Sunday, June 14, 2015

قصصنا المنسية 23

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحاج الصابر مجيد 2

                حضرت إلى جنيف، سويسرا وأقمت معه في فندق صغير غير معروف، باسم وهوية أجنبية مستعارة لا تخطر على البال. وقضيت معظم الوقت في الغرف متنقلا لمدة أسبوع بدون الخروج أو الظهور معا إلى الأسواق والمطاعم والمقاهي للسياحة كالعادة منعا للعيون الفضولية التي تراقب وتشاهد  ولم يعرف أي أحد بوجودي زيادة في الاحتياط لسلامة الطرفين،  حتى غادر إلى مدينة درنة ليبيا وغادرت بعده بيوم إلى امريكا .
               قضيت وقتا جميلا في صحبته في أحاديث وذكريات عن أخبار وأحداث الوطن ، وكيف نستطيع خلق معارضة حقيقية في الداخل والخارج لفضح النظام وممارساته القمعية... وكنت حريصا عليه من أن لا تتسرب أية معلومات عفوية بوجودي معه أو لقائنا معا من أي واشي زيادة في الاحتياط والطمأنينة حتى لا يتم الاكتشاف خوفا عليه حيث يريد الرجوع إلى الوطن لترتيب أوضاعه العائلية ، وقد شجعته على فكرة الهجرة حتى لا يسجن ويعذب مرة أخرى لأي سبب كان من قبل صعاليك اللجان.
                 مرض الحاج الصابر كان بدنيا ونفسيا طوال الأيام التي قضاها في جنيف سويسرا وأراد الرجوع إلى ليبيا حيث شهر الصيام ، رمضان الكريم قادما على الأبواب ، ليرتب الوضع في هدوء ويضمن الخروج لعائلته الكبيرة حيث لديه زوجتان والعديد من الأولاد الشباب من الجنسين ولا يستطيع تركهم في مهب الرياح حسب قوله وحديثه معي بدون عائل، مهما كان الثمن قاسيا... وودعته على أمل اللقاء عن قريب بإذن الله تعالى .
               وبعد مضي شهور عديدة  بدون إتصالات ولا سماع أخباره ، وصل إلى لندن واتصل بي هاتفيا للحضور واللقاء وتجديد الذكريات وما يحدث في الوطن من مهاترات وتراهات ، وحضرت للزيارة واللقاء مرة أخرى فهو اخا عزيزا لا أستطيع رفض طلبا له نظير المودة والأخوة والعلاقة الروحية الطاهرة التي تجمعنا معا في طريق ومحبة الله تعالى... وكان برفقته معظم افراد الاسرة والباقين على وشك الوصول في إنتظار الحصول على تأشيرات الدخول لبريطانيا ، وكان مريضا يعاني من أمراض عديدة لم يتم الشفاء منها بعد نتيجة السجن وكآبة نفسية حادة وبالأخص عندما يكون وحيدا مع نفسه بدون رفاق نظير العذاب والجلد بالسياط في سجن السابع من أبريل الرهيب ، وكان بحاجة إلى فترة نقاهة طويلة وجو مريح وإقامة هادئة وإخوة رفاق يثق فيهم ثقة عمياء حتى يسترجع الأنفاس .
                  الحاج الصابر بالغربة في البدايات كان مريضا صحيا ونفسيا محتاجا إلى الرعاية الفائقة حتى ينسى الذي حدث ويقلب صفحة الماضي بخيرها وشرها ويبدأ صفحات بيضاء ناصعة من جديد بدون خوف ولا رعب من الملاحقة والإتهام والسجن ، وكان محاطا بالعديد من أفراد العائلة وزيارات أولاد العم الكثيرين المرضى او المرافقين للمرضى القادمين من ليبيا طوال الوقت بحجج العلاج والأصدقاء العديدين الأوفياء والأدعياء والمنافقين الذين يترددون على لندن... وكان البيت مثل محطة ركوب السيارات للسفر المزدحمة بالركاب، طوال الوقت يعج بالضيوف نظير الكرم وحسن اللقاء وكإنه فندق الحابل والنابل ، الخير والجيد والمنافقين لقاء الطمع في الحصول على مال ومساعدات أو تسقط الأخبار من الأفواه وكتابة التقارير عن البعض من المعارضين الزوار للحصول على مزايا خاصة من نظام القهر في ليبيا وقت الرجوع للوطن .
                حدثت حادثة عند رجوع الزوجات إلى ليبيا بعد فترة لزيارة عائلاتهم وذويهم وكان مع إحداهن نسخة منشور للمعارضة الليبية ضد القذافي بأحد الحقائب بالصدفة تم نسيانه بدون قصد نتيجة عدم المبالاة من قبل السيدات عفويا غير مقدرات الأبعاد الخطيرة من النظام الدموي الذي يعمل من الحبة قبة وبالأخص في مجال الأمن.... مما كبرت القصة وتم التوقيف والايداع في الحجز والسجن لهن فترة أيام، وجن جنون الحاج الصابر عندما سمع النبأ المزعج والخبر السئ وخرج عن طور الاتزان الذي كان معروفا به  فقد كان دائما مشهورا بالهدوء والإبتسام وعدم الغضب والغيظ بسرعة .
              وكنت يومها زائرا له بالبيت وسمعته وهو يرغي ويزبد ويتوعد غاضبا عندما كان يتكلم بالهاتف مع إبن عمه الأمين إبراهيم بكار بأن يعمل على إطلاق سراح الزوجات بدل المضايقة والتعب والحجز... مما خفت عليه من المرض نتيجة الضغوط الشديدة عليه من الموضوع، وعندما انتهت المكالمة مع ليبيا وترك سماعة الهاتف حاولت مواساته وتهدئته بقدر الإمكان وأن لا ينفعل ويغضب حتى لا يصاب بأمراض أخرى مع أمراضه ومعاناته نتيجة الضغوط والغضب والغيظ القوي على المعاملة السيئة والتحقيق والرعب للزوجات البريئات اللاتي لا ناقة لهن ولا جمل في المعارضة ونقل المنشور الذي كان من ضمن الثياب والملابس الكثيرة المشتراة من لندن لأخذها إلى ليبيا هدايا للأسرة في درنة والقبة للتوزيع على الأقارب والمعارف .
               وستر الله عز وجل وتم الإفراج على الزوجات نظير الواسطات من أولاد العم (ابراهيم بكار + وإمبارك عتيق ) الذين كانوا وقتها مسؤولين وذوي مناصب عالية في النظام لديهم المعرفة والصداقات والعلاقات الكبيرة مع أصحاب القرار في الدولة. ونظير هذه الحوادث المؤلمة من السجن والعذاب الذي لاقاه في سجن السابع من ابريل وإيقاف الزوجات والايداع في الحجز عدة ايام وأمورا أخرى خاصة مالية بتمويل المعارضة بالسر وتورط مسؤولين ليبيين لا علم لدي بالتفاصيل، قرر الحاج الصابر البقاء في الخارج وعدم الرجوع حتى يفرجها الله عز وجل وسعى في طلب الموافقات الرسمية بالإقامة الشرعية في بريطانيا للجميع حتى تم الأمر وتحصل على الإقامة الدائمة في بريطانيا .
                  بعد قيام تنظيم جيش الانقاذ الوطني المعارض يوم 1981/1/6م  بفترة من الوقت،  قمت بزيارته في لندن مع الرفيق جابالله مطر والذي يعرفه شخصيا من قبل وبينهم صداقة وود ، وتحدثنا معه على التنظيم الجديد الوليد ووافق الحاج على الانضمام نظير الثقة العمياء بيننا وكان عضوا رئيسيا معنا مما شكلنا نحن الثلاثة الاساس (أخوة وصداقة ونضال) وقام ببعض التمويل المالي للمولود الجديد وكبر التنظيم مع مرور الوقت وأصبح الأعضاء بالمئات وتعرضت للكثير من المضايقات والمطاردات منها العديد من المحاولات الشخصية للتصفية الجسدية في عدة دول إبتداءا من ايطاليا وفرنسا وسويسرا والمانيا وأمريكا وفي سيول كوريا الجنوبية وصدور الحكم القضائي من محاكم القذافي والطلب من (الانتربول) البوليس الدولي بالقبض على والإرجاع إلى ليبيا للتنفيذ ، والقصص طويلة يوما سوف يتم التدوين لها لإظهار الحق والحقيقة عن الضغوط والمعاناة التي مررت بها ونجيت بحمد الله تعالى ورضاه ورضاء الوالدين... والله الموفق .

              رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

قصصنا المنسية 22

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحاج الصابر مجيد 1

            الكثيرون من المناضلين الجنود الغير معروفين المجهولين وكذلك الجنود المعروفين طواهم التاريخ عبر الزمن ولم يتم ذكرهم بالسابق والعرفان بالجميل والوفاء والإشادة بهم،   إلا من القلائل القريبين اللذين اتيحت لهم فرصة معرفتهم  عن قرب، فترة التضحيات والعطاء والفداء من أجل حرية الوطن ، وإنضم أخيرا للقافلة الطويلة من المتوفين والشهداء، المناضل  الحاج الصابر مجيد الغيثي، الذي إنتقل الى رحمة الله أخيرا منذ حوالي الشهرين من الزمن وتوفي عن عمر حوالي ستة وسبعين سنة، في الغربة بمدينة  لندن بريطانيا بعد معاناة طويلة مع المرض إستغرقت عدة عقود من التعب في العلاج أملا في الشفاء .
                 المرحوم قدم الدعم والمعلومات المهمة عن الخفايا لكثير من الأمور من الأسرار الخاصة للنظام نظير علاقاته المتشعبة في الأوساط الرسمية للدولة والمال بدون حدود لدعم المعارضة الليبية عندما تم الطلب منه للمساندة للقضية النبيلة برحابة صدر وبدون ممانعة وتفرقة بين الفصائل العديدة ، حيث جميعهم في نظره ليبيين، وقت الحاجة في الثمانينات والتسعينات، عصر التحديات والمطاردات والتصفيات الجسدية لرموز المعارضة ضد نظام القهر والجهل القذافي الفوضوي، عصر الجماهير .
                     كان بيته طوال الوقت إلى يوم الخلاص ونهاية النظام في ليبيا في لندن بالغربة عامرا بالضيوف والزوار من جميع الفئات والمحتاجين للمساعدة والبعض من المندسين الجواسيس عملاء النظام يستقصون اخبار المعارضة وتسجيل المواقف على البعض من الحضور الضيوف المعارضين ممن حضروا أحد المآدب والسهرات بعفوية وفاهوا بكلام وزل لسانهم بأخبار عن ليبيا الجريحة الأسيرة التي ترزح بالفساد والإفساد للحرث والنسل من الطاغية ونظامه الفاسد .
                 تردد الحاج الصابر على أوروبا للعلاج ، والهجرة الأخيرة والبقاء النهائي بعيدا عن الوطن والاستقرار  في لندن بريطانيا كان صيف عام 1982 بعدما قضى شهورا في سجن السابع من أبريل في بنغازي ، السجن المشهور في المنطقة الشرقية مثل سجن أبو سليم في المنطقة الغربية، طرابلس بالتعذيب الرهيب ، وبالأخص للتجار والمقاولين رجال الأعمال المتهمين زورا وبهتانا  وهم أبرياءا مظلومين... وفرض الاعتراف عليهم بتهم مزورة على أنفسهم وعلى البعض الآخرين من خصوم النظام للتشكيك والدس عليهم والإيقاع بهم بتهم كيدية، رغما عنهم،  عارضين عليهم القبول بالأمر والكتابة والتوقيع حتى يتوقفوا عن الضرب والجلد ولا يستمر العذاب.
               قضى وقتا طويلا في التحقيقات والإهانات والتعذيب ليلا نهارا من قبل العديد من الزبانية  الصعاليك أشباه الرجال الذين إستغلوا الفرص والنقص بالنفوس لإرواء الغليل والتشفي فيه بالضرب والجلد بالسياط يوميا حتى أصبح عاجزا غير قادر على الوقوف ولا المشي، كسيحا بالكاد قادرا على التنفس والحياة...  ونظير التدخل والواسطة من أولاد العم (ابراهيم بكار + والضابط بالجيش إمبارك عتيق) المسؤولين بالنظام وقتها وحسن الحظ من الله عز وجل،   تم نقله إلى مستشفى الجلاء في بنغازي للعلاج من الآلام البدنية والنفسية التي لازمته طوال الوقت والحياة .
                   بالغربة رفض الرجوع مهما عرض النظام عليه من عروض ووعود وإغراءات بلا حساب بتسديد أمواله التي تم الزحف والتأميم لها شهر سبتمبر عام 1978 م عام الحزن والمأساة للتجار والمقاولين وأصحاب الأعمال الحرة والملاك ذوي العقارات الأبرياء وهو في شيخوخته وكبر السن محتاجا للمال والسيولة حيث كان يعول  عائلة كبيرة ومسؤولا عن الجميع... ولكن بإباء وفخر وعزة نفس رفض جميع العروض في سبيل الكرامة بأن لا يتعاون ولا يرضخ للنظام الذي ذاق منه السجن والويل والعذاب وضرب السياط وهو برئ.
              الصابر الرفيق الصديق والأخ من الدهر وليس من الظهر كانت تربطني به صلات مودة وطعام ماء وملح وأعمال بالسابق قبل التأميم والزحف وضياع الأموال ، نضال وكفاح في الغربة ، ولم ينسى الجميل والأفضال أيام بدايات ظهوره على السطح والضوء في عالم المقاولات في مدينة درنة ، وكان بالكاد مبتدئا في الأعمال الحرة بدون رأسمال كبير للعمل بداية السبعينات...  وكنت وقتها تاجرا موردا لمواد البناء مثل الإسمنت وحديد الخرسانة والعديد من المواد المطلوبة للبناء والتشييد ، وساندته قدر الاستطاعة والمتاح بتزويد شركته وتمويله بالآجل بمبالغ كبيرة لكثير من المواد للبناء والتشييد، وعدم تضييق الخناق عليه في المطالبة للتسديد الفوري بشدة تاركا له المجال حتى تتيسر أموره ويستلم دفعاته ومستخلصاته من الدولة ويدفع . ولم ينسى  الجميل والعون والمساندة له في الوقت الصعب وقت الحاجة والضيق لأنه شهم كريم وأصيل .
                   بالغربة وقعت في ورطة مالية كبيرة وخسرت أموالا كثيرة من أجل عملية خاصة بالقضية الوطنية للقضاء على الطاغية ، وقبل أن ارتبط في الموضوع وأوافق طلبت رأيه على الهاتف من أوروبا والمشاركة وكان الرد توكل على الله تعالى وقلت له ان المبلغ المطلوب كبير لست قادرا عليه لوحدي وشجعني وقال حسب التعبير الليبي الشعبي: "لو جمعنا المبلغ في منديل أحمر".... مما تشجعت ووافقت حيث لدي شريك يعتمد عليه، ودفعت العربون مبلغا كبيرا من المال ، والتي لو نجحت العملية لتغير الكثير من الامور في ليبيا  وقتها، ولكن باءت بالفشل في أخر اللحظات نظير أخطاء البعض والتراجع وقت التنفيذ، وإضطررت لكتم الموضوع حتى لا يخرج السر للعلن نظير المطالبات والتهديد لأنني كنت الوسيط في الصورة والجهة المعنية لا تعرف أي أحدا غيري أنا للسداد حيث دفعت العربون و كنت الضامن للموضوع في البقية وفي حالة الرفض سوف أصبح ملاحقا ضحية ويتم القضاء علي بسهولة بالخارج .
                   ومنعا للمهاترات والمطالبات لدفع بقية المستحقات حيث عقد أدبي غير مكتوب على الورق لا يمكن شطبه وإلغاؤه بسهولة لأي سبب من قبل أي طرف، تحملت المسؤولية الجسيمة على كاهلي وتنازلت عن العربون وسددت جميع الإلتزامات الأخرى من أموالي وإضطررت لإستدانة مبلغ كبير من الحاج الصابر تم تحويله لحسابي على دفعات كقرض خاص للسداد، مفتوحا بدون تاريخ محدد لعديد من السنوات حتى وفقني الله تعالى وقبضت بعدها من الدولة عام 2010 م تعويضا عن شركتي للمقاولات والتي كانت مؤممة ، جزءا من مستحقاتي من الزحف والتأميم .
