Tuesday, August 30, 2011

قصصنا المنسية 9

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الإغتيال الاول في المملكة

               خلال عهد المملكة الليبية من 1951/12/24م  إلى 1969/9/1م  حدثت مآسي كثيرة وصراعات شديدة محلية ودولية بين الكبار  في الخفاء ، تنافسا على حكم المملكة الناشئة   والنتيجة المريرة أدت إلى الانقلاب ومجئ العسكريين والقذافي على رأس السلطة وزوال العهد الملكي من الوجود نظير الصراع المميت الشرس في صمت وتحت السطح بين عائلة الشريف السنوسية ، وعائلة الشلحي الطامعين في الحكم من وراء الستار وفي الخفاء متخذين من الملك إدريس وولي عهده  غطاءا وواجهة يعملون من ورائها لتحقيق مآربهم الخاصة ومصالح أسيادهم البريطانيين للهيمنة على ليبيا .
            عائلة الشريف لم تكن راضية عن الوضع ومحاولة إبعادهم عن القصر والحكم ، وتم الاتهام القوي في صمت لناظر الخاصة الديوان الملكي السيد ابراهيم الشلحي وصيف وحاجب الملك ادريس خلال مسيرة العمر والكفاح السياسي والذي كانت له حظوة خاصة كبيرة وتأثيرا غير عاديا عليه ، مما الشاب محي الدين الشريف اراد الخلاص منه بالإغتيال والقتل حتى يبعده من الصورة وترتاح العائلة السنوسية من كيده وشروره نظير الحجب والمنع المتكرر لرؤية وزيارة الملك قريبهم زيارات ودية للتشاور وما يحدث في الخفاء ووراء الستار من متاهات والاعيب مع الوقت ضارة بالعائلة المالكة مستقبلا .
                  رغم أفضال عائلة الشريف على المتهم ابراهيم الشلحي كبيرة ولكن السلطة تعمى البصر وتغلظ القلوب وتذهب بالعقول والغرور والتحكم بالمناصب الغير مؤهلين لها مصيبة ، حيث التوصية الأولى والضمانة والتقديم على أن ابراهيم الشلحي أمينا ووفيا للإلتحاق بخدمة الامير ادريس في البدايات كان السيد أحمد الشريف عميد الاسرة ، قبل تنازله عن زعامة الطريقة السنوسية للأمير الشاب وقتها ، وسفره إلى اسطانبول تركيا.
                 تم الإغتيال في وضح النهار في العلن في بنغازي ووقف القاتل شامخا بدون ان يهرب ويتوارى وسلم نفسه للبوليس طواعية بدون مقاومة معترفا بالجرم ، ودوت الأنباء بسرعة البرق في الأوساط المحلية بالمملكة والعالم مع أن الاعلام وقتها كان ضعيفا وليس مثل اليوم الحاضر، حيث تعتبر أول حالة إغتيال سياسي فى العلن في العهد الملكي الليبي.
                زاد اللهب ضراوة إصرار الملك على إحقاق الحق والعدل و تقديم القاتل للمحاكمة والقصاص حيث الجرم عن عمد وترصد وبقصد ليس له أي تجاوزات ولا إعفاءات ولا ظروف  ، والحكم بالشرع الإسلامي يكون القصاص والقتل... وتقاعس جميع المحامين وقتها عن الدفاع في المحكمة عن القاتل خوفا من إرهاب السلطة والانتقام .
               زادت المصائب صدور البعض من المراسيم الملكية من القصر بإيحاء من المستشارين المنافقين بإلغاء جميع الحصانات الملكية السابقة عن آلِ الشريف والنفي للكثيرين منهم عقابا وثأرا للضحية ، إلى مناطق بالصحراء والواحات والمنع من السفر والتنقل من مدينة إلى آخرى بدون ترخيص مسبق من السلطة المحلية بالمنطقة ، مما تم استغلالها وزادت الضغوط على بيت الشريف  وتولى المحامي سالم الأطرش من مدينة درنة القضية وقدم الدفاع القوي والأسباب الراسخة المؤكدة مع الشرح المستفيض لدوافع المتهم حتى قام بالقتل للضحية ، طالبا تخفيف الحكم  والذي رجال القصر لا يريدون فضحها أمام الرأي العام منعا من التداول وزيادة تساؤلات أبناء الشعب الوطنيين عما يجري من كيد ودسائس وصراع  على السلطة في الخفاء.
                 ( أتيحت لي الفرصة وعرفت المحامي سالم شخصيا فقد كان شقيقي الحاج حسن صديقا ومؤيدا له في حملاته في الانتخابات لمجلس النواب في منتصف الستينات وتردد على بيتنا كثيرا لزيارة الوالد للتشاور والدعم وله مواقف مشرفة وقصص فقد كان من أبناء العمومة ، جميعنا من  قبيلة واحدة - تواجير درنة - سوف تذكر في مدونة خاصة مستقبلا). 
              رجال القصر قاموا بالإستفزاز والتهديد المبطن للمحامي السيد سالم بالعديد من الوسائل والضغوط ، ولم تفلح مساعيهم حيث كان شجاعا قوى الشخصية على تحمل المسؤوليات الجسام مما تغير العرض إلى الإغراء بالمراكز والجاه في حالة التعاون...  ورفض الخنوع والتعاون ، وتم إبعاده عن القضية بحجج واهية وأسند الدفاع إلى محام آخر يدعى السيد (فهيم محمد الخير الشهيبي) الذي أكمل الدفاع رسميا في العلن وضمنيا بالتعاون مع المحامي سالم الأطرش، وتم الوصول من خلال البحث والتدقيق أن القاتل تحت السن القانونية حيث وقتها حسب القانون يلغى حكم الاعدام ويتغير إلى السجن المؤبد أو طويل الاجل .
             الخصوم آل الشلحي أولياء الدم تحت ظل ومباركة الملك أصروا على تنفيذ الحكم بالشنق مستغلين غضب الملك على عائلته، وصدر مرسوم ملكي من القصر بأبعاد ونفي المحامي فهيم محمد الخير بحجة أنه غير ليبي أصوله مصرية  كما حدث من قبل (لزعيم طرابلس الغرب السيد بشير السعداوي بحجة أنه يحمل جنسية وجواز سفر سعودي) بدون وجه حق طرد ونفي مواطن ليبي للخارج غير مرغوب في بقائه وكأن الوطن ملكا خاصا لآل الشلحي ، حكرا لهم يعملون فيه كما يشاؤون .
                  حاول شيخ الشهيبات عبد الله بوعوض الشهيبي مع وفد من القبيلة مقابلة الملك حيث ماطله أعوان الشلحي من الزيارة وبطريقة أو أخرى تحصل على المقابلة وتمت الزيارة للشيخ وبرفقته مرافقا واحدا فقط من الوفد للقبيلة السيد محمد على الشهيبي وسمع الملك الشكوى والإلتماس بالعفو وهو مطرق الرأس يسمع في صمت والذي يتحدث و يرد بعصبية وعدم رضاء أحد أبناء الشلحي الضحية بأسم الملك وبحضوره مما الملك لحسم  الموضوع وقفل الملف نهائيا قال آسف لقد صدر الامر والمرسوم ولا أستطيع التراجع ولا الإلغاء .
                  خرج الشيخ والمرافق بخفي حنين مستائين من الرفض وعدم العفو على المحامي ، وتم الإبعاد والطرد تحت الحراسة المشددة إلى أمساعد الحدود الشرقية ، والتأكد من  مغادرته للأراضي الليبية إلى مصر التي قضى بها وقتا طويلا سنين عديدة بالغربة حتى رجع من المنفى برفقة السيد صالح بويصيير الذي أصبح وزير الوحدة والخارجية بعد الأنقلاب ، وأستقبلهم الشعب أستقبال الأبطال المنصورين، وعرض عليه منصبا كبيرا في وزارة العدل ولكنه رفض العرض متعللا أنه يرغب في العمل الخاص .
             حاول الأستاذ صالح بويصير الذي كان من ضمن المغضوب عليهم من القصر، بذل  المستحيل لمنع تنفيذ الحكم بالشنق متضامنا مع الأخرين نظير الولاء لعائلة الشريف ، فقد كان شابا وقتها غيورا على مصلحة الوطن وكان عارفا بمدى تورط آل الشلحي الدخلاء في توجيه سياسات ليبيا لصالح بريطانيا، والذي بعد النطق بالحكم والتنفيذ بالشنق على المتهم ، عانى الويلات والضغوط الرهيبة والتهديدات من آل الشلحي وأعوانهم الجهلة المنافقين في المراكز القيادية والسلطة بالمملكة... وصدر الأمر بالقبض عليه وإيداعه في السجن للتحقيق عن تهم ملفقة وكان عارفا بالمصير الذي سوف يتعرض له من الهوان والتعذيب ، وهرب متسللا عبر الحدود الشرقية من أمساعد إلى مصر أيام الرئيس عبد الناصر  مرتديا لباس إمرأة حتى لا يقبض عليه!
              أصبح مهاجرا غريبا في وطن الغربة لاجئا سياسيا في مصر لسنوات عديدة معارضا لآل الشلحي محاولا فضحهم قدر الإمكان في الإعلام من راديو صوت العرب وبوقه الهادر أحمد سعيد والكتابة للمقالات العديدة في الصحف المصرية التي تخاطب الرأي العام بماذا يدور من دسائس في القصر في الخفاء وكان الأعلام المصري الهادر وقتها شوكة قوية في خصر جميع ملوك وحكام العرب .
               تم التكريم سنة 1969م بعد الانقلاب مباشرة بتعينه وزيرا للوحدة والخارجية في أول حكومة تقام ولم يمهله القدر كثيرا من الوقت والعيش وينعم بالحياة ، حيث توفي في حادث تفجير وسقوط الطائرة الليبية المنكوبة مع غيره من الضحايا الأبرياء ، التي أسقطتها إسرائيل عمدا في سيناء المصرية بحجة ان الطيار تجاوز الحدود وخط الحظر والمنع حسب الروايات الرسمية التي قيلت وأشيعت رسميا تبريرا للجريمة وقتها والتي للآن ونحن في عام 2011م لم يتم التعويض من إسرائيل لأسر الضحايا المنكوبين .
                 البعض من الرجال الموالين لآل الشريف الذين ساندوا قضية الامير وقام الحاج محمد الكاديكي بدور مهم  حيث كان مديرا لأحد الإدارات في حكومة الولاية في بنغازي.... وسافر إلى لبنان ليتحصل على شهادة من المعهد الذي كان يدرس فيه الامير القاتل أثناء أقامته هناك ، بأنه كان يعاني من أضطرابات نفسية أثناء الدراسة ، كتقديمها من ضمن الطعون حتى يتغير الحكم من الشنق إلى السجن المؤبد، ولم يكتب له النجاح وأصبح مغضوبا عليه مثل الآخرين.
                 الملك أصر على تنفيذ الحكم الذي صدر من محكمة بنغازى بالشنق وصدق ووقع الوثيقة بالأمر، مع أن الامير قريبه وأبن عمومة والملكة فاطمة عمته أخت والده وجميع المساعي والواسطات المحلية والعربية والدولية لم تشفع له حيث الملك رفض العفو بتاتا و تخفيف الحكم إلى مؤبد طويل الآجل.
                تم تنفيذ الحكم والشنق بسجن  بنغازي ، وللتشفي في عائلة الشريف تم عرض جثمان الأمير المتوفي في ساحة الجريمة لفترة زمنية عدة ساعات وتم الطلب من الجماهير الحضور والمشاهدة عن قرب تأكيدا على الشنق ، والترهيب ومنع قيام الإغتيالات المستقبلية للخصوم بالتصفية الجسدية وقام الفريق محمود بوقويطين قائد البوليس وقتها في الولاية (قوة دفاع برقة) صهر العائلة وزوج كريمة أبراهيم الشلحي المغتال، بمتابعة الأمور بعنف وقسوة على سيئ الحظ الضحايا المغضوب عليهم بناءا على تعليمات وأوامر الملك الشخصية التي يتابعها شبه يوميا... والله الموفق .

