Tuesday, March 6, 2012

قصصنا المنسية - يوميات معارض ليبي مهاجر خلال سنة 1987-1988 -12

                                                بسم الله الرحمن الرحيم

لقد سبق وأن كتبت هذه الخواطر سنة 1987م ،، ولم تكن الظروف ملائمة في ذلك الوقت لنشرها ،، والآن بعد أن تنشقنا نسيم الحرية العليل ،، حان الوقت المناسب لإطلاع جمهور القراء عليها ،، ووجدت من المفيد سردها حتى تكون عبرة لشبابنا ،، وتذكيراً لشيوخنا ،، راجياً من المولى عز وجل ،، أن تتحقق الإستفادة للجميع ،،

                                                  مناجاة ونصائح

                لقد كتبت الكثير والكثير من الخواطر والإنفعالات الشخصية التي غمرتي خلال فترة معينة محدودة أثناء المطارادات العاتية من قبل نظام الإرهاب وفرق الموت للإغتيال ،، والتهمة والجريمة الكبرى الرفض والمعارضة للإنقلاب الأسود الذي ساد وتحكم وحكم الوطن الغالي بالإرهاب والقوة أثناء رحلة الحياة النضالية  ،، والإسم مسجل ضمن قوائم  الإعدام والتصفية ،، طوالها لم أحس بالراحة بل طوال الوقت في ترحال من مكان إلى آخر حتى لا تصبح  لدي عناوين ثابته حتى يتم الإصطياد بسهولة ... أحسست باللهب يحرق في الجسد ،، والأحشاء تمزقت ،، محاولاً قدر الإمكان النهوض والقتال ،، الجهاد من أجل  الإيمان والعقيدة  بالأهداف والمباديء السامية التي سعيت لها طوال الوقت ،، حتى الوصول والنصر بإذن الله تعالى ،، إذا طال وتوفر العمر وبقيت حياً أرزق ...
أجد النفس مقيدة بقيود وأغلال رهيبة تزداد مع الوقت نظير كثرة الإلتزامات المادية ونقص الموارد والدخل حتى تمضي السفينة في البحر الهائج العاصف وتصل لبر الأمان ،، فالنقص للمال لدى المناضل مصيبة كبرى ،، تضطره وتجره في بعض الأحيان إلى مخاطر أخرى كبيرة ،، وإن لم يكن قوي الشخصية ويتحلى بالصبر الجميل  ،، لا يستطيع الصمود ،، ويضطر لمد اليد أو لأي تصرفات خاطئة يوماً تحسب عليه ،، وتدمره وتخرب كل مابناه  في شهور وسنين طويلة ،، في رمشة عين ،، نظير زلة وأخطاء ...
تنتابني عوامل نفسية وضغوط قوية ،، وأنا أشاهد الصورة القاتمة من بعيد تسعى تتقدم تحاول الوصول    لي  ،، وأنا رافع الرأس عزيز ، كريم ، شامخ ،، آليت على النفس بأن أقاوم لآخر لحظة ،، وآخر قطرة دم ،، وآخر نفس يدخل ويخرج من الجسد ،، ولن أتنازل مهما عصفت الرياح الغاضبة ،، وأمد اليد لأشباه رجال أراذل وأريق ماء الوجه ،،،  لأنني مؤمن عن نية صافية وطهارة  ،، أنها إمتحانات رهيبة ،، وأنا قد وضعت كل الثقة عن قناعة وتمسكت بالعروة الوثقى وحبل الله عز وجل ،، صابر محتسب ،، مؤمن أن الرب الله تعالى  ،، لن ينساني ،، سوف يأخذ باليد لبر الأمان ساعة الضيق يوماً من الأيام !
