Monday, February 17, 2014

مدينة درنة (3) 65

بسم الله الرحمن الرحيم 

      مدينة درنة المجاهدة الصابرة مهما تحدثت عنها، ومدحتها وشكرتها لن أوفيها حقها من التقدير والتبجيل فقد هضم حقها طوال ثلاثة وستون عاما من يوم الاستقلال وحتى الآن، رغم انها قدمت الكثير من الضحايا والتضحيات في سبيل الوطن وقضايا العرب والإسلام… وأنا متأكد أنه مهما طال الزمن يوما سوف تأخذ حقها كاملا بدون نقصان وتظهر على السطح وتلمع الجوهرة وتشع على الجميع انها مدينة السلم والسلام، مدينة العلم، مدينة الوحدة والتعاون والاتحاد فقد ضمت الجميع من شرائح الوطن والآخرين من الأجانب فى بوتقة واحدة، عاشوا فيها إخوانا متحابين وكل من ولد فيها، أو أقام بها فترة من الزمن وتنسم هوائها وعاش فيها له ذكريات وحنين لا يستطيع نسيانها طوال العمر.  
     مهما مرت بها من كبوات ونكبات دائماً صابرة في صمت  مثل الأم الحنون الراعية لأولادها، ولكن عندما تثور تصبح نمرة شرسة تجرح أو تقتل المعتدي الأثيم بسهولة وبساطة وتورده موارد الهلاك والدليل واضح في جميع الانتفاضات ضد حكم المستعمر الأجنبي والعسكر

     مر بها الكثير من الزعماء والقيادات إبتداءا من الزعيم التركي كمال أتاتورك الذي عمل واقام بها فترة من الوقت ضابطا في عهد سلطنة آلِ عثمان العهد التركي الثاني في عهد حكم ليبيا،  منها بدأ التخطيط للإنقلاب على سلطنة العثمانيين اللذين كانوا يطالبون فيها بالتجديد والنهوض والتقدم… إلى القائد التركي أنور باشا الذي قاد المعركة الكبيرة المشهورة تحت لواء السيد احمد الشريف السنوسى  (معركة القرقف)  ضد الطليان على الجبل اول منطقة الفتائح مشارف درنة والتي كانت وصمة عار للمستعمر الايطالي الذي قتل وجرح من جنوده ومرتزقته الأحباش اكثر من ثلاثة آلاف ومائة وثمانون،  منهم ثمانية وثلاثون ضابطا ايطاليا قتلوا في الميدان، حسب اعتراف وزارة الحرب  لديهم عن الضباط .

      كانت معركة شرف للثوار الليبين (المحافظية)  فقط سقط العديد من الشهداء، اكثر من ثمانمائة وأربعون شهيد وعشرات المئات من الجرحى الذين رووا بدمائهم الزكية ثرى وتراب الوطن دفاعا عن الارض والعرض، وكان والدي المبروك وعمي عبدالجليل من ضمن المتطوعين المقاتلين في المعركة وحماهم الله تعالى من القتل أو الأسر وعاشوا بعدها سنين عديدة طويلة حتى توفاهم الله عز وجل، الله يرحمهم

     زارها الزعيم الفاشي الإيطالي  (بنيتو موسوليني) اثناء جولة الزيارة إلى ليبيا لتفقد قواته والتباهي بالنصر والمجد، ومر بها القائد الالماني ثعلب الصحراء (روميل) واقام بها بعض الوقت فترات الكر والفر ضد جيوش الحلفاء في فترة الحرب العالمية الثانية، في الأربعينات .
شباب المدينة كانوا من اوائل المتطوعين في حرب فلسطين عام 1948 م ذودا عن الارض التى ضاعت حتى الآن  نظير الخيانات وتشرذم العرب، وكان اول ضحية ودم أريق على ارض فلسطين من المجاهدين الدراونة الليبيين الشهيد (على ابن العمدة جبرين) الذي كان بجانب أخي الكبير الحاج صالح في خط النار حسب قول المرحوم لنا فى بعض الأمسيات عندما يتحدثون عن حرب فلسطين.

     اذكر منهم المراحيم المجاهدين عبد الرحيم بن خيال الذي حكى لنا أثناء بعض الجلسات  قصصا رائعة عن المواقف والبطولات والخيانات  التي حدثت، عن الرفاق  الحاج ادريس بوشيحة، الحاج عبدالمنعم قدور،  الحاج على امويله سلطان، والعشرات غيرهم من أبناء المدينة الذين نسيت أسماؤهم مع طول الزمن… وسيأتي اليوم الذين سوف تكرم عائلاتهم وذكراهم تبقى خالدة إلى ماشاء الله تعالى عن أدوارهم وجهادهم من اجل رفعة المسلمين والعرب … 
زارها الرئيس التركي (عدنان مندريس) وكنت احد الطلبة من الكشافة الواقف في الطابور أمام قصر الزهور في شارع رافع الانصاري بدرنة، ننشد نشيد ليبيا،  ونهتف للملك ادريس وضيفه الرئيس في اواخر الخمسينات وبداية الستينات . 
  
     أقام بها الرئيس (الحبيب بورقيبة)  فترة من الوقت عندما كان مطاردا من المستعمر الفرنسي وأذنابه، وعندما نجح في مسعاه وتولى رئاسة تونس لم ينس فضل الرفاق الذين أووه في السر في غربته وكفاحه ومنهم المرحوم ادريس الهنيد، وقام بالزيارة للمدينة وهو في  عزه ومجده كرئيس لدولة تونس  عرفانا بالجميل . 
         البطل فتح الله الأشقر الدرناوي الذي ربطتني به صداقة وأخوة  والعديد من السهرات فى ليالي الصيف على شاطئ البحر مكان المحطة البخارية الآن بمنطقة بو إمسافر درنة ورحلات عطلات اواخر الاسبوع (الزرادي) والعيد في  منطقة رأس الهلال بالجبل الاخضر، مع البعض من الرفاق مع فارق السن حيث يكبرني بعقدين من الزمن، الذي كان له الدور الكبير كدليل في حرب ثورة الجزائر وتوصيل رتل السيارات الثقيلة  ( المرسيدس ) عابرة الصحراء التى كانت هدية من الامير عبدالله عابد السنوسي وقتها   لنجدة ثوار  الجزائر الذي تعرفت به الأمير (الله يرحمه) في غربته وهجرته في مصر عام 1980م  وأصبحنا أصدقاء.
      قام المرحوم فتح الله،  بالعبور متسللا في الخفاء عشرات المرات دليلا قائدا للقافلة  عبر الصحراء الليبية القاحلة وقتها المجهولة إلا من القلائل بدون خرائط  للسير بل على هدى النجم بالليل بدون انوار السيارات  والوقوف اثناء النهار وتغطية السيارات بالمشمعات مثل لون الصحراء للتضليل  حتى لا يتم الكشف بسهولة من قبل احد الطائرات العابرة ويتم البلاغ عليهم لرصدهم والتصدية في كمين… حتى يصل إلى داخل الجزائر مقر الثوار في جبال الأطلس، المحملة بالأسلحة هدية من مصر أيام الرئيس عبد الناصر، والمؤن والدواء تبرعات من الأهالي في ليبيا، بدون ان يحس بهم المستعمر الفرنسي وأذنابه من العملاء  متطوعا بنفسه مغامرا  مجاهدا من أجل تحرير الجزائر العربية الاسلامية  حتى تفوز وتنجح في ثورتها وتنال الاستقلال… والله الموفق ….

                        رجب المبروك زعطوط 

البقية فى الحلقة القادمة… 

No comments:

Post a Comment