                   رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Saturday, August 27, 2011

قصصنا المنسية 8

بسم الله الرحمن الرحيم

 المناضل فتح الله الأشقر



المناضل فتح الله الاشقر الأول على اليمين مع الملك ادريس السنوسي 
              عرفت المناضل في أواخر الستينات في مدينة درنة، وكان نعم الرفيق فى اللقاءات العديدة أثناء تقضية الأوقات الجميلة في السمر والسهرات التي كانت شبه يومية لفترة طويلة ، كنا نقضي معظمها في أطراف مدينة درنة على شاطئ البحر الغربي على مسافة عدة كيلومترات ، حيث المكان الآن موقع المحطة البخارية الكبيرة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه العذبة ، والتي كانت وقتها أرضا مهجورة ليس بها أي بناء ولا حياة .
              المناضل كان مديد القامة نحيف الجسم قويا لديه قوة العزم والجرأة وحب المغامرة ، وكان مشهورا في مدينتنا درنة بكناية وإسم (البرافانقو) لطوله وحبه وولعه بقيادة السيارات الامريكية كبيرة الحجم في شوارع المدينة وأزقتها الضيقة... وكانت له مواقف بطولية في التضحية والمناصرة في قضية ثورة الجزائر الشعبية وكان له الفضل الكبير في توصيل قوافل السيارات النقل الثقيل عبر مجاهل الصحراء الليبية عشرات المرات التي تعتبر وقتها صعبة جداً حيث لا خرائط ولا أجهزة واتصالات مثل الآن ، ولا حركة مرور كبيرة حيث النفط لم يكتشف بعد بكميات كبيرة مما الصحراء كانت شبه خالية من السكان او العاملين في الإستكشاف للنفط والسير مئات الكيلومترات في جبال وتلال رملية بدون معالم ، والوصول إلى احد الواحات للراحة والتزود بالمياه العذبة للشرب والحياة.
                 كانت للمناضل فتح الله معرفة ودراية جيدة بطرق ودروب الصحراء الرملية التي كانت تتغير من هبوب العواصف والرياح القوية مما تضيع المعالم وتتشعب الإتجهات وتختلط مع بعض ولا يعرف المسافر الطريق الصحيح إلا بصعوبة ...  والكثيرون من سئ الحظ ماتوا في متاهات من العطش نظير الخطأ فى تحديد الطرق والوصول ، والمناضل له خبرة كبيرة في الفلك فى تحديد الاتجاه المطلوب والسير على هدى نجوم الليل طوال الوقت ويصل إلى المواقع المطلوبة والطرق ضمن خط السير الآمن بدقة نظير الخبرة والتجربة .
               شاهدت الكثير من المرات طابور سيارات النقل الثقيل المرسيدس وهي متجهة إلى الشرق أو راجعة إلى الغرب محملة بالعتاد الاسلحة والذخيرة مساندة مصر أيام عهد الرئيس عبدالناصر وهي تعبر شارع رافع الانصاري في درنة الذي كان بيتنا يطل عليه وكان الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بالطريق الساحلي المؤدي للشرق أو للغرب حيث وقتها ايام العهد الملكي لم تكن الطرق العديدة متوفرة مثل الآن والمرور سهل مع الطرق الجنوبية الصحراوية والتي تختصر الكثير من المسافة والوقت من طبرق إلى إجدابيا .
              كان رتل سيارات النقل الثقيل يمر كالعادة  مع ظلام الليل عندما يكون معظم السكان نياما ولا تشاهد من العيون الفضولية وبالأخص الدراونة ، الذين من حدة الذكاء وقوة الملاحظة لا يفوتهم اي شئ ببساطة من غير تعليق وتحليل ، ومع الوقت وتداول القصص عرفت ان الشاحنات ملك شركة (ساسكو ) التي مالكها الامير السيد عبدالله عابد السنوسي الذي تبرع بالنقل دعما للثورة الجزائرية والتي إستمرت طوال سنوات النضال حتى تم إستقلال الجزائر .
                كان فتح الله الدليل للركب طوال الوقت في المقدمة يقود السيارة الطاوية (لاند روفر) لوحده مسلحا بعدة قطع من السلاح جاهزا للدفاع عن القافلة في أي لحظة خطر ، فقد كان حريصا جدا من الخيانة والغدر من عملاء فرنسا وعيونهم المدسوسة في أوساط الشعب تراقب الطرق والمعونات ، حتى يصل بالقافلة إلى بلدة إمساعد الحدودية مما يتوقف والقافلة تتجه إلى مصر مع دليل آخر ويرجع لقضاء عدة أيام مع أسرته في درنة حتى الوقت المعلوم لرجوع القافلة محملة بالعتاد السلاح والذخائر والمواد الأخرى المطلوبة التي  يحتاج لها الثوار في جبهات القتال .
               وتبدأ الرحلة من جديد من درنة وهو الدليل بالمقدمة  يذلل في الصعوبات ويقدم الأذونات والتصاريح بالسير المرخص للبوليس في البوابات العديدة في الطريق حتى لا يتم التأخير نظير الاشتباه وبالأخص نقل السلاح حتى الوصول إلى معسكر الثوار في مدخل مدينة بنغازي منطقة ( اللثامة  في السبخة) على شاطئ البحر للراحة وقضاء بعض الوقت في التجهيز لعبور الصحراء ضمن الخطر الشديد ، سواءا من الصحراء نفسها من معاناتها ومتاهاتها ، أو المداهمة من أي عدوان وكمين من عملاء فرنسا أو غارات جوية تدمر الركب وتمنع وصول الإمدادات للثوار.
                التركيز على التزويد بالماء ووقود السيارات والكثير من الاشياء التي تجعل الرحلة آمنة ، مع وجود القوات البريطانية التي دورياتها العسكرية تجوب الصحراء طوال الوقت ووجود الأمريكان العسكري الجوي الذي طيرانه مستمرا في التدريب في سماء ليبيا بدون توقف ، والقوات الفرنسية بالغرب على الحدود ، وبوجود هذه الصعاب العديدة خوفا من الاكتشاف كان يتسلل بسهولة مع طرق مهجورة بالليل والشاحنات تسير بدون أضواء إلى نقاط معينة حيث الضوء والصوت بالصحراء يصل إلى مسافات بعيدة .
               خلال الفجر ، يتوقف الركب في أحد المنخفضات للجبال والتلال الرملية والتمويه والتغطية للشاحنات بالمشمعات الخاصة بلون الصحراء و الإخفاء الجيد الذي من الصعب إكتشاف الطائرات التي في بعض الاحيان تمر فوقهم في إرتفاعات عالية ويرتاح الثوار وينامون  طوال النهار تحت الشاحنات من حرارة ولهيب الصحراء طلبا للظل و عدم إشعال النار والطبخ للطعام إلا للضرورة منعا للدخان بالنهار وضوء اللهب بالليل معتمدين على الطعام الجاهز حتى الوصول إلى احد الواحات في خط السير الطويل .
                  وكان يتخذ الاحتياطات للسلامة قبل دخول أية واحة ، يتوقف الركب من مسافة قبل الوصول ويذهب لوحده في جولة إستطلاعية للتأكد من عدم وجود اي خطر ممكن وكمين في الانتظار .... وكان رؤساء وشيوخ الواحات من كثرة التجوال والمرور عليهم صداقات عديدة وأخوة مع البعض اللذين كانوا يزودونه بالأخبار فترات الغياب ويتبرعون بكميات من التمور والقديد (اللحم المجفف) للثوار بدون مقابل دعما للجهاد .
                وتستمر الرحلة عبر الحدود خلسة حتى يصل الركب إلى المكان المعلوم المتفق عليه داخل الاراضي الجزائرية المهجورة ويتم توزيع الحمولة بسرعة على ظهور الحيوانات، الخيول والبغال ، خوفا من الاكتشاف ويرجع بالكثيرين ... الجرحى ذوي الحالات الصعبة للعلاج في ليبيا ومصر ، وإستمر المناضل عدة سنوات فى الترحال وقطع المسافات الطويلة في الذهاب والإياب حوالي 4000 كم في الرحلة الواحدة وربطته المعرفة وعلاقات النضال والاخوة مع الكثيرين من قيادات الثوار الجزائريين حتى تم النصر والإستقلال وخرجت فرنسا من ارض الجزائر للأبد .

المناضل فتح الله الاشقر (الثاني من اليسار) (رحمه الله) مع احد قادة الثورة الجزائرية
               تم تكريم المناضل من قبل الرفاق الجزائرين عندما زارهم في إحتفالات الإستقلال بناءا على دعوة رسمية وطلب منه الإقامة والمواطنة في الجزائر معززا مكرما في العز والمجد ولكن رفض بلباقة وفضل العيش في ليبيا وطنه وفي مدينة درنة موقع الرأس مع العائلة متوسط الحال عفيفا حرا بدون قيود ولا احراجات للأخوة الرفاق .
                لقد عرفته وسمعت معظم هذه الحكايات والنوادر منه شخصيا ولم أكن وقتها مهتما بقوة مثل الآن وإلا كنت كتبت ذكرياته وأعماله النضالية حرفا حرف حتى تصبح ذكرى مدونة بالتفصيل عن المغامرات والمخاطرة ولا تضيع مع مرور الوقت وتدخل في طي النسيان .
                  كانت لقاءاتنا وسهراتنا في أواخر الستينات وبداية السبعينات وبالأخص في ليالي الصيف.... كنا مجموعة بسيطة نلتقي معظم الليالي  مع الرفاق المناضل فتح الله و السادة فرج الشخترية وفضل الله ساسي ، وفي بعض الأحيان كان يلتحق بنا  الاستاذ عطية ساسي الذي يتحفنا بلحن من المزمار (الزمارة الدرناوية) في المكان المفضل خارج المدينة ونجهز عشاءا خفيفا سريعا ونشرب الشاي الأخضر ونتحدث في حكايات ونوادر بريئة لتمضية الوقت عن قصص النضال والجهاد الليبي وماذا قدمت مدينة درنة من رجال مجاهدين فلذات كبدها في جميع المجالات .... ولكنها للأسف وكأن بها لعنة دائما سيئة الحظ لا يذكر أسمها بالمجد والفخار فقد كانت منذ الإستقلال تعاني من عدم الأهتمام بها سواءا من العهد الملكي وقتها أو الثوري بعدها خوفا من النقد اللاذع من شعبها ، فهي كجذع النخلة الطويل المائل ، أساسها القائم بالمدينة وثمرها اللذيذ الشهي يتساقط عند الآخرين،  الجيران ، يشع بالنور والخير وأهلها غير مستفيدين من أي خير ومصلحة .
                 قصص كثيرة بعضها يشرف ويسعد أي مواطن درناوي أصيل وكثيرا منها مؤلم عن مدى الإستهتار من أي عهد مضى بمقدرات المدينة ، لم يعطى لها حقها الذي يشرف من إهتمام وإنشاء وإعمار والنهوض بالمواطن ... فهى مدينة النور في مجالات عديدة وآن لها الآن أن تنهض من كبوتها بسواعد أبنائها إن شاء الله تعالى .
                استمرت العلاقة والأخوة والرفقة بين الجماعة حتى عام 1972م عندما مرض ودخل للمستشفى للعلاج ، وتصادف أيامها حادث سيارة في منطقة لملودة لقريبي خال أولادي توفى بعد عدة أيام بالمستشفى (عبد السلام زعطوط ) الشاب الذي لم يتجاوز من  العمر 23 سنة  وكانت غرفة المرحوم في نفس العنبر الذي به السيد فتح الله ولم أعلم بوجوده في ذاك الوقت نظير الانشغال بالمريض حتى توفاه الله تعالى وعلمت انه كان مريضا بالمستشفى وتأسفت أنني لم أزوره في أيامه الاخيرة ، وإستلمت برقية تعزية في المرحوم حيث كان مريضا وغير قادرا على حضور العزاء وبعدها بحوالي أسبوعين توفي المناضل في صمت وهدوء وحضرت تشييع الجنازة وحاليا مثواه الأخير جار المرحومين عبدالسلام ووالدي الحاج المبروك حيث توفى الثلاثة في فترة زمنية متقاربة وتم الدفن في المقبرة القديمة بالمدينة وبعدهم بحوالي الشهرين تعبأت المقبرة وتم اقفالها عام 1972م وبدأ دفن الموتى في المقبرة الجديدة بهضبة الفتائح إلى الآن ، رحم الله الجميع.
              إنني مهما كتبت عن هذا المناضل لا أستطيع الشرح الكثير فهو شمعة أضاءت وشعت بالنور بقوة الشخصية والصلابة والشجاعة وكان عفيفا متوسط الحال ، ينظر للدنيا بأنها فانية غير طامع في شهواتها راض بما قسمه الله تعالى له من نصيب، وأذكر في آخر أيامه كلمات كان يقولها للمجموعة أثناء بعض الجلسات ونحن نسهر ونتسامر ، يوما إذا تحصلت على أموال سوف أشتري مزرعة بمنطقة ( كرسة ) وأتقاعد بقية أيام العمر وكل يوم تأتون للزيارة وتمضية الوقت الجميل .
                 هذه الكلمات والأمنية للمرحوم ترن في أذنى وأنا أسطر  هذه الكلمات حيث توفاه الله تعالى ولم تتحقق أمانيه (رحم الله تعالى الجميع ) فقد كان نعم الأخ والرفيق، وكل مرة تصادف المرور أمام المقبرة القديمة بالمدينة أتوقف وانزل من السيارة وأتلو سورة الفاتحة تحية ورحمة للجميع... والله الموفق.