مررت بمواقف محرجة  لم أكن متعوداً عليها ولا من شيمتي وكرمي نظير نقص السيولة في بعض الأحيان مع البعض من الرفاق والأصدقاء والعائلة الكبيرة بطابور الأولاد والأقارب  والضيافة للعديدين كل يوم مرومضى بالغربة  ولكن تجاوزت الأمر ،، بالصبر وعدم الغضب راضياً بالقدر وماأعطاه الله عز وجل من نصيب ... مررت بها وأنا شامخ محافظ على الكرامة والقيم ،، والرب الرازق ساعدني ،، أعانني على تجاوز المحن بدون أن يعلم أي أحد من البشر كم كانت المرارة والمعاناة ...
لقد عركتني وعلمتني الأيام ،، أفراحها وأتراحها  على القناعة والصبر ،، وتعلمت كيف أتعامل مع الكثيرين في الغربة ،، بأن لا أندفع بسهولة ،، ولا أتعاطف بأمور القلب والطيبة الزائدة عن الحد ،، وإلا فصاحبها يصبح مع الوقت مغفلاً  و يضيع بسهولة ،، فنحن ضمن غابة الحياة الصعبة بها وحوش عديدة تنتظر القفز والنهش ،، وإن لم يكن المناضل ذئباً وخصماً عنيداً ضمن معايير معينة ،، يضيع وتنهشه وتأكله الذئاب ،، وهو يتطلع وينظر إلى محن ومآسي الحياة ،،، تتوالى عاجزاً غير قادر على الصمود والتصدي ...
جلست في بعض الأيام ،،  الساعات الطوال لوحدي بدون ضوضاء ولا إزعاج  ،، فترات الأولاد بالمدارس ،، طالعت كثيراً من الكتب الدينية الغث والسمين ،، وشعرت بالرهبة والرجفة في بعض الأحيان عن بعض التصرفات والأخطاء  ،،، راجعت النفس ،،  الذات بشفافية ومصداقية عن ماذا عملت وقدمت للقضية بالغربة ؟؟ حتى أعرف أين أنا ؟؟ في هذه المرحلة الصعبة والمحن ... لأنني أريد التصحيح وعدم تكرار الأخطاء ،، حتى تسير المسيرة إلى الأمام وأتقدم خطوات ثابتة ،،
بالماضي سنوات عديدة بالغربة مرت ،، كان كل التركيز على العمل النضالي وعندما قمت بالمراجعة  إكتشفت أخطاءاً قاتلة ،، على رأس أولوياتها عدم الإهتمام بالعائلة والأولاد كما كان يجب وقتها ،،، فقد تركت معظم الأمر على الأم رفيقة الكفاح والنضال ،، التي عن كفاءة  قامت بدور الأب والأم عن جدارة جزاها الله عز وجل كل الخير فهي عمود البيت !  إعتمدت على البعض من الرجال الذين كنت أعتقد أنهم أخوة من الدهر وليس من الظهر ،، وللأسف صدمت من البعض ،، عندما إكتشفت أن العلاقة مبنية على المصالح مع الوقت والضغوط الشديدة بالمسيرة النضالية ،، سقطوا كما تسقط أوراق الشجر في أيام عواصف الخريف الباردة ،،، وأصبحت مرارة وعلقم بحلقي عدة سنوات حتى تجاوزت المحنة بمرور السنيين ،،
تعلمت الدروس القاسية من واقع الحياة والتجربة ،، وقدمت ودفعت وضيعت الكثير من الصحة  والسعادة ،، وأهدرت المال بدون حساب نظير عدم الدراسات  الجيدة بأن المسيرة النضالية والغربة لن تستمر عدة سنيين بالغربة وسوف نرجع منصورين للوطن ،، ومع الوقت ومرور الأيام تجاوزت عقوداً ،، وسقط معظم الجميع في الفخ ،، بدأنا نبحث على حلول سريعة ،، لنستمر في العيش كرماء ونناضل بالمتاح ،،، وبالتالي زادت الأخطاء  ،، ولدينا مثل ليبي يقول ( اللي ما في جيبك ، يكيدك ) والمشكلة أنني أعرف هذه الأمثال من أيام الصغر ،، ولم أطبقها على الواقع وأحترس ،، وأحسب طول وغدر الزمان ،،
