Wednesday, August 5, 2015

قصصنا المنسية 34

بسم الله الرحمن الرحيم

 مسيرة حياة 1

              عانت مدينة درنة التهميش المبرمج ضمن مخطط كبير عن قصد المفروض عليها لجعلها تفلس وتركع من قبل الدولة وأياد الشر من المستعمرين الأجانب الإنجليز والبعض من رجال الحكم بالقصر الحاقدين  على المدينة...  مما أضطر الكثيرون من السكان للهجرة خارجها لطلب الرزق والعيش الشريف. وكان شقيقي الكبير الحاج صالح دائما يلح على الوالد بأن ينتقل بالعائلة ويهاجر إلى المنطقة الحدودية أمساعد حيث الأعمال التجارية من بيع وشراء رائجة... وكانت مصر وقتها تئن وتتألم من القوانين الإشتراكية الجائرة أيام حكم الرئيس عبدالناصر والخزانة المصرية شبه مفلسة من العملة الصعبة وغير قادرين على الإستيراد من الخارج لأي سلع كانت، حيث الدول الغربية تمارس الحصار والضغوط التجارية بقوة عليها نظير التعامل المصري مع روسيا الشيوعية في عز أيام الحرب الباردة بين الغرب والشرق ولا يريد ويرغب الغرب امتداد المد الشيوعي إلى أفريقيا عبرها وعن طريقها.

              وقام الرئيس جمال عبدالناصر رئيس مصر بأخطاء عديدة نظير ترك الغرب والتعاون مع الشرق ليغيظهم وليتحصل على سلاح حديث متطور حتى يستطيع مواجهة دولة أسرائيل ناسيا ان الصهاينة هم السادة للجميع أمريكا وروسيا معا في ذاك الوقت نظير العلم والمال والوحدة لمصلحة إسرائيل ولم يعرف كيف يتعامل بحكمة ومهارة مثل البعض من ملوك السعودية ورؤساء العرب الرئيس الحبيب بورقيبة تونس، بدل التحدى السافر وخلق أعداء شرسين ، العرب جميعهم وقتها لا يستطيعون هزيمتهم طالما يعيشون في الجهل والتفرق إلى شيع عديدة مختلفة .

               زين الرئيس عبدالناصر للجميع التحدي ولعب بالمشاعر الوطنية حسب ظنه ورؤيته الخاصة بترديد مقولات وخطب رنانة بالساعات بدون ملل ولا كلل.  والجميع يستمعون ويصفقون في حماس ويعيشون في قمة النشوة من الجهل والدمار للنفوس الغير فاهمة لما يجري من كيد للأمة العربية المتعطشة للوحدة.  ومصر في ذاك الوقت كانت في المقدمة في التعليم أمام جميع الدول العربية و لو أتيحت الفرص للشباب المصري المتعلم المشاركة في الحكم وإتخاذ القرار السليم حتى يبدعوا، لوصلوا للقمم ، ونتيجة الضغوط والإرهاب الأمني لحماية الثورة والزعيم عبدالناصر ، أضطر الكثيرون للهرب للخارج للغرب ونجح البعض في طلب العلم وأصبحوا مع الوقت علماء مشهورين في كثير من المجالات.

              أينما حل العسكريين الحكام في أي وطن عربي على مدى القرن العشرين الماضي وإلى الآن، تأخر وتقهقر للوراء عشرات السنيين مهما كانت الإطروحات والدعوة للنهوض والتقدم ، ومعاداة الغرب مما إستنزفت الطاقات وبلايين الدولارات في بناء جيوش وتكديس السلاح بلا حدود بالهبل ، والنتيجة الكوارث والمآسي والهزائم وعلى رأسها كارثة النكسة والنكبة التي حلت بجميع العرب 5 يونية عام 1967 م ، تحطمت الجيوش العربية في ساعات وأيام نظير القيادات الفاشلة وتسلط العسكريين الغير مسيسين على مقاليد الأمور وتأخر العرب إلى الوراء سنوات عديدة وسبقنا العدو الصهيوني مراحل متقدمة بالعلم وتصنيع العديد وبالأخص السلاح المتطور ولولا الخجل وبعض الحياء ، وأدعاء الكرامة  الكاذبة لكنا نحن العرب أكبر  المشترين لسلاح إسرائيل .

               كانت حالة مصر الناصرية في بدايات الستينات تعاني الفقر والإحتياج ، ومن غناء وإستقرار وثروة أيام عهد الملك فاروق الراحل ، بريطانيا العظمى بجلالة قدرها أستلفت وإستدانت من حكومة مصر ملايين الجنيهات الذهبية أثناء حربها الضروس ضد المحور (الحرب العالمية الثانية) لإطعام جيوشها بالمواد الغذائية من أجل البقاء وهذه الأموال وقتها تعتبر أرقاما ضخمة خيالية ذابت في الجيوب بعد الثورة المصرية عام 1952م ، في فترة بسيطة من التحدي الكاذب للغرب وإسرائيل وعدم الرقابة القوية والمتابعة للهدر المالي ووضع الرجال الصادقين الشرفاء الوطنيين في المراكز القيادية حتى تنهض الدولة وتتقدم آسوة بالآخرين من الأمم .

               العكس هو الذي حدث الوصوليين المنافقين المرتشين الغير مؤهلين من أشباه الرجال والقطط السمان لتسمين الحسابات بالحرام والزاقوم من أموال المجتمع وعرق البؤساء الجماهير الأبرياء وأدعياء الوطنية المنافقين الملتفين على الرؤساء ، ومع الوقت أصبحت مصر تستدين وتتلقى  المعونات الاقتصادية من الهبات المشروطة بإجحاف، وشعبها الكادح تحمل الويل والتعب والجوع وضحى بماء الوجه لقاء العيش شرفاء  بكرامة .

             أنه العسكر عندما يحكم ويتحكم ، لا يعمر ولا يبني ويشيد للإصلح ، يزرع الخراب والدمار أينما حل في أي وطن بقوة السلاح، والدليل جميع الثورات والإنتفاضات العسكرية في دول العالم الثالث ماذا عملت وحققت لشعوبها؟ هل نجحت؟ والرد الوضع العام المزري والمؤلم على الواقع في الحياة اليومية العملية كفيلا بالجواب الصادق الصحيح لمن يتابع الامور بدقة.

              أضطر الوالد عميد الأسرة نظير ضغوط مادية ونفسية أدبية وهو المجاهد الصامد أيام غزو الطليان وخوفا من نفاذ بقية الرأسمال في المصاريف للعيش والحياة بكرامة في الإعالة لعائلة كبيرة بدون دخل قرر الإنتقال إلى بلدة امساعد الحدودية مع مصر التي وقتها كانت عاجزة عن التجارة الحرة والاستيراد من العالم وسوقها المحلي بحاجة للكثير من السلع الغربية التي تتهافت الجماهير على شراءها، وكانت بلدة أمساعد الليبية الحدودية هي محطة العبور والشريان الرئيسي للتزويد والمبادلات والمقايضة التجارية من والي مصر .

               الليبيون يشترون المواد الغذائية من الأرز وزيت الكتان من بذرة القطن ( والذي أثبت العلم مؤخراً بأنه من أرقى انواع الزيوت للإستعمال البشري والحبوب بجميع أنواعها من الفاصوليا والفول والبصل وبعض الصناعات الخفيفة التي تأتي عبر التهريب بين الحدود على ظهور الحمير بالفجر إلى أمساعد وترجع بالليل محملة بالسلع من  الشاي وامواس الحلاقة والساعات السويسرية بالآلاف والأقمشة الجيدة الانجليزية لصنع البدل...  وتهريب كيلووات الذهب الخام للصياغة والتصنيع حسب مواصفات الحلى الليبية ورجوعها مرة اخرى إلى ليبيا بإسعار عالية والكثير من المواد الأولية والأشياء المطلوبة للصناعة التي يحتاجونها للتصنيع ، وتعافى الوالد بسرعة من الامراض والكآبة نتيجة الطقس الصحراوي الجاف ورواج التجارة والأرباح وحقق النجاح والثروة .

              وكنت أنا الضحية، فقد أصر الوالد على إنتقالي معه وترك الدراسة  لعدم تركي وحدي بمدينة درنة مع الآخرين من الأقرباء لصغر سني...  وتركت الدراسة يوم 1958/12/30م   وكنت بالفصل الثامن وكان عمري وقتها خمسة عشرة عاما...  وفي اليوم الثاني، وصلت متأخرا بالليل في الظلام الدامس للبيت الجديد للسكن في بلدة أمساعد.

             اليوم الأول من عام 1959م نهضت متلهفا من النوم لأتطلع إلى البلدة وكم فوجئت من الصدمة الكبيرة، بدلاً من مدينة درنة الجميلة ببساتينها وطرقها وحضارتها وسكانها وأصحابي ورفاقي والبحر الجميل للسباحة ودور العرض والمكتبة للشراء او لأستعارة للكتب من المكتبات المجانية التابعة لبريطانيا وأمريكا حيث وقتها الوسيلة الوحيدة للمعرفة والثقافة العامة ، لا وجود للقنوات المرئية ولا النت ولا الشبكات العنكبوتية والإعلام كما موجودا ومتوفرا الآن في كل مكان.

                الإقامة والسكن فى بقعة نائية صحراوية تعصف بها الرياح طوال الوقت ولا أي نوع من أنواع الحياة بها، غير ضجيج الدواب والحمير في ساعات معينة بالمئات تبدأ بالقدوم طوال الليل محملة بالسلع عبر الحدود من مصر وترجع من ليبيا قبل الفجر بساعات، وبقية النهار الهدوء والنوم ومعظم المحلات مقفلة ولا زبائن بكثرة، إلا من بعض المسافرين العابرين الذين دائما كانوا مسرعين سواءا في الدخول إلى مصر أو الرجوع منها .

               مرت سنة ونصف من عمري هناك في الإقامة مع الوالدين وكنت طوال الوقت في العمل بالمحل وأستفدت الكثير وتعلمت كيفية المعاملات التجارية في معاملة الزبائن في البيع والشراء والأخذ والعطاء مع الجميع والتي لو قضيت عشرات السنوات بالجامعات والمعاهد للدراسة لن أتعلمها مهما عملت من جهد فقد كان التعليم على الطبيعة يومياً ضمن التجارب العديدة مما ازددت خبرة وتجربة وثقفت النفس بالقراءة المتواصلة يوميا لكل كتاب وصحيفة تقع في اليد .

              كانت تأتي يوميا للمحل سيارات النقل الكبيرة محملة بالبضائع من بنغازي ويعبأ المخزن الملاصق بالكميات الكبيرة من السلع المطلوبة وبالأخص الشاي من سيلان الهند والبيع معظمه في الليل وكان الوالد وشقيقي يقفلون الباب الرئيسي الحديدي للمحلات ومصرح بالدخول لخمسة زبائن فقط للشراء حتى لا تحدث سرقات وعندما يخرج زبونا يدخل آخراً مكانه من الطابور الطويل في الانتظار بالخارج .

              حتى لا يزدحم المحل ويتم النشل والسرقات التي تحدث في بعض الأحيان والتي بهذه الطريقة تم الحصر والضبط حيث البعض من الزبائن يفتعلون قصصا للجدال والعراك بحيث التاجر فى الخضم يسهى وينسى المتابعة ويكتشف بعدها أن في أشياءا ثمينة سهل أخفاؤها، أختفت وسرقت بقدرة قادر أمام عينيه بدون أن يقبض ثمنها...  ولكن طريقة الوالد والتحكم في الدخول والخروج والتسليم للبضائع والمراقبة القوية ،،، أجبرت الزبائن على الأحترام والأنتظار أذا كانوا يرغبون الشراء فقد كان يتعامل ويبيع السلع الجيدة والأسعار مناسبة والشارى لا يستطيع إيجادها لدى الغير في السوق مما يضطرون للانتظار في الطابور ، وبالصباح المستودع فارغا من البضائع ولا توجد الا صناديق الخشب والكرتون الزائدة والمرمية القمامة أمام المحلات بالمئات .

             البيع بالليل للمهربين المصريين من قبيلة أولاد علي بالجنيه المصري ويتم الشراء للسلع المصرية وبيعها في اسواق درنة وبنغازي بالجنيه الليبي حيث الطلب كبيرا عليها ، وتشترى السلع المطلوبة للمحل من تجار بنغازي بالعملة الليبية مما يتم التوفير الكبير خلال الدورة التجارية والفروقات في الصرف في الأسواق المالية من بيع وشراء للعملة المصرية مما حققت أرباحا وفيرة في المعاملات التجارية...  والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

No comments:

Post a Comment