها خوفا من إستعمال البحرية الليبية لها في الصراع الدائر بينهم في البحر الأبيض المتوسط .

            الرواية الأمريكية تقول أن السفينة فيلادلفيا تم أسرها في ميناء طرابلس حتى تم حرقها ، والرواية الليبية صادقة فقد كانت وقتها لا يذكر أسم ليبيا، بل الدولة بكاملها يطلق عليها طرابلس، والعاصمة طرابلس أطلق عليها طرابلس الغرب تمييزا لها عن مدينة طرابلس االشرق الموجودة في لبنان.
               الأحداث المتلاحقة نظير الحملات البحرية على ليبيا في ذلك الوقت وإحتلالهم لمدينة درنة والإتفاق على  الباشا على الإنسحاب من مدينة درنة ومغادرتها للأبد، الباشا أحمد تم النفي له إلى أحد الجزر حتى لا يستفحل أمره وينازعه على الملك والسلطة، حيث في ذلك الوقت حدثت أشياء مهمة، بالنسبة للجانب الأمريكي تم إنشاء فرقة (المارينز) مفخرة البحرية الأمريكية حتى الآن، بسبب ليبيا وحروبها، وللتأكيد على ذلك وضع مقطع  مهم  في النشيد الوطني لمشاة البحرية الأمريكية الأشداء "المارينز" (نحن وصلنا  إلى شواطىء طرابلس، يقصدون بها جميع ليبيا وليست طرابلس فقط ) .
             ومن الجانب الليبي خسرت مدينة درنة الكثير من هروب أهلها الموالين لأحمد باشا إلى الشرق بأعداد كبيرة خوفا من الإنتقام من قوات وعسكر الباشا الذين بعد الإنسحاب بفترة قاموا بقتل الكثيرين الموالين لأحمد باشا المنشق والذين ساعدوا الحملة والأجانب في إحتلال المدينة مما نقص السكان وقتها للنصف...  وإعتبر الباشا الحاكم في طرابلس أن مدينة درنة غير موالية له ولا يعتمد عليها مستقبلا في مؤازرته والوقوف بجانبه وقت الحاجة مما أراد التنكيل بها وسحب البساط من تحت أرجلها وأصبح التركيز على مدينة بنغازي في الشرق حتى كبرت وبدأت تشق طريقها للأحسن كل يوم .
                  كل شىء يمكن تعويضه لو وجدت رجال ذوي عقول ممن أنجبتهم المدينة وجذورهم نابعة منها وتولوا السلطة، وإهتموا بتاريخها المشرف وركزوا على السياحة فقط من إنشاء الفنادق والمطاعم وسبل الراحة والمستشفيات الحديثة في حالة المرض وبناء المتاحف الضخمة التي تخلد ذكرى معركة الصحابة وذكرى أسر وقطرالسفينة فيلادلفيا وسجن طاقمها في درنة ثم طرابلس حتى تم دفع فديتهم للباشا وإحتلال درنة سنة 1805م... والتركيز على الإعلام الجيد والدعاية وصناعة الأفلام التاريخية بالمنطقة ليزورها السواح  من جميع أنحاء العالم .
               حيث منطقة درنة معالمها بكرا لم تلوث بعد بالحياة العصرية ، وبها كل شىء يخطر على البال والذي يهتم به السائح وبالأخص المتقاعدين من رجال البحرية الأمريكية  الذين يرغبون في مشاهدة المعالم التاريخية على أرض الواقع وعلى الطبيعة وليس صورا ومناظر معظمها لا يعطى الصورة الواضحة عن ما مر من أحداث دموية رهيبة وقصص ماضية...   
            يؤسفني شخصيا أنه لدينا العقول ولدينا الطبيعة الساحرة الجميلة ولدينا الآثار واطلال التاريخ شواهد ولدينا الموقع الإستراتيجي ولدينا المال، ولدينا ولدينا كل شىء يخطر على البال ولكن ينقصنا الحب والولاء للوطن حتى نقرر ونقوم بعمل  الصحيح، فجميع المسؤولين بالسابق في المدينة كان همهم الولاء لأشخاصهم ومساندة الظالم في الحكم وكيف يتحصلون على الغنائم، كانوا لا يعرفون ولا يحسون بالخير الذي لديهم وبقيمة المدينة الجوهرة الثمينة  في أيديهم تريد من يزيل الغبار من عليها بالتخطيط الجيد والمشاريع العقلانية حتى تنهض وتبدع وتشع .
              الحمد لله عز وجل على النصر وزوال حكم الطاغية القذافي...  منتظرين من صناع القرار القادمين الجدد النهضة والتقدم بجميع أنحاء ليبيا، وتعطى الأهمية والأولويات لكل حدث تاريخي مهم في منطقته حتى ننهض في فترة بسيطة من الزمن ونصبح من الأوائل والله الموفق .

             رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع.... 

Sunday, June 28, 2015

قصصنا المنسية 26

بسم الله الرحمن الرحيم

 مدينة درنة الصحابة 1


               مدينة درنة الصحابة بالشرق في الدولة الليبية على ساحل البحر الأبيض المتوسط عدد سكانها حوالي 150 الف نسمة المقيمين فيها مع الغرباء ، تحدها شرقا منطقة الفتائح وغربا الطريق الجبلي الصاعد للهضبة في وادي الناقة ، شمالا جزيرة كريت اليونانية (خانيا) التي تبعد عنها حوالي 200 كم عبر البحر الأبيض المتوسط، وجنوبا منطقة الظهر الأحمر والصحراء ، وتقع غربها  شحات،المدينة الأثرية، على بعد 80 كم ومدينة البيضاء عاصمة الجبل الأخضر 100 كم  وشرقا مدينة طبرق على بعد 175 كم.
               حباها الله عز وجل بالموقع الجميل والهواء العليل، فهي جوهرة وسط الجميع تحتاج إلى الكثير من العناية والتخطيط السليم حسب معطيات العصر من البناء والتعمير والتشيد وبناء الجامعات، حيث حباها الله عز وجل بالذكاء الفطري الذي يسري في الشرايين والعروق مسرى الدم وقوة الملاحظة الغير عادية نظير حب المعرفة والفهم السريع لأبنائها حتى أطلق عليها قديما كناية (قيادة الأحوال) تحتاج إلى التركيز على السياحة حتى تختلط الحضارات والشعوب مع بعض وتذوب العنصريات القبلية الجهوية ويتلاشى الجهل مع الوقت ويذوب في المنطقة بزيادة العلم ، والاهتمام بالعمل وخلق مجالات الاستثمارات حتى ينهض الجميع ويتقدمون للأفضل وتلمع الجوهرة المدينة المهمشة منذ الاستقلال ويشع نورها بالخير والسعادة بدل الإهمال والنسيان والتهميش المتعمد من الحكام، مما أصبحت بؤرة للتشدد والتعصب الديني من قبل المتزمتين .
                  مرت أحداث  تاريخية كثيرة بها منذ قديم الزمان وحتى  الآن،    تجعل منها مدينة سياحية في المقدمة تغص بالسواح لو تم الإهتمام بها كما يجب من سكانها وصناع القرار بالدولة الليبية الجديدة بعد سقوط الطاغية الذي كان من أول يوم وصل فيه للسلطة، يحسب لها ألف حساب ، وبالأخص أول انتفاضة تمرد ضد الجيش خرجت منها في بداية السبعينات ، والتي من يومها صار غاضبا عليها ويكن لها العداء والحقد والحسد لأنها مدينة مجاهدة ونضال ووحدة وعلم وعدم الخنوع للحكام الكثيرين الذين مروا بها خلال العصور العديدة التي مضت بخيرها وشرورها إلى الأبد عبر التاريخ والزمن .
           مدينة الأبطال والشهداء والمناضلين الذين ضحوا بالنفوس والأرواح فداءا قرابين على مذبح الحرية من أجل تحقيق المبادىء السامية المؤمنين بها من أعماق الروح والتي مهما حاول المحلل والباحث أن يعرف الأسرار وراءها لا يستطيع أن يعرف الأبعاد عن الشعور النبيل وقوة العزيمة والإيمان التي جعلت من رجالها وشبابها أسودا ضارية وقت الحاجة والطلب للجهاد بالماضي والحاضر والمستقبل بإذن الله تعالى .