شعرت في بعض الأحيان بالضيق والحرج ،، فقد قلب الدهر ظهر المجن ،، توالت المصائب بلا عدد كالمطارق على الرأس الواحدة وراء الأخرى بسرعة ،، ووجدت نفسي بالميدان أصارع لوحدي وفي غربة مسؤول عن كوم من اللحم ،، طابور من الأولاد والأقارب بدون دخل ،، أكثر من 14 فرد وبدون حنين أهل ولا وطن !  ولكن رجعت بالنفس إلى تعاليم ونصائح وإرشاد الوالد (رحمه الله عز وجل)  الذي دائما ينصح بالصبر والثقة  بالله عز وجل وبالنفس  ،،أساس من أساسات الحياة ،، والصمود والتصدي فقد خلق الرجال لتحمل الصعاب ،، وليس للتباكي والعويل مثل الأرامل والعجائز عند فقد الأعزاء ،،
عشت أياماً عصيبة في فترة عمر بالغربة بدون هوية ولا وطن ،، بعيداً عن الأقارب والأهل تحت سقف البيت الكبير ذي المصاريف الباهظة وبالأخص في أمريكا  ،، لا أحد يعرفني بالمدينة ،، ولا يعرفون ماضي العائلة ومن أنا ... والمعاملة تعتمد على المادة والسيولة في الدفع فهي الغطاء والثوب الحسن طوال الوقت ،، فقد كنت بالماضي ميسور الحال ،، والآن أعاني ،، الحمد والثناء والشكر لك يارب ...
ناضلت ضد النظام عن قناعة ،، عن قوة إيمان وعقيدة ،، ليس تشفياً ولا حب للمال والسلطة ،، ولكن حبا في الحرية والكرامة ،، ففي الوطن في السبعينات وحتى الهجرة ،، كنا مسيرين كالآلات نعيش على الفتات حسب أهواء المجنون ،، ووطنا يعج بالخيرات ...
أشعت في الأوساط القريبة أنني أمر بمرحلة عدم السيولة وإفلاس حتى أمتحن الرجال ،، وبسرعة سقط الكثيرون وكانت رحمة كبيرة ،، والذي ضايقني نظرات البعض القصيرة السطحية الذين بلعوا الطعم والخداع ،، ولم يعرفوا قيمة معدن الرجال ،،
تطلعت بنظرات حق وصدق بعد أن تجاوزت المحن وأزلت الغمام الأستارعن العيون والذهن والقلب ،، ووجدت الشرفاء من المعارف والأصدقاء يعانون نفس المعاناة ،، والبعض منهم مازال يحلم بالتراهات وبالعقلية الليبية طمعاً في مكاسب وأرباح كبيرة بدون عرق في ساحة الغربة ،، التي من الصعب النجاح والعالم الغربي يمر بمرحلة ضيق وإفلاس ...
إنه مخطط كبير من القوى الخفية وأساطين الشر  للتحكم في الوطن ،، خدعنا بالغربة وإعتقدنا أننا قادرون على القضاء على الشيطان الرجيم ،، والواقع الرجيم مسير مثل قطعة الشطرنج على الساحة الدولية ،، يختال كالطاووس ( الشيطان ) ونحن الضحايا ،، فبالإرهاب والقتل والإغتيال ،، لم نرتاح وركزنا على السلامة للعائلات والأمن ،، لم نهتم بالدراسة وتحصيل العلم لنا كأشخاص بل علمنا أولادنا أحسن التعليم في أحسن المدارس والجامعات ،، لم نرتح في أي وقت حتى نستقر ونعمل  العمل الشريف ونتحصل على الدخل حتى نشق طريقنا بالحياة ،، ومع الوقت نضبت السيولة والموارد ،، وكنا مثل السيارات رابضة متوقفة بين الحين والأخر على جوانب الطريق الطويل بدون وقود حتى تستمر وتسير وتصل الهدف ..أليست بمأساة ؟؟
إنني أشعر بالضيق عندما أرى كثيرا من الأشياء الممكن تحقيقها جماعة يداً واحدة بسرعة ،، ونحن فرادى عاجزون عن السير نظير عدم الوقود والدعم المتين ،، أشعر بالغثيان والإغماء عندما أسمع في بعض الأحيان سقوط البعض من الرجال المناضلين بالداخل والخارج قتلى ضحايا ،، وعائلاتنا وأبناء شعبنا يعانون ونحن غير قادرين على مد يد العون والنصرة لهم ...