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Tuesday, August 23, 2011

قصصنا المنسية 7

 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين

               بدايات حرب فلسطين عام 1948 م تطوع الآلاف من الرجال والشباب ذوى الحمية للجهاد من جميع دول المغرب العربي تحت اسم لواء المغاربة الشعبي ( ليبيا وتونس الجزائر والمغرب ) ومن ضمنهم شباب مدن ليبيا العديدة ومنها مدينة درنة المجاهدة والسباقة للنصرة والنجدة رجالا وشبابا كثيرين تطوعوا للنضال والحرب في ساحات القتال العديدة بالرغبة تدفعهم الحمية للدفاع عن أرض العرب والكرامة.... وعلى رأس القائمة الأولى من الشهداء البطل أول شهيد ليبي درناوي ، قتل وسقط شهيدا بالإصابة من شظية قنبلة في الرأس في بداية الحرب المقدسة الشهيد علي عمر جبرين الذي والده العمدة من أعيان المدينة وشيخ من مشايخ قبيلة مصراته في ذاك الوقت .
             كثيرون لم يذكروا في تاريخ الجهاد الليبي من مجاهدي الوطن الوطنيين الأحرار الجنود المجهولين حيث طمست أسماؤهم من قبل أشباه الرجال والمنافقين لنظام القذافي المسؤولين عن كتابة تاريخ الجهاد الليبي بقصد وعدم البحث والتقصي الصادق عن قصص الرجال والذين في السبعينات الكثيرون في اواخر العمر مازالوا أحياءا يرزقون، تم توثيق الكثير من التراهات والزيادات الغير صادقة حتى تدمغ مع الوقت وتصبح متداولة ويصعب الطعن فيها، نظير إشهار وإظهار وتمجيد البعض من المحاسيب أقارب ومعارف القذافى على الرأي العام من بعض العائلات المغمورة بدون ذكر ، أنهم أبطالا مجاهدين من أجل الوطن والواقع المرير عاديين مثل الآخرين من أبناء الشعب .
                قصصا عديدة حدثت وطواها التاريخ والنسيان إلى الابد ولم تعلن وتنشر الا من البعض في السرد أثناء الحكايات والسمر في جلسات السمر السهرات واللقاءات وبقيت في الصدور والقلوب ولم تدون على ورق وتوثق حتى تستمر إلى ماشاء الله تعالى وتبقى إلى ان يأتي اليوم وتجد من يهتم بالنشر والظهور بها لدوائر النور ، وللأسف توفي أصحابها وذهبت إلى ظلام القبور للأبد... مما كانت من أهم أسباب التأخر وعدم السمو والحضارة والتقدم ، النسيان وعدم الاعتراف بالجميل والتذكير بالأبطال العديدين الصادقين حتى يصبحوا عناوين وأمثلة للأجيال الصغيرة والقادمة حتى تعيش الأمجاد وتقوم بالتضحيات والعطاء مثل السابقين .
                لقد عرفت المناضل عبدالرحيم  بن خيال "الغشيم" - عائلة بن خيال مشهورة في مدينتنا درنة بتقديم الشباب المناضلين إلى ساحات الحرب والصدام في عدة أماكن بالعالم دفاعا بالروح والنفس للنجدة ورفع شأن دين الاسلام.... والذي سمعت منه شخصيا إحدى الحكايات عن المعارك والتضحيات في حرب فلسطين عام 1948 م والتي ساهم فيها شخصيا وتم النصر والحصول على الغنائم وسلمت للقيادة المصرية ، واللأسف غيرت وجيرت وحسبت لهم وضاع مجدها للأبطال الصناديد الليبيين المغاربة الذين قاموا بها وضحى البعض بنفوسهم من أجلها.
             في بدايات السبعينات كان لدي موقع عمل مقاولات للبناء والتشييد في الساحل الشرفي بمدينتنا درنة ، وفي ذاك الوقت كانت العادة المتبعة لدينا فترة راحة بسيطة وقت الضحى لتناول بعض الطعام وشرب الشاي وتبادل أطراف الحديث عن مايجري من أمور سريعة ، وشاءت الصدف الحسنة وحضر المرحوم للموقع بالصدفة ، الذي كان يملك ويقود في شاحنة كبيرة للنقل الثقيل ، آتيا ببعض المواد للموقع مما تمت دعوته للإنضمام معنا في الجلسة ولبى الدعوة وجلس ضمن الحلقة .
               كان المناضل وافر البنية ذو شخصية وهيبة معروفا بالصدق والأمانة في الوعد والعهد محترما من الجميع في حوالى العقد السادس من العمر ، وتطرق الحديث في مواضيع عديدة ووصلنا إلى قضية فلسطين وخسائر العرب في 3 حروب ، وهل يوما عن قريب نثأر للهزائم وننتصر؟
               مما فتحنا جروحا لديه كادت تندمل بمرور الزمن وتأثر من الحديث والنقاش عن الحرب وقضية فلسطين وحدثنا عن التطوع في الحرب أيام الشباب والحمية ، وإنضمامه مع العديد من رفاقه الدراونة إلى لواء المغاربة الشعبي عام 1948 م مع الآلاف من رجال وشباب المغرب العربي ( ليبيا وتونس الجزائر والمغرب) وأنه عاصر الحرب حتى النهاية والخسارة والهزيمة للعرب ، و حكى لنا حكاية غريبة عجيبة عن بطولات إحدى الفرق الذي كان من ضمنها .
                 كانوا حوالي 40 متطوعا في حالة مزرية وبائسة يعانون الجوع والنقص في التجهيز والعتاد وقلة السلاح ، ينتظرون في الأوامر من القيادة المصرية للتقدم التي في كل يوم كانت تؤجل مع ان الساحة مفتوحة للإستمرار والعدو الصهيوني متعثرا بالكاد يلتقط في الأنفاس ، ولو تم ترك جميع المتطوعين وهم بالآلاف من غير الجيوش النظامية لكانوا حققوا النصر بسهولة ،  متخذين مقرا لهم مدرسة خاوية مهجورة بدون ماء ولا كهرباء فى بلدة خانيونس الفلسطينية .
                 يوما سمعوا الصراخ والإنذار من احد الفلسطينيين وهو راكبا على صهوة جواده مهرولا بسرعة داخل البلدة رافعا كوفيته لأعلى ملوحا بها لجذب الاهتمام ولإخطار المحليين في السوق بحضور وهجوم مدرعات الصهاينة القادمة في الطريق وراءه لإحتلال خانيونس حتى يتخذوا الحيطة والحذر و لا يباغتون بالغدر والقتل فجأة .
                قرر آمر المجموعة الليبيين المغاربة بأن لا يهتم بأي تعليمات وأوامر من القيادة حيث لا وقت وصعب الاتصال ... وقرر المقاومة دفاعا عن النفس ووزع رجاله على أسطح محلات السوق من الجانبين حتى ينقضوا على المدرعات وقت الدخول في شريط السوق الضيق بغتة حيث لا مجال للمناورة والهرب السريع  ضمن تمويه جيد .
                دخلت المدرعات في طابور طويل وكانت 11 مدرعة ولما تكاملت في الدخول وهم غير عالمين بالكمين وأعطى الآمر الاشارة فجأة وحدثت المفاجأة الغير متوقعة للعدو الزاحف وقفز الأشاوس وتم تعطيل الرتل في المقدمة والمؤخرة مما الباقي حوصرت ولم تتحرك ووبالسلاح الابيض بالخناجر بدون طلقة رصاصة واحدة تم القتل والطعن لجميع الصهاينة وسقط بعض من الليبيين شهداءا وجرحى.
              وكانت فرحة كبيرة بالنصر والغنائم من السلاح والذخائر والتموين ، ومنذ ذاك اليوم والكمين إلى نهاية الحرب لم تحدث اي حالات وحوادث وتعديات من الصهاينة خوفا ورعبا من أي مجزرة من الاسود المغاربة الليبيين. وتم تسليم المدرعات إلى قيادة الجيش المصرى حسب الترتيب والأصول العسكرية ، واللأسف بعد فترة من الوقت ظهرت صور المصفحات والعتاد في مجلة المصور المصرية والحديث عن الحادثة بإسهاب ومبالغات وكيف القوات المصرية تصدت في المعركة وهزيمة العدو الصهيوني ومبالغات كثيرة وتمجيد وجميع المواضيع زيف وكذب لا تمت للحقيقة بأي صورة من الصور ناسين متناسين عن قصد وعمد الشهداء الضحايا والجرحى أثناء المعركة القصيرة الشرسة وان الفضل للمتطوعين الليبيين الذين قاموا بالفعل المعركة والتضحية.
                   مما نتائج هذه الحادثة وكيفية الكذب والتزوير المتعمد وإسناد الحق والعمل الحقيقي لغير أهله ، هبطت الروح المعنوية لدى المتطوعين في جميع جبهات القتال حيث لا إهتمام ولا تشجيع للعمليات ولا أي إعتراف بالجميل والبطولات، تاركين الامور بدون إهتمام كبير لأية أوامر .
                وكانت مثل هذه الاحداث النضالية والبطولات العشرات من الاحداث والمواضيع والمعارك الجهادية الفردية ولو القيادات العربية غير متورطة في العمالة صافية القلوب والنوايا في حربها بدون فساد ورشاوي وتركت المغاوير وغضت البصر عن لواء المغاربة ومجاهدي الاخوان المسلمين المصريين ومتطوعي العرب بالآلاف الراغبين في التضحية والموت والحصول على الشهادة بصفاء القلوب لتم التوفيق من الله تعالى والنصر المبين وفاز العرب بسهولة... والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Saturday, August 20, 2011

قصصنا المنسية 6

بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين


                    الحاج عبد المنعم قدور (رحمه الله تعالى ) أحد رجال مدينة درنة المخلصين والمناضلين في صمت من ضمن طوابير الجنود المجهولين الذين كان عطاؤهم الوطني بدون حدود في السر والخفاء ، يعلمها الله تعالى ... شموع أضاءت فترة من الزمن بالنور وتلاشت ولكن الأعمال الخيرة التي قاموا بها ولم تظهر إلى العلن إلا للقلائل من البشر العارفين ببعض المواضيع والتي سوف تبقى تشع إلى ماشاء الله تعالى .     
                 كنت أعرفه جيداً فقد كان من أبناء العمومة من  قبيلة التواجير وأخا وصديقا للأسرة طوال عقود عديدة من السنين وتربطه علاقات أخوة حميمة مع إبن العم والصهر الحاج محمد زعطوط جد الاولاد وسمعت الكثير من حكاياته وذكرياته الجميلة الحلوة والأليمة في أثناء بعض الجلسات الظريفة ، عما دارت من أمور وأحداث كثيرة سياسية وجهادية في الأربعينات من القرن العشرين وحتى نهايته في الوطن ليبيا ومدينتنا الحبيبة للنفس درنة ، حيث المرحوم كان من ضمن الشباب المتطوعين والمجاهدين في حرب فلسطين عام 1948 م م وعاصر الحرب وويلاتها وحضر معارك كثيرة ضمن لواء المغاربة منذ بداياتها إلى النهاية والهزيمة وخسران المعركة والحرب التي ألمت بالعرب .
               سوء التخطيط وفساد القيادات المرتشية من ملوك وحكام العرب والذي دفعت الأجيال العربية المتعاقبة إلى الان الثمن الغالى من اهراق الدماء وعشرات الآلاف من الضحايا والجرحى والمعاقين وخلقت دولة اسرائيل من العدم نظير اخطاء زعماء العرب الجهلة المتشددين بدون عقول تفكر وتدرس الأمر وتخطط التخطيط السليم حتى تنال التوفيق والنصر وجرت على شعوبها الويل نظير الاندفاع والعواطف بدون تريث .
                عدم وجود الحكام الصالحين والعمل بما يرضى الله تعالى حسب الشرائع الإلاهية وأننا نحن واليهود أبناء عم نرجع في الأصول والسلالة إلى جد واحد سيدنا إبراهيم عليه السلام خليل الله تعالى ولدينا جميع المعطيات في الوطن العربى الإسلامي الكبير في الشأن والثروات والمساحة لو تعاوننا بالمنطق والحوار الهادف ووحدنا الجهود في إتحاد مع بعض ، وحكمنا العقل والضمير للمصلحة العامة للجميع ، لأصبحنا الأوائل في العالم .
               خسر العرب حرب 1948 م نتيجة عوامل عديدة ، وتآمر العالم فى منظمة الامم المتحدة ، وقامت وظهرت دولة اسرائيل للوجود على انقاض دولة فلسطين وتم إعطاؤها إسم (مظلمة القرن العشرين) من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.
  
              وخسر العرب حرب العدوان الثلاثي على مدينة بورسعيد عام 1956 م والتطبيل في الاعلام المصري غير وزور الحقائق من هزيمة إلى نصر وصدقت الشعوب العربية الساذجة النصر الزائف ، والواقع الفضل لله تعالى وإنذار الرئيس الروسي خوروتشوف بالتدخل العسكري إذا ما لم  يتم التوقف عن غزو القناة  ، وموافقة أمريكا ومساندتها للموقف الروسي ضد حلفائها ، حتى تم الإنسحاب من طرف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل .
                وخسر العرب حرب النكسة عام 1967 م من دولة اسرائيل لوحدها في ساعات وايام والقضاء على 3 جيوش لدول عربية تم الاعداد لها سنوات عديدة وخسرت مصر سيناء وسوريا هضبة الجولان إلى الآن ودولة الأردن الضفة الغربية ومدينة القدس ثالث مدينة مقدسة في العالم الإسلامي ، نظير الأخطاء .
                  خسر العرب ثلاثة حرووب متوالية ضد الصهاينة نظير معطيات كثيرة حيث الزعامات وأصحاب القرار من ملوك بالتوريث ورؤساء معظمهم وصل لسدة الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية وليس بالشورى الانتخابات الحرة وصناديق الإقتراع .
                  لم يطرق اليأس قادة العرب وتم الاعداد الجيد للحرب وتغيير القيادات الفاشلة مما إرتفعت الروح المعنوية إلى أعلى المستويات وتم الفوز للحرب الرابعة والأخيرة عام 1973(حرب العبور في 6 اكتوبر)  بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات وعبر قناة السويس جنود مصر الأسود، وتحطمت أسطورة خط بارليف الحصين على القناة ، وأسطورة الجيش الاسرائيلي أنه قويا لا يهزم ولا يقهر.
                   تنقل المناضل عبد المنعم قدور في الشرق الأوسط مجاهدا في قضية فلسطين متطوعا في عدة أماكن بالخطوط الأمامية وتعرض للموت والقتل عدة مرات ، وله ذكريات عديدة وقصص نضالية للأسف لم توثق وتسجل للتاريخ وطرائف عن التنقل الصعب في جبهات القتال العديدة المحفوفة بالخطر والجهاد والمعارك التي لم تدون التدوين الصحيح عن مدى التضحيات والبطولات لكثير من أبطال العرب الجنود المجهولين للذكرى للأجيال القادمة عن هشاشة القيادات العربية والعمالة للأعداء وترك الجنود الأبطال في المواقع وساحات المعارك حيارى يعانون النقص في المعدات والأسلحة والذخائر والمواد الطبية والدواء للعلاج .
                انطلق المناضل عبد المنعم قدور  من مدينة درنة إلى مصر وغزة فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وتعرف على الضابط الوحدوي حسني الزعيم السوري الذى كان المفتاح الأول في مسلسل الانقلابات العسكرية العربية بقيامه بالثورة الاولى في سوريا(مارس 1949) وكان بعض المغاربة من ضمن رجاله (كلمة مغاربة تطلق على الجميع من شمال أفريقيا) .
              خسر العرب الحرب وخرجت دولة اسرائيل للنور ورجع المتطوعين الأحياء الى ديارهم والبعض إستقروا في معظم البلدان العربية ولم يرجعوا ومنهم الكثيرون من الليبيين الذين خلفوا جذورا و عائلات كثيرة تلاحمت مع الآخرين وتغيرت الاسماء والكنايات والألقاب العائلية إلى اخرى ، وأصول أبائهم وأجدادهم من ليبيا حتى الآن.
                 رجع المناضل بعد الهزيمة بنفسية منهارة على الخسارة الشنيعة وإستقر بمدينته درنة عاملا وموظفا في مهن عديدة للعيش بكرامة وشرف وكان عزيز النفس عفيفا ، ولديه علاقات واسعة مع العديد من رجال الحكم والأعمال الأغنياء وبإمكانه لو نافق وتملق كما فعل الكثيرون من رفاق جيله في ذاك الوقت بدايات الاستقلال ليبيا وبدايات إكتشاف ثروة النفط والغاز لوصل إلى مركز كبير وثراء .
                 كان  في الخمسينات من القرن الماضي شابا وعضوا منضما متحمسا في جمعية عمر المختار التي كانت شوكة في حلق الانتداب البريطاني ورجال الحكم في القصر طوال الوقت والتي تآمر الاستعمار البريطاني والقصر حتى وصل الامر بالملك نتيجة الدس والوشايات الكاذبة على إصدار مرسوم ملكي بالإلغاء والحل والتوقف عن النشاط وكان المسمار الاول في تعطيل الحراك السياسي في ليبيا ودفع الشعب مع الوقت الثمن نتيجة الفراغ السياسي بدون كيانات ولا زعامات تستطيع التصدي.
               الكثيرون من رجال ليبيا الوطنيين شهدوا له بماض مشرف في الذود عن الوطن في الخفاء ووراء الستار أثناء الصراع السياسي للحصول على الاستقلال ، رافضا وجود القوات البريطانية في الوطن بحجج المعاهدة والانتداب الذي كان في ذاك الوقت يعتبر معجزة التحدى ومن المستحيلات خروجهم بسهولة ، حيث البريطانيين يضحكون في الوجه ويطعنون في الظهر نتيجة الخبرة الطويلة في إستعمار الشعوب ، ولكن الإرادة الإلاهية شاءت وخرجت ليبيا من المؤامرات الدولية والمحلية منتصرة وتحصلت على الاستقلال بتوفيق الله عز وجل وعزم وكفاح الرجال .
                   لقد عرفت الرجل عن قرب مع فارق السن بيننا (حوالي 20 عاما) وكان عفيفا شريفا طيب القلب ذو طلاقة لسان وحس وطني صاحب نكت وفكاهة لا يمل الانسان من رفقته والجلسة معه ، وعندما إنتقل إلى رحمة الله تعالى كنت خارج الوطن في رحلة زيارة للعائلة في امريكا ورجعت بعد مدة للمدينة وتصادف قدوم العيد وكان من عاداتنا المحلية الدرناوية عمل مجلس عزاء للعيد الاول للمتوفي المرحوم كذكرى وكأنه توفى بالأمس ، وذهبت للتعزية مثل الآخرين ودخلت للخيمة السرادق حوالي العصر مع أحد الرفاق وذهلت من الوضع حيث لا أحدا موجودا غير أحد أبنائه وصهره زوج إبنته المستقبلين ، وقمت بواجب العزاء كما يجب وبقيت فترة ساعة حسب الأصول مترحما على المرحوم طالبا له الرحمة والمغفرة.
                          وعندما خرجنا وكنا بالسيارة كنت متأثرا حزينا على الموقف ، وقلت لرفيقي سبحان الله العظيم ، الدنيا مظاهر وطمع زائل حيث الرجل عصاميا فقيرا لا جاه ولا مركز لا أحدا مهتما بالحضور والعزاء فيه والترحم عليه ، وبالشارع الخلفي أحد مجالس العزاء لأحد المتوفين الآخرين الذي مررنا عليه وقمنا بالواجب والتعزية ، وكان مليئا بالمعزين وطوابير السيارات تنتظر مما حزنت على الأمر وتذكرت الله تعالى ان كل شئ بالنوايا الصادقة والعمل الطاهر فهنيئا للإنسان الذي فاز ونجح برضاء الله تعالى دنيا وآخرة ...والله الموفق .