                سددت له ماله إلى آخر مليم  ولم آخذ منه مليما واحدا كتعويض حيث شريك في الموضوع حتى لا يكبر الموضوع ويتداول في الأوساط ويعم الضرر على رؤوس الجميع، وتم الإيداع في المصرف في ليبيا تحت أعين النظام مخاطرا بالإتهام والقبض والسجن نظير المعاملة المالية الكبيرة حيث مازال متهما مشبوها للنظام ، وأثبت له أنني وفي وأصيل وكان فرحا سعيدا يوم استلامه للمبلغ  غير مصدقا وصول هذا  المبلغ الكبير وخاصة  في ذلك الوقت المناسب الحرج، دفعة واحدة عندما خابرته شخصيا بالهاتف بالتسديد بالكامل من أمام مصرف التجارة والتنمية في درنة وبحضور ابن أخيه ونسيبه مجيد، وطلبت منه سندا بالمخالصة النهائية على الحياة والموت حيث نحن في سن متقدمة من  العمر ولا اريد حسابات مدينة كبيرة معلقة مفتوحة وهي مسددة بالكامل منعا للمشاكل مستقبلا . مما فعل مشكورا وبعلم أبنائه وقام بإرسال السند وقتها عبر الحاسوب (النت) بالسداد بالكامل وابراء الذمة مع الشكر على الوفاء .
                     كان الحاج الصابر إنسانا بسيطا عاديا طيب القلب ليس لديه اي نوع من أنواع الخبث صادقا في الكلام والعهد والوعد ، أمينا كريما ذو أخلاق عالية وشهامة ، يقوم  بعمل  الخير بالسر والعلن طوال الوقت محظوظا في أي موضوع تجاري يقوم به حيث كان طاهر السريرة طيبا بدون خبث...  وكنا  على اتصال هاتفي بالغربة بصفة شبه يومية بالسابق إلى ان رجعت إلى ليبيا يوم1991/3/31م  وتوقفت الاتصالات الهاتفية اليومية بيننا فترة طويلة نظير الخوف والحماية من المراقبة والملاحقة من عيون النظام التي كانت تراقبنا طوال الوقت حيث كنت موضوعا تحت الرقابة الشديدة من الجهات الأمنية العديدة ، التي كانت تنتظر مني أية هفوة بسيطة واحدة لفتح أبواب التساؤلات ويتم الإتهام والتوقيف والتحقيق ، ولكن ستر الله تعالى ومر الموضوع بسهولة من غير اي نوع من انواع الملاحقة ، على ما أعتقد كانت خطة من النظام مرحلة هدوء وسلام طمعا في رجوعه لأرض الوطن وقتها.
               الحاج الصابر كان أول سجين متهم من ضمن طابور طويل يفتتح سجن 7 ابريل الرهيب في بنغازي حسب إفادة احد الحراس العديدين على البوابة الامامية، الذي كان وقتها ينفذ الأوامر غير قادر على الرفض  ، السيد منصور الجروشي المصراتي الذي ربطتني به بعد سنين عديدة أخوة وصداقة ، وكان يشاهد  دخول السيارات المغلقة وعلى متنها  المتهمين وقت إحضارهم والجلادين الداخلين والخارجين من اللجان الثورية... حيث شاهد عيان مهم في فترات مناوبته ويسمع في بعض الأحيان الصراخ والأنين المكتوم للكثيرين من السجناء لقاء التعذيب القاسي والضرب بالسياط وتقليع الأظافر من الضحايا للإعتراف وهو غير قادر وعاجز على عمل أي شئ او المساعدة،  غير السكوت والصمت وتعذيب وتأنيب الضمير على الضحايا المساكين .
                كان التعذيب يمارس على الضحايا بطرق شيطانية يعجز الشيطان الرجيم نفسه عن إتيانها والتي زادت عن الحد ضد الدين والشرع والسنن والقوانين و تعاليم الأمم المتحدة وحقوق الانسان، من قبل الجلادين المحققين من اللجان الثورية واللذين كانوا ملثمي الوجوه حتى لا يقع التعرف عليهم، والسجين نفسه مغطى الوجه حتى لا يتعرف عليهم ، ويتم الثأر منهم يوما من الأيام اذا طالت الحياة له وتم الإفراج وإطلاق السراح .
                  السجين موثقا مقيد اليدين مربوطا على كرسي حديد لا يتحرك ثابتا في الارض باللحام أو بخرسانة الإسمنت، او معلقا في معلاق ثابت من السقف يتدلى مثل الحيوانات المذبوحة لدى الجزار ، لا يستطيع الحركة ولا الدفاع عن نفسه وإتقاء الضرب والجلد العشوائي على الجسم العاري حسب المزاج من السجان المحقق الذين كانوا كالكلاب الضارية الجائعة ينهشون ، ويتداولون على الضحايا السجناء بدون ذرة رحمة ولا شفقة في القلوب ولا صوت ضمير يؤنب على البؤساء .
                   ينفذون التعذيب بفرح وسرور وكل سادية بالرغبة وطواعية أمثال فلان وفلان المعروفين الذين أحدهم معروفا في منطقتنا درنة توفي ومات وهو مجنونا يتكلم ويتفوه ويصرخ في أواخر أيامه بدون عقل ولا إدراك نتيجة الغضب الإلاهي على عمله الشرير ضد الضحايا المواطنين في السجن وإشتراكه في قضية إختطاف وقتل الإمام موسى الصدر ورفاقه حيث مثل دور الشبيه البديل ولبس ثياب الإمام ووصل إلى ايطاليا وأقام بالفندق لإثبات الوجود وهرب إلى ليبيا بهوية أخرى مزورة تاركا حقائب سفر الإمام وجواز سفره بالفندق حسب ما سمعت همسا من ثقات صادقين وقت كان الحديث متداولا في أضيق نطاق ، والبعض الآن أحياءا يرزقون بالسجون والكثيرون هاربين بالغربة لاجئين في مصر والمغرب وبعض الدول الأخرى بالعالم يعيشون الرعب على ما قدمت أيديهم من شر وشرور .
                سمعت الكثير عن أمور السجن والتعذيب من الحاج الصابر شخصيا في العديد من اللقاءات والجلسات الخاصة في لندن وهو يتحدث عن الكيفية بإسهاب مما تجعل الانسان يتقزز ويقشعر البدن ويصاب بالرعدة على الذي يحدث وحدث من جرائم بشعة في الخفاء من نكرات وأشباه رجال مجرمين أعضاءا باللجان الثورية الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها سادة وهم صعاليك ونفايات المجتمع .
              بعد مدة سمح النظام الليبي بالسفر والعلاج بالخارج للبعض من السجناء ذوي الحالات المستعصية ضمن الوساطة من الكبار في السلطة وكان من ضمنهم السجين الحاج الصابر المريض وتم الاتصال الهاتفي منه بدون أن أعلم بخروجه للخارج ، وكانت مفاجأة سارة وكبيرة لي خبر نجاته عندما سمعت صوته ووصوله لأوروبا ، طالبا مني القدوم إلى جنيف سويسرا واللقاء للمشاورة في بعض المواضيع الخاصة ، وخاطرت بالنفس والحياة مغامرا للقاء بالأخ العزيز نظير الثقة الغالية بيننا والمودة والأخوة ، وبدون خوف من الوقوع في أي مكيدة ممكن تكون مدبرة لإغوائي وإغرائي بالقدوم لإصطيادي ، حيث كنت مطلوبا حيا ام ميتا من قبل فرق الموت والاغتيالات اللجان الثورية في أوروبا وقتها.... والله الموفق .

                رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Sunday, June 7, 2015

قصصنا المنسية 21

بسم الله الرحمن الرحيم

 عائلة الهنيد 2

              مدينة طبرق ذات الموقع الفريد المميز في شرق الدولة الليبية المهمشة نظير عوامل عديدة من النظام السابق القذافي ، الذي جعلها قاعدة عسكرية تعج بالآلاف من الجنود طوال الوقت في فترة زمنية من أيام حكمه اللعين بدون أي تطوير مهم حتى تتقدم وتظهر محاسنها للجميع ، وقبله الملك إدريس رحمه الله تعالى أيام عهد المملكة الزاهر قضى وقتا طويلا مقيما بها حتى سفره وقيام الانقلاب الاسود ، والتي لو تمت الرعاية لها كما يجب ستكون منارة تشع على الكثيرين وترفع اسم ليبيا عاليا في عالم السياحة والتجارة الحرة.
             بها الطقس الجاف العليل والميناء الكبير المحمي من الجبل صنع الله تعالى ، ذو العمق الكبير الذي يستوعب السفن الكبيرة بحاجة إلى إصلاح وتطوير وتجديد حسب متطلبات العصر مما سوف يصبح من الأوائل في شمال افريقيا للتجارة الحرة ، من التوريد والتصدير وقربها من الحدود الشرقية مع مصر شرقا حوالي 140 كم ، لاتعتبر مسافة طويلة بمقاييس العصر الآن... والطريق للجنوب إلى واحة الجغبوب ، ولو تم رصف الطريق الصحراوي من الجغبوب إلى منطقة الكفرة الحدودية لفتحت أبوابا كبيرة للتجارة وتبادل السلع والنقل البري مع السودان ودولة تشاد وغيرها من دول أفريقيا المغلقة التي لا تطل على البحار .
               بحاجة إلى تطوير الحركة التجارية حسب العصر الآن ، والاستغلال الجيد للسياحة العالمية في الدعاية للزيارات للمواقع المهمة الحربية التي دارت فيها المعارك بقربها مثل  معركة (بئر حكيم) المشهورة في تاريخ فرنسا الحربي الحديث عن صمود الجنود الفرنسيين ضد الألمان حتى الرمق الأخير ، ووجود المقابر الضخمة لآلاف الجنود القتلى الموتى من الجميع، المحور بقيادة الماريشال ادوين روميل الملقب بثعلب الصحراء نظير القيادة الجيدة والدهاء ، والحلفاء بقيادة الجنرال مونتوجمري شامخة باقية شواهد حتى الآن ...
                قبل الحرب العالمية الثانية في الثلاثينات من القرن العشرين الماضي،   والدي الحاج المبروك زعطوط أقام بها سنوات عديدة تاجرا يعمل في البيع والشراء وأحدى أخواتي الشقيقات من مواليد طبرق عام 1938 م (رحمها الله تعالى) ولي صلات قربى ودم مع البعض من العائلات هناك ، حيث أيام الشباب والصغر كل سنة أثناء إجازات الصيف وعطلة المدرسة في زيارات لأسرة خالي الحاج عبدالسلام بورقيعة ، وأختي المتزوجة من آلسيد عطية بن خيال مدير المصرف باركليز الذي تغير الاسم إلى الجمهورية بعد الانقلاب .
                 لي فيها ذكريات عديدة حلوة بلا عدد حيث وقتها أثناء الزيارة الصيفية الذهاب للشاطئ والسباحة في البحر الهادئ الجميل مع أولاد خالي احمد وصالح ونجيب وبالمساء أذهب وأشاهد أحد الأفلام في دور عرض الخيالة لدي (حلمى طاطاناكي ، او عوض الزني ) القريبة من بيت الخال في نفس الشارع بدون رقابة من الوالد الذي كان وقتها في درنة مسموحا لي المشاهدة كل أسبوع يوم الجمعة بعد العصر أو بعض الليالي مع أخي الحاج صالح رحمه الله تعالى .
             سكانها وأهاليها الاصليين من بادية وحضر من عدة قبائل وشرائح مختلفة من ليبيا الوطن ذوي أخلاق عربية أصيلة نفسياتهم طيبة بدون خبث يحبون الغرباء سهلى المعاشرة والرفقة والمودة ، تغلب عليهم البساطة والكرم ، ولي فيها أصدقاءا كثيرين عزيزين على النفس منهم المراحيم السيد عبدالحميد عبد ربه ، والسيد خليل طاطاناكي الذين ربطتني بهم صلات أخوة وماء وملح .
              قمت بزيارة إلى الاستاذ الفاضل محمد الهنيد طريح الفراش في يوم العيد الأضحى المبارك عام 2012 م لتقديم تهاني العيد و سماع الذكريات عن القصص والمغامرات والنوادر والجهاد من أجل الوطن ، وتحصلت على نسخة قائمة بها العديد من اسماء شهداء عائلة الهنيد الدرناوية والتي لها فرع كبير منذ زمن ووقت طويل في طبرق ، وروت دماء شهدائهم ارض طبرق بالدماء الزكية فقد إستشهد في معركة الناظورة يوم 1911/12/22م  المجاهد علي عبدالجليل ، والمجاهد نوح خليفة في معركة تلعزة عام 1914 م، والشهيد محمد المبروك يوم 1914/7/11م في معركة وادي السهل ، ولحقهم المجاهد عثمان عبدالجليل في معركة إجعيدة عام 1915 م والمجاهد عثمان حسن في معركة سيدى رافع بالبيضاء الجبل الأخضر عام 1916 م ، والشهيد عبدالسلام المبروك في معركة الرمله جنوب خولان 1929 م .
            والمجاهد علي صالح تم القبض عليه أسيرا فى احد المعارك وتم الاعدام شنقا في مدينة طبرق عام 1929م....  والمجاهد إحسين عبدالله الذي قام والدي المبروك بإنذاره ليهرب إلى مصر طالما الفرصة مواتية حيث إسمه على القائمة ومطلوب للسلطات الايطالية للإعدام التي تحصل عليها من مخبر يعمل لصالح المقاومة السرية ولم يسمع النصيحة ويهرب مما بعد أيام تم القبض عليه وارسل سجينا مكبلا بالقيد الحديدي إلى مدينة المرج وتم  شنقه عام 1941 بالسجن...
             المجاهديين حسن مفتاح ، وحمد عبدالجليل الهنيد تم الاستسلام طواعية بعد أستشهاد وشنق شيخ الشهداء، عمر المختار ،   عام 1931م بناءا على العفو العام ، وقد تم الإبعاد والنفي للعديد من الأسر بكاملها من عائلة الهنيد إلى معسكرات الاعتقال بالبريقه والعقيلة ومرادة في ظروف بيئية قاسية وتجويعا متعمدا غير إنساني بقصد الخلاص والإبادة ، منهم اسرة المبروك حسن بكاملها ، وأسرة عبدالفتاح إ مراجع وأسرة صالح علي إحسين بكاملها ، المبروك علي وجميع أبنائه ، واسرة عوض علي إحسين الهنيد .
             قائمة طويلة من الشهداء والمعتقلين في معسكرات الاعتقال سجناء نظير المواطنة الليبية والهوية العربية الإسلامية والوطنية التي تجرى دماؤها ساخنة بالعروق ، وهم مظاليم أبرياءا حتى تم الإفراج عن جميع المعتقلين الباقين ورجع القلائل أحياءا في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين الماضي بعد سقوط البطل عمر المختار عام 1931 م بالصدفة في آخر معركة له عن جواده ، وتم أسره والعدو غير مصدق الأمر ، وتم نقله إلى مدينة بنغازي ومحاكمة صورية سريعة  وشنقه في بلدة سلوق جنوب غرب بنغازي عن عمر يناهز 80 عاما .
                كان المخطط للمستعمر الايطالي إبادة العنصر الليبي العربي المسلم من الوجود وتسليم الاراضي الجيدة إلى المزارعين القادمين من جزيرة صقلية للإستيطان وتغيير الهوية العربية الاسلامية مع الوقت ومرور الزمن إلى مسيحية كاثولكية والتنصير بجميع الوسائل والإغراءات من مكافئات وشغل الوظائف والأعمال والحصول على الامتيازات ، ناسين متناسين إرادة الله تعالى ، عدم الرضاء بالأعمال البربرية الوحشية والابادة لشعب مظلوم وغياب نور الاسلام عن الأرض في شمال أفريقيا ، مما هزمت ايطاليا في الحرب العالمية الثانية وتغيرت جميع المخططات وباءت بالفشل ، ولاذ المستوطنيين الإيطاليين بالفرار راجعين الى جزيرة صقلية خوفا من الانتقام من أبناء الوطن .
            لقد أبيدت أسرا كثيرة من عائلة الهنيد تعد بالعشرات من الشيوخ كبار السن والأمهات ،الرجال والنساء والأولاد نظير الغارات الجوية من الحلفاء والمحور، وأهمها الغارة يوم  1941/3/13م على مدينة درنة من طائرات الحلفاء والتي هدمت بيوتا كثيرة على رؤوس سكانها المسالمين نظير الصراع بين القوات المتصارعة على الفوز والنصر والتي نحن الليبيون لا ناقة لنا فيها ولا جمل، والمشاكل التي عاناها الشعب من وجود آلاف حقول الألغام المزروعة في أراضينا في الصحراء مما تسببت في قتل ألآلاف من أبناء شعبنا الضحايا وقطع وبتر الأطراف ، والذي كان من ضمن القتلى الأب والأم للحاج الأستاذ الفاضل محمد حسن الهنيد حيث توفيا من إنفجار لغم في بستانهم من بقايا الحرب عام 1946م نتيجة حرارة النار لطهي الطعام على لغم مدفون في الارض ، (حسب ما سمعت من الوالدة عندما كانت تتحدث عن المأساة ).
               الشعب الليبي وبالأخص في المنطقة الشرقية ذاق الويل والمعاناة والضيق وعشرات المئات من المعاقين الذين فقدوا أحد الأطراف من الايدي او الأقدام نظير الجهل وعدم الفهم ، وكثيرون أصيبوا بالعمى وفقد البصر ولم يتم العلاج لهم كما يجب بعد نهاية الحرب إلى الستينات حيث الدولة فقيرة تعاني ، مما الضحايا الأحياء عاشوا بقية أيام حياتهم في بؤس وألم فى ظروف حياتية قاسية ومعاناة .