                    أثناء وقتنا الحاضر شبابها لبوا النداء وضحوا بالأرواح والدماء ، وجاهدوا وساندوا الثورة المجيدة من أجل الخلاص الحرية والكرامة وكان لهم الباع الكبير في المعارك الشرسة في معظم مدن وقرى ليبيا والتي يشهد على بطولاتهم الكثيرون كيف كان الدراونة سباقين للموت والشهادة، لا يتراجعون ولا ينسحبون....  لديهم قوة العزيمة والإرادة بتحقيق النصر، مما أذهلت العدو من الكتائب والمأجورين المرتزقة الذين يحاربون بلا قناعة ولا إرادة... جعلتهم يتراجعون للوراء مهزومين خوفا من الموت .
              مدينة درنة ماضيها المشرف يجعل منها أسطورة من الأساطير عبر الأيام والعصور السابقة والحاضرة وسوف تستمر إلى ماشاء الله عز وجل ، مدينة تاريخية، مدينة النور والعلم،  مدينة الوحدة والتآلف فهي تضم بين جوانبها من جميع فئات شرائح الشعب الليبي في بوتقة واحدة تحت إسم مدينة (درنة للجميع)، مدينة مجاهدة قدم وضحى أبناؤها بالدم طوال الوقت ، لايرضون الظلم والهوان ، يدافعون عن القيم والأخلاق ، يدافعون عن الدين الإسلامي بشراسة نظير قوة الإيمان ، مستعدين للشهادة وعن قناعة وبرضاء النفس مما جعلت الأعداء يحتارون في الأمر .
                أنها مدينتي درنة التي دائما أفخر بها ولن أستطيع تركها أو نسيانها مهما عملت، مهما قالوا عنها من أقوال وأنها مدينة متأخرة لا حياة فيها ولا أعمال قوية ولا فرص سانحة كبيرة للإثراء مثل بعض المدن الاخرى في ليبيا. مدينة المتقاعدين وكلام كثير يدعو للإحباط وبالأخص من أهاليها المهاجرين إلى مدن أخرى والذين يدعون العلم والمعرفة ناسين متناسين أفضالها العديدة... مدينة درنة السباقة في كل شىء جديد ومبتكر ، وللأسف الشديد،  دائما الأخيرة في قطف ثمار النصر حتى تنمو وتزدهر... لأن أبطالها ورجالها ذوو عزة وإباء لا يحاولون حشر أنفسهم ولا مد الأيادي للإستجداء، فهم رجالا أوفياء، عفيفي النفس...  بها مقبرة الشهداء من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام فهي مقدسة وكل من أراد لها السوء والغدر سوف يدفع ويقدم الثمن الغالي "فلها عشم" ، مهما شنوا الحرب في السر بالخداع والتزوير بدون معايير شرف ولا أخلاق غير الحسد والحقد من أي نظام وصل لسدة الحكم وأصبح الحاكم بالوطن ، إتقاءا للشر والتمرد حيث لا ترضى الهوان ، الخنوع وطأطأة الرأس، مهما بدأت في الظاهر على السطح هادئة مستكينة ، فهي تغلي من تحت ، حيث أهلها لا يعجبهم العجب، مهما حاولت القوى الخفية وأياد الشر خرابها وتدمير نسيجها الوطني بالوشايات وزرع الفتن ، لن تفوز ولن تنجح ...
                  سابق العصور ونظير نبوءة كما تقول الأساطير اليونانية عندما حلت بهم سنين قحط ومجاعة وطلبوا نصح الآلهة، والتي أشارت عليهم بالذهاب جنوبا إلى أرض الخير والسعادة (ليبيا) وخرجت مجموعة شباب مقاتلين أشداء على متن  السفن ذات المجاديف تسعى للإستكشاف حتى وصلوا لجزيرة مهجورة تبعد عن الساحل الليبي مسافة حوالي 5 كم في منطقة البومبة مما أقاموا فترة من الزمن وبعثوا للآخرين من أبناء قومهم للحضور حتى وصلت النجدة .
              ولأسباب تاريخية لم تعرف للآن كما تروى القصص والحكايات إستعانوا بأدلاء وطنيين ساروا من البومبة غربا بدون المرور على منطقة درنة ذات الأرض الخصبة لأسباب غير معروفة حتى لا يشاهدوها ويستقر بها الإغريق الأجانب  القادمون من البحر ، حتى توقفت المسيرة في منطقة شحات وتم الإستقرار بها.... حيث الجبل الأخضر ذو التربة الخصبة والهواء العليل صيفا والبارد وكثرة الأمطار ومياه الينابيع الصافية وبعدها عن الشاطئ حوالي 20 كم جنوبا خوفا من الغزو المفاجئ عن طريق البحر مما جعلت منها مكانا مميزا للإستقرار وبناء حضارة ومملكة إغريقية ونمت مع الأيام وأصبحت عاصمة لعدة مدن إغريقية على ساحل البحر الممتد ، إبتداءا من منطقة درنة ( أيراسا ) ومدينة درنة المسماة "دارنيس"، ومدينة سوسة ( أبولونيا ) والمرج ( بارشي )  وطلميثة وتوكرة وبنغازي ( هسبريدس ) .

               بالذكر لحضارة الإغريق في الجبل الأخضر في قديم الزمان وأقامة مملكتهم وعاصمتهم شحات ( شيريني ) لإعطاء الفكرة الواضحة والسريعة عن مدى التقدم العلمي للمنطقة بكاملها والتي مدينة درنة جزءا منها ، عن النهضة الحضارية في ذلك الوقت والعصر حيث مرت عليها حتى الآن في وقتنا الحاضر أكثر من 3 آلاف عام والتي وقتها كانت مدينة شيرني (شحات) بلغت  مستوى كبيرا من التقدم والشهرة في عديد من العلوم والفنون وأطلالها إلى  الآن شواهد على الحضارات السابقة الإغريقية ثم الرومانية والفينيقية وغيرها التي سادت يوما ثم بادت نظير عوامل الطبيعة الزمن والحروب والكر والفر والدسائس ، إلى أن تم الفتح الإسلامي لمنطقة شمال أفريقيا ودخل الفاتحون العرب إلى ارض ليبيا بسلام بدون حروب ومقاومة وأصبحت المنطقة بكاملها تدين للدين الجديد ( الإسلام ) .
             جيوش المسلمين الأوائل في ترحال طوال الوقت لم يستقروا في مكان واحد ، لإعلاء ورفع راية الله تعالى ونشر دين التوحيد في الارض ، وبعد الفتح لأي مدينة وهم مستمرون يتركون بها حامية بسيطة من الجنود تسمى المرابطين حيث يقومون بحمايتها من الأعداء الغزاة والغدر ، وتعليم أهلها اللغة العربية والقرآن الكريم وترسيخ الدين الجديد الإسلام وإرساء نقاط لمرور البريد السريع والأخبار وتوصيلها على ظهور الهجن الإبل والخيل السريعة من مكان لآخر ،وحماية ظهر الجيش من المباغتات والغارات التي كان يقوم بها الرومان والبيزنطيون الغزاة بالهجوم على المدن الساحلية من البحر،  يقتلون ويعيثون الفساد النهب والسلب للمال وإسترقاق البشر والبيع لهم فى أسواق النخاسة كعبيد فى أسواق أوروبا... ووقت الخطر يركبون المراكب ولا يستطيع المسلمون ملاحقتهم  وأخذ الثأر حيث لم تكن لديهم قوة  بحرية  في ذاك الوقت.
            أصبحت عمليات الكر والفر من الغزوات البحرية الكثيرة هاجسا كبيرا للمسلمين لحماية الثغور وضمان الأمن والأمان للمسلمين الجدد المعتنقين دين الاسلام من التراجع والردة،  نظير الرعب والخوف وحدثت حادثة تاريخية مهمة في تاريخ مدينة درنة فأثناء رجوع الجيش الإسلامي إلى الشرق بعد أن قضى المهمة ووصل الى المغرب وتم فتحها مما أصبحت أراضى شمال أفريقيا تدين بالإسلام ، وقبل الوصول إلى المدينة، حدثت المفاجأة والنكبة الغير متوقعة للقائد الإسلامي وقيادته .... والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط


 البقية تتبع ؟

Sunday, June 21, 2015

قصصنا المنسية 25

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحاج علي المكاوي

               اي منطقة في الوطن ليبيا من مدن وقرى ونجوع وتجمعات البادية بالصحراء لديهم العديد من الحكايات والقصص عن الأبطال والجنود المجهولين الذين قدموا الكثير من التضحيات والفداء من أجل حرية الوطن ضد الأعداء بدون ذكر وعلم لأبناء الشعب الآخرين ضمن الاعلام ، حتى يعرفوا البطولات وتستمر الذكرى العطرة الوطنية تفوح بالبطولات والأمجاد إلى ماشاء الله تعالى يذكرون فيها بالخير والشكر والثناء...  توفاهم الله عز وجل وضاعت الأسرار في ظلام القبور نظير عدم التدوين والكتابة على الورق مما تلاشت ولم تستمر ، وقصتنا البسيطة في محتواها والكبيرة فى معانيها. حدثت في مدينة درنة المجاهدة قبل إستسلام الدولة العثمانية بشروط الصلح والمعاهدة بين الدولتين المشؤومة والتخلي عن الجهاد ومساندة الثوار (المحافظية) في أصعب الظروف الحالكة وترك ليبيا للغزاة الإيطاليين وكأنها ملك لها ، لها دلائل عظيمة في رفع الروح المعنوية والحب والولاء للوطن مهما كانت الظروف قاسية وصعبة للأجيال القادمة .
             أثناء الغزو الايطالي والإحتلال للوطن ليبيا تمكنت دورية من جنود جيش الاحتلال من القضاء على مجموعة من الانتحاريين الثوار المجاهدين الشباب الليبي الذين تم التدريب لهم في تركيا للجهاد ضد العدو عندما كانوا يقومون بقطع أسلاك التلغراف ونشر الأعمدة الخشبية حتى تسقط و تتوقف الاتصالات اللاسلكية للعدو مع مقرات قيادته في بنغازي وطرابلس وروما ويصبح يتخبط في ظلام بلا معلومات قيمة  تفيد .
             تم عرض جثث القتلى الضحايا في ساحة المدينة الرئيسية تحت أنظار الكثير من الأهالي للمرور والتعرف على أي قتيل من الضحايا ضمن كتابة قائمة طويلة بأسماء الحضور المشاهدين وشاءت الصدف ومر بطلنا الشاب (علي المكاوي) وشاهد جثة أخيه الشقيق صريعا مقتولا ضمن الضحايا  مسجيا على الأرض ، وسكت وصمت وتمالك نفسه بقوة وصبر ولم يعتريه الارتباك ولا الخوف والدهشة خوفا على بقية العائلة من الحساب والعقاب والملاحقة ومر مرور الكرام وكأنه لا يعرف أحدا من الضحايا القتلى ، أمام العيون الفاحصة من الحراس والوشاة المحليين لأي تصرف قد يحدث  من المارين يجعلهم يشكون في أي بادرة .
             مرت الأسابيع وعرف الغزاة بالمتابعة والملاحقة للموضوع بعض الاسماء للقتلى وشقيقه من ضمنهم من الوشاة والعملاء المندسين لقاء العمالة من بعض المحليين الخونة والمكافئات المالية الجزيلة ، وتم القبض عليه بحجة عدم ذكر الحقيقة والتعاون مع المقاومة في السر وكان محظوظا يوم المحكمة حيث لم يصدر القاضي الحكم عليه بالشنق الفوري حسب العادة للإرهاب بل صدر الحكم عليه بالنفي لمدة طويلة في احد المعتقلات الرهيبة (أوستيكا) في جزيرة من جزر ايطاليا العديدة .
              كان من العادة تجميع السجناء والترحيل من ميناء طبرق وقتها للمعتقل ، وصعد السفينة مع غيره من السجناء وهو مكبلا بالأغلال والقيود الحديدية وكان الفصل شتاءا والبرد قارسا والبحر هائجا والأمواج عالية عدة أمتار عندما خرجت السفينة من حيز الميناء الآمن المحمي من الجبل إلى البحر الواسع الفسيح... وشاء حسن حظ السجين ان الطباخ كان بحاجة إلى معاونين للتنظيف وغسل الصحون والكنس وتجميع القمامة مما تم فك الأغلال والقيود من يديه مع آخرين للعمل. وجلس الحراس على احد الطاولات يتسامرون ويلعبون الورق تاركين بنادقهم بجانبهم على الجدار في متناول اليد في أي  لحظة يحتاجونها .
            وعمل الشاب السجين (علي) في غسل الصحون وجمع القمامة ووضعها في البرميل المخصص لرميها في البحر حسب العادة ، وتطلع وشاهد من بعيد خلال زجاج النوافذ نورا بالكاد يظهر ويسطع بين الحين والآخر خلال الظلام وبخبرته في العمل بالبحر سنين عديدة تأكد أنه نور منارة درنة (سيدي بوعزة) مما فرح داخل نفسه ولم يشعر اي احد من الموجودين بالمطبخ والحراس بنواياه وماذا يعتزم فعله؟ وكان الموج عاليا والسفينة تشق في طريقها بصعوبة وهي تتأرجح مثل القشة في البحر الواسع ، والشاب علي كان سباحا جيدا مشهورا في المدينة نظير طول قامته ونحافته  بكناية (طير البحر) وعرف في قرارة نفسه انها فرصته الوحيدة للهرب والمخاطرة بالنفس حيث لا تتوفر طوال الوقت مثل هذه العاصفة والفرصة من أجل النجاة بالنفس وطلب من الحراس الإذن بالمرور من  الباب ليرمي القمامة .
             ولم تخطر على بال الحراس انه يخطط للهرب في هذا الطقس الصعب والموج الهادر مما سوف يغرق لا محالة بسرعة ، وتثاقل أحدهم وفتح الباب بصعوبة من قوة وشدة الرياح العاصفة الباردة وخرج الشاب علي وجمع الأنفاس من هواء البحر النقي العاصف حاملا البرميل ورمى القمامة في البحر ، وفجأة وبدون ان يدري الحارس رمي البرميل عليه بقوة مما الحارس لا شعوريا تراجع للخلف لإتقاء الضربة ،المفاجئة  والشاب البطل (علي) قفز قفزة بهلوانية إلى البحر وغاب في ظلام الليل وسط الأمواج العالية وقام الحارس وتمالك نفسه وأطلق عدة عيارات نارية في اتجاه السجين بدون تحديد الهدف بوضوح .