أشعر بالضيق وأنا أسمع حكايات العهر والفساد والبذخ من البعض رجال النظام وهم يصرفون الملايين على الفساد والإفساد من قمار وعاهرات و إرهاب وشراء الذمم ،، والليبيون المناضلون  المهاجرون ضحايا غير قادرين على العيش الشريف إلا بالكاد وبصعوبة ...
أشعر بالضيق والغثيان ،،  بالحزن الشديد وأنا أسمع أن أموالنا المأممة وأرزاقنا ودخل النفط تصرف في مهاترات وإرهاب ،، والكثيرون من أبناء الشعب مرضى بحاجة للعلاج ،، يخرجون للخارج بمبالغ عملة صعبة بسيطة ،، ويطلبون العون ونحن نحترق غير قادرين على الدفع ،، أو أشاهد بني الوطن يقومون بزيارات للخارج ويسكنون ويقيمون في أماكن وفنادق رخيصة ويفترشون الساحات والحدائق بالمدن والعواصم في فترات الصيف نظير الحاجة والفقر ،، مما أعطى صورة قاتمة رهيبة عن ليبيا والبؤس ،، والقذافي وأزلامه يعيشون في قمة البذخ  والصرف للملايين بدون حساب ...
أشعر بالضيق عندما يتولى الأراذل العوام الوظائف الديبلوماسية في سفاراتنا وقنصلياتنا بالخارج بدون علم ولا مهارة ولا أصول للعمل ،، والشهادة هي الغوغائية وإن الشخص ضمن اللجان الثورية ،، التي جمعت كل ساقط بالوطن من أراذل القوم الرعاع العوام ... متخذين من السفارات أوكارا للإرهاب والشر والشرور وتخزين السلاح والمؤمرات ودس الفتن ...
أشعر بالضيق من عدم الوفاء من بعض الرفاق ،، والمرارة من البعد عن الوطن ،، أعيش بالجسد بعيدا ،، ولكن الروح طوال الوقت مقيمة هناك ،، غير قادر على النسيان ...
في أحد الأيام أتصل أحد الإخوان على الهاتف و طلب النصيحة فقد خرج من ليبيا للزيارة والسياحة إلى إسطنبول ، تركيا بعائلته المكونة من الزوجة وثمانية أطفال ،، أراد أن يهاجر إلى أمريكا ،،وطلب المشورة  وقلت له ناصحاً من القلب والضمير لا تتعب ،، إرجع لوطنك ،، فليس لديك اللغة الإنجليزية حتى تتفاهم مع البشر ،، وليس لديك المال لتعيش وتصمد إلا القليل ،، ولو كنت وحدك لشجعتك ،، ولكن طابور الأولاد صعب المقاومة ،، وعزك وشرفك بالوطن ،، والأحسن أن تقضي إجازة حلوة وتخلص من الهموم ،، تناول جرع هواء عليل حتى تهدأ وترتاح النفس الثائرة و تستطيع أن تقاوم بالداخل فترة  مما بعد مكالمات عديدة وافق ،، رجع للوطن وشكرني على المشورة والنصيحة الغالية التي غيرت مسار حياته ،، والآن من كبار رجال الأعمال ،،
الوطن غالي لا يعلى عليه ولو عشت في أحلى أماكن العالم  ،، وسوف أناضل وأكافح بجميع الجهد المتاح ،، وسوف أحفر في الجدار الصخري ،، السد الحاجز ولو بأظافري ،، وسوف أصل مهما طال الوقت للوطن ،، إذا أطال الله عز وجل لي الحياة ،، ولو زحفاً على البطن والركب منصوراً بإذن الله ... والله الموفق ،،

                                                    رجب المبروك زعطوط

                                                       1987/12/11م  

No comments:

Post a Comment