                  المعاناة الشديدة والقهر والإستبداد والنضال الطويل وتقديم الشهداء الضحايا قرابين على مذبح الحرية، والأسر ونفي الآلاف من السجناء وسجنهم بالسجون في الجزر الإيطالية والذي لم يرجع منهم إلا القلائل والإبادة الجماعية بالمعتقلات للسكان وقتل وشنق الأحرار، والمعاناة أثناء سنوات الحرب العديدة، خلقت أجيالا قوية ذات عزم وشكيمة لا تخاف ولا تهاب الموت في الدفاع عن الوطن بالروح والدم والدليل الأحفاد الشباب هبوا للثورة على الطاغية القذافي وتحدوه بصدور عارية وقلة سلاح وعدم تدريب تدفعهم الحمية والإرادة القوية والإيمان القوي بالنصر مهما كلف الأمر من تضحيات ودماء، والتي أذهلت العالم الجرأة والصمود وطلب الموت للحصول على الشهادة والفوز بالجنة .
               العائلة ( عائلة الهنيد ) من ضمن آلاف العائلات الليبية الأصيلة التي قدمت الكثير من الشهداء ضحايا قتلى في ساحات القتال ، والعديد تم شنقهم ظلما على أعواد المشانق والكثيرون سجناء جوعى ومرضى في المعتقلات العديدة ضمن مئات آلاف من مواطني ليبيا من حضر وبادية بالشرق وبالغرب وبالجنوب   ، ومهما كتبت لن أوفي العائلات المناضلة في جميع أرجاء ليبيا الذين قدموا القرابين على مذبح الحرية والخلاص ولهم مني ونيابة عن الجميع كل التقدير والإحترام ، والله الموفق .