                     رجب المبروك زعطوط

Thursday, August 18, 2011

قصصنا المنسية 5

 بسم الله الرحمن الرحيم
 رجال ليبيا المنسيين

الجنرال عمران الجاضرة  - الثالث من اليمين باللباس المدني 
             في أواخر عهد الامبراطورية العثمانية حاولوا التطوير والتقدم ضمن مخططات إصلاحية متأخرة بالدول والشعوب الذين تحت سلطتها وهيمنتها ومنها وطننا ليبيا التي كانت تابعة لها للإصلاح ومتطلبات التجديد ومنها إستجلاب الشباب صغار السن ، الأحداث ، إلى تركيا للدراسة والتعليم ودخول المدارس العسكرية والتخرج كضباط عسكريين ،  والبعض كمسؤولين للأعمال الادارية والرجوع لأوطانهم الأصلية لتولي المراكز والمناصب القيادية وتنفيذ الأوامر من رؤسائهم حسب النظم والعقلية التركية الصارمة وتم الإختيار للعديد من مدينة درنة ونواحيها ومنهم الشباب عمران الجاضرة الحاسي وأخوه الأصغر سنا وخليل باكير بوشيحة وحسن قصار ، خال والدي المبروك،  وغيرهم بالعشرات ونقلهم إلى إسطنبول للدراسة بدايات القرن العشرين قبل الاحتلال الايطالي بسنوات عديدة .
             رجع البعض إلى مدينة درنة بعد إستكمال الدراسة المدنية ومنهم السيد خليل باكير بوشيحة وإمتهن مهنة محرر عقود بمدينة درنة ولسنوات عديدة حتى توفاه الله تعالى، وكان ضليعا ودقيقا في تحرير المستندات والتوثيق الرسمي للعقود،    وعرفته عن قرب وكان إنسانا فاضلا وصديقا للوالد وللأسرة وتعاملت معه شخصيا في العديد من المعاملات الرسمية من بيع وشراء للعقارات وتوثيق عقود شركات وتوكيلات... وكان نعم المستشار الأمين وبالأخص في التوثيق حيث كان منظما بدون مجاملات ولا تجاوزات مثلما يحدث الآن.
            البعض الآخر  حالفهم الحظ والقبول والانضمام إلى  المعاهد العسكرية حتى تم التخرج برتب ضباط أثناء الحرب الشرسة على الامبراطورية العثمانية لتفتيتها نظير الاحتضار في سنواتها الاخيرة وأصبحت عاجزة عن المقاومة والتحكم في شعوبها العديدة مما أطلق عليها الاوروبون نكاية وإستهزاءا "الرجل المريض" .
                  بدأت الحرب مع اليونان ودول البلقان وغيرهم من الحلفاء الطامعين وكان الأتراك عادلين مع الجميع القادمين من شعوب الامبراطورية،  حيث تم تجميعهم كلهم،  وبالأخص  من كانوا ينحدرون من أصول عربية ، وتم إعطائهم الخيار إما البقاء في تركيا و المشاركة في الحرب أو الرجوع والسفر إلى أوطانهم... ووافق الجميع على المغادرة ماعدى القلائل من العرب الذين فضلوا البقاء والولاء. رفض الليبيون خذلان وترك تركيا بالرفض البات، فهي التي حضنتهم وعاشوا بها سنوات الشباب والرجولة ، وكان ولائهم عميقا لها  حيث في نظرهم كان من العار التخلف والنكوص عن الجهاد والدفاع عن الدولة الإسلامية  بالروح والدم... مما كان له الأثر الكبير والإمتنان لدى الاتراك الوطنيين.
                  حاربوا مع القوات التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك الأب الروحي لتركيا الجديدة في ظروف صعبة ومحن رهيبة وإستشهد الاخ الأصغر لعمران الجاضرة في أحد المعارك الشرسة ضد الحلفاء في معركة جاليبولي حتى وضعت الحرب أوزارها وحافظت تركيا على إستقلالها وكرامتها من الاحتلال وأصبح الليبيون جزءا من الدولة التركية وتغيرت أسماؤهم العربية إلى أخرى تركية بناءا على طلب القادة والزعماء الجدد وتدرجوا في الرتب العسكرية حتى وصل الضباط عمران الجاضرة وحسن قصار إلى رتب عالية بالجيش التركي واصبحوا جنرالات .
                    وقت إستقلال ليبيا كانت بحاجة إلى بناء جيش  ليبي للدفاع عن الوطن وتم تقديم الطلب من الملك إلى الحكومة التركية لمساعدة ليبيا  واستعارة ضابط ذو رتبة عالية من أصول ليبية ووقع الإختيار على الجنرال عمران الجاضرة الذي وافق ولبى الطلب وحضر إلى ليبيا وكان أول ضابط يتولى رئاسة الأركان وقيادة  الجيش الناشئ من فلول الجيش السنوسي الذي حارب مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية... وإتخذ من مدينة سوسة الساحلية مقرا للقيادة والجيش حيث كان التخطيط على المدى البعيد ان تصبح مدينة البيضاء العاصمة الشرقية لليبيا .
                أول زيارة إلى مدينة درنة للجنرال عمران. عندما إستلم مهامه زيارته لإخوته وعائلته بعد المدة الطويلة حوالي الأربعين سنة من البعد والغياب كانت عام  1952 م والجميع ينتظر بفارغ الصبر والفرحة رؤيته وكنت صغيرا بالسن حوالي العشر سنوات من العمر موجودا مع الوالد وقتها في الإستقبال حيث تربطنا بأسرة الجاضرة روابط مصاهرة الحاج حسين عوض إبن أخ الجنرال كان زوجا لأختي الشقيقة الحاجة أمنة . وكان جميع إخوته والعائلة في الانتظار وتوقفت السيارة العسكرية في الساحة منطقة ( الكوي ) حيث يقيمون ونزل الجنرال ودوت الزغاريد عالية وإطلاق الرصاص بالفرحة العارمة وبدأ الجميع في المصافحة والعناق إحتفاءا بالوصول والسلامة .
                   كان الجنرال ذو شخصية مهيبة قوية متعودا على إصدار الأوامر وخلق بالإدارة  العسكرية الجيدة... الضبط والربط وكون من المتطوعين جنودا أشداء يعتمد عليهم في الدفاع عن ليبيا وقت الطلب في فترة بسيطة وحدثت له مضايقات عديدة وحسد وحقد وغيرة من بعض رجال العهد الملكي الجهلة بالأصول والأعراف الرسمية في التسلسل الاداري وكان شجاعا لا يخاف ولا ينافق ولم يرضخ مثل الكثيرين المنافقين منهم لقاء الجاه والمركز ..
               الجنرال عمران بجميع المعايير يشرف المهنة العسكرية ، وأذكر البعض من المشاكل التي واجهته أيام نظام الولايات حدثت مشادة وخصام شديد بين قبيلة البراعصة وقبيلة الدرسة في وادي الكوف مما الطرفان تصدوا لبعضهم مواجهة لحسم الأمر بالسلاح وعجزت قوات البوليس وقتها (قوة دفاع برقة) عن فض الاشتباك وطلب الوالي وقتها حسين مازق البرعصي والي ولاية برقة من القائد عمران الجاضرة النجدة وتدخل الجيش لحسم ووقف الامر قبل الصدام والبدء في الرماية واطلاق الرصاص بينهم بصفة عاجلة ... وكان الرد من الجنرال هذه مسألة داخلية ليست من إختصاص الجيش حتى يقحم في الامر،  مما كان صادقا في الامر ، رافضا تسيس الجيش والتدخل في الصراعات الداخلية وكانت ضربة قاصمة للقصر والوالي وقتها.
             على إثرها وخلفياتها تم خلق القوة المتحركة بقيادة ورئاسة الزعيم (السنوسي الفزاني) الذي كانت عائلته من أتباع ومؤيدي الاخوان الطريقة السنوسية الدينية التي كان  زعيمها الروحي الملك إدريس ، وقام القصر والحكومات المتعاقبة للعهد السابق بفتح أبواب التجنيد لها بأجور ومرتبات عالية مما الكثيرون تقدموا كمتطوعين والاختيار كان لنوعيات معينة من البادية موالين للملك ، والدعم المتواصل بالسلاح والمعدات .... مما أصبحت قوية تنافس الجيش وأكثر من حيث القوة والسطوة والتسليح وهي خاصة بولاية برقة ، ومثار تنافس شديد بينهم... ووقت الانقلاب تم الخداع لقادتها ومفرزة صغيرة دورية من الجيش بقيادة موسى أحمد إستولت على قيادة معسكر قرنادة الحصين فجأة بترتيب مع الحراسات وإستسلمت نظير المفاجأة والصدمة ولم تطلق القوة المتحركة طلقة رصاص واحدة للدفاع عن المملكة وقادتها أصبحوا سجناء وعلى رأسهم قائدها الزعيم .
                وحدث موضوع مهم لمسيرة الجنرال عمران ، حسب المعاهدة الليبية البريطانية وقتها ، احد البنود تسمح للبريطانيين مراجعة الجيش والكشف عنه وتزويده بالنواقص ، وشاء سوء الحظ يوما وصول لجنة من كبار الضباط االبريطانيين الى بوابة معسكر القيادة في سوسة ولم يكن لدى الجنرال عمران العلم بالموضوع ، وتم الاتصال الهاتفي من البوابة طالبين الإذن  بالدخول ، وكان رد الجنرال ببساطة عدم السماح لهم  بالدخول حيث كان  المعسكر خاصا بالجيش الليبي وممنوع الدخول ... ورجع البريطانيون بخفي حنين شبه مطرودين بصفعة قوية من الجنرال عمران الجاضرة ابن ليبيا الوفي البار .
                   وزاد الطين بلة  رفضه لقائد الشرطة محمود بوقويطين من التشريف في الصف الأول حسب البروتوكول الرسمي في الزيارة الرسمية على  أن الاول في الصف يكون قائد الجيش وبالخلف قائد الشرطة أثناء زيارة الملك والوفد المرافق له لمصر في عهد الرئيس جمال عبدالناصر... مما زادت الحساسية وبدأت المؤامرات والدس ضده أنه ( تركي ) صعب التفاهم معه ، ولا يعتمد عليه كقصر وحكومة في حالة حدوث أي أزمات خطيرة للوطن نظير الجهل والقصور في الفهم من رجال القصر... ونجحت المكيدة ووافق الملك ، وتم استدعاء الجنرال إلى القصر وقابل الملك الذي كان متحاملا غاضبا عليه في صمت نتيجة الدس ،   وبلباقه وديبلوماسية شكره على الخدمات الجليلة التي قدمها للبلاد وأنهى الاستعارة والخدمات،  مما تقبلها الجنرال بصدر رحب ونفذ الامر .
                  لقد كنت مع والدي طوال الوقت في اللقاءات معه وبالأخص في عطلات نهاية الاسبوع والأعياد التي كان يقضي معظمها  فى زيارات لإخوته في درنة وجاء ضيفا إلى بيتنا العديد من المرات تلبية للدعوات لحضور المآدب والحفلات  ولدي البعض من الصور معه خلال الزيارات العائلية يوما ما، بإذن الله تعالى، سوف تنشر حيث موجودة حاليا في الحفظ والصون وليست في متناول اليد حاليا للنشر .
               غادر الجنرال عمران إلى تركيا وإستمر في الجيش التركي كقيادي آمرا عسكريا رفيع الشأن وحسب العلم كان الآمر العسكري على منطقة  حدودية واسعة مع بلغاريا ... وبعد التقاعد عن الخدمة العسكرية كان يحن إلى أهله وإخوته الأحياء في درنة ويأتي في زيارات حتى كبر في السن وزاره العديد من أقربائه ومنهم أخي الثاني شقيقي الحاج حسن وإبنه محمد في إسطانبول وأنقرة ، تركيا ووجدوا منه كل الترحاب حتى توفاه الله تعالى ودفن في المقبرة الرئيسية في أنقرة مع كبار رجال الدولة والمسؤولين الأتراك المشهورين... والله الموفق .

