Monday, August 19, 2013

لمحات تاريخية الجزء الثاني 10



بسم الله الرحمن الرحيم 


برج الساعة ، طرابلس، ليبيا
          ليبيا مرت عليها الحضارة الاسلامية عندما تم فتحها ودانت جميع الشعوب من عشائر وقبائل قوية متمردة  لدين الأسلام والعقيدة المحمدية بالسمع والطاعة عن قناعة وقامت بها حركات عديدة من التمرد في الجبل الغربي والجنوب المهمش المنسي في ذاك الوقت لصعوبة التنقل والمواصلات من قبائل البربر المعروفين الآن (الامازيغ والطوارق والتبو ) وبعد معارك شرسة وحروب عديدة  طاحنة تم السلام والمحبة والوئام، وتزاوج النسيج بالمصاهرة والدم  وأصبحوا مع الوقت شعبا واحدا يوحدون بدين التوحيد الله الواحد الأحد .  
ثم تعاقب الحكام المسلمون واصبحت ليبيا تتبع الكثيرين من الممالك العربية الاسلامية بعد زوال حكم الخلفاء الراشدين (سيدنا أبوبكر وعمر وعثمان وعلي كرم الله وجهه ) وقامت الدولة الأموية  وعاصمتها دمشق سوريا في الشرق  حتى وصلت جيوشها القوية بقيادة البطل طارق بن زياد  إلى اوروبا وتم فتح إسبانيا ( الاندلس )، ومقولته الخالدة  التي لن تموت وتنتهي إلى ماشاء الله تعالى  تشجيعا لرجاله  ورفع الروح المعنوية عالية  عندما شعر بقلة جنوده امام الإسبان الكثيرين، حرق المراكب عن بكرة أبيها  ليقطع خط الرجعة  ولا يتراجع الجند خوفا من العدو، حتى يستبسلون في القتال حتى النصر او الشهادة  ( العدو أمامكم والبحر وراءكم ) مما حارب الجميع بعنف وشراسة من اجل الحياة والنجاة من الغرق وتم لهم النصر والفتح!
ومع مرور الزمن  والوقت واضمحلالها انتقل الحكم والسلطة إلى الدولة العباسية  وعاصمتها بغداد، ثم الدولة الفاطمية  في مصر القاهرة  ودولة الموحدين في المغرب، حتى قيام الامبراطورية العثمانية  وحكمت الدول العربية جميعها بإسم الاسلام،  مما دان الجميع بالولاء للخلافة، والعاصمة إسطانبول (الاستانة) في  تركيا.


اصبحت ليبيا  ولاية  عثمانية لمئات السنين في البدايات. وتعاقب عليها الولاة الكثيرون منهم الأخيار الذين قاموا بأعمال جيدة من بعض الإصلاحات بمعايير ذاك الوقت، ومعظمهم أشرارا همهم الكبير النهب والاستغلال للخيرات  والبطش لكل مواطن يرفض محاولا رفع الرأس ضد الحكم والأتاوات الباهظة من الضرائب المجحفة والإستغلال في أبشع الصور، وعشرات القصص بل المئات التي تحتاج إلى سرد وتدوين 


وقام بعض الولاة الوطنيين الذين تمردوا على الامبراطورية الضعيفة التى بدأت تشيخ وتهرم  في العاصمة ( دار السلطان) وقاموا بالاستقلالية  في إدارة الحكم الفعلي من غير اية هيمنة من العاصمة اسطانبول عدى  التبعية إلإسمية للسلطان ودفع إتاوة سنوية ( للباب العالي ) حتى يتحصل الوالي الجديد على  الوثيقة الرسمية الإسمية  والإذن بالحكم  ( الفرمان ) 
وظهرت للوجود الدولة القرمانلية بولاتها العديدين والتي دامت في الحكم والسيطرة والدس والفتن بين القبائل القوية حتى دان الجميع لها بالترهيب والترغيب والدفع والابتزاز لشيوخ القبائل الليبية لحماية مصالح الأسرة الحاكمة  وكل من يتمرد ويرفض الانصياع لأوامر الوالي يحكم عليه  بالقتل وقطع الرؤوس حتى خاف الجميع  نظير الجبروت والعسف
ظهر احد الولاة الأقوياء الجبارين ( يوسف باشا القرمانلي ) الذي كون أسطولا بحريا قويا وكان جدي الثامن من العائلة  قبطان سفينة ( ريس ) تحت إمرته أكثر من ثمانمائة بحار مجندين من الباشا، حسب ما سمعت ومما كان يتردد في اوساط العائلة من الجدود والآباء وشاهدت بعض الاوراق والمستندات  القديمة التي تم الحصول عليها من سندات الملكية القديمة .


الوالي يوسف باشا كان قويا ذكيا ماكرا يعرف كيف يتعامل حسب عصره بالضغط والترهيب واللين والترغيب  وفرض على جميع الدول الاوروبية وامريكا بدفع الإتاوات المجحفة على مراكبها  لكل من يريد ان يعبر البحر الابيض المتوسط  نظير الحماية من القراصنة في ذاك الوقت الذين كانوا ينعمون بحمايته ويرسون في موانئ ليبيا من غير اي ضرر او ملاحقة، وأصبحت العاصمة طرابلس قاعدة لهم، يأتون لها بعد الغارات والسلب والنهب .
 وقامت الحروب البحرية العديدة والقصف والدمار لبعض الثغور والمواني الليبية  ومنها العاصمة طرابلس عدة مرات انتقاما من الباشا على حمايته وإيوائه للقراصنة حسب مايدعون  في بعض الاحيان 
 وقصة المركب الحربية فيلادلفيا الامريكية المشهورة التي تم أسرها من قبل البحارة الليبيين في ميناء درنة الضحل بخدعة كبيرة لقبطانها الذي كان يريد القضاء على بعض الزوارق الليبية التي ناوشته في عرض البحر حتى تلفت اهتمامه لإصطيادها  وهربت منه مغرية له بلحاقها مما فعل بدون ان يلحقه اي شك بالمكيدة والخدعة.


وكانت المركب الشراعية ( فيلادلفيا )  الضخمة القوية في ذاك الوقت مفخرة البحرية الامريكية، ذات الاربعون مدفع، وقاده البحارة الليبيون إلى مكان ضحل وهو أعمى نظير شهوة الانتقام  بقرب الساحل في مدخل الميناء البحري الذي لا يعرفه من قبل الاجانب وليست لهم التجربة والخبرة ولا الخرائط حتى يتفادوه ولا يقعون فيه في غفلة 
وبدون ان يدري وهو مندفع وراءهم للقضاء عليهم  ارتطمت المركب وغاصت مقدمتها   بقاع البحر الرملي وسقطت في المصيدة والشرك وتوقفت عن التقدم أو الرجوع للخلف والهرب واصبحت عاجزة عن الإبحار لركود الرياح  وعدم  وجود محركات قوية  في ذاك العصر تدفعها للخلف حتى تتحرر وأصبحت مثل البطة الجريحة فى بركة المياه عاجزة عن الطيران والهرب


 مما هجمت عليها من كل مكان الزوارق الليبية برجالها البواسل ورموا الخطاطيف من كل الجوانب وتسلقوا الحبال بسرعة حتى أصبحوا على ظهر السفينة، وبعد معركة حامية شرسة قصيرة بالسيوف والغدارات وسقط الكثيرون اثناء المبارزات والاقتحام قتلى من الطرفين مما، إستسلم القبطان  آثرا السلامة والنجاة وعدم القتل له ولرجاله حيث البحارة الغزاة الليبيون كثيرون على السطح ومن الصعب التغلب عليهم مهما فعل 


وتم السجن لجميع البحارة الاحياء في درنة وكانوا أكثر من أربعمائة اسير امريكي مدة من الوقت حتى وصل الامر من الباشا في طرابلس بعد وقت طويل نظير صعوبة الاتصالات في ذلك الوقت… وآثر البعض من الأسرى  الدخول في دين الاسلام بالرغبة والقناعة في العقيدة المحمدية بدون جبر ولا إكراه  وتم اطلاق سراحهم بدون فدية ولا محاكمات نظير الهداية وعاشوا في مدينة درنة عشرات السنين حيث صاهروا الليبيين، ولهم خلف كبير وذرية من ضمن احد القبائل في درنة مع مرور السنيين  والوقت حتى الآن
السفينة تم قطرها إلى طرابلس عن طريق البحارة الليبيين  وتسليمها إلى الوالى الباشا وظلت راسية بجانب سور القلعة حيث الاقامة والحكم للباشا ولم يتم الوصول في التفاوض في البدايات على حلول مع وفود امريكا للسلام وإرضاء الباشا ودفع الفدية وعدم الاعتداء مرة اخرى حتى يسترجعون المركب الراسية والأسرى السجناء
وخاف الأمريكيون من ان يعتبر الباشا المركب الحربي غنيمة حرب ويتم استعمالها من ضمن اسطوله العامل مما تصبح شوكة في حلق الجميع، وتم الرأي والقرار بسرقتها من الميناء او حرقها حتى لا يستفيد الباشا منها
وتم إرسال فرقة صاعقة ( كوماندوس ) ضمن احد السفن التجارية المسالمة كبحارة وتم تنفيذ الخطة، ولكن الحراسة كانت شديدة عليها عندما تسلقون على السطح وقامت مبارزة بالسيوف والخناجر رهيبة  مع المغيرين الاجانب حيث استطاع مبارز ليبي من الحراس على المركب بإرداء الكثيرين قتلى من المغيرين تحت ضوء  المشاعل ولم يتوقف عندما تم الحصار له ويستسلم . وطلب منه قائد الفرقة  المغيرة الأمريكي التوقف والاستسلام .
ولم يتوقف لعدم  معرفته باللغة ولم يفهم الطلب  واستمر في القتال والمبارزة بمهارة يطعن المغيرين الواحد وراء الآخر جرحى او قتلىوخاف قائد الفرقة ان يقتل المزيد من رجاله مما ارداه برصاصة  غادرة وارداه قتيلا يتخبط في دمه، وهو يتأسف على هذا البطل  



هذه الرواية  قرأتها من ضمن اعترافات قائد الفرقة الكوماندوس في مذكراته الشخصية التي نشرت فى احد الكتب وأنا أطالع وأقرء في سير وقصص الحملات الامريكية العديدة على ليبيا، وعن الاسباب التي تكون بها فيلق مشاة البحرية الامريكي (the US marine corps) وعن نشيده الخاص وذلك بسبب ليبيا وعن الاحتلال الحملة الامريكية  لمدينة درنة سنة 1805 م  حيث اول مرة يرتفع العلم الأمريكي خارج امريكا على تراب  أول دولة أجنبية هي مدينتي درنة،  وماذا حدث من مآسي في القرون الماضية من معاناة ودم وكر وفر
مما جعلني أفخر انه لدينا ابطال يدافعون عن الوطن ولهم ولاء وحب بلا حدود والدليل واضح في كل ما حدث من الشباب الليبي والتضحية بالنفس والجهاد والنصر لإخوتهم العرب والمسلمين في مصر أيام القائد احمد عرابي باشا في الثورة العرابية، وشاركوا في المعركة الفاصلة المشهورة ضد الانجليز ولم يتم ذكرهم  في كتب التاريخ إلا من القلائل نظير التهميش وعدم الاعتراف بالجميل وهذا يدل على الخسة والانحطاط وعدم السمو والتحضر من الكتاب
حيث الذي يكتب وبالاخص التاريخ  ان يكون واقعيا وصادقا وأي شئ لا يعرفه ويجهله ليس من العيب ان يقول كلمة بسيطة ( على ما أعتقد ) ولا يكتب من بنات الأفكار ويدع المجال مفتوحا للباحثين من البحث والتدقيق . 
حيث قامت فرقة  من حوالي خمسمائة رجل بقيادة زعيمهم من آل الكيلاني درنة للدعم والمساندة وحاربوا مع إخوتهم المصريين حتى آخر طلقة ونفس ولم يرجع  إلى مدينة درنة الا القلائل من المجاهدين  حيث خسروا المعركة ومعظمهم استشهد على تراب مصر… وتم القبض والأسر للبطل القائد أحمد عرابي ونفيه الى احد مستعمرات بريطانيا بالشرق الأقصى، ليحكون القصة  الحزينة وماذا حدث
ومرت الايام والسنوات وزوال الاسرة القرمانلية من الحكم نظير الظلم والاستبداد والفوضى مما استنجد الاهالي بالسلطان وبعث بجيش ادب العائلة القرمانلية وطردهم من السلطة للأبد، ورجع الحكم التركي مرة اخرى عن طريق ولاة البعض منهم صالحين والأكثرية مجرمين طغاة أفقروا الوطن نظير النهب للخيرات واستعباد البشر المواطنين .


لم تتم أية إصلاحات ولا اي مزايا لتعبئة جيش ولا تدريب ولا سلاح  إلا من البعض الذي وصل على المركب ( درنة  ) إلى طرابلس في الايام الاخيرة من عمر الامبراطورية العثمانية التي حكمت قرونا عديدة الدول العربية جميعها باسم الاسلام العقيدة والدين حتى زادت المظالم عن الحد وقامت الثورة العربية  بقيادة الشريف حسين في الحجاز الجزيرة العربية ضد حكم آل عثمان وحدثت المجازر والقتل  مابين مؤيد ورافض للخلافة والهيمنة وعدم التقدم 


 ودست أصابع القوى الخفية العملاء المدسوسين وعلى رأسهم العلمانيون الذين يريدون فصل الدين عن الدولة والعمل بالقوانين الوضعية وترك حكم الشرع  لتهديم الخلافة الاسلامية والامبراطورية العثمانية وإزالتها من الوجود مع الوقت   حتى ضعفت فى سنواتها الاخيرة نظير الفساد والافساد المستشرى فى اوصالها واصبحت تدعى بكناية (الرجل المريض ) وهذا شئ طبيعي لاي امبراطورية مهما بلغت من قوة لها يوم وتنتهي 
وبدأت الثورات والمذابح في البلقان والجزر اليونانية  وعندها قفزت قوات وجيوش  ايطاليا على الوطن ليبيا في شهر اكتوبر عام 1911 م  مستغلة أعذارا وحججا كثيرة للاحتلال ونشبت حرب قصيرة كان الجنود الاتراك ابطالا في المعارك مع اخوتهم الليبيين دفاعا عن العقيدة والدين وتراب ليبيا من ان يدنس من اقدام المحتل وبعد مفاوضات عديدة مع الباب العالي والسلطان تنازل الاتراك عن ليبيا نهائيا بمعاهدات تافهة مجحفة  في سويسرا وأصبح الإيطاليون السادة الجدد،
ولكن احرار الشعب الليبي بجميع الضعف وقلة الإمكانيات من السلاح  والمعدات والتموين حيث جياع   وعدم التدريب رفضوا الانصياع للمستعمر الغاشم عدو الدين وقاموا بالثورة والحرب   وليس لديهم غير بنادق ( بوصوانة ) القديمة الطويلة التركية التي كل طلقة بحشوة من البارود وطلقة واحدة فقط كل مرة، ويستغرق الحشو للبندقية بعض الوقت الثمين قبل التصويب وإطلاق النار مرة اخرى على العدو مما كان العدو ببنادقه السريعة الطلقات تتاح له الفرص لقتل المجاهدين بسرعة .
  
السلاح القديم الذي كان بحوزة المجاهدين ( المحافظية ) ضد جيش مدرب ولديه السلاح المتطور من البنادق الآلية سريعة الطلقات للعديد بدون حشو وضياع الوقت الثمين  والرشاشات والمدافع وأول مرة  يستعمل فيها  سلاح الطيران في الإغارات وإسقاط القنابل على التجمعات والنجوع  السكنية لإبادتهم وإشاعة الرعب والخوف


 مما في البدايات سببت إرتباكات للمحاربين الليبيين الخيالة والمشاة، اصابتهم نوع من انواع الدهشة والاستغراب على هذه الطائرات لانها اول مرة يشاهدونها في السماء حتى ان الكثيرين توقفون ينظرون للسماء بدهشة واستغراب نظير البساطة والجهل، يعتقدون  انهم جنود المهدي المنتظر المتوقع ظهوره ووقفوا مدهوشين جامدين ولم يحاولون الاختباء حتى حصدهم الموت فجأة بسرعة .


وقامت معارك كبيرة كثيرة وحارب الوالد وكان شابا حوالي العشرين من العمر في احد المعارك المشهورة بمنطقتنا في بدايات منطقة الفتائح على مشارف درنة  معركة ( القرقف )  بقيادة الزعيم الروحي سيدي احمد الشريف السنوسي والقائد الفعلي الميداني  انور باشا التركي مع قلة من الجنود الاتراك حوالي المائتين المدربين على القتال  الذين رفضوا الاستسلام الى الطليان والهدف كان احتلال المدينة وطرد العدو المتحصن وراء الأسوار


وعرف القائد الايطالي بالأمر الخطير  من الجواسيس والعيون وطلب النجدة العاجلة من القيادة في ايطاليا، ومن سوء حظ الليبيين المهاجمين وصلت سفن النجدة يوم المعركة محملة بالعتاد والسلاح وآلاف المرتزقة من الأحباش الاريتريين وضباطهم الطليان . 
وتقابل الجيشان في اعلى الجبل بداية منطقة الفتائح في مكان يسمى القرقف  درنة، وبدأت المعركة الشرسة وكان جنود الطليان يحاربون بقوة نظير الدعم المستمر من قوات النجدة  الذين كانت صفوفهم الاولى بالمعركة اعلى الجبل  والبقية من الطوابير الطويلة حتى الميناء  خلفهم تصعد تعاريج الجبل مثل النمل ومازالت السفن الناقلة  يهبط منها المزيد 
(  حدثت المعركة قبل الصلح مع ايطاليا حيث جميع الجنود الاتراك رحلوا إلى تركيا بعد الصلح مع جميع معداتهم وأسلحتهم، وتخلت تركيا عن ليبيا مما كانت ضربة موجعة  قاصمة كبيرة للمجاهدين لليبيين في ذاك الوقت العصيب) .

         رجب المبروك زعطوط                                                       

البقية فى الحلقة القادمة 

No comments:

Post a Comment