Tuesday, February 18, 2014

مدينة درنة (4) 66



بسم الله الرحمن الرحيم



    مدينة درنة التي كانت في الخمسينات والستينات جنة من جنان الرحمن حيث تفوح فيها روائح الورود والياسمين والعطور في الحدائق وامام البيوت، والنظافة في شوارعها وأزقتها تبهج الناظر لها وتلهج قلبه بالمديح والشعر والشكر، لمن قام بدور مشكورا في الحفاظ عليها من القمامة حتى لا تعم الأوبئة مما يدل على الحضارة والإهتمام بالصحة العامة للمواطنين… الأمن والأمان متوفر وقلما يسمع الانسان عن جريمة قتل واغتيال الا بعد فترات وسنين عديدة نتيجة  الأخذ بالثأر والذود عن انتهاك العرض في بعض الحالات الطارئة… الجميع مسالمون، لا نعرف الكراهية ولا الانتقام ولا الحسد ولا الحقد للبعض على البعض في الوطن ليبيا بصفة عامة…  
     كما يحدث الآن في وقتنا الحاضر من مصائب وإغتيالات وتصفيات حسابات بإسم الدين من متشددين بدون عدل ولا قانون… لا يفقهون من الدين الإسلامي إلا القشور حيث ديننا الحنيف له قواعد وأصول، ترغيب للضالين وليس ترهيب للمؤمنين…
      سبحانك رب العالمين مغير الأحوال من حال إلى حال، كم كانت مدينة درنة حلوة وزاهرة بالسابق ايام العهد الملكي تنمو رويدا رويدا وتنهض الدولة وكل يوم تتقدم إلى الأحسن، مع أن ليبيا في ذالك الوقت كانت فقيرة ومعتمدة في الدخل على العطايا والهبات من الامم المتحدة ومساعدات بعض الدول الصديقة… دخل الدولة كان بسيطا متأتيا من إيرادات الجمارك، سواءا في الإستيراد أو التصدير  لتسد العجز في الميزانية السنوية  للحكومة الليبية التي بالكاد قادرة على المضي متعثرة، نتيجة الدخل الزهيد الناتج من  تأجير القواعد العسكرية في غرب ليبيا بطرابلس "قاعدة هويلس الجوية" لأمريكا، و"قاعدة العدم الجوية" في شرق ليبيا  لبريطانيا، أيام الصراع على أشده في الحرب الباردة بين الغرب والشرق على البقاء في الريادة وسيادة العالم

     بدأت النكبات واللعنات تحل على المدينة نظير مهاترات وتراهات  راديو صوت العرب الذي يبث من القاهرة  بصوت مذيعه الجهوري المؤثر في المواطنين  (أحمد سعيد) وخطب الرئيس المصري الطويلة جمال عبد الناصر الذي لا يمل ولا يتعب وهو يردد بالساعات ويمسك بسماعة الميكروفون والعرق يهطل ويمسح بالمنديل بين الفينة والأخرى  وكأنه يحاضر ويدرس للطلبة…  مازجا الحقائق مع الخيال والأحلام والزور والبهتان لرفع الروح المعنوية للسامعين  والشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تستمع حابسة الأنفاس تصدق التراهات وتمدح وتهتف طيلة سنين… وكنت أنا ورفاقي الشباب الصغار في مدينة درنة نصدق ونؤيد في الأمر بلا فهم عميق للسياسة وما يجري من امور في الخفاء،  من ضمنهم مشدوهين فخورين نحلم بترجيع الأمجاد السابقة للجدود، اللذين طواهم الموت والزمن والنسيان…  حتى حدثت الصدمة الأولى بحرب العدوان الثلاثي وتم احتلال مدن بور سعيد والإسماعيلية وضفة قناة السويس… ولولا لطف الله تعالى وتهديد الزعيم السوفيتي خروتشيف بالتدخل العسكري  وقرار امريكا بإيقاف الحرب وفرض الهدنة على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالانسحاب الفوري من مصر لما قامت للعرب قائمة منذ ذلك الوقت… 

      وقام الاعلام المصري المضلل بالتطبيل والتدجيل وقلب الهزيمة إلى نصر، وهاجت مدينة درنة الوحدوية وهاجمت الحامية البريطانية بمدينة درنة نتيجة العواطف وعدم التدبير والتفكير بالعقل والمنطق، وقامت الجماهير بالإضرابات ضد اي عمل للمستعمر المحتل،  سواءا عمالة أو بيع  مؤن ولحوم وخضروات ومنتجات زراعية  لإطعام حوالي عشرة آلاف جندي  بريطاني والكثير من عائلات الضباط المقيمين بالمدينة وضواحيها بالمعسكرات  تم عن جهل التعدي عليهم وايخافتهم…