                 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

قصصناالمنسية 4

 بسم الله الرحمن الرحيم

رجال ليبيا المنسيين

               وصلت في عام 1980م إلى الاسكندرية للزيارة وقضيت بها عدة أيام في ضيافة الحاج صالح سرقيوة من مدينة درنة والذي تربطني به صداقة وأخوة مع فارق السن حيث من رفاق أخي الحاج صالح المبروك ... وقمنا بزيارة في الضحى إلى الرابطة الليبية الإجتماعية للتعرف على الليبيين المقيمين في الاسكندرية أيام عهد الرئيس محمد أنور السادات... وهناك تعرفت ببعض الشباب الغيورين على مآل ليبيا من الطاغية القذافي، من  الطلبة في الجامعات المصرية في القاهرة، المناضلين حسني غولة الترهوني ورفيقه عزالدين القمودي ، وتحدثنا عن الهموم التي نعاني منها والتي تحتاج إلى رجال وطنيين لبتر النظام.  حاولت دعوتهم للغداء معنا ولكن تم الإعتذار حيث يريدون الرجوع إلى القاهرة وتبادلنا أرقام الهواتف والعناوين للزيارة عندما اكون في  القاهرة ووعدتهم بذلك  في أقرب فرصة تتاح لي .
                حاولت الانتقال إلى الفندق لمزيد من الحرية في الإتصالات واللقاءات ولكن مضيفي أصر على ضيافتي في بيته  ورفض تركي مما قررت الذهاب إلى القاهرة لأنني لا أريد أن أكون ضيفا ثقيلا عليه وقمت بتأجير عربة أجرة خاصة لنقلي وكان الطقس حارا حيث كنا في فصل الصيف والحرارة عالية مما إستعمل السائق جهاز التبريد طوال الطريق للإستمتاع بالهواء الرطب البارد لقطع أثناء قطع المسافة التي استغرقت حوالي 3 ساعات ووصلنا إلى مدخل القاهرة وشعرت ببعض التعب وبرودة الأطراف والعرق بدأ ينضح من الجسم وقشعريرة بسيطة وتذكرت دعوة الشباب بالزيارة والوعد لهم وعنوان البيت بالقرب في المنطقة التي نحن بها قريبا متفرع من شارع شهاب في الدقي مما طلبت من السائق المرور عليهم لإبلاغهم بوصولي حتى نتلاقى لمزيد من التعارف والحديث السياسي عن القضية الليبية التي تشغل بالنا طوال الوقت.
             وصلنا إلى العمارة وكان الشقة بالدور الأرضي وضغطت على جرس الباب وفتح حسني  الباب وهو يضع مئزرة على وسطه حتى لا تتسخ ثيابه فقد كان يطبخ  طعام الغداء ورفيقه عز الدين القمودي موجودا وكانت فرحة باللقاء وأصر بأن أحضر حقيبتي وأتغدى معهم ولترضيتي قال بعد الغداء سأوصلك بسيارتي للفندق الذي ترغبه، مما وافقت حيث فرصة لا تعوض ومن عادتي لا أرفض أي دعوة لأحد وبالأخص على طعام حتى تحل البركة ، ووافقت وأخذ الحقيبة من السيارة ودفعت للسائق الأجرة ودخلت للبيت غير عالما بما يخبئه لي القدر أن الإقامة سوف تكون طويلة عدة شهور!
            تناولت وجبة الغداء وأنا خائف من السقوط من الإعياء نتيجة الحمى مما لاحظ علي الإرهاق  والتعب وطلب مني الدخول للغرفة لأرتاح على السرير حتى العصر ، وكانت طويلة مدة أسبوع وأنا طريح الفراش نتيجة مرض حمى شنيعة إنفلونزا شبه مغمى علي،  نائما طوال الوقت،  وهو يعمل جاهدا على رعايتي والتمريض بدون توقف و إحضار الدواء وعلاجي بالكمامات الباردة على الرأس والجسم للتبريد حيث كانت حرارتي عالية ، وقام مشكورا بمساعدتي على تناول وجبات الغداء والعشاء من الحساء من الطعام التي كان يعدها حتى تعافيت بعد أسبوع .
                 كان إنسانا فاضلا ذو أخلاق وشهامة وكرم وأصر على بقائي معه مقيما بالبيت كرفيق حيث كان يسكن بمفرده والبيت به ثلاثة غرف للنوم منها إثنتان تستعمل في حالة قدوم ضيوف ووافقت بعد الإصرار الشديد بالبقاء والإقامة معه بشرط المشاركة في المصاريف حيث كان طالبا يتقاضى  مرتبا زهيدا ، مما وافق على مضض. وعندما تعافيت ذهبت معه في زيارات عديدة لبعض الإخوة الليبيين الوطنيين الهاربين من ليبيا للتعرف عليهم، وقدمني إلى الأخ مصطفى البركي رجل الأعمال السابق من بنغازي في بيته بالدقي الذي كان مفتوحا لجميع الليبين المعارضين بدون استثناء فاليبت مثل النادي لا يرتاح الليبي المعارض المقيم في القاهرة وقتها أو الزائر من الوطن من القيام بزيارة له.  وقد رحب بي كثيرا وإحتفى بي حيث الاسم والشهرة سبقتني وتعرفت من خلال الزيارات واللقاءات اليومية على كثير من الإخوة إبتداءا من السيد فرحات الشرشاري وإخوانه من صرمان والسيد سيف النصر عبد الجليل من سبها والذي كان آخر وزير دفاع في العهد الملكي عندما قام الانقلاب الاسود.
              واللذان ربطتني بهم صلات أخوة ، تقدير وإحترام للآن مع مرور هذه السنوات الطويلة علينا وتعرفت على الحاج رجب بن كاطو رجل الأعمال المشهور في بنغازي والسيد جبران سليم البصير التاجر بالاسكندرية وشبابا كثيرين وكان السيد مصطفى البركي أحد الرجال القلائل والمناضلين الذين تفخر بهم مدينة بنغازي حيث كان قلبه وبيته مفتوح لأي ليبيي طالما كان معارضا للنظام الهمجي القذافي.  وربطتني به بعد كثير من اللقاءات والحوارات أواصر أخوة وصداقة فقد تجاذبت أرواحنا لبعض لأننا نحس بنفس النار التي إكتوينا بها عندما سلبت حياتنا كرجال أعمال وتم الاستيلاء على ممتلكاتنا وأموالنا وأصبحنا مطاردين من قبل طاغ ونظام أهوج يريد القضاء علينا بأي ثمن نظير رفعنا راية العصيان وعارضنا المعقد .
                   عن طريق المرحوم مصطفى تعرفت بالأمير السيد عبدالله عابد السنوسي الذي كان ضخم الجثة دمث الأخلاق ومرحا،  تشعر بروحه الطيبة وبساطته .... وقضيت شهورا عديدة طويلة في الرفقة واللقاءات معهم ومعظم الأوقات وبالأخص أيام العطلات الأسبوعية بعد صلاة الجمعة كنا مدعوين في بيت الأمير بحضور مصطفى البركي والحاج رجب بن كاطو وجبران سليم والسيد سيف النصر. وكنت وقتها بينهم الأصغر سنا ومن خلال اللقاءات والمآدب والأحاديث، تعلمت الكثير من أخبار ليبيا أيام الاستقلال وخلال العهد الملكي من صراع على السلطة بين عائلة الشريف وعائلة الشلحي لم تعلن ولم تنشر ولا يعرفها الا القلة مما أصبحت ملما بكثير من الأسرار التي أفادتني معرفتها لاحقا .
               هذا الصراع المؤلم صراع قوى خفية تبنته الماسونية الدولية والأيادي السوداء لتدمير ليبيا وعدم نهوضها وسرقة خيراتها بأساليب جهنمية تبدو في الظاهر  سليمة ولمصلحة الشعب وفي باطن الأمر، دمار في دمار وخراب على جميع المستويات ، حيث القوى المحلية توزعت نظير الطمع وحب إمتلاك المركز والسلطة والنهب للمال العام في العمالة لأحد الدول ضمن المباراة الحامية، كل طرف يؤيد ويناصر  طرفا آخر، مما أدى في النهاية إلى قيام الإنقلاب الأسود يوم 1969/9/1م  ووصول المعقد للسلطة وسرق التاج وأطاح بالملك وتسلط على الوطن في غفلة من الزمن ..
                 أيام جميلة مرت ولن تعود حلوها ومرها قضيت حوالي 8 أشهر بالقاهرة في رفقة الإخوان الرجال لأنني لم أتحصل على التأشيرة الأمريكية للرجوع للعائلة مما إضطررت للبقاء هذه الفترة الطويلة في البعد عنهم ، أطحنا فيها بمكتب الرابطة في الأسكندرية الذي كان على راسه وآدارته رجال كبار في السن يفضلون الحوار مع القذافي ومهادنته لإتقاء شره بدل عداوته صراحة في العلن .
              أذكر حادثة قمنا بها نحن الشباب وقتها والتي  كانت القشة التي قصمت ظهر البعير فقد دعينا كمجموعة القاهرة وكنا حوالي 30 فردا لحضور أحد الأجتماعات المهمة ولا حظت أنهم كانوا يتحاورون في جلسة مشحونة بعواطف قوية من الشباب على قضية ليبيا ومآسيها ومازالت صورة العقيد المعقد الكبيرة معلقة على الحائط في صدارة المكتب على رأس رئيس الجلسة مما أخذتها كذريعة وأنزلتها بعنف من الحائط لأنه لا يصح النقاش عن مأساة الوطن والظلم المستبد وصورة الظالم بالصدارة....وأثنائها في ساعة غضب قام السيد مصطفى وضربها بقبضته في عنف مما تكسر الزجاج وتمزقت الصورة وأصيب بجروح في يديه والصورة مازالت حاملا لها .
              حدث لغط كبير على موضوع الإستسلام والمداهنة التي تدل على الضعف ، وتم البيان الأخير للجلسة المثيرة ، بنقل المقر إلى العاصمة القاهرة وتم الطلب بالحصول على إذن رسمي من الحكومة المصرية بالنقل مما تمت الموافقة على الطلب . وكان بالقاهرة مبنى كبيرا في ضاحية مصر الجديدة ملكا للحكومة الليبية يستعمل من قبل الملحق العسكري الليبي ومقفل جاهزا بالأثاث وشبكة الهواتف التي كانت وقتها صعب جدا الحصول على خطوط هاتفية وعدة سيارات بجاراج القبو للإستعمال .
             عندما عرفوا أننا كنا ساعين للحصول على المبنى رسميا ، أو إقتحامه وإستعماله لأنه خاصا بليبيا ، قامت أحد الإدارات الأمنية المصرية واستولت عليه وأضطررنا للتأجير حتى يصبح لدينا مقرا ، وضاع إلى الآن وبعض أملاك الدولة الليبية إستولى عليها البعض من الليبيين المنافقين الذين يلعبون على الحبال يدعون الثورية وسجلوها لحسابهم الخاص وهي الآن لا تقدر بثمن قيمتها العقارية الآن بعشرات الملايين من الدولارات وصعب تعويضها . لكن سيأتي اليوم في المستقبل الذي سوف تفتح فيه ملفات كثيرة منسية الآن وتزال الأغطية والأقنعة الزائفة عن كثير من المغتربين أدعياء الوطنية اللصوص لقاء الإستغلال والنهب للمال العام لحساباتهم الشخصية .
               قامت الرابطة الليبية الإجتماعية في القاهرة في جو ديموقراطي وبالإنتخابات الحرة وأعطى الجميع أصواتهم بالتزكية بدون منافسة الرئاسة لها للسيد مصطفى البركي وتم الإنتخاب بالأصوات والاقتراع ونجحت وأصبحت عضوا بمجلس الإدارة مما بعد فترة عندما قررت الرجوع إلى أمريكا إعتذرت وإنسحبت من العضوية تاركا المجال للبعض من الغير الوطنيين الترشح للمكان الشاغر في غيابي حيث الإقامة الدائمة أمريكا .
              يوم إغتيال المرحوم المحامي محمود نافع بلندن إجتمع المجلس للرابطة في إجتماع طوارئ لدراسة الأبعاد الكثيرة عن المأساة التي حصلت للوطنيين والغدر من نظام القهر وكان الإغتيال الثاني وتقرر إرسال برقية للرئيس السادات بالسماح لنا بإحضار جثمان المرحوم ودفنه في مصر وفتح باب التأشيرات لليبيين الوطنين للقدوم واللجوء إلى مصر للأمن والأمان على أرواحهم من الإغتيال والقتل ، وكتبنا الصيغة بالرابطة وذهبت شخصيا إلى مكتب بريد الدقي بالمساء وبعثتها إلى رئاسة الجمهورية واليوم الثاني بالضحى وصل وفد من رئاسة الجمهورية من 3 مسؤولين كبارا بالدولة المصرية بناءا على تعليمات الرئيس السادات شخصيا بتعزيتنا كرابطة ليبية في المرحوم والسماح لنا بإحضار الجثمان ودفنه في مصر وإبلاغنا ان الأوامر صدرت لوزارة الخارجية بالسماح لدخول الليبيين المعارضين للنظام في ليبيا إلى مصر من جميع المنافذ الحدودية بتأشيرات تصدر منها في الحال تحت ضمانة الرابطة أو أحد الشخصيات الليبية المقيمة في مصر مما قبلنا التعزية وشكرناهم على الحضور والمؤاساة وفتح الأبواب للجوء مما كان له الأثر الطيب في نفوسنا من هذا الموقف الجاد النبيل والمشرف.
               بعد عدة أيام وصل الجثمان إلى القاهرة وواجهتنا عدة مشاكل أولها عدم وجود قبر لدفنه حيث المدافن في مصر خاصة وتم الاتصال عن طريق الحاج محمد السيفاط مع الملك ادريس السنوسي رحمه الله تعالى، الذي تبرع بقبر محجوز له في منطقة كرداسة لدفن المرحوم الضحية، والذي بعد مدة اشترت الرابطة قطعة ارض بالمنطقة وأقامت عليها مقبرة لليبيين الذين توفوا بعدها بالقاهرة موجودة وقد أمتلأت بالمراحيم المعارضين والهاربين من الأهوج القذافي....  وواجهتنا مشكلة أخرى قلة المجموعة الليبية التي سوف تشيع الجنازة إلى المثوى الأخير حيث الكثيرون خائفون من الملاحقة يوما من اللجان الثورية المندسين والذين سوف يقومون بكتابة  تقارير وإلتقاط صور عن الجميع.  تغلبت الرابطة على المشكلة بحشد مجموعات كثيرة من إخوتنا المصريين لمسيرة الجنازة معنا حتى أصبح العدد حوالى 500 مشيع . قامت السلطات المحلية مشكورة بإخلاء وإغلاق ساحة ميدان التحرير الضخمة من المارة وحركة السيارات وصلينا على الجثمان صلاة الجنازة في جامع مكرم عبيد وخرجنا في مظاهرة صاخبة رافعين التابوت على الأيادي والأكتاف نذكر في الذكر الجنائزي الإلاهي والهتاف بأصوات مثل الرعد ، وفجأة نطق السيد حسني غوله عبر الميكرفون مرددا: "لا إلاه إلا الله ، إمعمر عدو الله"  وردد وراءه السيد مصطفى البركي الهتاف مما الجميع رددوه بقوة بعض الطريق حتى عبرنا الساحة وركبنا السيارات العديدة التي كانت في الانتظار للموكب الجنائزي ذو الطابور الطويل وسيارات شرطة المرور أمامنا تفسح لنا الطريق المكتظة بالسيارات والمارة حتى وصلنا إلى المقبرة حيث تم وضع تابوت الجثمان على الأرض والذي كان باردا جدا حيث أخرج من الثلاجة نظير حرارة الطقس العالية في القاهرة وقام بالتأبين البعض ومنهم السيد مصطفى البركي الذي ألقى بيانا مؤثرا حزينا بإسم الرابطة عن جميع الليبيين يندد بالفعل الاجرامي والكثيرون يقومون بالتصوير بالأجهزة العديدة للإعلام والبعض من الأجانب المدسوسين مما ظهرت شخصيا على العلن صورة وصوتا !
                     رجعنا إلى مقر الرابطة وقمنا بمجلس عزاء للمرحوم لعدة أيام حيث حضره الكثيرون للتعزية والبعض جواسيس لجهات أمنية كثيرة ليبية وغيرها عن ردود الأفعال والحضور ولم نهتم بالأمر كثيرا منطلقين من المقولة المأثورة  للسيدة فاطمة الزهراء :"هل يهم الشاة سلخها بعد ذبحها".
               قضيت عدة شهور بالقاهرة مليئة بالأحداث ، مرت وكأنها يوما واحدا من العمر مع أنها كانت شهورا مهمة من تاريخ بلادي ففيها تم اغتيال الكثيرين من المعارضين الليبيين بالرصاص أو الذبح بالطعن المميت كما حدث لإبن خالي المرحوم أحمد عبدالسلام بورقيعة من مدينة طبرق في مانشستر في بريطانيا من قبل غوغائيي  فرق الموت اللجان الثورية وأغمضت الدول الأوروبية عيونها عن المجازر التي وقعت في أراضيها والذي كان القتلة يتبججون وهم يرقصون على جثث الضحايا كما حدث في لندن عندما تم إغتيال المرحوم محمد مصطفى رمضان كأول ضحية في مسلسل الإغتيالات وهو خارجا بعد أداء صلاة الجمعة في المسجد الكبير ... وتجدد حدوث الأمر عندما أغتيل المحامي محمود نافع حيث هؤلاء القتلة ، للأسف الشديد لا يلاحقون قضائيا نظير تبادل المصالح ويرجعون إلى ليبيا ويكافؤون على فعلهم الشنيع وكأنهم أبطال مغاوير. مما دمغت ليبيا بصفة الإرهاب والتي عانى منها الشعب الليبي معاناة كبيرة ودفع ثمنها الأبرياء المظلومون .
               تحصلت على تأشيرة أمريكية بعد صبر طويل وطول إنتظار وكانت فرحة كبيرة عن طريق الأمير عبد الله عابد السنوسي الذي كانت له بعض العلاقات والمعرفة مع السفارة ، وودعت الجماعة والقلب يدمى فقد كانت اياما حلوة قضيتها مع الإخوة في النضال من أجل الوطن ، ورحلت إلى أمريكا بعد غياب حوالي 8 أشهر عن العائلة والأولاد وكنت مطمئنا على إقامتهم لوحدهم بالغربة بوجود خالهم صهري قريبي من نفس العائلة الطالب حمدي محمد زعطوط الذي كان نعم الخال وقام في غيابي بالواجب .
             قابلت الأخوة حسني ومصطفى عدة مرات في القاهرة وتعرف جاب الله بهم عن طريقي وكانوا إخوة رائعين من حيث الرجولة والوطنية الطاهرة التي تنبع من القلب والضمير وليست زائفة كما عند الكثيرين وبعد سنوات عديدة تقابلت مع المناضل حسني غولة في مدينة درنة على مأدبة غداء لدى أبن أخي وحاولت أستضافته وبقاؤه معنا عدة أيام ولكن إعتذر حيث ليس له الوقت الكافي فقد كان مستعجلا وإحترمت طلبه حيث من الوارد أن  يكون في مهمة نضالية ، ووعد بزيارة خاصة لنا في درنة لأرد له بعض الجميل الذي طوق عنقي به أثناء مرضي والإقامة معه عدة شهور في القاهرة.
            بعدها بمدة سمعت أنه توفى فجأة ولم أصدق الخبر مع علمي أننا جميعنا سوف نموت ولكنه صغيرا بالسن في منتصف العقد الرابع على ما أعتقد وكانت صحته جيدة، ولا أعرف كيفية وفاته في حادث أم وفاة طبيعية وشكوكي انه ضحية النظام، وإذا أطال الله تعالى في العمر يوما سوف أسأل معارفه او أحد أفراد عائلته عن الحقيقة فقد كان إنسانا شهما كريما ومناضلا من أجل الوطن طواه النسيان ولكن ذكراه لدى الكثيرين سوف لن تنتسى ولا  مواقفه الوطنية العديدة التي من المفروض تسجيلها كأعمال لمناضل في سجل تاريخ الوطن الذهبي حتى تعرف الأجيال القادمة قيمة الرجال الذين ضحوا واستشهدوا من أجل الوطن.

