Saturday, August 20, 2011

قصصنا المنسية 6

بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين


                    الحاج عبد المنعم قدور (رحمه الله تعالى ) أحد رجال مدينة درنة المخلصين والمناضلين في صمت من ضمن طوابير الجنود المجهولين الذين كان عطاؤهم الوطني بدون حدود في السر والخفاء ، يعلمها الله تعالى ... شموع أضاءت فترة من الزمن بالنور وتلاشت ولكن الأعمال الخيرة التي قاموا بها ولم تظهر إلى العلن إلا للقلائل من البشر العارفين ببعض المواضيع والتي سوف تبقى تشع إلى ماشاء الله تعالى .     
                 كنت أعرفه جيداً فقد كان من أبناء العمومة من  قبيلة التواجير وأخا وصديقا للأسرة طوال عقود عديدة من السنين وتربطه علاقات أخوة حميمة مع إبن العم والصهر الحاج محمد زعطوط جد الاولاد وسمعت الكثير من حكاياته وذكرياته الجميلة الحلوة والأليمة في أثناء بعض الجلسات الظريفة ، عما دارت من أمور وأحداث كثيرة سياسية وجهادية في الأربعينات من القرن العشرين وحتى نهايته في الوطن ليبيا ومدينتنا الحبيبة للنفس درنة ، حيث المرحوم كان من ضمن الشباب المتطوعين والمجاهدين في حرب فلسطين عام 1948 م م وعاصر الحرب وويلاتها وحضر معارك كثيرة ضمن لواء المغاربة منذ بداياتها إلى النهاية والهزيمة وخسران المعركة والحرب التي ألمت بالعرب .
               سوء التخطيط وفساد القيادات المرتشية من ملوك وحكام العرب والذي دفعت الأجيال العربية المتعاقبة إلى الان الثمن الغالى من اهراق الدماء وعشرات الآلاف من الضحايا والجرحى والمعاقين وخلقت دولة اسرائيل من العدم نظير اخطاء زعماء العرب الجهلة المتشددين بدون عقول تفكر وتدرس الأمر وتخطط التخطيط السليم حتى تنال التوفيق والنصر وجرت على شعوبها الويل نظير الاندفاع والعواطف بدون تريث .
                عدم وجود الحكام الصالحين والعمل بما يرضى الله تعالى حسب الشرائع الإلاهية وأننا نحن واليهود أبناء عم نرجع في الأصول والسلالة إلى جد واحد سيدنا إبراهيم عليه السلام خليل الله تعالى ولدينا جميع المعطيات في الوطن العربى الإسلامي الكبير في الشأن والثروات والمساحة لو تعاوننا بالمنطق والحوار الهادف ووحدنا الجهود في إتحاد مع بعض ، وحكمنا العقل والضمير للمصلحة العامة للجميع ، لأصبحنا الأوائل في العالم .
               خسر العرب حرب 1948 م نتيجة عوامل عديدة ، وتآمر العالم فى منظمة الامم المتحدة ، وقامت وظهرت دولة اسرائيل للوجود على انقاض دولة فلسطين وتم إعطاؤها إسم (مظلمة القرن العشرين) من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.
  