     تم نتيجة تسرع واندفاع عواطف جياشة وجهل التحرش بهم وإرهابهم وإشاعة الخوف على حياتهم من أبناء الشعب الغاضب على وجودهم،  مما حلت النكبة الأولى وغادرت الحامية  والعائلات التي كانت مورد الرزق للمدينة إلى مدن طبرق وبنغازي تاركة مدينة درنة تواجه مصيرها… وخافت الجالية البسيطة من الأهالي اليهود على حياتهم من العسف والأنتقام رغم أن جذورهم دراونة منذ مئات السنين، وغادروا المدينة بناء على طلب زعمائهم الحاخامات في ليبيا، وتجمع يهود برقة في بنغازي ويهود الغرب والجنوب في طرابلس الغرب لحماية أنفسهم من الغضب الشعب وكأنهم هم المسؤولون عما حدث، وأصبحت المدينة خاوية بعد ان كانت رائجة وعامرة بالتجارة والاقتصاد

  وإضطر شبابها ورجال الأعمال عن البحث عن الاسواق للعمل والاستثمار وهاجر الكثيرون إلى بنغازي والبيضاء وطبرق وطرابلس والبعض للخارج سواءا للدراسة او العمل مما تسبب في حلول الكساد بالمدينة في سنوات قليلة… وخرج منها حوالي النصف من عدد السكان مهاجرين  للبحث عن لقمة العيش الشريف، وكانت عائلتنا احد الضحايا حيث توزعنا مؤقتا بين الحدود الشرقية بلدة امساعد الليبية وجزء من العائلة إلى بنغازي، مضطرين بدون رغبة تاركين أساسا وجزءا كبيرا من العائلة في درنة

     وكانت النكبة مصيبة وطعنة قوية في ظهر المدينة التي  مازالت تدفع الثمن الغالي إلى حد الآن نتيجة الهجرة الكبيرة والتشدد والتطرف في سبيل المساندة والتعاون والنخوة العربية ضد الانجليز المعتدين على شعب مصر العربية اخوتنا في الجوار والمصير
     المولى عز وجل احب ليبيا ووهبها الخير والثروة الرهيبة وتم استكشاف النفط بكميات رهيبة في بداية الستينات… وبين ليلة وضحاها انتقلت ليبيا من قمة الفقر إلى قمة الغناء والثراء لتعداد شعبها الذي كان يبلغ وقتها حوالي 2 مليون فقط. وتم لفت النظر للطامعين، القوة الخفية، على من يحكم ليبيا في السر ويستولي على خيراتها… وبدأت المهاترات والتراهات والدس في الأوساط المدنية والعسكرية من الدول والهيئات وشركات النفط التي كان لها الدور الكبير في الإنقلاب الأسود، عن طريق العملاء تجار الفرص و صيادو الثروات على من يخلف الملك في الحكم… وبدأت موضة الإنقلابات العسكرية في الدول العربية وبدأ الدم يهدر ودكتاتوريات العسكر تسود وتطغى متخذة من الإصلاح عناوين… 

     وحلت النكسة الثانية  عام 1967 م حرب العدوان من دولة اسرائيل التي كان الزعيم عبد الناصر يستهزء بها، غير واضع لها جل الإهتمام والحسبان نتيجة الغرور ونفاق العسكريين الرفاق اللذين كان يعتمد عليهم واثبتت الايام أنه على خطأ ساعة الجد والإمتحان…

حيث اسرائيل قامت  وحدها بالحرب الخاطفة  وشردت العرب وقهرت في ساعات وأيام بسيطة ثلاثة جيوش عربية (مصر وسوريا والأردن)، وكانت النتيجة استيلاء الكيان الصهيوني على هضبة الجولان (والتي لا تزال ترزح تحت حكمها إلى اليوم) من دولة سوريا، واستولت على الضفة الغربية لنهر الأردن وشبه جزيرة سيناء بالكامل… 
 وانتصرت اسرائيل وكانت درسا قاسيا لجميع العرب وتلاشى الحلم الزائف وظهرت الحقيقة العارية على الملأ، وكانت نكسة شديدة ومأساة مع الوقت قضت على زعيم العرب الرئيس جمال عبدالناصر قبل أوانه  وتنازل عن الكبرياء والغرور، وبدأ يخطط في السر لرد الضربة والنكسة الخطيرة لكن الموت لم يمهله ووفاته المنية والموت قبل أن يفرح بالنصر ويسترجع الكرامة التي تخدشت وتمزقت بالنكبة والنكسة الحزينة… في تلك الآونه العصيبة ونتيجة النكسة حدث تمرد الضباط الليبيين في الجيش الصغير المنظم والمدرب تدريبا عاليا بمقاييس ذلك الوقت على الطاعة وتنفيذ الأوامر بدون تردد… بقيادة ملازم مغمور معتوه غير معروف الأصل ولا الفصل، وقام بالإنقلاب الأسود على الملك ادريس السنوسي الزاهد في الملك الذي كان في رحلة علاج إلى الخارج متنازلا لإبن أخية عن العرش… 
     حل الشيطان المقبور معمر القذافي على كرسي الحكم وكاهل الوطن بمساعدة القوى الخفية الدولية والطامعين لاستغلال النفط وخيرات الوطن… وبدون سؤال حول هوية القادم، هتف الشعب وأيد العسكر بجنون وحلت المأساة بعد ان استقر الحكم وتغير الحال كل يوم إلى الأسوء، نغوص إلى أسفل… 