              والمرحوم مصطفى البركي الذي كنت أزوره في بيته زيارات خاصة في كل مرة أتواجد فيها في القاهرة وبيننا طعام ماء وملح ومحبة في الله تعالى ، وتقدير وإحترام وكثيرا مادعاني على وجبات الغداء في بيته فكما قلت من قبل عن الكرم فهذا المناضل زاد وكفى، ونظير ظروف معينة والخوف من إصطياده في القاهرة وخطفه من قبل المخابرات المصرية المتعاونة مع الأمن الليبي كما حدث لكثيرين أمثال المناضلين جاب الله حامد مطر ، والسيد منصور الكيخيا، وغيرهم، مما إضطر إلى الهرب بسرعة إلى بريطانيا رغم أنه كان مريضا وكبيرا في السن واستقر بها لفترة حتى توفاه الله تعالى هناك الله يرحمهم ويحسن لهم فقد كان هؤلاء نعم الإخوة والرفاق الذين ذكراهم عالقة بذهني إلى آخر نفس لي بهذه الحياة...والله الموفق...

                 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Wednesday, August 17, 2011

قصصنا المنسية 3


 بسم الله الرحمن الرحيم

رجال ليبيا المنسيين 

القاهرة في الثمانينات
            تلقيت إتصالا  هاتفيا من صديقي جاب الله  يوم 1981/1/1م يهنئني بقدوم السنة الجديدة قائلا أن الأمور جيدة وعائلته في القاهرة الآن ويرغب في اللقاء معا في أقرب فرصة في سويسرا وتم الإتفاق على الحضور وإعلامه عن تاريخ وميعاد وصول الطائرة ، وحجزت للسفر من مدينة كوربس كريستي على خليج المكسيك الحدودية حيث أقيم وقتها عبر مدينة هيوستون ونيويورك ومنها إلى سويسرا جنيف وكنت مرهقا من الرحلة التي أستمرت حوالي يومين من السفر، ساعات كثيرة في الجو والترانزيت في المطارات ووصلت جنيف في الصباح الباكر وكان البرد شديدا والثلج أكواما يغطى كل شئ بالبياض والرفيق جاب الله في الإنتظار في ردهة المطار وركبنا سيارته إلى الشقة المؤجرة في مدينة لوزان وقد أحسن الأختيار حيث كانت آمنة وأمامها في العمارات المقابلة مركز شرطة مما لا يفكر أي أحد أو تخطر على البال أن ليبيين معارضين لنظام القذافي مطاردين ومطلوبين من النظام القمعي يقيمون هناك حيث أعوان النظام من اللجان الثورية وقتها تنقصهم الخبرات والبراعة وجل إعتمادهم على العمل الغوغائي ودفع  المبالغ الطائلة من المال بدون حساب للحصول على المعلومات .
                         أقمنا مدة 3 أيام بالشقة لم نخرج منها حيث المدينة مغطاة بالثلج الناصع البياض ، ولدينا بالشقة جميع المطلوبات من مواد غذائية سبق شراؤها عندما وصلنا ، نطبخ في طعامنا وأكلاتنا الليبية حسب الرغبة ومعظم الوقت في جلسات عمل مستمرة ونقاش هادف للسعي بقوة الدفاع عن آنفسنا والآخرين الليبيين الشرفاء من القتل والتصفية الجسدية ، التي القذافي بدأ يردد في خطاباته الرنانة الملتهبة الوعيد والتهديد بالرجوع للوطن أو القتل والتصفية!
             شرحت له معظم الأفكار الخارجية وعن مظاهرة واشنطن التي حضرتها وكانت بترتيب من إتحاد الطلبة المعارض في أمريكا ، وعن رحلتي إلى المغرب وحضور المؤتمر الأول للمعارضة من قبل الحركة الوطنية الديموقراطية بإدارة المناضلين ( نوري الكيخيا + فاضل المسعودي ) وعبرت له عن عدم الرضاء بالطرق البسيطة التي يعملون بها في الفضح والمركزة على الإعلام فقط بإصدار مجلة صوت ليبيا حيث النظام قمعي ولا يعرف الا لغة القوة وإستعمال العنف كرد بالداخل والخارج .
              حيث أؤمن بأن المعارضة المسلحة هي الطريق الأسلم والتي سوف تقلق بال النظام حتى لا يتمادى أكثر وأكثر ومع الوقت سوف تنتصر مهما طال الوقت ، تحتاج إلى رجال مؤمنين صابرين مستعدين لبذل الأنفس والتضحية في سبيل الوطن والإعتماد على السرية التامة ، في العمل ،حتى يستطيعون الحركة بسهولة ، ولهذا السبب والفكرة طلبت منك عدم الإرتباط مع اي أحد حتى نتشاور ونتبادل الأفكار .
                      تلاقينا في الهدف بعد نقاشات طويلة عديدة وحوارات ، وخرجنا بفكرة إنشاء تنظيم جيش الإنقاذ الوطني يوم 1981/1/6م برئاسته نظير عوامل كثيرة السن والخبرة والمعرفة الشخصية بالعديد من الضباط المتقاعدين في ليبيا وأرجاء العالم كقناصل وسفراء في ذلك الوقت الذين سوف يصبحون عوامل مساعدة ومساندة فعالة فى خلق شبكة معلومات قوية في الإفادة والتوجهات والمساندة لقضيتنا عما يدور من أمور مشينة من خلال رجال القذافي القادمين من ليبيا والذين يحتاجون للسفارات والقنصليات لتسهيل أعمالهم ودفع الاموال لهم .
               قررنا البدأ بالرحلة للتعريف بتنظيمنا الجديد وأول محطة لنا كانت المغرب حيث تم أتصال هاتفي مع الحاج محمد الصيد (الله يرحمه) الذي كان يوما بالعهد الملكي السابق رئيس وزراء والذي تعرفت عليه في رحلتي السابقة للمغرب في المؤتمر، وطلبت منه أن يسهل لنا الدخول كمعارضين مما وافق وبعد يومين سافرنا إلى الدار البيضاء وكان في إنتظارنا شخصيا بالمطار مع سائقه حيث سهل لنا إجراءات الدخول وتعرف برفيقي جاب الله الذي لم يكن يعرفه من قبل شخصيا مع أنهم أولاد عم ينتمون لقبيلة واحدة (زوية).
                    أقمنا في فندق صغير في الرباط حتى لا نظهر بمظهر تجار ورجال أعمال وذلك كتقشف ومحاولة الصرف في أضيق نطاق حتى نوفر القليل فالآن الصورة تغيرت حيث مناضلين معارضين وأعين أجهزة أمنية بالعالم كثيرة تراقب في صمت والبعض يتعاون مع نظام القذافي في تبادل المعلومات لقاء مصالح معينة وإغراءات وحوافز مادية ، وتم الإتصال مع إحدى إدارات المخابرات المغربية بالقصر عن طريق الحاج محمد الصيد وبضمانته وحدثت لقاءات مثمرة مع إخوتنا المغاربة حيث المملكة المغربية تعاني الكثير من شطحات القذافي الذي كان مؤيدا بالمال والدعم القوي  لجبهة البوليزاريو التي تناضل من أجل الإنفصال والاستقلال عن دولة المغرب .
                   تم الاتفاق بعد النقاشات العديدة والشرح المستفيض بأن يقدموا لنا في سرية وصمت بعض التسهيلات من تدريب المجندين وإيواء للقادمين وبعض جوازات السفر للتنقل حيث جوازات سفرنا الليبية إنتهت صلاحياتها ولا نريد التعطيل في أي مطار آخر نظير الإشتباه، مما كان له أكبر الأثر في نفوسنا وشجعتنا على المضي للأمام بأن البداية بدأت تبشر بالخير والنجاح ، وحدث لنا حدث بسيط ولكن آثاره وجروحه العميقة بقيت فترة طويلة بالنفس لم أستطع التغلب عليها وكانت أحد العوامل والتشكيك في عدم المصداقية مع الآخرين وعدم الوحدة والاتحاد مع بعض كفصائل معارضة ضد نظام القهر القذافي .
                 أثناء الغداء في قصر الحاج محمد الصيد خلال الحديث سمعنا منه ان الدكتور إمحمد المقريف إستقال من منصبه كسفير ليبيا في الهند ومقيما في المغرب مما الرفيق جاب الله أصر على مقابلته حيث يعرفه ويعرف عائلته وأخذ عنوان البيت المقيم من الحاج للإتصال واللقاء به ، عندما خرجنا بعد الغداء طلب من السائق بأن يمر على العنوان ، ولما وصلنا أمام البيت وطرق السائق الباب  عدة مرات مما فتحت الباب حرم المقريف وقالت عنه أنه ليس موجودا مما نزل الرفيق جاب الله من السيارة وقابلها والذي كان جاب الله يعرفها وترك لها عنواننا في الفندق طالبا منها أن يتصل بنا عند عودته  ورجعنا إلى الفندق للراحة ، وقلت لرفيقي أنه موجود بالبيت ولا يريد أي زيارة وقد صدق حدسي مع الوقت حيث كان خائفا حتى يتأكد من قصدنا الشريف في البحث عنه .
                عادة جاب الله أن ينهض بالصباح الباكر كل يوم وكنت شخصيا أحب نوم الصباح من كثرة السهر والأرق ولإغاظتي وليجعلني أفيق من النوم مثله كان يطلب وجبة الإفطار لنا بالهاتف موجها إلى غرفتي وعندما يطرق الباب وأنهض رغما عني مذعورا وأفتح الباب أجد النادل يدفع  عربة الفطور مما أكتم الغيظ وأرد على التحية، لأبدأ اليوم بالسلام بدل الشجار ، وأثناء ذلك كان يدخل للغرفة وهو جاهزا ومتأنقا وبيده الغليون وصحيفة الصباح ليقرأ العناوين مما أضطر للدخول للحمام ، وحمام سريع بالمياه الباردة حتى أفيق وأجهز نفسي بسرعة لنبدأ اليوم الجديد في الحديث مبتسما فرحا على إغاظتي أثناء تناول الفطور .
                  ذاك اليوم ونحن على طاولة الفطور حوالي الساعة 9 صباحا دق جرس الهاتف بالغرفة طالبا جاب الله مما سلمت السماعة له وتكلم مع المتصل وأنهى المكالمة وقال لي أن المقريف بصالة الفندق وسوف يأتي إلى الحجرة ومرت دقائق حتى وصل وفتحت له الباب للدخول وتردد حتى شاهد جاب الله وأردت إغلاق الباب ولكن طلب مني تركه مواربا بدون إغلاق مما فعلت وتطلعت إلى الممر وكان أحد حراس الأمن بالممر لحراسته وتم التعارف معه ، وجلس على أحد الكراسي وهو في حديث مع رفيقي وعينيه تدور في كل أتجاه حائرة وبعد حديث قصير نهض فجأة وغير الكرسي بآخر وكأنه يشك فينا وخلال تقديم القهوة وبطريقة كأنها عفوية غير الجلسة إلى الكرسي الأول المقابل للنافذة كشىء من الحس الأمني مما شككت في الأمر نظير كثرة الأطلاع والقراءة للقصص البوليسية والجاسوسية ومشاهدة الأفلام والدراسة في عدة دورات أمنية أن الرجل مذعورا خائفا من أي شىء وأمر قد يحدث له من ناحيتنا.
            إستغرقت الزيارة  حوالي الساعة في أحاديث عامة عن الوضع في ليبيا وأخبره جاب الله بالتنظيم ولم يبدي أي تعليق على الأمر حيث كان يسعى لإشهار تنظيم جبهة الأنقاذ ليكون على رأسها وزعامتها ، وتم اتصال هاتفي له من أحد مرافقيه ليتأكد من سلامته وقال أنه سوف يودعنا بعد دقائق ووعد بلقاء آخر ولم يحضر ولم يقوم بالدعوة لنا إلى مأدبة غداء أو عشاء في بيته حيث مقيما في الرباط حسب العادات الليبية وكرم الضيافة حتى سافرنا إلى القاهرة مصر بعد عدة أيام.
                  على العكس من ذلك ، كنا كل يوم مدعوين على الغداء لدى الحاج محمد الصيد رحمه الله تعالى الذي كان مصرا على حضورنا يوميا طالما نحن موجودين في الرباط وكان يبعث لنا  السائق ليقوم بإحضارنا، وعندما دخلنا إلى الصالون وشاهدنا قال الحمد لله تعالى على السلامة ورددها أكثر من مرة ولم تفوتني الملاحظة فقلت له متسائلا بسرعة ياحاج هل في أي أمر نحن نجهله ؟ مما شعر بإرتباك وأصريت أن أعرف وحاول التملص وقال لي بدعابة وإبتسامة أنتم الدراونة مشهورين بقوة الملاحظة (قيادة الاحوال) مما زدت إصرارا للمعرفة وقال بعد الإنتهاء من تناول الطعام ونجلس لتناول الشاي سوف أخبركم بالموضوع .
