Sunday, August 2, 2015

قصصنا المنسية 33


 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين (محمد الحصادي)

                مدينة درنة طوال العهود والزمن لديها مناضلين من الجنسين سباقون للجهاد والفداء من أجل رفعة الوطن والنهوض والتقدم يحسبهم الجاهلين انهم بعيدين عن الحس والشعور الوطني والفداء بالغالي والنفس نظير الإزدراء والتفاخر الكاذب في الأوساط ، والواقع عندما تدق طبول الحرب ويتطلب الامر التضحية والفداء وتحين الساعة المناسبة يظهرون فجأة على السطح بقوة ببطولات خارقة غير محسوبة ولا متوقعة ولا تصدق من أدعياء الوطنية المنافقين الكثيرين.

                   في منتصف السبعينات كانت الاعمال الكثيرة التجارية متوفرة والسوق رائجة في ليبيا من الاستيراد لجميع المواد للبناء والتشييد ، وكنت تاجرا ورجل أعمال كثير التنقل والسفر وحضور المعارض العالمية التجارية في اوروبا للإطلاع على الجديد في الأسواق حتى أكون سباقا في مدينتنا درنة بليبيا، وتصادفت الزيارة لمدينة بون عاصمة المانيا الغربية وقتها قبل هدم حائط سور برلين وتوحيد الغربية والشرقية معا في دولة واحدة والعاصمة برلين كما كانت من قبل أيام القياصرة والزعيم هتلر ، وكنت مدعوا لدى صديق عزيز منذ أيام الدراسة حيث يسبقني بعامين دراسيين ولدي به معرفة وثيقة من مدينة درنة،  السيد محمد الحصادي، الذي كان وقتها القنصل الليبي في السفارة .

              دعاني لتناول وجبة عشاء وخيرني بين ان تكون بالبيت وجبة ليبية من المكرونة (المبكبكة) أو العشاء في احد المطاعم بالمدينة... وإخترت البيت  لأنني مللت من تناول طعام المطاعم طوال الرحلة ، حيث عائلته تقضي الأجازة في زيارة إلى ليبيا للأهل واالأقارب وهو وحيدا وقتها.

                 وبينما كنت جالسا على الكرسي بالصالون مرتاحا وهو يغدو ويرجع من المطبخ للتأكد من الطبخ ويرتب الصحون والملاعق على الطاولة للعشاء، تناولنا الحديث والسمر ونحن نتحدث عن ليبيا وأحداثها المستمرة من التطبيل والتمثيل والنفاق ومآسيها التي بدأت تظهر على السطح بخفوت وحياء ولا من مهتم ويراجع ويسأل... وسألته سؤالا عفويا بدون أن ادري الخلفيات وراءه من أبعاد ، لماذا لم يأخذ أجازة ويسافر في صحبة العائلة؟ وكأنني فتحت جرحا بليغا لم يندمل ويشفى بعد... ورد علي وهو مطرق الرأس حزينا ، لأنه ممنوعا عليه الرجوع إلى ليبيا في الوقت الحاضر وسألته بإستغراب وتعجب... فكيف يكون ذلك  وأنت القنصل وتمثل ليبيا ولا تستطيع زيارة وطنك ؟

            رد علي بحرقة نظير تهوري وخطئي الكبير لأنني لم أكمل المشوار ووثقت في بعض رفاق السلاح والنتيجة الفشل وحدث الذي حدث والآن قنصلا في المنفى في إنتظار الأوامر وعن قريب سوف أكون على الرف متقاعدا لأن هذه الطغمة التي تحكم وفي السلطة  في الوقت الحالي  ليست مؤهلة لأي نوع من أنواع الحكم، فنحن نعرفهم جيدا أثناء العمل في المؤسسة العسكرية حيث كانوا جنودا وعساكر وضباطا صغار الرتب ونعرف عقلياتهم والنقص الرهيب بأنفسهم ، نكرات وجاهلون غير متعلمين وليست لهم ثقافة إجتماعية ولا حضارة غير العنصريات والحمية والعصبيات بحيث بالإلتفاف في مجموعات،  مغلقين يغطون بعضهم البعض .

                يخشى الواحد منهم البقاء لوحده نظير عدم الثقة في النفس والشعور بالنقص... يحبون البقاء جماعة للحماية والمنع من إكتشاف الغرباء لعقدهم النفسية العديدة، عاشوا حياة قاسية في الصحراء بدون نعيم ولا راحة التعب والحرمان من كثير من الأشياء الحياتية المطلوبة، والآن بالسلطة والجاه والغنى الرهيب...  بدؤا يتغيرون تغيرا كبيرا إلى الأسوء لأنهم حديثوا نعمة لا أساس ولا ركائز سياسية ولا نضال والوصول تدريجيا للسلطة حتى يشعرون بآلام وشعور الآخرين في الحكم والعدل والمساواة ، بل نتيجة مغامرة وعمالة ، قفزة حظ  أصبحوا السادة أصحاب القرار .