      التاريخ لا يعيد نفسه حيث الحياة دورة تدور  وقيادات العرب كانوا صبورين يعملون بجد في السر والخفاء… فخلال سنوات بسيطة ردت الجيوش العربية الصاع صاعين في حرب اكتوبر المجيدة بقيادة الرئيس المصري الراحل السيد محمد أنور السادات (الذي فقدناه ولم نعرف قدره والذي اثبت انه سياسيا داهيه)  وأثبت الجنود المصريون انهم رجال محاربون  وجنود أشداء عندما تم تطهير الفساد من قيادات الجيش  وتوفرت القيادات السليمة  والسلاح المطلوب والتعبئة في السر وفي الخفاء وعبروا القناة  وتوغلوا في سيناء… كسروا بعنف وقوة وجرأة  حاجز الرعب والخوف، "خط بارليف" على ضفة القناة ومرغوا في التراب المقولة التي شاعت في الأوساط لتحطيم معنويات العرب  و حطموا الأسطورة القائلة بأن "جيش الدفاع الاسرائيلي لا يقهر"
      ولولا بعض الاخطاء البسيطة في ثغرة الدفرسوار والسياسة الدولية الخبيثة  والدعم الأمريكي الغير محدود (الجسر الجوي على مدى 24 ساعة)  والاصرار على بقاء اسرائيل مسمارا في خاصرة العرب، لتنفيذ مآربهم الخاصة، لإنتهت دولة اسرائيل من الخارطة والوجود .

     وكانت الفرحة لجميع العرب على رد الكرامة والمهانة وخطوة أولى لتحقيق السلام ونشر الأمن والأمان، فليس من صالح العرب ولا اليهود البقاء على طول الزمن في حالة حرب وخصام… ممكن بالسلام والحوار الوصول إلى حلول وتسويات مشرفة للطرفين  مهما طال الوقت، فنحن وهم أولاد عم، جدنا سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وسيدنا اسماعيل أبو العرب، ونبيهم ورسولهم سيدنا موسى عليه السلام وأخوه سيدنا هارون عليه السلام، نؤمن بهم جميعا عن ظهر قلب فقد ذكروا في القرآن الكريم عشرات المرات

     نحتاج إلى وقت وفهم، استعمال العقل والحكمة ،  حتى تذوب العصبيات الجاهلة والتطرف الأعمى من جميع الأطراف من عرب ويهود حيث نحن الآن نعيش في عالم عصر العولمة… انتهت الغزوات  والعصبيات والتحديات  إلى غير رجعة، حيث في وقتنا الحاضر تحضرنا بالعلم وتقدمنا يقاس بمدى معرفتنا… تغير الزمن،  نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا، سرعة الإتصالات والمواصلات وكل يوم زيادة في التجديد والتطور للأحسن…

العالم الآن بدأ يصغر ويصغر ومعظم الدول تتوحد لتنهض وتتقدم، ناسية خلافاتها السابقة نظير المصالح وحرية التجارة…   وكلنا نحتاج إلى بعضنا البعض حتى نتطور وننهض لخدمة الانسانية والبشرية بدل القهر والدم والتطرف الأعمى، الذي لا يؤدي إلى نتيجة إلا للعنف والإنتقام…وعلى اخوتنا الفلسطينيين الرضاء بالموجود والواقع المرير ويقبلون بنصيحة المرحوم الرئيس الحبيب بورقيبة التي قالها في بداية الستنينات، ولم يهتم بها أي احد من زعماء العرب نظير الجهل والغرور الأعمى…  ويتحصلوا على البعض من الحقوق وينشؤون دولة فلسطين كأول خطوة  ويعيشون في سلام  ومع الوقت يطالبون ببقية الحقوق إلى ماشاء الله تعالى…
     ونتعلم نحن العرب جميعا الدرس القاسي ونأخذ عبرا…  إن دولة اسرائيل باقية طالما أمريكا شامخة تسود العالم، ولن تنتهي كما يجعجع الكثيرون اللذين اتخذوا القضية الفلسطينية للمساومات والعيش السهل….  فلا يعلوا ويستمر إلى ماشاء الله تعالى، الا الحق الشرعي للشعوب المظاليم، سواء كانوا عربا أم يهودا…
      وعلى جميع الأطراف دراسة التاريخ فلا شئ يدوم إلى الأبد،  كم من  حضارات سادت ثم بادت وانتهت إلى غير رجعة ولا يبقى في الوجود إلا الخالق الله عز وجل الواحد الأحد.  والله  الموفق…            
           رجب المبروك زعطوط  

البقية في الحلقة القادمة
  

No comments:

Post a Comment