                في جلسة هادئة بعد وجبة الغداء وتناول الفاكهة والشاي أخبرنا الحاج بأمر خطير أن المقريف قام بإبلاغ السلطات المغربية بأننا قدمنا للمغرب بصفة رجال أعمال معارضين كتغطية لإختطافه أو قتله وتصفيته جسديا ، وطلب منا كتمان الأمر والإحتفاظ به لأنفسنا حتى نعرف مع من نتعامل حيث السياسة بحور عميقة لا يستطيع أي مناضل السباحة فيها بدون ان يتعرض إلى وحوش وإيذاء ، والحمد لله تعالى على صفاء النوايا وضمانة الحاج محمد الصيد مما حفظت الشكوى ولم يتم الإستدعاء كمتهمين والتحقيق معنا في الامر وكنا واجهنا مصائب ومصاعب نحن في غنى عنها حتى نثبت براءتنا من الموضوع حيث إختلاق.
                    كانت صدمة لنا وبالأخص لجاب الله صديقه الذي تأثر من الموقف والتصرف بالإتهام الباطل ونحن شرفاء قصدنا اللقاء معه نبيل، وتندرت على رفيقي طوال وقت الأقامة بالمغرب بأن هذا الإنسان خائفا مذعورا يرغب في الشهرة ولو على حساب الآخرين الأبرياء وقررت أن أتعامل معه مستقبلا بكل حذر حتى لا أقع في المحضور والمشاكل نتيجة طيابة القلب والنوايا الخيرة وكانت الصدمة والوشاية أحد الدروس التي تعلمتها و كنت دائما ضد الإندماج مع تنظيم الجبهةالوطنية للإنقاذ طالما هو على رأسها.
                 ممكن التعاون بيننا في تبادل المعلومات والمشورة للمصلحة العامة وكل تنظيم وطرف في حاله مما كان على المدى البعيد خطأ قاتل أرتكبته فالمفروض الوحدة والإتحاد وليس وجود الأشخاص مهما كانت تصرفاتهم فالزمن كفيل بإسقاط الضعفاء الرموز الغير قادرة على المضي في المسيرة النضالية كما حدث مع الكثيرين من التنظيمات الليبية التي خرجت للنور قزمية بسرعة نظير العواطف والإندفاع من بعض زعمائها وقيادييها مؤقته وتلاشت وإنتهت بسرعة عندما بدأ ت الضغوط في العمل الفعلي في الميدان حيث هو الإمتحان الصعب للفوز والنجاح .
                رجعنا من المغرب إلى القاهرة عن طريق اليونان تفاديا للمرور عبر ليبيا لأن القذافي وقتها أجبر العديد من الرحلات بالهبوط في ليبيا والقبض على بعض الركاب كما حدث مع معارضين سودانيين وتم تسليمهم إلى نظام الرئيس جعفر النميري الذي قام بتصفيتهم متحديا القوانين والأعراف الدولية، وقد حدث لنا موقف خطير طريف بالسابق ولكن الله تعالى ستر فقد كنت في رحلة جوية على متن أحد الطائرات الخطوط الجوية الملكية المغربية من القاهرة إلى الدار البيضاء بالمغرب مع الرفاق المناضل فاضل المسعودي والمحامي جمعه إعتيقه سبتمبر 1980. وأثناء الطريق عبر ليبيا ، فجأة الأضواء الحمراء بدأت تنذر بالخطر والطائرة في هبوط استمر بعض الوقت والقائد عبر الميكروفونات يتكلم طالبا الهدوء حيث سوف يهبط في أقرب مطار ممكن حيث الطائرة بها عطل وكنا في أجواء طرابلس ليبيا ونحن الثلاثة مطلوبين من النظام بأي ثمن مما صعقنا من الأمر وهزنا القلق والرعب مراجعا في الفكر الإستقبال والكرم الذي ينتظرنا في مطار طرابلس لو هبطنا في ليبيا من قبل اللجان الثورية فقد جئنا للمجنون في عرينه ولم ترتح الأعصاب ونهدأ حتى شاهدت العلم الأحمر ، العلم التونسي،   حيث هبطنا إضطرارا في مطار قرطاج تونس العاصمة وكانت فرحة وتعلمت الدرس بالمستقبل عدم ركوب أية  رحلة جوية عبر ليبيا مهما كانت الحاجة منعا للشك.
                 بالقاهرة نزلت ضيفا لدى الصديق الطالب في السنة النهائية بالطب وقتها المناضل حسني غوله الترهوني بشقته بالقرب من شارع شهاب بالدقي مقيما حوالي الأسبوعين في لقاءات وجلسات يومية جميع مواضيعها تدور على القضية الليبية والشرح الكثير للإخوان عن التضامن وترك المهاترات والسعي بقوة في فضح رموز النظام والعملاء للجهات الأمنية في كل مكان يقيم فيه الليبيون الوطنيين حتى تضيق الحلقات عليه مع الوقت ويقرب وقت الخلاص .
                تعرف الرفيق جاب الله على جميع الرفاق المناضلين الذين أعرفهم بالسابق أولهم مضيفي الساكن معه المناضل حسني غولة الترهوني والسيد سيف النصر عبدالجليل والمناضل مصطفى البركي من بنغازي ورجل الأعمال فرحات عبدالحميد الشرشاري من صرمان والعشرات غيرهم من الرفاق والإخوان حيث كنت عضوا سابقا في مجلس الإدارة في الرابطة الليبية الإجتماعية والتي تضم العشرات منهم  وكنت معروفا لدى الكثيرين من المهاجرين الليبيين ومع الوقت سوف تأتي وتظهر أسماء الكثيرين حسب المواقف وتسلسل الاحداث . قمنا معا خلال السنوات بزيارات عديدة لكثير من الدول والتعريف به كرئيس للتنظيم الجديد الوليد طالبين الدعم والمساندة كل مواطن حسب قدراته وجهده وبالأخص المعلومات الجيدة من داخل ليبيا حتى تستعمل في الطرق الصحيحة لإثبات المصداقية وخنق النظام وفضحه تدريجيا للرأي العام العالمي مما حققنا بعض النجاح .
                 تقدم التنظيم وكبر وإزداد في العدد ودخلت عناصر أخرى جيدة من الرجال الوطنيين منهم السيد سليمان الكبير من مصراته والسفير السابق في كوريا الجنوبية السيد عاشور بن خيال والسيد الصابر مجيد الغيثي المهاجر والمقيم في لندن والمحامي جمعه أعتيقه المقيم في روما والسيد فرحات الشرشاري المقيم في القاهرة والمرحوم جمال فرحات من الزاوية وكثيرون من الشباب الذين وقتها كانوا طلبة في الجامعات في دول عديدة بالعالم لأستكمال دراساتهم والذين أثبتوا مع الوقت أنهم رجال المستقبل يعتمد عليهم في النضال المسلح.
                وتسرب إلى التنظيم أعضاءا مندسين أشباه رجال أثبت الايام وطول المسيرة نفاقهم للسعي والحصول على مكافئات ومزايا وكانوا عالة على أكتافنا وعوامل هدم بدل الإصلاح والصلاح ولا أريد الفضح وكتابة أسماؤهم للتاريخ منعا للإحراج حيث عضوا الأيادي المحسنة لهم بقوة وتم دس السموم والسوس بدأ ينمو مع الوقت وبدأنا في التصفية والإسقاط للبعض وحجب المعلومات المهمة عنهم حتى لا يتمادون أكثر في الإفساد وزرع بذور الشك والتشكيك في أوساطنا .
               تغير إسم التنظيم بعد 5 سنوات على أنشائه إلى إسم الكفاح الوطني وبدأ يتجه إلى منحينات أخرى خطيرة وذلك نظير الإقتراع والتصويت من الرفاق في مجلس الأدارة ، مما حاد عن الهدف المتفق عليه في البدايات العمل المسلح إلى الإعلام وتفاديا للمشاكل مع الرفاق والفضح والقيل والقال، إنسحبت في هدوء متنازلا عن جميع المراكز في الهيكل العام بالرغبة ومع الوقت خرجت نهائيا من التنظيم الذي شاركت في إنشائه وإحيائه وقدمت الكثير والكثير من الجهد والمال والتضحية بكل مالدي من أجل ليبيا الوطن متمنيا لهم النجاح والتوفيق طالما جميعنا نسعى لنفس الهدف الإطاحة بالنظام ومازلت أخا وصديقا لكثيرين من الأحياء الذين في يوم من الأيام ربطتني بهم صلات قوية وأخوة في النضال والكفاح وطعام وماء وملح وتعلمت من خلال الدرس القاسي كيفية الفراسة في إختيار الرجال الرفاق ، فليس كل واحد برجل فكثيرون أشباه رجال ضررهم أكثر من نفعهم ، وكانت تجربة مريرة تعلمت الكثير طالبا من الله عز وجل أن يسامحني ويسامح الجميع على أي تصرف خاطئ وضرر تسببت فيه بدون علم .
               إستمرت العلاقةالأخوية مع المناضل جاب الله وعائلته وأولاده زياد وهشام مع عائلتي وأولادي وفجعت بأمر إختفائه عام 1989م طالبا من المولى عز وجل أن يرحمه ويحسن له اذا كان متوفيا وأن يفك أسره اذا كان أسيرا في سجون القذافي تحت أي أسم آخر حسب آخر معلومات لدى وأستمرت العلاقة بين العائلات إلى كتابة هذه السطور ولن تنفصم طالما نحن أحياء بإذن الله تعالى فعلاقتنا فوق أي مسميات تعتمد على الأخوة الصادقة من القلب والروح .
                إنني مهما كتبت عن الرفيق جاب الله مطر المناضل من أجل ليبيا الذي وهب نفسه وروحه للقضية الوطنية ،  لن أستطيع أن أعدد الفضائل والحسنات خلال العلاقة والأخوة والشراكة والنضال ومها شكرت لن أوفيه حقه فقد إستمرت علاقتنا أكثر من 16 عاما مررنا فيها بأفراح وأتراح ، وسعادة ومشاكل ولكن إجتزناها ومررنا عبرها بالحوار والتفاهم والإتفاقات التي لا غالب ولا مغلوب لأي واحد منا، بصفاء النوايا وبقلوب وعقول مفتوحة لسماع الرأي والرأي ألآخر مما زاد في عرى الأخوة والصداقة والرفقة بيننا، الله يرحمه إذا كان متوفيا فهو شهيد القضية الليبية ضد نظام الطاغية القذافي تآمر الخونة القذافي والرئيس حسني مبارك وضاع الرجل الوطني لقاء المال والمصالح والرشاوي، ولكن اذا أطال الله في أعمارنا وأصبحنا ذوي قرار يوما، لن نتوقف عن المطالبة عنه حتى تفتح الملفات من جديد ونعرف جميع الملابسات عن إختفاء الرجل الشهيد المناضل ويقدم كل مجرم شارك فى القبض عليه إن كان حيا يرزق إلى العدالة، فدم الشهيد المناضل جاب الله مطر لن يذهب هباءا منثورا وسوف تخلد ذكراه في سجل الوطن الذهبي بمداد من الذهب بالخير إلى ماشاء الله تعالى ولن ننساه طالما نحن على قيد الحياة . والله الموفق .

              رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع ....

Monday, August 15, 2011

قصصنا المنسية 2

 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين

              أردت البدء في تدوين تاريخ بعض الشخصيات النضالية من قافلة طويلة، سواءا أحياءا يرزقون أم شهداء في ذمة الله تعالى متوفين الذين عرفتهم يوما من الأيام معرفة شخصية ، محاولا قدر الإمكان ساعيا بأمانة وضمير تسطير كل ما عرفته وعلمته عنهم خلال المعرفة والأخوة والرفقة والنضال طالبا من الله عز وجل للموتى الرحمة والمغفرة ، وللأحياء التوفيق والنجاح ودوام الصحة والعافية لهم حيث من وجهة نظري الخاصة قدموا الكثير من أجل قضية الوطن النبيلة ولم يتم ذكرهم وتكريمهم عرفانا بالجميل .

              بادئا بالمناضل جاب الله حامد مطر من مدينة إجدابيا قبيلة زويه الذي إختفى في ظروف غامضة عام 1989م حيث تم إستدعائه كضيف أحد فروع المخابرات المصرية الأمنية في القاهرة بمصر للحديث وبحث بعض المواضيع بالجالية والمعارضة الليبية حسب ماسمعت من عائلته وبعض الرفاق ، وقام بالزيارة لهم كالعادة وهو خالي البال عما يحاك له من دسائس ومؤامرة على حياته وإستقبل بكل الحفاوة والإحترام .