             تلك الليلة نظير الثقة العمياء بيننا، تحدث من أعماق النفس وشعوره بالإحباط والذنب أنه لم ينجح في الإطاحة بالقذافي وزمرته والقضاء عليهم بسهولة فقد كانوا وقتها في قبضته وكان بالإمكان القبض عليهم وتقديمهم  للعدالة بتهمة التمرد والانقلاب ضد الملك والنظام....

  حكى قصته المؤلمة وسبب الضيق والمعاناة النفسية بالصدر والتي أيامها تعتبر سرية في طي الكتمان حتى لا يحاسب ويعاقب وتتعرض عائلته في درنة إلى المضايقات الأمنية والتي للأسف أثبتت الأيام ان الخوف والرعب من وجود العيون الأمنية في كل مكان عبارة عن تمثيلية ومسرحية أعدت بإتقان من أساطين الشر حتى يصاب الجميع بالرعب والخوف ولا يستطيعون الرفض والتمرد على الوضع.... وقد عشت الهواجس مثل الآخرين سنوات عديدة من العمر في جهل بأمور عديدة حيث عيون القذافي في كل مكان تراقب وتحاسب، ولكن ليس إلى الحد السئ ان يخاف الاخ من اخوه كما تصورنا ونعتقد...

            القصة الحزينة حدثت في الاسبوع الأول من قيام الانقلاب في مدينة البيضاء ومجلس قيادة الثورة كان مجتمعا ليلا نهارا يتنقل من مكان إلى مكان درءا لأي خطر ومضاعفات ممكن ان تحدث ضد الثورة الوليدة والتى لم تثبت بعد....   وصديقي كان رائدا بالجيش آمرا لوحدة المدرعات في المنطقة وأصيب بالإحباط عند ظهور الاسماء التي قامت بالدور الرئيسي  بالتمرد والانقلاب، مما تهور وقام بزيارة سرية إلى السجن مع حراسه بدون أمر وقابل كبار الضباط القياديين المسجونين وطلب من أعلى رتبة أن يتولى الثورة المضادة ويصدر الامر بالانشقاق وهو وجنوده ينفذون الامر والقبض على مجلس قيادة الثورة المزعوم .

                ولم يهتم أي أحد من هؤلاء الضباط الكبار فالجميع لديهم المعلومات السرية أن آلِ الشلحي ورجال القصر وراء الانقلاب ولا يريدون التورط أو الإتهام بالثورة المضادة حيث الموضوع خطيرا في حالة الفشل كما يتراءى لهم الاعدام الفوري بالرصاص ، ولم يهتم أي أحد منهم ويهب لنجدة الملك والعرش وذكر عدة أسماء من السجناء ومن ضمنها صديقي العقيد المبروك بن طاهر من مدينتنا درنة .

                 لم يجد الإهتمام والنخوة ورجع إلى وحدته يبوء بالفشل على التهور وعدم التخطيط ووصلت المعلومة والأمر للقيادة من الوشاة بسرعة، ولم تكن قادرة على سجنه وأتهامه بالمؤامرة وقتها وصدرت الأوامر له بالذهاب فورا إلى بلدة إمساعد الحدودية مع مصر كآمر للشرطة لإبعاده عن الصورة والجنود فترة زمنية حتى تهدأ الأمور وتستقر الثورة وتثبت وعندها يتفرغون لأمثاله المشكوك في ولائهم... نفذ الأوامر الصادرة وإنتقل إلى الحدود مرغما غير قادرا على الرفض خوفا من القبض والمحاكمة الفورية والسجن المؤبد أم الإعدام بتهمة رفض الأمر العسكري الذي غير قابلا للرفض، وبقى في أمساعد مدة شهر وهو يترقب الأحداث يتألم من الذي حدث ومن مغامرته التي فشلت والصورة الجميلة الكبيرة التي إهتزت رأسا على عقب ، غير متوقع نكوص الضباط المساجين عن تولي الأمر .

              مرت به أياما وليالي سوداء في بلدة أمساعد الحدودية منتظرا الأخبار المزعجة،  يستقصي الأخبار عما يحدث من مهاترات ومؤامرات وتصفية حسابات للضباط الغير موالين ، والقيادة الجديدة التي خرجت عن الطور والعقل نتيجة النصر السريع السهل معتقدين أنهم الاوائل المنقذين وعلى الآخرين السماع والطاعة وتلبية الأمر مهما كانت لا تصلح وكأن الجماهير عساكر مجندين وليسوا مدنيين .

                 كان محمد صديقا ورفيقا للضابط موسى أحمد الحاسي من ضمن مجلس القيادة ووزيرا للداخلية ويعمل في صمت للقيام بثورة مضادة ، او كما تم الإدعاء عليه في محكمة صورية والسجن بالسجن المؤبد ، وقضى سنين عديدة بالسجن إلى ان تم إطلاق السراح والعفو عنه والتمليك (سوبر ماركت) كتعويض في أحسن منطقة بطرابلس حي الأندلس ثم مسرحية إغتياله خوفا من هربه للخارج أو البوح بحقائق ممكن تؤثر على الحكم لأنه يعلم أسرارا مهمة فهو الأساس في النجاح للإنقلاب عندما سيطر على المعسكر الرئيسي والقيادة للقوة المتحركة في بلدة قرنادة القريبة من شحات والبيضاء بقيادة السنوسي الفزاني التي كانت وقتها الدرع الواقي القوى للقصر ورجال الحكم ، تسليحها أكثر وأفضل من الجيش الليبي بالكثير من المعدات والعتاد والأسلحة ، ولو لم يتم السيطرة عليها فجأة نظير الخداع و الخيانات وأتيحت لها الفرص وقاومت الإنقلاب الأسود، لمصير ليبيا تغير للأفضل.

                صديقنا محمد بتصرفه ومغامرته نظير النخوة والحمية والسرعة في إتخاذ القرار، والتهور وعدم التخطيط السليم وتصرفات الوزير موسى أحمد صديقه ولم يكن لرجال الحكم الدليل والإثبات على التعاون تم الأمر بتعيين محمد في وزارة الخارجية وإرساله كقنصل يمثل الدولة الليبية في ألمانيا الإتحادية لإبعاده كليا عن الوطن فترة طويلة، والمشكلة التي حزت بالنفس كثيرا لديه أنه في الطريق من بلدة إمساعد إلى مطار بنغازي للسفر ضمن حراسة مشددة طلب زيارة والده المريض الذي يحتضر ورفض الطلب بالزيارة ومر على مدينة درنة والقلب داميا من سوء المعاملة والإهانة بحيث لم تتاح له الفرصة ويودع والده الوداع الأخير .

            سمعت القصة شخصيا تلك الليلة وتأثرت من الموقف الوطني والمغامرة والأخطاء العديدة وأن رجال الحكم أشباه رجال كان الله تعالى في عون ليبيا وعوننا حتى يتم الخلاص يوما منهم ونرتاح ، ومن كثرة الاعمال والرغبة في النجاح والإثراء لم أتعظ وأعطى الأمر أهمية كبيرة و أضع الخطط لإتقاء الشر يوما قبل ان يحدث وأعمل بعض الاستثمارات بالخارج تنفع يوما من الأيام وقت الضيق كما فعل البعض من الأذكياء المحظوظين ، وعندما رجعت إلى بنغازي من الرحلة كانت القصة ترن وتدور في الذهن راغبا في معرفة الحقيقة وهل حدثت فعلا ، أم عبارة عن كلام وهراء ومزايدات وطنية وقت السهر والسمر لا تخلو منه أية سهرة ليبية خاصة .

            وشاءت الصدف ودعاني المرحوم العقيد المبروك بن طاهر المتقاعد على وجبة عشاء في بيته ببنغازي في ضاحية الفويهات وكان وقتها مسؤولا والمدير العام في مشروع زراعي كبير (السهول الخضر) غربا من بنغازي إلى البريقة حسب ما عرفت وأثناء العشاء حكيت له الزيارة في ألمانيا وذكرت له القصة وماذا قال محمد...  ورد على باقتضاب وبألم وكأنه لا يريد الإسترسال في القصة والحديث، أن محمد صادقا في القول والفعل فقد زارنا في السجن وطلب المساندة ولكن كنا محبطين تقاسعنا عن النجدة و لم نوافق .

                بعد سنين سمعت أن القنصل محمد، زيادة في العقاب والإهانة،  تم نقله وإبعاده مرة أخرى من بون، العاصمة الألمانية، إلى الخرطوم السودان كقنصل حوالي السنتين وبعدها النقل إلى مدينة درنة موظفا في شركة طلميثة الملاحية إلى أن تقاعد بعامل السن .

               إنني أحي نوعية هؤلاء الرجال المنسيين الصامتين في الظلال الذين يتألمون في صمت عن أحداث مرت واصبحت في طوايا النسيان، والواقع هي شواهد وذكريات أليمة ستبقى تذكر بخيرها وشرها للذكرى ، أحببت تدوينها حتى لا تضيع وتنتسى مع مرور الزمن ، عن ماذا قدم رجال درنة من نضال وتضحيات  في سبيل ليبيا الوطن... والله الموفق .

             رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع... 

No comments:

Post a Comment