              وخسر العرب حرب العدوان الثلاثي على مدينة بورسعيد عام 1956 م والتطبيل في الاعلام المصري غير وزور الحقائق من هزيمة إلى نصر وصدقت الشعوب العربية الساذجة النصر الزائف ، والواقع الفضل لله تعالى وإنذار الرئيس الروسي خوروتشوف بالتدخل العسكري إذا ما لم  يتم التوقف عن غزو القناة  ، وموافقة أمريكا ومساندتها للموقف الروسي ضد حلفائها ، حتى تم الإنسحاب من طرف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل .
                وخسر العرب حرب النكسة عام 1967 م من دولة اسرائيل لوحدها في ساعات وايام والقضاء على 3 جيوش لدول عربية تم الاعداد لها سنوات عديدة وخسرت مصر سيناء وسوريا هضبة الجولان إلى الآن ودولة الأردن الضفة الغربية ومدينة القدس ثالث مدينة مقدسة في العالم الإسلامي ، نظير الأخطاء .
                  خسر العرب ثلاثة حرووب متوالية ضد الصهاينة نظير معطيات كثيرة حيث الزعامات وأصحاب القرار من ملوك بالتوريث ورؤساء معظمهم وصل لسدة الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية وليس بالشورى الانتخابات الحرة وصناديق الإقتراع .
                  لم يطرق اليأس قادة العرب وتم الاعداد الجيد للحرب وتغيير القيادات الفاشلة مما إرتفعت الروح المعنوية إلى أعلى المستويات وتم الفوز للحرب الرابعة والأخيرة عام 1973(حرب العبور في 6 اكتوبر)  بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات وعبر قناة السويس جنود مصر الأسود، وتحطمت أسطورة خط بارليف الحصين على القناة ، وأسطورة الجيش الاسرائيلي أنه قويا لا يهزم ولا يقهر.
                   تنقل المناضل عبد المنعم قدور في الشرق الأوسط مجاهدا في قضية فلسطين متطوعا في عدة أماكن بالخطوط الأمامية وتعرض للموت والقتل عدة مرات ، وله ذكريات عديدة وقصص نضالية للأسف لم توثق وتسجل للتاريخ وطرائف عن التنقل الصعب في جبهات القتال العديدة المحفوفة بالخطر والجهاد والمعارك التي لم تدون التدوين الصحيح عن مدى التضحيات والبطولات لكثير من أبطال العرب الجنود المجهولين للذكرى للأجيال القادمة عن هشاشة القيادات العربية والعمالة للأعداء وترك الجنود الأبطال في المواقع وساحات المعارك حيارى يعانون النقص في المعدات والأسلحة والذخائر والمواد الطبية والدواء للعلاج .
                انطلق المناضل عبد المنعم قدور  من مدينة درنة إلى مصر وغزة فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وتعرف على الضابط الوحدوي حسني الزعيم السوري الذى كان المفتاح الأول في مسلسل الانقلابات العسكرية العربية بقيامه بالثورة الاولى في سوريا(مارس 1949) وكان بعض المغاربة من ضمن رجاله (كلمة مغاربة تطلق على الجميع من شمال أفريقيا) .
              خسر العرب الحرب وخرجت دولة اسرائيل للنور ورجع المتطوعين الأحياء الى ديارهم والبعض إستقروا في معظم البلدان العربية ولم يرجعوا ومنهم الكثيرون من الليبيين الذين خلفوا جذورا و عائلات كثيرة تلاحمت مع الآخرين وتغيرت الاسماء والكنايات والألقاب العائلية إلى اخرى ، وأصول أبائهم وأجدادهم من ليبيا حتى الآن.
                 رجع المناضل بعد الهزيمة بنفسية منهارة على الخسارة الشنيعة وإستقر بمدينته درنة عاملا وموظفا في مهن عديدة للعيش بكرامة وشرف وكان عزيز النفس عفيفا ، ولديه علاقات واسعة مع العديد من رجال الحكم والأعمال الأغنياء وبإمكانه لو نافق وتملق كما فعل الكثيرون من رفاق جيله في ذاك الوقت بدايات الاستقلال ليبيا وبدايات إكتشاف ثروة النفط والغاز لوصل إلى مركز كبير وثراء .
                 كان  في الخمسينات من القرن الماضي شابا وعضوا منضما متحمسا في جمعية عمر المختار التي كانت شوكة في حلق الانتداب البريطاني ورجال الحكم في القصر طوال الوقت والتي تآمر الاستعمار البريطاني والقصر حتى وصل الامر بالملك نتيجة الدس والوشايات الكاذبة على إصدار مرسوم ملكي بالإلغاء والحل والتوقف عن النشاط وكان المسمار الاول في تعطيل الحراك السياسي في ليبيا ودفع الشعب مع الوقت الثمن نتيجة الفراغ السياسي بدون كيانات ولا زعامات تستطيع التصدي.
               الكثيرون من رجال ليبيا الوطنيين شهدوا له بماض مشرف في الذود عن الوطن في الخفاء ووراء الستار أثناء الصراع السياسي للحصول على الاستقلال ، رافضا وجود القوات البريطانية في الوطن بحجج المعاهدة والانتداب الذي كان في ذاك الوقت يعتبر معجزة التحدى ومن المستحيلات خروجهم بسهولة ، حيث البريطانيين يضحكون في الوجه ويطعنون في الظهر نتيجة الخبرة الطويلة في إستعمار الشعوب ، ولكن الإرادة الإلاهية شاءت وخرجت ليبيا من المؤامرات الدولية والمحلية منتصرة وتحصلت على الاستقلال بتوفيق الله عز وجل وعزم وكفاح الرجال .
                   لقد عرفت الرجل عن قرب مع فارق السن بيننا (حوالي 20 عاما) وكان عفيفا شريفا طيب القلب ذو طلاقة لسان وحس وطني صاحب نكت وفكاهة لا يمل الانسان من رفقته والجلسة معه ، وعندما إنتقل إلى رحمة الله تعالى كنت خارج الوطن في رحلة زيارة للعائلة في امريكا ورجعت بعد مدة للمدينة وتصادف قدوم العيد وكان من عاداتنا المحلية الدرناوية عمل مجلس عزاء للعيد الاول للمتوفي المرحوم كذكرى وكأنه توفى بالأمس ، وذهبت للتعزية مثل الآخرين ودخلت للخيمة السرادق حوالي العصر مع أحد الرفاق وذهلت من الوضع حيث لا أحدا موجودا غير أحد أبنائه وصهره زوج إبنته المستقبلين ، وقمت بواجب العزاء كما يجب وبقيت فترة ساعة حسب الأصول مترحما على المرحوم طالبا له الرحمة والمغفرة.
                          وعندما خرجنا وكنا بالسيارة كنت متأثرا حزينا على الموقف ، وقلت لرفيقي سبحان الله العظيم ، الدنيا مظاهر وطمع زائل حيث الرجل عصاميا فقيرا لا جاه ولا مركز لا أحدا مهتما بالحضور والعزاء فيه والترحم عليه ، وبالشارع الخلفي أحد مجالس العزاء لأحد المتوفين الآخرين الذي مررنا عليه وقمنا بالواجب والتعزية ، وكان مليئا بالمعزين وطوابير السيارات تنتظر مما حزنت على الأمر وتذكرت الله تعالى ان كل شئ بالنوايا الصادقة والعمل الطاهر فهنيئا للإنسان الذي فاز ونجح برضاء الله تعالى دنيا وآخرة ...والله الموفق .

                     رجب المبروك زعطوط

No comments:

Post a Comment