             كان الحديث طويلا ومتشعبا بينهم وقدمت له القهوة كالعادة بها مخدرا مما فقد الوعي ووخز بإبر مخدرة حتى لا يفيق حتى وصل إلى طرابلس في رحلة جوية خاصة بعد ساعات.... وعندما أفاق ورجع له الوعي وجد نفسه مكبلا بالقيود تحت حراسة مشددة من قبل رجال الأمن الشامتين والفرحى بالقبض عليه وإحتجازه للحصول على الرضي والمكافئات الجزيلة من سيدهم القذافي.

               المجرم الأول وراء هذه العملية البربرية كان الرئيس السابق حسني مبارك الذي للأسف الشديد برأته المحاكم والعدالة المصرية من كل التهم أثناء رئاسته فقد تمت العملية بعلمه وضمن تعليماته لقاء حفنة من ملايين الدولارات دفعت له في حساباته بالخارج من قبل القذافي الذي عرف نقاط ضعفه وشهوته للمال الحرام وعمالته ، وعرف كيف يشتريه بالمال وضيع اسم مصر العظيم وشوهه وهي التي كانت من قبل أيام المرحوم الرئيس السادات بلد الأمن والأمان....

              لقد تابعت أخباره واطلعت على  قصة اختطافه والقبض عليه في كامل الدقة و السرية ،  في ليبيا بعد عدة سنوات عندما رجعت إلى هناك مارس 1991م  لأنه كان بالنسبة لي أخا من الدهر وليس من الظهر وصديقا ورفيق كفاح وشريكا في شركة النجم الأخضر للتجارة والمقاولات التي كانت غطاءا لتمويل الكفاح ضد نظام الطاغية من دخلها البسيط الحلال حتى نعيش ونتحمل المسؤليات الجسام التي آلينا على أنفسنا حملها لخدمة الوطن بشرف وبدون أطماع مستقبلية في الاستغلال او الحكم .

               لقد عرفت الرجل بالصدفة فقد كنت في أحد الأيام في طرابلس لبعض الأعمال مقيما في فندق البحر الأبيض المتوسط فى صيف عام 1973 م حيث دعاني صديقي الحاج فرج تربح إلى مأدبة غداء في بيت صهره ، زوج أخته،  العائد من أمريكا بعد أن أنهى الخدمة الدبلوماسية في البعثة الليبية في نيويورك كقنصل،  وحاولت التملص والإعتذار ولكن أصر على مجيىئي ووافقت على حضور الوليمة ولم أعرف أنها سوف تكون فاتحة خير وروابط كثيرة عديدة مستقبلية وأخوة تربطنا مع بعض في كثير من الأعمال التجارية والنضال.

              أستقبلني السيد جاب الله  بحفاوة وترحاب في بيته وقدمنى الحاج فرج صهره بأنني رجل أعمال فى مدينة درنة في التجارة والمقاولات ، والغداء الشهي والحديث والحكايات المتعددة أثناء شرب أكواب الشاي الأخضر وتناول الفاكهة حتى قيام آذان العصر مما إستأذنت للذهاب ولم تكن معي  سيارة مماأصر أن يوصلني بسيارته إلى الفندق وكنت محرجا حيث لا أريد له التعب .

             أثناء الطريق تجاذبنا الحديث في مواضيع عديدة حتى وصلنا إلى باب الفندق ، وعرفت بالحدس أنه يفكر في ترك وظيفة الدولة والعمل في القطاع الخاص الحر بدون قيود في أي مشروع لحسابه ولكن ليس لديه الرأسمال ولا الخبرة والمعرفة التجارية الواسعة حيث كان ضابطا بالجيش الملكي برتبة مقدم وجميع معلوماته وخبراته عسكرية إلا بعض الخبرات التي إكتسبها في الادارة من وجوده في العمل بالسلك الديبلوماسي كقنصل يمثل ليبيا أيام إقامته لفترة بسيطة في بعثة الأمم المتحدة في نيويورك أمريكا .

                شجعته على الفكرة ، ان التجارة الحرة هي المستقبل الواعد في ليبيا حيث بلدنا مقدم على مشاريع كبيرة للبناء والاستثمار الجيد وله أرباحا كثيرة وكبيرة مما وافقني في الأفكار وتم الإتفاق بان يأتي بالغد إلى المكتب في عمارة طاطاناكي الدور الرابع في شارع المقريف للنقاش عن الأعمال ،  مما وافق على اللقاء بعد صلاة العصر.

              اليوم الثاني فى الميعاد وصل للمكتب وإحتفيت بالزيارة و تحدثنا كثيرا في مواضيع عديدة أثناء شرب القهوة وشعرت بصدقه وحديثه الرزين وإتفقنا على التعاون مع بعض في عمل تجاري مفيد لنا  كشركاء مستقبلا عندما يتحصل على الاستقالة من أمانة الخارجية التي سوف يسعى فيها من الغد بناءا على الوعد بالتمويل للرأسمال المبدئي والخبرة التجارية من طرفي  حتى النجاح بإذن الله تعالى .

              مرت شهور على الحديث بدون أي إتصالات  بيننا حتى فوجئت يوما بإتصال هاتفي أثناء تواجدي في مدينة درنة منه من اجدابيا يذكرني بالاتفاق الشفهي الذي تم بيننا حيث تحصل على الاستقالة من امانة الخارجية ويريد البدأ ، متسائلا هل مازلت مهتما في الموضوع الذي توصلنا فيه إلى إتفاق مبدئي أم لا ...   وكان الرد السريع مازلت محافظا على الوعد طالبا منه القدوم إلى درنة حتى يتم وضع الاتفاق رسميا ضمن عقد عن طريق محرر العقود مما ذهل وقال غداً بالمساء بإذن الله تعالى سأكون في مدينة درنة للزيارة وإتمام الموضوع.

            وصل إلى درنة حسب الميعاد وأستضفته في بيتي يومين ضيفا ، ويوم وصوله بالظهر أبلغت العقيد المتقاعد السيد مفتاح الباح (الله يرحمه) الساكن في الدور الأول بعمارتي  بأن يحضر مدعوا لتناول وجبة العشاء إحتفالا بوصول السيد جاب الله مطر ، وبدون العلم و المعرفة   إستضاف بعضا من الأخوة رفاقهم السابقين المتقاعدين ذوي الرتب وقت الانقلاب من عدة سنوات فقط السادة:  الطيار محمد شنيب والسيد يوسف شخير، والعوكلي ورمضان أسطى عمر ، بحيث أصبح الضيوف ستة من ذوي الرتب العسكرية المتقاعدين  وأنا الوحيد وسطهم المضيف مدنيا .

             قبل تقديم وليمة العشاء بقليل طرق الباب وكنت أسكن بالدور الأخير بالعمارة وكان بالباب مدير الأمن الخارجي عبدالمولى العرفي  ونائبه السيد فتحي خليل كشاهد على اللقاء بحجة أنهم يريدون معرفة رقم سكن الدكتور الهندي الخاص بالأطفال المقيم عندي بالعمارة وعرفت بالحدس أنه في شىء خطير يحاك لا أعرفه بحيث يأتي هؤلاء شخصيا وعندهم عشرات الأعوان يستطيعون أيجاد الدكتور وأستدعائه ببساطة... مما تداركت الأمر عفويا بدون قصد وأصررت عليهم بالدخول وحلفت بأن يدخلوا للعشاء طالما وصلوا للباب لأنها فرصة لدي لا تعوض بحيث يصبحون شهودا لو حدثت أية تساؤلات أو مكروها مستقبلا من أية جهة أمنية أخرى  تبحث.

                حيث كنا نعيش في ظلال الخوف والرعب في صمت تحت السطح خوفا من الاتهام الجائر من أي واشى ، وقبلوا دعوة الضيافة وتناول طعام العشاء مع الجميع حيث يريدون معرفة الضيوف، و دخلوا إلى الصالون وعرفت الجميع على بعض وكان العشاء شهيا لذيذا وسهرة طويلة في ذكريات الماضي وقصص وطرائف درناوية وأحداث قديمة ولم يتطرق أي أحد إلى أي موضوع سياسي كان وكلما أراد رجال الأمن الخروج والذهاب أصر على بقائهم لنهاية السهرة ، حتى غادر الجميع البيت وودعتهم على الباب متمنيا لهم نوما سعيدا ، وبقى جاب الله الضيف لوحده حيث أكملت السهرة معه في الحديث عن أتفاقية المشاركة ووضع اللمسات الأخيرة لمقابلة محرر العقود وتسجيل الشركة رسميا بإسم شركة النجم الأخضر للتجارة والمقاولات ، والحصول على إذن ورخصة رسمية بالعمل .

                تم التوقيع لدى محرر العقود على أن يستكمل الأجراءات الرسمية وبقية المعاملات خلال فترة بسيطة ، واليوم الثاني سافر جاب الله إلى أجدابيا لزيارة والدته وإخوته ، وسافرت إلى أثينا اليونان لبعض الاعمال . وصادف الحظ أن شركة هيراكليس اليونانية لصناعة الإسمنت ، والتي كنت وكيلها  في المنطقة الشرقية ، ولديهم باخرة أسمنت حمولة الفي  طن تحت الشحن و تأخر المشتري  في فتح الإعتماد ولا يستطيعون ترك السفينة تنتظر في الميناء حتى يصل الاعتماد البنكي بالشراء وطلب مني مدير التصدير مساعدتهم في حل المشكلة ووافقت على شرائها ودفع الثمن ضد المستندات ووقعت على المعاملات هناك بإسم الشركة الجديد (النجم الاخضر) والتي مازالت تحت الإنشاء بالدفع عند الإستلام. 

               ورجعت إلى بنغازي وكان شريكي جاب الله في أنتظاري بمطار بنينا لإستقبالي في القدوم من الرحلة وعندما شاهدته قلت له ضاحكا مبتسما أبشر فعندي لك هدية سوف تصل باخرة محملة بالأسمنت قريبا إلى بنغازي كأول عملية شراء وبيع باسم الشركة الجديدة بيننا وعليك بيعها إلى التجار من معارفك وأصدقائك وكانت مفاجأة له حيث لا توجد لدينا مخازن في بنغازي في حالة عدم البيع لتخزينها ولكن السوق كان محتاجا لأي كميات تصل إلى المدينة نظير الطلب الكبير ، وقبل الأمر على مضض وكانت أول صفقة تجارية للشركة الجديدة وفاتحة خير عميم تحققت بدون علم مسبق و ترتيب وكانت ذات ربح عظيم .

              وصلت الباخرة وقام جاب الله بجميع الاجراءات والمعاملات الجمركية بالمستندات ، وأثناء التفريغ كان جاب الله يتردد على الميناء مما ملابسه إتسخت بغبار الآسمنت وكان محبا للنظافة و الأناقة وإستعمال العطور وبدأ يردد بأبتسامة عريضة لائما (آخر الزمان أترك وزارة الخارجية والمكاتب المكيفة والأحترام والمعاملة كقنصل وأغطس في الغبار بسببك ياحاج) وأرد عليه أحسن أن تكون حرا ولا مديرا على رأسك تذهب وترجع متى تشاء وتصبح مع الوقت وتوفيق الله تعالى من الأغنياء تحقق أمانيك وأحلامك ) وكان الرد منه عندك حق فالمرتب مهما كثر لايغطى مصاريف الحياة التي تزداد صعوبة كل يوم .

                  وكانت البداية في التجارة والتي إستمرت من نجاح إلى نجاح وسافرنا مع بعض إلى دول عديدة مثل  اليونان وإيطاليا وألمانيا لحضور المعارض والسويد والدانمرك لتوقيع عقود توكيل آليات رافعة وقضينا أياما جميلة ذكراها ستظل بذاكرتي إلى ماشاء الله تعالى وكتبت لي الحياة  ، ولم نحسب حساب الزمن الغدار في بعض الأحيان أنه يوما في ليبيا سيتم الزحف والتأميم على التجار ورجال الأعمال ، وتلاحقت الأمور وخدعنا من قبل النظام عندما أرغم جميع رجال الأعمال والتجار على تكوين شركات مساهمة جماعية بحيث أية رخصة مقاولات فردية تصبح ملغية بدون صلاحية في فترة زمنية ضيقة مما أضطر الجميع إلى التجمع مع بعض في فوضى بدون دراسات وتكوين شركات مساهمة ومعظم المساهمين صوريين عبارة عن وضع أسمائهم فقد كانوا موظفين وعمالا بدون رأسمال للدفع أو أقارب   لم يتم دفع أي مبلغ لتغطية حصصهم وبالتالي سببت مشاكل رهيبة بعد مرور سنوات طويلة وقت المطالبة للدولة بالأموال عن الزحف والتأميم ، مما يدل على أن سياسة الدولة في حيرة وتخبط وفساد على جميع المستويات، وأضطررت مثل غيري من ضم جميع الشركات التي كنت مالكها او مساهما فيها بالنصيب الأكبر تحت أسم واحد (شركة المدائن للتجارة والمقاولات).

               بعد الزحف والتأميم لكل الأملاك والشركات ووفاة الوالدة من الصدمة بستة أشهر هاجرت من ليبيا وخرجت بعد جهد جهيد بوجود موانع أمنية عديدة هاربا بالجلد لإنقاذ النفس من السجن والتعذيب والعقاب كما حدث لغيري من رجال الأعمال الرفاق ولكن رضاء الله تعالى والوالدين وعمل ومساعدة الرفاق والأصدقاء المعروفين والغير معروفين تمكنت من السفر يوم 1979/3/21م  من مطار طرابلس هاربا ضمن مخاطرة وقصة طويلة ثانية سوف تذكر في المدونات القادمة.

               ولم يكن بيننا أي أتصال مع  الرفيق جاب الله حتى يوما من الأيام أتصل بي هاتفيا من جنيف سويسرا قائلا أنه يريد أن يرجع إلى طرابلس لأخراج عائلته وكانت لدى فكرة عمل وقيام تنظيم سياسي فعال ضد النظام تختمر في الذهن ولم تخرج للنور بعد...  قائلا له لا ترتبط بأي عمل سياسي مع أي طرف آخر حتى نلتقي وكان بيننا أخوة وصراحة وثقة عمياء وأجابني سوف يتصل عندما يطمئن على وجود عائلته في مصر، وقد طلبت منه المجىء إلى أمريكا ليقيم في الجوار معنا أو على الأقل في لندن مجاورا رفيقنا الحاج الصابر مجيد الغيثي وكان الرد أنه يفضل مصر حسب وصية والده عندما هاجر أثناء أحتلال الأيطاليين للوطن أستقر بمصر ، والله الموفق ...

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع ....