Friday, February 28, 2014

مدينة درنة (8) 70

بسم الله الرحمن الرحيم 


   تحركت قافلة من السيارات العسكرية الثقيلة من الحامية،  بها العشرات من الجنود المدججين بالأسلحة بلباس الميدان وكأنهم ذاهبون إلى الحرب،  إلى ميدان البلدية بوسط المدينة، وتوقف الرتل في اماكن متباعدة،  ونزلوا فجأة بسرعة وبعض المواطنين  أصحاب المحلات والمقاهي التي تفتح على الميدان والزبائن والمارة  مستغربين يحاولون معرفة ماذا حدث ؟؟؟ ولماذا العجلة ؟؟ وحاصروا منافذ السوق  والأزقة التي تؤدي له وعلى غفلة وبدون سابق إنذار بدأ التعدي والضرب بالهروات على اي مواطن موجود هناك رغبة في الانتقام والتشفي على ضرب الجنود المعتدين الذين كانوا أسباب المشكلة، وإشتد الصراخ والعويل والهرج والمرج وقاوم التجار والباعة المعتدين  دفاعا عن النفس بالمتاح، وإنضم الكثيرون لمعرفة ماذا حدث، ومناصرة المدنيين، وكل دقائق تمر يزداد العدد من المدنيين، وعندما شعر الجنود ببوادر الضغط من كثرة الجمهور وخافوا ان يحدث العكس ويخسروا المفاجئة والمعركة  وتدور الدائرة على رؤوسهم.


     بدأ اطلاق الرصاص الحي لأعلى للتخويف والرعب حتى يتفرقوا، ولكن الفوضى عمت في وقت قليل  وانتشر الخبر بسرعة وهاجت المدينة وماجت وجاء الشباب من كل حدب وصوب مسرعين ليستجلوا الامر والنجدة  ودخلوا المعركة القائمة مساندين ومناصرين إخوانهم ومعارفهم ضد العسكر حتى توقفت وخفت  المشادة  مع المساء عندما حل الظلام وسقط الكثيرون جرحى من الطرفين  والبعض من القتلى الابرياء المدنيين وانتهت الجولة الاولى وجميع الجرحى من الطرفين تم نقلهم  للعلاج والإسعاف  في المستشفى الوحيد في المدينة،  والأعصاب لدى الجميع  مشدودة متوترة، ما بين مصدقين ومكذبين ما يجري من الأحداث


   اليوم الثانى حضرت للمدينة عدة تعزيزات للحامية من الجنود والآليات  وأصبح وسط المدينة ميدان البلدية العريق وساحة المصرف التجاري وطريق (وسع بالك)  ساحة معركة قتال، وقام الجنود مرة اخرى بالتعدي على الأهالي  بدل الهدوء وحفظ الأمن، وعدم التعدي حيث صدرت اوامر للشرطة بأن لا تتدخل…  وبدأ التشابك والقتال بين الطرفين بالهروات والعصي وقبضات الأيادي بعنف بين الكثيرين مجموعات مجموعات،  وكان الجنود لا يفرقون بين صغير او كبير في السن شاء القدر وسوء الحظ التواجد له  في المكان الخطأ  والوقت الغير مناسب،  فالضرب المبرح للجميع في السوق والميدان…وكان الأهالي عزل من السلاح الناري  وسقط الكثيرون جرحى…


      واليوم الثالث أثناء النهار عم الهدوء شامل على غير العادة، مما بدأت دورة الحياة عادية والجميع متوتر وينتظر ما الذي سوف يحدث…  وبالمساء تكررت المأساة و توقفت عدة سيارات عسكرية فجأة   بالميدان تحمل العشرات من الجنود  المدججين بالسلاح  وتم غلق ابواب داري الخيالة ( الزني + التاجوري ) المطلات عليه، وتم إطفاء الانوار ووقف الافلام عن العرض   واخراج المشاهدين بالقوة وعلى المداخل والابواب كانت اعداد كبيرة من الجنود تنتظر في الابرياء يبحثون عن البعض من الشباب المطلوب القبض عليهم  وكل مشاهد من الحضور خرج مذعورا يتلقى ضربة بقسوة وعنف من هراوة  او ركلة في اي مكان من الجسم بدون تمييز مما زاد الذعر ودافع البعض عن انفسهم بقوة وانتهت الجولة بالقبض علي الكثيرين ونقلهم الى الحامية (المعسكر)  للتحقيق ولتأديبهم وتعذيبهم بقسوة لقاء الدفاع عن انفسهم من الضرب والمهانة…
      استمرت المدينة في حالة تمرد وفوضى عارمة،  وأغلق السوق ابوابه  وقفل الجيش جميع الطرق الرئيسية على المدينة كطوق ممنوع الخروج او الدخول بقوة السلاح حتى لا يتطور الامر في المدن الاخرى وتصل شرارة الانتفاضة وتصبح ثورة شعبية  لا يستطيع الحكام الجدد إنهاؤها