                 رجب المبروك زعطوط


قصصنا المنسية 20

 بسم الله الرحمن الرحيم

لمسة وفاء  (عائلة الهنيد)1

الاستاذ الفاضل محمد حسن الهنيد مؤسس جمعية الهيلع 
                 مهما كتبت وسطرت عن التاريخ الجهادي بمنطقة درنة ، لن أستطيع الذكر للجميع من المشاهير والمغمورين الذين كانت لهم أدوارا محلية وجهادية وفداءا خلدت أسماؤهم في المجتمع الليبي الماضي بالتقدير والاحترام ، طواهم النسيان مع مرور الوقت والأيام ، حيث العرفان بالجميل والوفاء للبعض من عائلاتهم مواضيع أساسية الذكر للأبطال والشهداء بالخير والتقدير والإحترام لما قاموا به من أعمال وطنية تشرف ضد المستعمرين الأجانب ، إبتداءا من الغزو الايطالى والحرب العالمية الثانية والانتداب البريطاني والاستقلال وإنتهاءا بنظام الطاغية القذافي الارهابي من أجل المبادىء السامية الخلاص وتحرير الوطن.
             ضمن العائلات المجاهدة الصابرة عائلة الهنيد الدرناوية التي تربطنا بهم صلات دم ومصاهرة مع بيت الكاسح الذي نحن كعائلة زعطوط أخوالهم ، والتي لم تشارك طوال العهود السابقة واللاحقة إلى الآن ، التي مرت في تبوء أية وظائف رسمية مهمة بالدولة في العهود السابقة ، مما تدل دلالة كبيرة على الأصالة وعدم النفاق ، يعيش أفرادها على البسيط من الدخل كموظفين للعيش والحياة بكرامة مثل الآخرين من أبناء الشعب العاديين ، ولهم مواقف وطنية في تاريخ النضال الوطني ضد الإيطاليين صفحات مشرفة ساطعة وأمجادا بلا حدود لا يستطيع أي احد من الأدعياء المنافقين المزايدة عليهم أو النسيان .
                    عائلة الهنيد قدمت عشرات الضحايا التي مهما الانسان عدد لا يستطيع الإلمام ولا الإيفاء ، رجالها جنودا مجهولين دخلوا تاريخ ليبيا الوطني من أوسع أبوابه نظير التضحية والجهاد بالنفوس من غير طمع في جاه ولا مراكز مثل البعض من الأدعياء الآخرين ، وينتمون إلى قبيلة التواجير في مدينة درنة أحد القبائل الأساسية في مجتمع الحضر ، والتي تتفرع إلى بيوت عديدة ، والبيوت تتفرع إلى أسر كثيرة منها أسرة الكاسح والذي عميدها السابق الشيخ عبدالله الهنيد الذي نحن أخواله كما ذكرت ، والذي إستمر يقود قبيلة التواجير من أواخر العهد التركي والعهد الإيطالي اكثر من خمسة عقود شيخا للقبيلة حتى وفاته .
             تولى إبنه الشيخ ابراهيم عبدالله مكانه بالإقتراع والانتخاب من جميع رؤساء البيوت بالقبيلة عام 1947 أيام الانتداب البريطاني قبل الاستقلال للوطن بعدة سنوات ، وواصل الدرب على خطى والده المرحوم إلى أواخر الثمانينات من القرن العشرين الماضي ، وكان صلب العود شجاعا شرسا حكيما لا يخاف من قول الحق في الوجه والصدارة ولا يخشى اللوم من أي لائم ، لانه كان عادلا في أحكامه يسير على الحق ، وله قصصا عديدة محلية تشرف ، والجميع الأصدقاء والأعداء والمعارف يهابونه وصنع المجد والفخار لنفسه ولعائلته ولقبيلة التواجير ومدينة درنة بالعمل المضني والرأي السليم بالحكمة والتوفيق بالخير بين المتخاصمين طوال عقود حتى أصبح له الشأن المرموق .
                   عرفت الشيخ الوقور منذ الصغر والصبا حيث كان يتردد على بيتنا في الكثير من الأوقات نظير صلات القربى والجيرة في زيارات للوالد للتشاور والسعي للصلاح والإصلاح وعمل الخير بالمدينة درنة التي كانت وقتها تفور وتغلي مثل موقد النار (الكانون) غير مستقرة متمردة شعبيا سياسيا على بقاء المعاهدات في المملكة للقواعد العسكرية مع بريطانيا وأمريكا نظير شحذ الهمم والتطبيل من راديو صوت العرب من القاهرة ومذيعه ذو الصوت الجهوري أحمد سعيد ترديدا لخطب الرئيس المصري ،عبدالناصر، اللاهبة ، مما طغت الروح الوطنية بالمدينة نظير الذكاء الغير عادي والذي لقبت بكناية (قيادة الأحوال) والتي دائما مدينة درنة كانت سباقة في العمل الوطني والتضحية من اجل الحرية والوحدة مع الجميع .
                  الشيخ آبراهيم كان فقيرا عفيف النفس يعمل بعرق الجبين كمزارع في بستانه ويتقاضى مرتبا زهيدا من التقاعد عائشا على الكفاف وكان بإمكانه إستغلال وضعه المرموق كشيخ لأكبر قبيلة وقتها بالمدينة وان يصبح من الأغنياء الأثرياء لو أراد مالا وجاه الحرام ونافق مثل الكثيرين السلطة والقصر ، حيث الكثير من العروض المغرية قدمت له ولم يرضخ ويرضى بمد اليد ، آثر الآخرة على حب الدنيا والمظاهر حتى توفاه الله تعالى بعد حوالي خمسة عقود مثل والده في تولى المشيخة مما أصبح صيته وذكره على كل لسان بالمنطقة نظير أعماله الخيرة والتي عشرات الحكايات والقصص المحلية ترددت ولا مجال لذكرها.
                 الشيخ الجليل الوقور إبراهيم عبدالله الهنيد تنازل طواعية وتقاعد برغبته عن المشيخة لما كبر في السن والعمر متجاوزا التسعين عاما ، حيث كان حسب أحد أحاديثه التي سمعتها منه شخصيا في جلسة سمر ، شابا مجندا جنديا في القوات العثمانية التركية في درنة وقت إحتلال ايطاليا للوطن اكتوبر 1911 م  من القرن العشرين الماضي وتوفى معمرا وقد بلغ من العمر حوالي 115 عاما .
                     أختير مكانه الحاج عثمان الهنيد الذي كانت له صفات عديدة اهمها الطيبة وحسن الخلق، حكيما هادئا لبقا في الحديث والسياسة بدون شراسة وعنف وسار على نفس الخط بالقبيلة حوالي 17عاما حتى توفاه الله تعالى ( له الرحمة والغفران ) فقد عرفته معرفة شخصيا وكنت أزوره شبه أسبوعيا في بيته في شارع الحرية (البحر) للتشاور وسماع القصص والحكايات الفريدة الرائعة عن كثير من الأحداث التي حدثت بالمدينة والمنطقة في الماضي والتي مرت الأيام عليها وطواها النسيان .
               أحد رجال العائلة المشاهير الاستاذ محمد حسن الهنيد ، صيته في كل مكان نظير الاعمال الخيرة وحبه للإكتشافات الأثرية التي تزخر بها المنطقة الشرقية من ليبيا  والكثير لم يكتشف بعد... وأسس بمجهوداته الخاصة بدون دعم مالي ولا مساندة قوية من الدولة مع بعض الرفاق أمثال الحاج صالح بودربالة والاستاذ احمد الغيزواني وصالح الكيرطي الماجري وعبدالله بن عمران وإبريك بودراعة وغيرهم من الرجال الكهول والشباب "جمعية الهيلع للإكتشافات الميدانية" ، التي كانت واجهة مشرفة لمدينة درنة ونافذة لمن أراد المعرفة والعلم بالتاريخ القديم للمنطقة والحضارات التي سادت يوما وبادت عبر الزمن ، خلال مسيرة نصف قرن من الجهد والتعب في البحث المتواصل بلا كلل ، وهو في جولات وزيارات ورحلات شبه يومية في ربوع الجبل الأخضر الوديان والكهوف باحثا مدققا عن أي شئ له علاقة بالآثار ، وقد تجولت معه في البعض من الجولات أثناء قضاء عطلات نهاية الاسبوع والأعياد.
                  لقد عرفت الاستاذ الفاضل جيدا وربطتنا صداقة وأخوة روحية ستبقى باقية طالما لنا نفس بالحياة أحياءا نرزق ، والآن جمعية الهيلع تعاني وتحتضر نظير مرض الأستاذ المقعد في الفراش منذ عدة سنوات بإرتخاء الأعصاب غير قادرا على النهوض والمشي طالبا له من الله تعالى الشفاء فمثله قلائل قلما يجود الزمان بأمثالهم .