               وخرج الحراس الآخرون بسرعة عندما سمعوا صوت الرصاص وهروب السجين ، وتكررت القصة والقيام برمي وابل من النيران الكثيفة عشوائيا في الاتجاه عسى ان تصيب أحد الرصاصات السجين الهارب لتشله عن السباحة أو تقتله ، ولم يكن بالإمكان وقف السفينة بسهولة في الظلام وهدير العاصفة القوية على سجين ليبي محلي لا يؤلف ولا يساوي بالنسبة لهم شيئا وكأنه حشرة ضارة ، ومضت السفينة بدون توقف في وجهتها إلى إيطاليا .

            الشاب (علي) كان سباحا ماهرا ذو عزيمة ومعرفة بالتيارات البحرية بالمنطقة حيث يهوى البحر ويعشقه واستمر في السباحة بهدوء تاركا جسمه بالكاد يطفح على سطح البحر الهائج مع التيار الذي يرمي إلى الشاطئ حتى لا يتعب وبجهد وتخور قواه بسرعة ويغرق ، وإستمر يقاوم من أجل الحياة طوال الليل مسافة طويلة حتى بدأ الشاطئ يلوح من خلال أنوار المدينة البعيدة التي بدأت تتضح رويدا رويدا وهو يجاهد من أجل الحياة حتى وصل وداست أقدامه اليابسة عند الفجر، منهكا غير مصدق نفسه أنه وصل حيا يرزق ويتنفس... وتسلل من خلال الطرقات الضيقة الترابية والممرات الخلفية الزراعية الغير مطروقة والتي شبه مهجورة وسط الحقول والمزارع التي يعرفها جيدا حتى وصل مزرعتهم وبيت العائلة وهو في آخر رمق يرتعد من الحمى والبرد .
              فرحت العائلة بوصوله ونجاته من العدو والغرق وتم اخفاؤه جيدا في فجوة صغيرة داخل البئر من الصعب اكتشافها من الغير إلا عن طريق واشي جاسوس يعرف المكان جيدا أو سمع به من الغير ، وحسب ماتوقعت العائلة حضرت بعد ايام دورية جنود من الإيطاليين وقاموا بالمداهمة فجأة وتم تفتيش البيت والحقل الكبير بدقة ، ومراجعة قاع البئر والمشاهدة من الأعلى بتمعن وأحدهم رمى عدة أحجارا ثقيلة للتأكيد حتى سمع أرتطامها مع الماء بقوة عسى ان يسمع اي صرخة في حالة كان السجين مختبئا تحت في القاع ولكن الله تعالى ستر ومرت الأزمة والمداهمة بسلام .
             ولتأكيد الإختفاء والفقد أعلنت العائلة خبر غرقه وموته في البحر بناءا على الرواية الايطالية واقامت مجلس عزاء وحضر الكثيرون من المعارف والجيران وبعض العيون المندسة يترحمون عليه لذر الرماد في العيون وقطع ومنع تداول الكلام والحديث والتساؤلات عنه مع الوقت . وإستمرت العائلة تحت المراقبة الطويلة لشهور عسى سماع اي خبر ولكن بدون جدوى حيث البطل لبس لباس إمرأة مثل الأخريات من نساء العائلة وعمل طوال الوقت في الحقل الكبير الواسع بدون أي إختلاط مع اي نسوة من الجيران يأتين للزيارات عفويا أو أخريات في اي مناسبة كانت خوفا من الشك والمعرفة و تسرب الخبر للسلطة وعندها الويل والهلاك لجميع العائلة على حماية السجين .
               إستمر الشاب "علي" سنوات عديدة على الامر في العمل بالحقل والمواراة والخفاء يعيش في ترقب من المداهمة جاهزا للهرب في اي لحظة يشعر فيها بالخطر مما السلطة مع مرور الوقت والزمن اعتبرت السجين مات غريقا في البحر ولم يتم العثور على الجثة،  التي  في العادة  تقوم التيارات البحرية برميها إلى الشاطئ... وقفل الملف للأبد ويقال همسا في أوساط العائلة القريبين انه كان يتم تسجيل ابنائه المواليد في سجلات البلدية بإسم احد إخوته ذرا للرماد في العيون.

                  لقد سمعت هذه الحكاية عدة مرات أثناء السهر والسمر عن ماحدث في مدينتنا درنة من بطولات وأحداث وطنية من رواة ثقات صادقين وكنت في بعض الاحيان أمر من شارع الفنار في السبعينات وأشاهد العجوز الحاج علي ، البطل في شيخوخته وتقاعده،   ذو الشعر واللحية البيضاء الطويلة والنظارات الطبية الكبيرة،  جالسا على كرسيا مقابل بيته في الظل أوقات الضحى بالصباح أو بعد العصر في شارع الفنار للترويح عن النفس وبيده عكازه والمارة يطلقون عليه التحيات والسلام تقديرا وإحتراما لسنه وعمره وهو يرد على الجميع وكنت أنا من ضمنهم في بعض الاحيان ...
              لقد خاطر (الحاج علي المكاوي) بالنفس وقفز في البحر الهائج وسبح حوالي 20 كم من اجل انقاذ نفسه والحياة حبا وولاءا للوطن ليعيش فيه معززا مكرما بدلا من البقاء  سجينا والعيش في المجهول ضمن العذاب والقهر في إيطاليا ، وكان بإمكانه بسهولة التسلل والهجرة إلى دول الجوار في المنطقة الشرقية إلى مصر وفلسطين والشام أو السودان بالجنوب كما فعل الكثيرون ، طلبا للنجاة من الضيق والمعاناة من العدو الغاشم .
               مثل نوعيات هؤلاء الرجال المجاهدين ذوي العزم والقوة المناضلين هم الآباء والجدود للشباب الثوار الأجيال الحاضرة الآن ، حيث نفس الدم الساخن بالوطنية والولاء وحب الله تعالى و الوطن ينساب ويجري بالشرايين والعروق بقوة ، وهذا هو السر الغامض ، سر التحدي والصمود للثوار الشباب في التمرد والثورة الدموية والتضحيات الكبيرة ضد الطاغية القذافي والذي عجز عن فهمه الكثيرون من الدول والأفراد المحللين لسير المعارك والبطولات...والله الموفق .

              رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

قصصنا المنسية 24

 بسم الله الرحمن الرحيم

 المناضل الصابر مجيد 3

            فقد الحاج الصابر أعز رفاقه وإخوته المقربين من أولاد عمومته بالموت إغتيالا من نظام القذافي (المرحوم إبراهيم بكار الذي  تدرج في المناصب وأصبح أمين اللجنة الشعبية لبنغازي (المحافظ) وكان مشكورا ومحبوبا للجميع من جماهير المدينة على أعماله الجيدة الخيرة في البناء والتشييد والرعاية للمواطنين... ثم أمين الداخلية وزيرا في الحكومة الليبية .... وعندما صرح في تونس بتصريحات خطيرة فى لقاء صحفي لوكالات الأنباء أنه سوف يقوم شخصيا بالمتابعة والتحقيق في سقوط الطائرة الليبية في ضواحي طرابلس بعد الاقلاع يوم   1992/12/22م نظير الانفجار بالعمد بقنبلة أو قذيفة صاروخ مبيت بعلم البعض لإبعاد الانظار والإعلام على الضجة بخصوص طائرة بانام الامريكية المنكوبة وسقوطها في لوكوربي بريطانيا فجرا والناس آمنين نيام... وأن يفضح المجرمين الذين وراء النكبة والكارثة بالعمد ضد الإنسانية قاتلي الركاب المسافرين الآمنين الأبرياء في الجو ، ناسيا أن المتهم الأول والمجرم وراء تنفيذ العملية القذافي شخصيا وبأمره لتصبح أخبارا في الإعلام المحلي والدولي وللتخلص من البعض بدون ان يدري مما تجاوز الخطوط الحمراء .
               رتبت له من القوى الخفية وأياد الشر حادثة سيارة شنيعة عندما دهست سيارته في أحد المنعطفات من سيارة شحن كبيرة أثناء الرجوع برا بالسيارة إلى طرابلس ليبيا.. وتوفى الأمين وقتها في الحادث حسب الإعلان الرسمي الذي صدر ، وأعلن الحداد في ليبيا على وفاته عدة أيام ومشى القاتل القذافي في الجنازة بريئا لذر الرماد في العيون.... وتابعت شخصيا مراسم الجنازة على شاشة القناة المرئية الليبية وكيف الطاغية كان يدعي الحزن .
           واللواء أمبارك عتيق بعده بسنوات لحقه من ضمن طابور الضحايا توفى شهيدا في حادث سيارة مدبرا حسب عادة النظام في التصفيات حيث كان مطلعا على أسرار كثيرة شخصية عن تصرفات القذافي وشذوذه الأرعن في الكلية العسكرية أثناء الدراسة ومتهما مع قريبه إبراهيم بكار  بتحويل أموال وعمولات بمبالغ كبيرة إلى الخارج لدعم المعارضة ، مما تم قتله خوفا من الهرب للخارج والفضح للأسرار الشخصية وكسر شوكة نفوذهم شعبيا في أوساط الجماهير بالدولة حتى لا تنمو وتسبب هواجس خطيرة يوما للنظام بالمستقبل في المنطقة الشرقية .
              العلاقة الشخصية مع الحاج الصابر صداقة وأخوة سامية من القلب والضمير مودة خاصة مبنية على الإحترام والتقدير وكان كثيرا مايطلب حضوري شخصيا مع بعد المسافة بين أمريكا وبريطانيا للتحاور والتباحث في كثير من الامور الشخصية والعامة الخاصة بالقضية والمعارضة فقد كان بحاجة إلى أخ قريب منه وبجواره يثق فيه ثقة عمياء من جيله من أمثالي... وكنت أختلق الأعذار في السفر للعائلة واضعا المرور عبر لندن سواءا في الذهاب إلى الشرق ودول أوروبا أو الرجوع إلى البيت في أمريكا حيث لندن كانت محطة راحة وإستجمام وقضاء عدة أيام عزيزة على النفس مع الحاج الصابر ، وبعض الرفاق ... وفي أحد الأيام أصر على حضوري السريع لأمر مهم ولم أعرف السبب مهما حاولت المعرفة على الهاتف حيث يريدها مفاجأة لي ، وحجزت التذكرة بسرعة للسفر اليوم الثاني وأبلغته بميعاد الوصول ووصلت لندن بالصباح الباكر اليوم الثالث وأقمت في المكان الآمن الذي كنا نستعمله في الطوارئ للراحة والنوم من عناء الرحلة الجوية الطويلة.
            قبل الظهر بناءا على اتصال هاتفي بالوصول حضر أبنه فتح الله وأخذني بسيارته للبيت وسألته عن الأسباب لماذا الحاج والده مستعجل في قدومي ولكن لم يعطني أي رد شافي حتى وصلنا للبيت ، وكم فوجئت بالحضور لمجموعة كبيرة من الليبيين المعازيم والحاج الصابر يجامل مرحباً كالعادة لديه متنقلا من مجموعة إلى أخرى زاهيا متأنقا لابسا بذلته العربية الليبية المفضلة عنده (الكاط الزيتي الأخضر الغامق ) مسرورا وفرحا بالمناسبة العائلية وتمت التحيات والمصافحة مع الجميع وتقديم الوليمة الفاخرة من الطعام اللذيذ وبعد شرب عدة أكواب من الشاهي الأخضر على الطريقة الليبية ، تقدم المأذون لكتابة عقد القران وطلب أسماء الوكلاء شهود العروس والتوقيع وفوجئت بتشريفي من الحاج الصابر بأختياري كوكيل مع المرحوم طارق عبد الباقي صديقه والمقيم وقتها في لندن وترك الكثيرون ممن يمتون له بصلة القرابة والعمومة وآخرين من ذوي الجاه والمراكز حيارى يتساءلون عن عرى المعزة والأخوة التى تربطنا مع بعض ، وعن الأسباب ولماذا إختارني أنا بالذات ؟
           حسب الشرع الإسلامي ضروري الوكيل من سؤال العروس شخصيا اذا كانت لديها أية موانع غير راضية على الزواج مما نحن الوكلاء دخلنا إلى حجرة جانبية حيث العروس في زينتها مطرقة الرأس من الخجل والحياء ، وتم سؤالها عدة مرات ولم ترد وتعترض ، وهزت برأسها مما إعتبرنا السكوت حسب عاداتنا المحلية علامة الرضاء وقلنا لها مبروك ، وخرجنا فرحى مسرورين بالموافقة ووقعنا كوكلاء وشهود على مستندات الزواج العديدة وختم المأذون الجلسة بآيات من القرآن الكريم وإنتهت الحفلة والمفاجأة بالخير وبدأ الحضور في التوديع والرحيل ، وطلب مني البقاء حتى العشاء والسهرة المتأخرة وأنا بصعوبة بالكاد صاحيا مقاوما فى النعاس ورجعت إلى السكن الآمن للنوم .
           زرت لندن عشرات المرات خلال 45 عاما أثناء السياحة وزيارات إبن الخال محمد سالم بورقيعة ( رحمه الله تعالى ) رفيق الصبا والطفولة الطالب في أحد الجامعات في الستينات ، وكثرت الزيارات الشهرية أثناء الغربة وأيام النضال وكانت معظم الزيارات من أجل خاطر الحاج الصابر الذي كان بحاجة إلى الأخوة والأصدقاء الحقيقيين بجواره ، وعندما رجعت إلى ليبيا طواعية يوم 1991/3/31م وأقمت بها، قمت بزيارة إلى الحاج الصابر عارضا عليه الرجوع إلى ليبيا ليعيش بجانب أهله وأقاربه وبني عمومته ولكن رفض، وأكبرت فيه الرفض ، وطلب مني في مرات عديدة أن أنتقل بالأسرة وأقيم في لندن بجواره بدل التعب والسفر ورفضت حيث الذي يتعود على أمريكا والعيش بها لا يستطيع الترك لها والإقامة في أي مكان آخر بالعالم ، إلا في موطنه الأصلي حيث الأساس والجذور ، وكنت اردد دائما القول ، كرامة وعز الانسان العيش في وطنه الاصلي ولو فى بيت من الصفيح (براكة) ولا القصور في أوطان الآخرين .
             تم الكيد لنا من العديدين المنافقين عملاء النظام وتحصل الحاج الصابر على نسخة تقرير بخط اليد من احد العملاء من ذوي أبناء عمه العبيدات من كبار رجال الأعمال لتغطية حضوره والاتصالات بنا والإجتماع مع الدكتور المقريف بحضوري في لندن ولدي نسخة منها للأيام معنونة إلى أحد مدراء المخابرات الذي له الدور الكبير في إختفاء الضيف الامام الصدر ورفاقه ولا أريد الفضح للعميل التافه على الوشاية فمثله كثيرين للأسف منافقين لقاء الصفقات والمال الجزيل باع نفسه للشيطان ، وخوفي أنه كتب الكثير على آخرين أبرياءا مظلومين لتمرير مصالحه الدنيوية ناسيا متناسيا أن عين الله تعالى ساهرة طوال الوقت تراقب  الأخطاء والشرور ويوما سوف يدفع الثمن الغالي بالدنيا أم بالآخرة !! 
                  الحاج الصابر له مواقف عديدة مشرفة فقد حضرت بالمصادفة إلى لندن بعد المظاهرة المشهورة من المعارضة أمام السفارة في الثمانينات والتي إنتهت بمأساة قتلت فيها الشرطية البريطانية برصاص الغدر العشوائي وهي ضحية بريئة مظلومة لإحراج المعارضة.... وتمت الاصابات والجراح للعديدين من المتظاهرين الشباب الطلبة وتم علاجهم في المستشفيات البريطانية على حساب الحاج الصابر الشخصي ولا يعرف هذا الأمر الا قلائل .. فقد سمعتها منه شخصيا عندما كنت زائرا له في البيت بعد الحادثة بأيام عندما وصلت من أمريكا للزيارة ولتوثيق الأمر على مدى إستهتار صعاليك اللجان الثورية في السفارات وإستغلال الحصانات الديبلوماسية في قتل الضحايا الأبرياء الخصوم  ببساطة بدون الخوف من العقاب .
              وقام بدور مشرف أثناء نكبة مواطني دولة الكويت عندما إحتلت قوات صدام العراق اراضيهم وكان لدى الحاج عمارة سكنية كبيرة فيها العديد من الشقق للتأجير في لندن يعيش على دخلها وكانت عدة شقق مؤجرة لعائلة كويتية كبيرة لتمضية عطلات الصيف في لندن ، ووقت الأزمة والحرب عجزوا عن دفع الإيجار الأسبوعي المستحق حيث لا سيولة لديهم للدفع والسفارة أقفلت أبوابها وتوقفت عن الدفع نظير العدوان الغاشم والإحتلال وطلب العجوز الكويتي المسؤول عن العائلة والأحفاد الذي كان كل يوم يقضي بعض الوقت في السمر مع الحاج الصابر في المكتب فى الدور الأرضي منه التأجيل حيث لا مكان لهم للإيواء ولا نقود لمصاريف الحياة اليومية للإعاشة... وتعاطف الحاج معه في القضية لأننا ذقنا ويل الحاجة والغربة وقال أنتم ضيوفنا إلى ماشاء الله من وقت وزمن حتى يفرجها الله تعالى عليكم في الكويت وعلينا في ليبيا وقام بتغطية مصاريف الإعاشة للعائلة الكبيرة طوال الأزمة من حسابه الخاص حتى لا يحتاجون لإراقة ماء الوجه والطلب من آخرين ، وكان المسؤول العجوز الكويتي إنسانا شهما كريما لم ينس فضل الحاج وقت الأزمة التي لم تطل مدة طويلة ، وعندما السفارة في لندن فتحت أبوابها سدد للحاج جميع أمواله مع الشكر والامتنان .
              عندما تم تحرير دولة الكويت طلب منه الزيارة كضيف وقام الحاج بالزيارة إلى الكويت عدة ايام ضيفا كريما على العجوز الذي كان ذو نفوذ كبير وتعرف بالكثيرين وتم عرض الكثير من الاعمال في حالة يريد ويرغب في العمل في مجال المقاولات لإعمار الكويت وكان شهما لا يريد الإستغلال مثل الآخرين للفرص الثمينة ورفض العروض المغرية قائلا الحمد لله تعالى ان ازمتكم مرت على خير وسلام ورجع إلى لندن.... ولم يتركوه بدون أن يستفيد ماديا وراءهم وقاموا بإرشاده بدون أن يعلم لأحد الشركات البريطانية الذين يريدون التعامل معها وشراء مواد ومعدات بأن يكون الوسيط مما حقق أرباحا كبيرة من خلالهم ، حسب ماسمعت منه شخصيا عن الموضوع وكم كان معتزا بمعرفتهم فقد كانوا أجوادا أهل خير يشرف الانسان معرفتهم .
             من خلال العلاقة الطويلة والرفقة والنضال التي قاربت حوالي نصف قرن من الزمن ، رأيي وحكمي على الرجل أنه أنسانا متواضعا صادقا كريما لا يتوقف عن العطاء يعرف القدر وتكريم الرجال المناضلين في سبيل تحرير الوطن وبالأخص الشباب الشجعان الذين أصيبوا بوابل الرصاص فجأة من السفارة بصدور عارية حيث هؤلاء طلبة يعيشون على الكفاف ليست لهم إقامات صالحة و تأمين صحي غير قادرين على الدفع لمصاريف العلاج الباهظة .
               أثناء ثورة 17 فبراير حضرت إلى لندن عدة زيارات وفي كل زيارة كان برفقتى أحد أولادي الشباب  كمرافقين وحراس ولقاءات مع الحاج الصابر لمشاهدته الشخصية وليس عبر الإتصالات والمكالمات الهاتفية وقام بواجب الضيافة حسب العادة وكان بالمعية في إحداها قريبي السيد مفتاح بن عمران المقيم في لندن منذ سنوات وأصر على تناول وجبة غداء متأخرة في بيته والبقاء عدة ساعات إلى السهرة في الحديث والسمر ، واليوم الثاني وليمة غداء في أحد المطاعم اللبنانية المشهورة في شارع جوان روود .
               وقابلته في مدينة درنة عندما أتى بعد الغيبة الطويلة بالغربة والتي زرته عدة مرات وقمت بواجب الضيافة حسب عاداتنا الليبية المحلية وكان مسرورا وفرحا باللقاءات العديدة اليومية حيث أقام في بيت قريبه  جارنا،  وكان يطلب مني البقاء في الجلسات العديدة وتكملة السهرات الطويلة المتأخرة ، وكنت أعتذر حتى أترك له الوقت الكافي لتمضيته مع أقاربه وأولاد عمه المشتاقون لرؤيته بعد الغياب الطويل في الغربة والتي أستمرت حوالي 3 عقود من الزمن بعيدا عن الوطن .
             زيارة إلى لندن لمشاهدته وقضاء بعض الوقت في إسترجاع الذكريات م وكان برفقتي ابني الكبير وكان المفروض اللقاء معه بالصباح والبقاء طوال اليوم لأن اليوم الثاني مضطرين للسفر ولكن لظروف المرض لم يتم إبلاغه في وقتها وعندما سمع في المساء بوصولي ونية السفر بالغد تحامل على نفسه وجاء لزيارتي بالفندق البعيد الذي يبعد مسافة الساعة في الوصول بالليل من بيته وساعة للرجوع في الطقس البارد...  وقضينا بعض الوقت حوالي الساعة في صالة الفندق الذي  أقيم به، في  السمر  والحديث عن ليبيا الحبيبة ونية الرجوع لدينا والبقاء في الوطن الغالي لآخر العمر ... وودعته وأوصلته إلى باب السيارة حيث كان إبن أخيه  وزوج أبنته في معيته كمرافق وحارس له . وتلك الزيارة الاخيرة الشخصية بيننا ، والتي تحامل فيها على نفسه رغم  مرضه نظير الأخوة والمودة بيننا وحضر إلى الفندق لزيارتي وتم إلتقاط صورة تجمعنا مع بعض بالصدفة غير عارفين ولا عالمين انه اللقاء الأخير بيننا ، وأنا شخصيا فاتت علي فقد كان الأخ والصديق الحاج الصابر يودع ويقول هذا اللقاء هو الأخير بيننا في هذه الدنيا وأنا لا أعرف...
              وحضرت إلى لندن في زيارة خاصة لقضاء ليلة عبور ولم تكن ضمن برنامج الرحلة في طريقي مع العائلة  الحاجة زوجتي إلى مصر وأقمنا بأحد الفنادق بالمطار حيث وصلنا بالصباح مبكرين من أمريكا وكنا مرهقين من الرحلة الطويلة لزيارته ومشاهدته وتقضية بعض الوقت معه وتم الاتصال الهاتفي مع بيته عدة محاولات من الضحى إلى الأصيل بجميع الأرقام ولا رد ، وأخير تحصلت على الرد مع احد الزوجات والتي أفادتني ان الحاج الصابر مريضا رجع من العيادة معتكفا وقد تناول دواءا مخدرا ولا يستطيع مقابلة أي أحد اليوم ، ودعتنا بحرارة للقدوم للبيت والزيارة وكان الوقت متأخرا حيث المسافة بعيدة للوصول والرجوع إلى الفندق ، ولم أتمكن من زيارته الشخصية لظروف مرضه وإضطررت للسفر في اليوم الثاني بالفجر من غير مشاهدته مقدرا الحالة الصعبة التي كان  يمر بها والمرض على أمل اللقاء القريب مرة أخرى في طريق الرجوع إلى أمريكا ، ولم يسخر الله تعالى الا من خلال الاتصالات الهاتفية العديدة معه والسؤال عنه حيث كان يمر بحالة نفسية سيئة وطلبت منه القدوم إلى أمريكا وقضاء وقت معنا في البيت لتغيير الجو والمكان ووعد بأنه سوف يفعل عن قريب عندما يتماثل للشفاء ويستطيع السفر، ولم يسخر الله تعالى بالقدوم والزيارة، متمنيا له الشفاء العاجل وأن نلتقي في ظروف أفضل .
             ويوم الاثنين الموافق 20 ابريل 2015 م كنت مريضا طريح الفراش بالبيت في أمريكا ، سمعت خبر وفاته بالهاتف  من قريبي مفتاح وكم حزنت على فقده وتأثرت كثيرا على الرفيق والصديق الذي قلما الزمان يأتي بأمثاله وبالأخص في وقتنا الحاضر حيث معظم الجميع تغيرت النفوس بالجري وراء المادة والمال والسلطة والمناصب الزائلة ... وقمت بواجب العزاء لحظتها إلى أبنائه عن طريق الهاتف مغالبا دموع الحزن ، وتأسفت أنني لم أكن موجودا بقربه في الايام الأخيرة من حياته ، ولكنها إرادة الله عز جل ، الموت حق وأحد أسمائه الحسنى الحق وجميعنا إلى موت وفناء طال الوقت أم قصر حيث سنة من سنن الحياة ... ولو كنت قادرا صحيا على النهوض من فراش المرض والسفر وقطع المحيط كما كنت شابا قادرا مثل الماضي لكنت من الأوائل الحاضرين في بيت العزاء وتشييع الجثمان لمقره الاخير والدفن ، حيث المرحوم الصابر له معزة خاصة وأخ من الدهر وليس من الظهر طالبا من الله عز وجل ان يغفر له ويرحمه ويلهم عائلته وذويه الصبر والسلوان ، والله الموفق .
             رجب المبروك زعطوط

Sunday, June 14, 2015

قصصنا المنسية 23

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحاج الصابر مجيد 2

                حضرت إلى جنيف، سويسرا وأقمت معه في فندق صغير غير معروف، باسم وهوية أجنبية مستعارة لا تخطر على البال. وقضيت معظم الوقت في الغرف متنقلا لمدة أسبوع بدون الخروج أو الظهور معا إلى الأسواق والمطاعم والمقاهي للسياحة كالعادة منعا للعيون الفضولية التي تراقب وتشاهد  ولم يعرف أي أحد بوجودي زيادة في الاحتياط لسلامة الطرفين،  حتى غادر إلى مدينة درنة ليبيا وغادرت بعده بيوم إلى امريكا .
               قضيت وقتا جميلا في صحبته في أحاديث وذكريات عن أخبار وأحداث الوطن ، وكيف نستطيع خلق معارضة حقيقية في الداخل والخارج لفضح النظام وممارساته القمعية... وكنت حريصا عليه من أن لا تتسرب أية معلومات عفوية بوجودي معه أو لقائنا معا من أي واشي زيادة في الاحتياط والطمأنينة حتى لا يتم الاكتشاف خوفا عليه حيث يريد الرجوع إلى الوطن لترتيب أوضاعه العائلية ، وقد شجعته على فكرة الهجرة حتى لا يسجن ويعذب مرة أخرى لأي سبب كان من قبل صعاليك اللجان.
                 مرض الحاج الصابر كان بدنيا ونفسيا طوال الأيام التي قضاها في جنيف سويسرا وأراد الرجوع إلى ليبيا حيث شهر الصيام ، رمضان الكريم قادما على الأبواب ، ليرتب الوضع في هدوء ويضمن الخروج لعائلته الكبيرة حيث لديه زوجتان والعديد من الأولاد الشباب من الجنسين ولا يستطيع تركهم في مهب الرياح حسب قوله وحديثه معي بدون عائل، مهما كان الثمن قاسيا... وودعته على أمل اللقاء عن قريب بإذن الله تعالى .
               وبعد مضي شهور عديدة  بدون إتصالات ولا سماع أخباره ، وصل إلى لندن واتصل بي هاتفيا للحضور واللقاء وتجديد الذكريات وما يحدث في الوطن من مهاترات وتراهات ، وحضرت للزيارة واللقاء مرة أخرى فهو اخا عزيزا لا أستطيع رفض طلبا له نظير المودة والأخوة والعلاقة الروحية الطاهرة التي تجمعنا معا في طريق ومحبة الله تعالى... وكان برفقته معظم افراد الاسرة والباقين على وشك الوصول في إنتظار الحصول على تأشيرات الدخول لبريطانيا ، وكان مريضا يعاني من أمراض عديدة لم يتم الشفاء منها بعد نتيجة السجن وكآبة نفسية حادة وبالأخص عندما يكون وحيدا مع نفسه بدون رفاق نظير العذاب والجلد بالسياط في سجن السابع من أبريل الرهيب ، وكان بحاجة إلى فترة نقاهة طويلة وجو مريح وإقامة هادئة وإخوة رفاق يثق فيهم ثقة عمياء حتى يسترجع الأنفاس .
                  الحاج الصابر بالغربة في البدايات كان مريضا صحيا ونفسيا محتاجا إلى الرعاية الفائقة حتى ينسى الذي حدث ويقلب صفحة الماضي بخيرها وشرها ويبدأ صفحات بيضاء ناصعة من جديد بدون خوف ولا رعب من الملاحقة والإتهام والسجن ، وكان محاطا بالعديد من أفراد العائلة وزيارات أولاد العم الكثيرين المرضى او المرافقين للمرضى القادمين من ليبيا طوال الوقت بحجج العلاج والأصدقاء العديدين الأوفياء والأدعياء والمنافقين الذين يترددون على لندن... وكان البيت مثل محطة ركوب السيارات للسفر المزدحمة بالركاب، طوال الوقت يعج بالضيوف نظير الكرم وحسن اللقاء وكإنه فندق الحابل والنابل ، الخير والجيد والمنافقين لقاء الطمع في الحصول على مال ومساعدات أو تسقط الأخبار من الأفواه وكتابة التقارير عن البعض من المعارضين الزوار للحصول على مزايا خاصة من نظام القهر في ليبيا وقت الرجوع للوطن .
                حدثت حادثة عند رجوع الزوجات إلى ليبيا بعد فترة لزيارة عائلاتهم وذويهم وكان مع إحداهن نسخة منشور للمعارضة الليبية ضد القذافي بأحد الحقائب بالصدفة تم نسيانه بدون قصد نتيجة عدم المبالاة من قبل السيدات عفويا غير مقدرات الأبعاد الخطيرة من النظام الدموي الذي يعمل من الحبة قبة وبالأخص في مجال الأمن.... مما كبرت القصة وتم التوقيف والايداع في الحجز والسجن لهن فترة أيام، وجن جنون الحاج الصابر عندما سمع النبأ المزعج والخبر السئ وخرج عن طور الاتزان الذي كان معروفا به  فقد كان دائما مشهورا بالهدوء والإبتسام وعدم الغضب والغيظ بسرعة .
              وكنت يومها زائرا له بالبيت وسمعته وهو يرغي ويزبد ويتوعد غاضبا عندما كان يتكلم بالهاتف مع إبن عمه الأمين إبراهيم بكار بأن يعمل على إطلاق سراح الزوجات بدل المضايقة والتعب والحجز... مما خفت عليه من المرض نتيجة الضغوط الشديدة عليه من الموضوع، وعندما انتهت المكالمة مع ليبيا وترك سماعة الهاتف حاولت مواساته وتهدئته بقدر الإمكان وأن لا ينفعل ويغضب حتى لا يصاب بأمراض أخرى مع أمراضه ومعاناته نتيجة الضغوط والغضب والغيظ القوي على المعاملة السيئة والتحقيق والرعب للزوجات البريئات اللاتي لا ناقة لهن ولا جمل في المعارضة ونقل المنشور الذي كان من ضمن الثياب والملابس الكثيرة المشتراة من لندن لأخذها إلى ليبيا هدايا للأسرة في درنة والقبة للتوزيع على الأقارب والمعارف .
               وستر الله عز وجل وتم الإفراج على الزوجات نظير الواسطات من أولاد العم (ابراهيم بكار + وإمبارك عتيق ) الذين كانوا وقتها مسؤولين وذوي مناصب عالية في النظام لديهم المعرفة والصداقات والعلاقات الكبيرة مع أصحاب القرار في الدولة. ونظير هذه الحوادث المؤلمة من السجن والعذاب الذي لاقاه في سجن السابع من ابريل وإيقاف الزوجات والايداع في الحجز عدة ايام وأمورا أخرى خاصة مالية بتمويل المعارضة بالسر وتورط مسؤولين ليبيين لا علم لدي بالتفاصيل، قرر الحاج الصابر البقاء في الخارج وعدم الرجوع حتى يفرجها الله عز وجل وسعى في طلب الموافقات الرسمية بالإقامة الشرعية في بريطانيا للجميع حتى تم الأمر وتحصل على الإقامة الدائمة في بريطانيا .
                  بعد قيام تنظيم جيش الانقاذ الوطني المعارض يوم 1981/1/6م  بفترة من الوقت،  قمت بزيارته في لندن مع الرفيق جابالله مطر والذي يعرفه شخصيا من قبل وبينهم صداقة وود ، وتحدثنا معه على التنظيم الجديد الوليد ووافق الحاج على الانضمام نظير الثقة العمياء بيننا وكان عضوا رئيسيا معنا مما شكلنا نحن الثلاثة الاساس (أخوة وصداقة ونضال) وقام ببعض التمويل المالي للمولود الجديد وكبر التنظيم مع مرور الوقت وأصبح الأعضاء بالمئات وتعرضت للكثير من المضايقات والمطاردات منها العديد من المحاولات الشخصية للتصفية الجسدية في عدة دول إبتداءا من ايطاليا وفرنسا وسويسرا والمانيا وأمريكا وفي سيول كوريا الجنوبية وصدور الحكم القضائي من محاكم القذافي والطلب من (الانتربول) البوليس الدولي بالقبض على والإرجاع إلى ليبيا للتنفيذ ، والقصص طويلة يوما سوف يتم التدوين لها لإظهار الحق والحقيقة عن الضغوط والمعاناة التي مررت بها ونجيت بحمد الله تعالى ورضاه ورضاء الوالدين... والله الموفق .

              رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

قصصنا المنسية 22

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحاج الصابر مجيد 1

            الكثيرون من المناضلين الجنود الغير معروفين المجهولين وكذلك الجنود المعروفين طواهم التاريخ عبر الزمن ولم يتم ذكرهم بالسابق والعرفان بالجميل والوفاء والإشادة بهم،   إلا من القلائل القريبين اللذين اتيحت لهم فرصة معرفتهم  عن قرب، فترة التضحيات والعطاء والفداء من أجل حرية الوطن ، وإنضم أخيرا للقافلة الطويلة من المتوفين والشهداء، المناضل  الحاج الصابر مجيد الغيثي، الذي إنتقل الى رحمة الله أخيرا منذ حوالي الشهرين من الزمن وتوفي عن عمر حوالي ستة وسبعين سنة، في الغربة بمدينة  لندن بريطانيا بعد معاناة طويلة مع المرض إستغرقت عدة عقود من التعب في العلاج أملا في الشفاء .
                 المرحوم قدم الدعم والمعلومات المهمة عن الخفايا لكثير من الأمور من الأسرار الخاصة للنظام نظير علاقاته المتشعبة في الأوساط الرسمية للدولة والمال بدون حدود لدعم المعارضة الليبية عندما تم الطلب منه للمساندة للقضية النبيلة برحابة صدر وبدون ممانعة وتفرقة بين الفصائل العديدة ، حيث جميعهم في نظره ليبيين، وقت الحاجة في الثمانينات والتسعينات، عصر التحديات والمطاردات والتصفيات الجسدية لرموز المعارضة ضد نظام القهر والجهل القذافي الفوضوي، عصر الجماهير .
                     كان بيته طوال الوقت إلى يوم الخلاص ونهاية النظام في ليبيا في لندن بالغربة عامرا بالضيوف والزوار من جميع الفئات والمحتاجين للمساعدة والبعض من المندسين الجواسيس عملاء النظام يستقصون اخبار المعارضة وتسجيل المواقف على البعض من الحضور الضيوف المعارضين ممن حضروا أحد المآدب والسهرات بعفوية وفاهوا بكلام وزل لسانهم بأخبار عن ليبيا الجريحة الأسيرة التي ترزح بالفساد والإفساد للحرث والنسل من الطاغية ونظامه الفاسد .
                 تردد الحاج الصابر على أوروبا للعلاج ، والهجرة الأخيرة والبقاء النهائي بعيدا عن الوطن والاستقرار  في لندن بريطانيا كان صيف عام 1982 بعدما قضى شهورا في سجن السابع من أبريل في بنغازي ، السجن المشهور في المنطقة الشرقية مثل سجن أبو سليم في المنطقة الغربية، طرابلس بالتعذيب الرهيب ، وبالأخص للتجار والمقاولين رجال الأعمال المتهمين زورا وبهتانا  وهم أبرياءا مظلومين... وفرض الاعتراف عليهم بتهم مزورة على أنفسهم وعلى البعض الآخرين من خصوم النظام للتشكيك والدس عليهم والإيقاع بهم بتهم كيدية، رغما عنهم،  عارضين عليهم القبول بالأمر والكتابة والتوقيع حتى يتوقفوا عن الضرب والجلد ولا يستمر العذاب.
               قضى وقتا طويلا في التحقيقات والإهانات والتعذيب ليلا نهارا من قبل العديد من الزبانية  الصعاليك أشباه الرجال الذين إستغلوا الفرص والنقص بالنفوس لإرواء الغليل والتشفي فيه بالضرب والجلد بالسياط يوميا حتى أصبح عاجزا غير قادر على الوقوف ولا المشي، كسيحا بالكاد قادرا على التنفس والحياة...  ونظير التدخل والواسطة من أولاد العم (ابراهيم بكار + والضابط بالجيش إمبارك عتيق) المسؤولين بالنظام وقتها وحسن الحظ من الله عز وجل،   تم نقله إلى مستشفى الجلاء في بنغازي للعلاج من الآلام البدنية والنفسية التي لازمته طوال الوقت والحياة .
                   بالغربة رفض الرجوع مهما عرض النظام عليه من عروض ووعود وإغراءات بلا حساب بتسديد أمواله التي تم الزحف والتأميم لها شهر سبتمبر عام 1978 م عام الحزن والمأساة للتجار والمقاولين وأصحاب الأعمال الحرة والملاك ذوي العقارات الأبرياء وهو في شيخوخته وكبر السن محتاجا للمال والسيولة حيث كان يعول  عائلة كبيرة ومسؤولا عن الجميع... ولكن بإباء وفخر وعزة نفس رفض جميع العروض في سبيل الكرامة بأن لا يتعاون ولا يرضخ للنظام الذي ذاق منه السجن والويل والعذاب وضرب السياط وهو برئ.
              الصابر الرفيق الصديق والأخ من الدهر وليس من الظهر كانت تربطني به صلات مودة وطعام ماء وملح وأعمال بالسابق قبل التأميم والزحف وضياع الأموال ، نضال وكفاح في الغربة ، ولم ينسى الجميل والأفضال أيام بدايات ظهوره على السطح والضوء في عالم المقاولات في مدينة درنة ، وكان بالكاد مبتدئا في الأعمال الحرة بدون رأسمال كبير للعمل بداية السبعينات...  وكنت وقتها تاجرا موردا لمواد البناء مثل الإسمنت وحديد الخرسانة والعديد من المواد المطلوبة للبناء والتشييد ، وساندته قدر الاستطاعة والمتاح بتزويد شركته وتمويله بالآجل بمبالغ كبيرة لكثير من المواد للبناء والتشييد، وعدم تضييق الخناق عليه في المطالبة للتسديد الفوري بشدة تاركا له المجال حتى تتيسر أموره ويستلم دفعاته ومستخلصاته من الدولة ويدفع . ولم ينسى  الجميل والعون والمساندة له في الوقت الصعب وقت الحاجة والضيق لأنه شهم كريم وأصيل .
                   بالغربة وقعت في ورطة مالية كبيرة وخسرت أموالا كثيرة من أجل عملية خاصة بالقضية الوطنية للقضاء على الطاغية ، وقبل أن ارتبط في الموضوع وأوافق طلبت رأيه على الهاتف من أوروبا والمشاركة وكان الرد توكل على الله تعالى وقلت له ان المبلغ المطلوب كبير لست قادرا عليه لوحدي وشجعني وقال حسب التعبير الليبي الشعبي: "لو جمعنا المبلغ في منديل أحمر".... مما تشجعت ووافقت حيث لدي شريك يعتمد عليه، ودفعت العربون مبلغا كبيرا من المال ، والتي لو نجحت العملية لتغير الكثير من الامور في ليبيا  وقتها، ولكن باءت بالفشل في أخر اللحظات نظير أخطاء البعض والتراجع وقت التنفيذ، وإضطررت لكتم الموضوع حتى لا يخرج السر للعلن نظير المطالبات والتهديد لأنني كنت الوسيط في الصورة والجهة المعنية لا تعرف أي أحدا غيري أنا للسداد حيث دفعت العربون و كنت الضامن للموضوع في البقية وفي حالة الرفض سوف أصبح ملاحقا ضحية ويتم القضاء علي بسهولة بالخارج .
                   ومنعا للمهاترات والمطالبات لدفع بقية المستحقات حيث عقد أدبي غير مكتوب على الورق لا يمكن شطبه وإلغاؤه بسهولة لأي سبب من قبل أي طرف، تحملت المسؤولية الجسيمة على كاهلي وتنازلت عن العربون وسددت جميع الإلتزامات الأخرى من أموالي وإضطررت لإستدانة مبلغ كبير من الحاج الصابر تم تحويله لحسابي على دفعات كقرض خاص للسداد، مفتوحا بدون تاريخ محدد لعديد من السنوات حتى وفقني الله تعالى وقبضت بعدها من الدولة عام 2010 م تعويضا عن شركتي للمقاولات والتي كانت مؤممة ، جزءا من مستحقاتي من الزحف والتأميم .
                سددت له ماله إلى آخر مليم  ولم آخذ منه مليما واحدا كتعويض حيث شريك في الموضوع حتى لا يكبر الموضوع ويتداول في الأوساط ويعم الضرر على رؤوس الجميع، وتم الإيداع في المصرف في ليبيا تحت أعين النظام مخاطرا بالإتهام والقبض والسجن نظير المعاملة المالية الكبيرة حيث مازال متهما مشبوها للنظام ، وأثبت له أنني وفي وأصيل وكان فرحا سعيدا يوم استلامه للمبلغ  غير مصدقا وصول هذا  المبلغ الكبير وخاصة  في ذلك الوقت المناسب الحرج، دفعة واحدة عندما خابرته شخصيا بالهاتف بالتسديد بالكامل من أمام مصرف التجارة والتنمية في درنة وبحضور ابن أخيه ونسيبه مجيد، وطلبت منه سندا بالمخالصة النهائية على الحياة والموت حيث نحن في سن متقدمة من  العمر ولا اريد حسابات مدينة كبيرة معلقة مفتوحة وهي مسددة بالكامل منعا للمشاكل مستقبلا . مما فعل مشكورا وبعلم أبنائه وقام بإرسال السند وقتها عبر الحاسوب (النت) بالسداد بالكامل وابراء الذمة مع الشكر على الوفاء .
                     كان الحاج الصابر إنسانا بسيطا عاديا طيب القلب ليس لديه اي نوع من أنواع الخبث صادقا في الكلام والعهد والوعد ، أمينا كريما ذو أخلاق عالية وشهامة ، يقوم  بعمل  الخير بالسر والعلن طوال الوقت محظوظا في أي موضوع تجاري يقوم به حيث كان طاهر السريرة طيبا بدون خبث...  وكنا  على اتصال هاتفي بالغربة بصفة شبه يومية بالسابق إلى ان رجعت إلى ليبيا يوم1991/3/31م  وتوقفت الاتصالات الهاتفية اليومية بيننا فترة طويلة نظير الخوف والحماية من المراقبة والملاحقة من عيون النظام التي كانت تراقبنا طوال الوقت حيث كنت موضوعا تحت الرقابة الشديدة من الجهات الأمنية العديدة ، التي كانت تنتظر مني أية هفوة بسيطة واحدة لفتح أبواب التساؤلات ويتم الإتهام والتوقيف والتحقيق ، ولكن ستر الله تعالى ومر الموضوع بسهولة من غير اي نوع من انواع الملاحقة ، على ما أعتقد كانت خطة من النظام مرحلة هدوء وسلام طمعا في رجوعه لأرض الوطن وقتها.
               الحاج الصابر كان أول سجين متهم من ضمن طابور طويل يفتتح سجن 7 ابريل الرهيب في بنغازي حسب إفادة احد الحراس العديدين على البوابة الامامية، الذي كان وقتها ينفذ الأوامر غير قادر على الرفض  ، السيد منصور الجروشي المصراتي الذي ربطتني به بعد سنين عديدة أخوة وصداقة ، وكان يشاهد  دخول السيارات المغلقة وعلى متنها  المتهمين وقت إحضارهم والجلادين الداخلين والخارجين من اللجان الثورية... حيث شاهد عيان مهم في فترات مناوبته ويسمع في بعض الأحيان الصراخ والأنين المكتوم للكثيرين من السجناء لقاء التعذيب القاسي والضرب بالسياط وتقليع الأظافر من الضحايا للإعتراف وهو غير قادر وعاجز على عمل أي شئ او المساعدة،  غير السكوت والصمت وتعذيب وتأنيب الضمير على الضحايا المساكين .
                كان التعذيب يمارس على الضحايا بطرق شيطانية يعجز الشيطان الرجيم نفسه عن إتيانها والتي زادت عن الحد ضد الدين والشرع والسنن والقوانين و تعاليم الأمم المتحدة وحقوق الانسان، من قبل الجلادين المحققين من اللجان الثورية واللذين كانوا ملثمي الوجوه حتى لا يقع التعرف عليهم، والسجين نفسه مغطى الوجه حتى لا يتعرف عليهم ، ويتم الثأر منهم يوما من الأيام اذا طالت الحياة له وتم الإفراج وإطلاق السراح .
                  السجين موثقا مقيد اليدين مربوطا على كرسي حديد لا يتحرك ثابتا في الارض باللحام أو بخرسانة الإسمنت، او معلقا في معلاق ثابت من السقف يتدلى مثل الحيوانات المذبوحة لدى الجزار ، لا يستطيع الحركة ولا الدفاع عن نفسه وإتقاء الضرب والجلد العشوائي على الجسم العاري حسب المزاج من السجان المحقق الذين كانوا كالكلاب الضارية الجائعة ينهشون ، ويتداولون على الضحايا السجناء بدون ذرة رحمة ولا شفقة في القلوب ولا صوت ضمير يؤنب على البؤساء .
                   ينفذون التعذيب بفرح وسرور وكل سادية بالرغبة وطواعية أمثال فلان وفلان المعروفين الذين أحدهم معروفا في منطقتنا درنة توفي ومات وهو مجنونا يتكلم ويتفوه ويصرخ في أواخر أيامه بدون عقل ولا إدراك نتيجة الغضب الإلاهي على عمله الشرير ضد الضحايا المواطنين في السجن وإشتراكه في قضية إختطاف وقتل الإمام موسى الصدر ورفاقه حيث مثل دور الشبيه البديل ولبس ثياب الإمام ووصل إلى ايطاليا وأقام بالفندق لإثبات الوجود وهرب إلى ليبيا بهوية أخرى مزورة تاركا حقائب سفر الإمام وجواز سفره بالفندق حسب ما سمعت همسا من ثقات صادقين وقت كان الحديث متداولا في أضيق نطاق ، والبعض الآن أحياءا يرزقون بالسجون والكثيرون هاربين بالغربة لاجئين في مصر والمغرب وبعض الدول الأخرى بالعالم يعيشون الرعب على ما قدمت أيديهم من شر وشرور .
                سمعت الكثير عن أمور السجن والتعذيب من الحاج الصابر شخصيا في العديد من اللقاءات والجلسات الخاصة في لندن وهو يتحدث عن الكيفية بإسهاب مما تجعل الانسان يتقزز ويقشعر البدن ويصاب بالرعدة على الذي يحدث وحدث من جرائم بشعة في الخفاء من نكرات وأشباه رجال مجرمين أعضاءا باللجان الثورية الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها سادة وهم صعاليك ونفايات المجتمع .
              بعد مدة سمح النظام الليبي بالسفر والعلاج بالخارج للبعض من السجناء ذوي الحالات المستعصية ضمن الوساطة من الكبار في السلطة وكان من ضمنهم السجين الحاج الصابر المريض وتم الاتصال الهاتفي منه بدون أن أعلم بخروجه للخارج ، وكانت مفاجأة سارة وكبيرة لي خبر نجاته عندما سمعت صوته ووصوله لأوروبا ، طالبا مني القدوم إلى جنيف سويسرا واللقاء للمشاورة في بعض المواضيع الخاصة ، وخاطرت بالنفس والحياة مغامرا للقاء بالأخ العزيز نظير الثقة الغالية بيننا والمودة والأخوة ، وبدون خوف من الوقوع في أي مكيدة ممكن تكون مدبرة لإغوائي وإغرائي بالقدوم لإصطيادي ، حيث كنت مطلوبا حيا ام ميتا من قبل فرق الموت والاغتيالات اللجان الثورية في أوروبا وقتها.... والله الموفق .

                رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Sunday, June 7, 2015

قصصنا المنسية 21

بسم الله الرحمن الرحيم

 عائلة الهنيد 2

              مدينة طبرق ذات الموقع الفريد المميز في شرق الدولة الليبية المهمشة نظير عوامل عديدة من النظام السابق القذافي ، الذي جعلها قاعدة عسكرية تعج بالآلاف من الجنود طوال الوقت في فترة زمنية من أيام حكمه اللعين بدون أي تطوير مهم حتى تتقدم وتظهر محاسنها للجميع ، وقبله الملك إدريس رحمه الله تعالى أيام عهد المملكة الزاهر قضى وقتا طويلا مقيما بها حتى سفره وقيام الانقلاب الاسود ، والتي لو تمت الرعاية لها كما يجب ستكون منارة تشع على الكثيرين وترفع اسم ليبيا عاليا في عالم السياحة والتجارة الحرة.
             بها الطقس الجاف العليل والميناء الكبير المحمي من الجبل صنع الله تعالى ، ذو العمق الكبير الذي يستوعب السفن الكبيرة بحاجة إلى إصلاح وتطوير وتجديد حسب متطلبات العصر مما سوف يصبح من الأوائل في شمال افريقيا للتجارة الحرة ، من التوريد والتصدير وقربها من الحدود الشرقية مع مصر شرقا حوالي 140 كم ، لاتعتبر مسافة طويلة بمقاييس العصر الآن... والطريق للجنوب إلى واحة الجغبوب ، ولو تم رصف الطريق الصحراوي من الجغبوب إلى منطقة الكفرة الحدودية لفتحت أبوابا كبيرة للتجارة وتبادل السلع والنقل البري مع السودان ودولة تشاد وغيرها من دول أفريقيا المغلقة التي لا تطل على البحار .
               بحاجة إلى تطوير الحركة التجارية حسب العصر الآن ، والاستغلال الجيد للسياحة العالمية في الدعاية للزيارات للمواقع المهمة الحربية التي دارت فيها المعارك بقربها مثل  معركة (بئر حكيم) المشهورة في تاريخ فرنسا الحربي الحديث عن صمود الجنود الفرنسيين ضد الألمان حتى الرمق الأخير ، ووجود المقابر الضخمة لآلاف الجنود القتلى الموتى من الجميع، المحور بقيادة الماريشال ادوين روميل الملقب بثعلب الصحراء نظير القيادة الجيدة والدهاء ، والحلفاء بقيادة الجنرال مونتوجمري شامخة باقية شواهد حتى الآن ...
                قبل الحرب العالمية الثانية في الثلاثينات من القرن العشرين الماضي،   والدي الحاج المبروك زعطوط أقام بها سنوات عديدة تاجرا يعمل في البيع والشراء وأحدى أخواتي الشقيقات من مواليد طبرق عام 1938 م (رحمها الله تعالى) ولي صلات قربى ودم مع البعض من العائلات هناك ، حيث أيام الشباب والصغر كل سنة أثناء إجازات الصيف وعطلة المدرسة في زيارات لأسرة خالي الحاج عبدالسلام بورقيعة ، وأختي المتزوجة من آلسيد عطية بن خيال مدير المصرف باركليز الذي تغير الاسم إلى الجمهورية بعد الانقلاب .
                 لي فيها ذكريات عديدة حلوة بلا عدد حيث وقتها أثناء الزيارة الصيفية الذهاب للشاطئ والسباحة في البحر الهادئ الجميل مع أولاد خالي احمد وصالح ونجيب وبالمساء أذهب وأشاهد أحد الأفلام في دور عرض الخيالة لدي (حلمى طاطاناكي ، او عوض الزني ) القريبة من بيت الخال في نفس الشارع بدون رقابة من الوالد الذي كان وقتها في درنة مسموحا لي المشاهدة كل أسبوع يوم الجمعة بعد العصر أو بعض الليالي مع أخي الحاج صالح رحمه الله تعالى .
             سكانها وأهاليها الاصليين من بادية وحضر من عدة قبائل وشرائح مختلفة من ليبيا الوطن ذوي أخلاق عربية أصيلة نفسياتهم طيبة بدون خبث يحبون الغرباء سهلى المعاشرة والرفقة والمودة ، تغلب عليهم البساطة والكرم ، ولي فيها أصدقاءا كثيرين عزيزين على النفس منهم المراحيم السيد عبدالحميد عبد ربه ، والسيد خليل طاطاناكي الذين ربطتني بهم صلات أخوة وماء وملح .
              قمت بزيارة إلى الاستاذ الفاضل محمد الهنيد طريح الفراش في يوم العيد الأضحى المبارك عام 2012 م لتقديم تهاني العيد و سماع الذكريات عن القصص والمغامرات والنوادر والجهاد من أجل الوطن ، وتحصلت على نسخة قائمة بها العديد من اسماء شهداء عائلة الهنيد الدرناوية والتي لها فرع كبير منذ زمن ووقت طويل في طبرق ، وروت دماء شهدائهم ارض طبرق بالدماء الزكية فقد إستشهد في معركة الناظورة يوم 1911/12/22م  المجاهد علي عبدالجليل ، والمجاهد نوح خليفة في معركة تلعزة عام 1914 م، والشهيد محمد المبروك يوم 1914/7/11م في معركة وادي السهل ، ولحقهم المجاهد عثمان عبدالجليل في معركة إجعيدة عام 1915 م والمجاهد عثمان حسن في معركة سيدى رافع بالبيضاء الجبل الأخضر عام 1916 م ، والشهيد عبدالسلام المبروك في معركة الرمله جنوب خولان 1929 م .
            والمجاهد علي صالح تم القبض عليه أسيرا فى احد المعارك وتم الاعدام شنقا في مدينة طبرق عام 1929م....  والمجاهد إحسين عبدالله الذي قام والدي المبروك بإنذاره ليهرب إلى مصر طالما الفرصة مواتية حيث إسمه على القائمة ومطلوب للسلطات الايطالية للإعدام التي تحصل عليها من مخبر يعمل لصالح المقاومة السرية ولم يسمع النصيحة ويهرب مما بعد أيام تم القبض عليه وارسل سجينا مكبلا بالقيد الحديدي إلى مدينة المرج وتم  شنقه عام 1941 بالسجن...
             المجاهديين حسن مفتاح ، وحمد عبدالجليل الهنيد تم الاستسلام طواعية بعد أستشهاد وشنق شيخ الشهداء، عمر المختار ،   عام 1931م بناءا على العفو العام ، وقد تم الإبعاد والنفي للعديد من الأسر بكاملها من عائلة الهنيد إلى معسكرات الاعتقال بالبريقه والعقيلة ومرادة في ظروف بيئية قاسية وتجويعا متعمدا غير إنساني بقصد الخلاص والإبادة ، منهم اسرة المبروك حسن بكاملها ، وأسرة عبدالفتاح إ مراجع وأسرة صالح علي إحسين بكاملها ، المبروك علي وجميع أبنائه ، واسرة عوض علي إحسين الهنيد .
             قائمة طويلة من الشهداء والمعتقلين في معسكرات الاعتقال سجناء نظير المواطنة الليبية والهوية العربية الإسلامية والوطنية التي تجرى دماؤها ساخنة بالعروق ، وهم مظاليم أبرياءا حتى تم الإفراج عن جميع المعتقلين الباقين ورجع القلائل أحياءا في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين الماضي بعد سقوط البطل عمر المختار عام 1931 م بالصدفة في آخر معركة له عن جواده ، وتم أسره والعدو غير مصدق الأمر ، وتم نقله إلى مدينة بنغازي ومحاكمة صورية سريعة  وشنقه في بلدة سلوق جنوب غرب بنغازي عن عمر يناهز 80 عاما .
                كان المخطط للمستعمر الايطالي إبادة العنصر الليبي العربي المسلم من الوجود وتسليم الاراضي الجيدة إلى المزارعين القادمين من جزيرة صقلية للإستيطان وتغيير الهوية العربية الاسلامية مع الوقت ومرور الزمن إلى مسيحية كاثولكية والتنصير بجميع الوسائل والإغراءات من مكافئات وشغل الوظائف والأعمال والحصول على الامتيازات ، ناسين متناسين إرادة الله تعالى ، عدم الرضاء بالأعمال البربرية الوحشية والابادة لشعب مظلوم وغياب نور الاسلام عن الأرض في شمال أفريقيا ، مما هزمت ايطاليا في الحرب العالمية الثانية وتغيرت جميع المخططات وباءت بالفشل ، ولاذ المستوطنيين الإيطاليين بالفرار راجعين الى جزيرة صقلية خوفا من الانتقام من أبناء الوطن .
            لقد أبيدت أسرا كثيرة من عائلة الهنيد تعد بالعشرات من الشيوخ كبار السن والأمهات ،الرجال والنساء والأولاد نظير الغارات الجوية من الحلفاء والمحور، وأهمها الغارة يوم  1941/3/13م على مدينة درنة من طائرات الحلفاء والتي هدمت بيوتا كثيرة على رؤوس سكانها المسالمين نظير الصراع بين القوات المتصارعة على الفوز والنصر والتي نحن الليبيون لا ناقة لنا فيها ولا جمل، والمشاكل التي عاناها الشعب من وجود آلاف حقول الألغام المزروعة في أراضينا في الصحراء مما تسببت في قتل ألآلاف من أبناء شعبنا الضحايا وقطع وبتر الأطراف ، والذي كان من ضمن القتلى الأب والأم للحاج الأستاذ الفاضل محمد حسن الهنيد حيث توفيا من إنفجار لغم في بستانهم من بقايا الحرب عام 1946م نتيجة حرارة النار لطهي الطعام على لغم مدفون في الارض ، (حسب ما سمعت من الوالدة عندما كانت تتحدث عن المأساة ).
               الشعب الليبي وبالأخص في المنطقة الشرقية ذاق الويل والمعاناة والضيق وعشرات المئات من المعاقين الذين فقدوا أحد الأطراف من الايدي او الأقدام نظير الجهل وعدم الفهم ، وكثيرون أصيبوا بالعمى وفقد البصر ولم يتم العلاج لهم كما يجب بعد نهاية الحرب إلى الستينات حيث الدولة فقيرة تعاني ، مما الضحايا الأحياء عاشوا بقية أيام حياتهم في بؤس وألم فى ظروف حياتية قاسية ومعاناة .

                  المعاناة الشديدة والقهر والإستبداد والنضال الطويل وتقديم الشهداء الضحايا قرابين على مذبح الحرية، والأسر ونفي الآلاف من السجناء وسجنهم بالسجون في الجزر الإيطالية والذي لم يرجع منهم إلا القلائل والإبادة الجماعية بالمعتقلات للسكان وقتل وشنق الأحرار، والمعاناة أثناء سنوات الحرب العديدة، خلقت أجيالا قوية ذات عزم وشكيمة لا تخاف ولا تهاب الموت في الدفاع عن الوطن بالروح والدم والدليل الأحفاد الشباب هبوا للثورة على الطاغية القذافي وتحدوه بصدور عارية وقلة سلاح وعدم تدريب تدفعهم الحمية والإرادة القوية والإيمان القوي بالنصر مهما كلف الأمر من تضحيات ودماء، والتي أذهلت العالم الجرأة والصمود وطلب الموت للحصول على الشهادة والفوز بالجنة .
               العائلة ( عائلة الهنيد ) من ضمن آلاف العائلات الليبية الأصيلة التي قدمت الكثير من الشهداء ضحايا قتلى في ساحات القتال ، والعديد تم شنقهم ظلما على أعواد المشانق والكثيرون سجناء جوعى ومرضى في المعتقلات العديدة ضمن مئات آلاف من مواطني ليبيا من حضر وبادية بالشرق وبالغرب وبالجنوب   ، ومهما كتبت لن أوفي العائلات المناضلة في جميع أرجاء ليبيا الذين قدموا القرابين على مذبح الحرية والخلاص ولهم مني ونيابة عن الجميع كل التقدير والإحترام ، والله الموفق .

                 رجب المبروك زعطوط