     استمرت العمليات ضد ابناء الشعب الاهالي وكانهم غير ليبيين أجانب من جنس آخر بحاجة للتأديب  والدوريات تتجول في الطرق الرئيسية ليلا نهارا… أما الطرق الفرعية والأزقة المتشابكة في المدينة القديمة  ذات المتاهات معظم الجنود غرباء  من مدن أخرى، ليسوا دراونة من أهاليها حتى يستطيعون التجوال بحرية ضمنها من غير الإعتداء عليهم حيث الشباب الدرناوي  طوال الوقت متمركزين فيها ويصطادون في الجنود ويشبعوهم ضربا وركلا… حتى النساء ساعدن أهاليهن في رمي الحجارة والأواني الثقيلة على رؤوس الجنود من السطوح مما توقفوا عن الاقتحام مع انه بيدهم السلاح واصبحت المدينة تعيش في حالة تمرد، وتوتر في حالة حرب شعبية بين الطرفين


     واستمرت الحالة المزرية بالمدينة حوالي عشرة ايام،  وتدخل وسطاء الخير من أعيان المدينة على الصلح بشرط ان يخرج الجيش من الحامية وان تكون المدينة خالية من العسكر منعا للمشاكل، وتعويض الجرحى الذين لديهم حالات حرجة يصعب علاجها في ليبيا، وإيفادهم للخارج والعلاج على حساب الدولة وتعويض أهالي الضحايا القتلى التعويض العادل لهم ودفع الفدية حتى يرضون ويتنازلون عن المطالبة اولياء الدم، حسب العادات الأعراف والتقاليد المحلية السارية وقتها… ووافق العقيد القذافي رئيس مجلس قيادة الثورة مرغما، خوفا من تستمر الانتفاضة وتستيقظ المدن الاخرى من السبات والنوم وتتمرد عليهم  إسوة بدرنة


     رحل الجيش غصبا عنه من المدينة، وشاهدت بأم العين وكنت واقفا امام  مكتبي في شارع رافع الانصاري،  الطريق الوحيد وقتها إلى خارج مدينة درنة غربا وممتدا مع شارع  (اميل سان لا) إلى الشرق مرورا على المستشفى القديم والحامية الملاصقة  (المعسكر). ثم إلى الجبل للصعود على مرتفع هضبة الفتائح منطقة القرقف، حيث حدثت المعركة المشهورة ضد الغزاة الإيطاليين وقت الاحتلال للوطن… وشاهدت رتل طوابير السيارات الثقيلة حاملة المعدات والجنود وهي متجهة غربا إلى بنغازي والبعض يبكون على الهزيمة متأثرين من الموقف الصعب الطرد   (والهزيبة).


      كانت الانتفاضة والتمرد الاول ضد هيمنة العسكر الطاغية التي بدأت تظهر وتسيطر على الشعب الغافل الذي كان يعيش في الحلم الزائف من التطبيل والتجديف والتدجيل ولم تمر غير مدة بسيطة على قيام الانقلاب، وتم فرض الخروج على القيادة وجلاء العسكر من المدينة


     الإنتفاضة والتحديات والطرد للجيش بقوة والخروج من مدينة درنة كانت  الإسفين والخنجر  الذي تم غرسه في العلاقات بين الدراونة، والعقيد المعقد الحقود القذافي  مما كره  مدينة درنة وبدأ يحسب لها آلاف الحسابات حتى لا تنهض وتتقدم  وخطط ومنع عنها أية اعمال تشييد وبناء إسوة بالمدن الأخرى  لعدة سنوات وحرمها من عدة ميزانيات سنوية  لتركيع أهاليها وتلقينها درسا حتى لا تثور وتتحدى الثورة


     مما زادت فقرا وهاجرت الخبرات الوطنية المحلية غصبا عنها  إلى بنغازي وطرابلس والخارج للبحث عن لقمة  العيش الحلال الشريف، أليست بمأساة ان يتحكم لقيط في مقدرات الوطن  ويصل إلى هذا الحال المؤسف في الإرهاب والضغوط والمنع والمنح وكأنه الرب القادر


     وزاد الطين بللا وحلت المآسي وتم اختلاق مؤامرة مزيفة ليست لها أية جذور من الحقيقة للتخلص من كثير الضباط الوطنيين وبالأخص الدراونة  ذوي الخبرات العالية والأقدمية في التسلسل العسكري حتى يفتح المجال له ولبطانته من التدرج في الرتب العسكرية، مكانهم وبدلهم في تعداد الجيش الصغير.
الشهيد عبد الحميد الماجري
     وأول شهيد في الإنقلاب الاسود ( ثورة الفاتح )  تم تعذيبه حتى الموت بدون رحمة ولا شفقة كان درناوي من مدينة درنة صديقي الضابط الشهيد عبدالحميد الماجري الذي تم  اعتقاله وعذب أشد العذاب بالكهرباء والضرب بالسياط حتى توفي من تعذيب الجلادين القساة… 
وتم وضع الجثمان في صندوق من القصدير حديد مغلق غطاؤه باللحام داخل صندوق النعش الخشبي حتى تمنع خروج الروائح الكريهة من طول المدة في النقل، وممنوع الفتح عليه من ذويه حتى لا يشاهدوا التعذيب الوحشي والفظاعة  من قبل الآخرين، ولكن الله عز وجل أراد لهم الفضح، عسى ان يأخذوا العبر… 
     تم إحضار النعش من طرابلس ضمن حظيرة من الجنود مع ضابطهم للقيام بدفنه تكريما في  جنازة عسكرية كرياء ونفاق أمام ابناء الشعب، والواقع المرير التأكد من عدم فتح التابوت من اي أحد كان… ووضع النعش بغرفة الأموات في مستشفى درنة القديم، وحضر العديد من المشيعين  التأبين لنقل التابوت إلى المقبرة  للدفن، 
في أوقات الحزن والأسى يظهر بعض الرجال على السطح  فجأة من العدم، حيث وقف المرحوم خليفة الماجري شيخ العائلة  الذي كنايته ( الكيرطي ) وأصر على فتح الصندوق حتى يشاهد ذويه الجثة ويتأكدوا ان المرحوم  الميت  هو  قريبهم، وأصر الضابط على عدم الفتح  حسب الاوامر التي  لديه من رؤسائه وحدثت مشادة كبيرة معه وخاف الضابط على نفسه وجنوده من الضرب والتعدي من الجمهور الكبير  الذي يريد تشييع الجنازة

   وإنتهت بفتح الصندوق الحديدى ضد إرادته، وكانت الصدمة الكبيرة حيث شاهدوا عظام أصابع رجليه ظاهرا من كثرة الضرب بالسياط اثناء التعذيب حتى تقطع اللحم وتفتت، وآثار الضرب واضحة على الجسد،  فقد كانت جثة المرحوم مشوهة حسب ما قيل وقتها من أفواه الحاضرين، مما صعق الضابط والجنود من التمثيل بالجثة وبدؤا يبكون على المرحوم… 
     وتتبعت الموضوع فقد كان المرحوم صديقي وتربطني به وبالشيخ خليفة معرفة وود حيث نحن اولاد العم بالقبيلة التواجير  واعرف أولاد الشيخ معرفة جيدة… 
     كانت فضيحة كبيرة على النظام الفوضوي الذي بدأ يكشر عن أنيابه ويفرض سلطته وهيمنته على ابناء الشعب بالقوة والارهاب منذ البدايات… لم احضر الجنازة الضخمة من كثرة المشيعين حيث معظم رجال وشباب  المدينة خرجوا للتشييع وقتها، وكأنهم في مظاهرة صاخبة عندما ترددت أنباء التعذيب،  ودفن المرحوم في مقبرة الفتائح وهم يترحمون عليه ومتأسفين على الذي حدث له، هاتفين انهم يوما سيأخذون الثأر من الجلادين القساة  (حيث كنت مسافرا خارج المدينة وقتها) وكانت هذه البداية في سلسلة طويلة من الاحداث والمآسي المؤسفة من قبل رجال الانقلاب الاسود ( الثورة )  والتحديات والصمود من الدراونة من الجنسين  ضد النظام العفن… والله الموفق.
                                                                                              رجب المبروك زعطوط 

البقية في الحلقات القادمة

No comments:

Post a Comment