مدخل وادي مرقس بالجبل الأخضر ليبيا
                الجبل الأخضر فى المنطقة الشرقية معجزة الطبيعة في ليبيا جوهرة فريدة بما يحويه من جمال من جبال ، غابات وكهوف ووديان وشواطئ طويلة ممتدة جميلة مهجورة وطقس عليل ، ذو الفصول الأربعة لحوض البحر الأبيض المتوسط ، وآثار الحضارات الاغريقية والرومانية والفينيقية من قديم الزمن ، الذي لو إستغل الاستغلال الجيد في السياحة والزيارات لإستقطب الملايين كل سنة من السواح وبالأخص وادي مرقس بالمنطقة الشرقية الذي يبعد عن مدينة درنة غربا حوالى 40 كم ، مهد الرسول مرقس الأب الروحي لجميع الأرثودكس في العالم المسيحي الذي رجع لموطنه الأصلي هاربا من جور وظلم الرومان عندما الله عز وجل رفع سيدنا الرسول عيسى المسيح عليه السلام إلى السماء وشبه لهم الغير مما تم الصلب له على الصليب .

              منطقتنا الشرقية تزخر بالمعالم من جميع الأطياف التاريخية والدينية والحروب عبر الزمن، ومنها مدينة طبرق التي قاست الويلات الدمار والخراب أثناء الحصار الطويل أيام الحرب العالمية الثانية والصراع الرهيب الدموي بين قوات المحور والحلفاء كل طرف يريد ويرغب الفوز والنصر بأي وسيلة وثمن ... والله الموفق ....

         رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع...

Saturday, June 6, 2015

قصصنا المنسية 19

 بسم الله الرحمن الرحيم



                  السرد الثاني تكملة للسابق والذي يؤكد الأمر أنه غير أصيل ولا يمت بالبنوة إلى الوالدة المزعومة عائشة زوجة محمد بومنيار التي ربته أيام كان رضيعا وفترة الصغر... عند وفاتها ودفنها بالمقبرة ولم يحضر القذافي الجنازة، ولا مجلس العزاء يومها ولو كانت والدته الحقيقية الأصلية لن يتأخر ويكون إبنا عاقا ولا يحضر مراسم الجنازة وتوديعها الوداع الأخير حسب الواجب وعاداتنا العربية الليبية الأصيلة، حيث الوالدين لهما احتراما وتقديسا خاصا روحيا من الأبناء لا يتأخر أي احد مهما كان الا في حالات قصوى المرض الشديد أوالسفر البعيد والغياب وبالأخص وقت الدفن ،   والحدث معضلة صعب أن يعرف المواطن الليبي حلولها، مع أنه القذافي كان موجودا في ليبيا وقتها ولم يكن في أي زيارة للخارج حتى يجد له مؤيدوه وحواريوه العذر .
                  والموضوع الثالث والذي يؤكد أنه مزروع في نسيج الوطن الليبي من قبل القوى الخفية التخطيط للإنقلاب سواءا في زيارته إلى بريطانيا ضمن الطلبة الضباط للدراسة في دورة عسكرية لعلوم المخابرة، واللقاء والاجتماعات في الخفاء مع السفير الأمريكي، دايفد نيوسم،  في سبها فزان في الصحراء بعيدا عن المتابعة والمراقبة من العيون الفضولية في بنغازي أو العاصمة طرابلس والذي تم الكشف للمؤامرة بطريق الصدفة من رئيس الشرطة وقتها المرحوم طارق عبد الباقي الدرسي والذي لم يتخذ أي إجراءا رسميا ضد الموضوع ، وكانت تربطني به صداقة وجلسات وزيارات في الغربة والمهجر .
                     والقصة حتى يعرفها الذين يتابعون ويبحثون عن المعرفة والفهم من أبناء الشعب الليبي عسى فيها بعض العبر ، حيث في آخر أيامه مرض مرضا أقعده الفراش معظم الوقت غير قادرا على الخروج من البيت وكنت في زيارة إلى لندن لبعض اللقاءات وعندما سمعت نبأ مرضه من أخ الدهر ورفيق الكفاح والغربة السيد الصابر مجيد الغيثي، ذهبنا إلى بيته بالمساء للسهرة وزيارته للسؤال عنه وعيادته ومواساته وكم كان سعيدا ومسرورا من الزيارة الأخوية بالغربة حيث كان وحيدا مع عائلته بدون أصدقاءا لزيارته الا من القلائل الأوفياء.
                  وقضينا بعض الوقت في السهر والسمر وتناول الحديث أمورا عديدة تخصنا نحن الليبيون عن الغربة والهجرة والمعاناة والبعد عن الأهل والأقارب وبالأخص في الأوقات الصعبة من مرض وضيق ذات اليد نظير الصرف الكبير وبدون الدخل، وتطرق الحديث وكيف وصل بأن يكون وكيلا في وزارة الداخلية الذي بدون موافقة القذافي الشخصية لن يتحصل على المنصب مهما كان، إن لم يكن مرضيا عنه أو لتغطية ومآرب لأمور أخرى، وطلبت منه أن يحدثنا عن أية قصة خاصة لها أبعادا سياسية حدثت له في الوطن .
                  تبسم الرجل وقال ، كنت يوما من الأيام قبل الإنقلاب بعدة شهور عام 1969م رئيس البوليس (الشرطة) في مدينة سبها بالصحراء في الجنوب ووصلتنى برقية عاجلة من وزارة الداخلية في طرابلس تطلب مني ترتيب الحماية للسفير وبعض رجال السفارة الأمريكية في طرابلس القادمين إلى منطقة سبها فزان لقضاء بضعة أيام في المنطقة الجنوبية في رحلة صيد وإستكشاف للآثار .
                 ولم يكن لدينا إمكانيات كبيرة ولا إستعدادات ضخمة كجهاز بوليس، وأخترت منطقة معينة بعيدة عن العمران والحركة ، وتم إقامة معسكر من عدة خيام بجميع متطلباتها من أسرة وتوفير المياه للإستعمال حسب الموجود ووضعت حراسات عن بعد بحيث تبعد المتطفلين عن الدخول للمعسكر والإزعاج من السكان المحليين، ووصل ركب السيارات الطاوية الصحراوية ، وأستقبلتهم بكل حفاوة وأرشدتهم إلى المكان وتركتهم وكانوا مرتاحين بالإهتمام والحفاوة والكرم .
                  وبعد بضعة أيام ذهبت بمفردي مع السائق في زيارة بغتة بدون دعوة إلى المعسكر للسؤال عنهم والتأكيد على راحتهم ... ودخلت الخيمة الكبيرة حيث وجدت السفير وأعوانه يخططون لشىء ما على الرمل وكان معهم شابين ليبيين ، وسألتهم وقالوا بإرتباك نحن أصدقاءا للأمريكيين نعمل معهم حضرنا للزيارة ، وكان دخولي عليهم فجأة مثل الصفعة أو مشاهدة المتهم بالجرم المشهود ، ولم أعط الأمر أي إهتمام وقتها أو أبلغ الإدارة بماذا يدور خلف الستار وفي الخفاء من أمور تجري وتحدث حيث كنت غير عالما ولا أعرف الأبعاد.
               وبعدها بفترة عندما قام الإنقلاب وظهرت الصور للضباط الأحرار في الاعلام والصحافة ، تذكرت الحادثة وكان وقتها العقيد معمر القذافي والرائد عبدالسلام جلود هم الحضور الذين شاهدتهم في الخيمة مع السفير يخططون ويتآمرون للإنقلاب الذي حدث، وسكتت طوال الوقت ولم أتكلم عن الموضوع وكأنني لم أشاهد أي شئ حتى لا أفتح العيون للمتابعة والتحقيق معي والسجن كما حدث للكثيرين الذين  غابوا وراء الشمس للأبد .
                    عندما سمعنا هذه القصة طلبت منه أن يوثق الموضوع بكتابة مذكراته الشخصية والمواعيد أثناء حدوثها فهي يوما من الأيام جزءا من تاريخنا الوطني، حق الأجيال القادمة أن تعرف ماذا دار من أحداث، ووعد المريض أنه سوف يبدأ في التدوين والكتابة وبعدها بفترة شهور إنتقل إلى رحمة الله تعالى فأرجو له الرحمة وحسن الختام وأن يكون أوفى بالوعد والعهد وكتب مذكراته الشخصية وبالأخص عن هذا الموضوع فهو أحد الشهود العيان للسر الكبير وعلاقة السفارة الأمريكية في طرابلس بالإنقلاب الاسود والقوى الخفية وقتها بالتخطيط ودعمه حتى نجح والذي الشعب الليبي قدم الضحايا ودفع الثمن الغالي طوال 42 عاما من الظلم والقهر ، ومازال يتخبط ويدفع إلى الآن.
                الشعب الليبي قدم الضحايا يوميا في جبهات القتال من الجيوب والفلول العديدة من الأعوان المنافقين المندسين (الطحالب) المؤيدين له في السر التي خلفها العقيد وراءه في أوساط الوطنيين ولن نرتاح ونبدأ في البناء والتشييد لدولة ليبيا الجديدة حتى نرتاح للأبد بالقبض عليه وتقديمه للمحاكمة بالعدل عن جميع الأخطاء والتجاوزات ، أو قتله وموته والدفن في القبر حتى يتلاشى الشر ويتوقف نهائيا عن الحاق الأذى بأرض الوطن والمواطنين الأحرار .
                 والموضوع الرابع وأن كان بسيطا، ولكن له معاني كثيرة وتفسيرات بلا حد ولا عدد تحتاج إلى مراجعة وتنقيح، ولا تمر مرور الكرام كما كان يحدث من قبل في السابق عندما كنا في سبات وغفوة نعيش الأحلام والأرهاب إلى أن أستيقظنا من النوم بثورة الشباب 17 فبراير المجيدة ، والقصة قصيرة جدا وسأرويها كما سمعتها عن طرف آخر فقد كان احد  الموظفين في سفارتنا في القاهرة في السبعينات وتصادف أن أب العقيد المزعوم العجوز محمد بومنيار الذي حضر للقاهرة للعلاج والإستشفاء، وإضطر موظفو السفارة ، مجاملة أو نفاقا، بدون رغبة أن يذهب البعض منهم كل يوم لمعايدة المريض والسؤال عنه وتمضية بعض الوقت معه حتى لا يقلق من الوحدة بدون رفاق وأصحاب بناءا على تعليمات من ليبيا.
               كان بومنيار العجوز في جميع الزيارات يسأل  عن الأحداث في الوطن وماذا يدور من قصص، وكان يومها في مواضيع خاطئة لا تمت للعقل من الأهوج ولا تتماشى مع المنطق عندما نطق المدعي العام للثورة الرائد بشير هوادي وطلب حكم الموت والسجن على كثيرين من رجال العهد السابق، وصدق معمر على الحكم  بالتنفيذ، وبعدها ببعض الوقت تراجع ، وأخبره بالحكاية وقال الأب المزعوم في لحظة غضب وغيظ عفويا على الحكم الجائر (عملها أبن اليهودية) وسكت ولم ينطق بعدها بأي كلام عن زلة اللسان ، ولم يعقب أي أحد في وقتها على الموضوع خوفا من الإتهام والقبض والتحقيق والسجن والقتل والموت، وهذه الزلة البسيطة تدل وتعطي فكرة كبيرة أنه فعلا أبن زنى ولقيط ، ولم يتفوه بها أي أحد من الحاضرين وتذكر فى العلن خوفا من أن تتداول في أوساط الشعب وتفتح الملفات وتبدأ الملاحقات للحاضرين اثناء الموقف .
               بكتابتي هذه المواضيع نظير المتابعة والتدقيق و سماعها شخصيا من أصحابها الأصليين المعنيين أو عن طريق ثقات ، فقد كنت مولعا بالمعرفة عن ماذا دار وحدث في سنوات الكفاح والنضال في المعارضة الليبية الحقيقية حتى نعرف عدونا وكيف نستطيع مواجهته ومن يسانده ويؤيده حتى لا يتم خداعنا والقضاء علينا بسهولة .... حيث كنا وقتها في الثمانينات من القرن العشرين الماضي نجابه في عدو شرس شيطان رجيم ليس به ذرة إنسانية ولا إحترام للمواطن الليبي وليبيا غير التسلط والبقاء في الحكم بأى ثمن مهما كان.
                   ولأعطاء الصورة الحقيقية عن ماذا دار وراء الستار بالسابق حتى وصل الأهوج بومنيار لسدة الحكم وتحكم في الوطن بالقبضة الحديدية حوالي 42 عاما، والآن في الدهاليز وقاعات المؤتمرات في ليبيا وبالخارج في الخفاء والعلن تدور وتحاك وتنسج خفايا و أسرار رهيبة للتحكم في الوطن من جديد خلال رموز وواجهات تبدوا وطنية، وسوف تثبت يوما من الأيام أنها هشة وعملاء لمصالحهم الخاصة،  لأن الشريف الحر لا يستطيع العمل والإستمرارية والعيش في جو الدسائس والمؤامرات الخبيثة التي تحاك للأحرار الشرفاء من وراء الستار من أياد الشر والضغوط عليه بطرق خفية ضمن مخطط مبرمج حتى لا يستطيع الحركة والمناورة ويغضب ويقدم الاستقالة عن المنصب ويتوارى عن العيان كما تريد وترغب ويفسح المكان لأشباه الرجال العملاء المزروعين في الوطن .
             أن القصة المؤلمة تتكرر الآن بصور أخرى لا تخطر على البال في إخراج جديد وقوالب أخرى غير معروفة، أرجو من أبناء شعبنا الكرام أن ينتبهوا للخطر القادم حتى لا تتكرر المأساة ونداس 42 عاما أخرى ، أو ندخل في حرب أهلية تدوم لسنوات عديدة (مثل حرب البسوس)، وأن نتصدى للأخطاء وممارستها من الآن مهما كلف الأمر من تضحيات ضحايا ودماء، وكان الله عز وجل في عون الشعب الليبي الذي ضحى بالشهداء والآن يباع ويشتري بعلم أو بدون علم ، ويساق إلى المذبح للذبح والضياع وللأسف فرحا ويرقص .
                 تم التعيين لكثير من المسؤلين عشوائيا في المجلس الإنتقالي والحكومة المؤقته بدون أي فرز وتمحيص بحجج الثورة الدموية ولا وجود للوقت للمراجعة والتقصي والتي في وجهة نظري الشخصية بدأت الثورة الوطنية تسرق وتدخل في منحنيات خطيرة ، وسوف يدفع الشعب الليبي مع الأيام والسنوات القادمة الثمن الغالي من دماء وإستنزاف وضياع الاموال في النهب .
               ولم يؤخذ ويعطى أي إهتمام لرأي الوطنيين نتيجة الهرج والمرج ، التأكيد على أسماء المرشحين لمناصب الوزارة الجدد المغمورين على ساحة النضال ، بالماضي والآن... وكان الطلب معرفة السيرة الذاتية لكل وزير مقترح للمنصب... وماذا قدم من عمل نضالي للوطن ؟؟ وما مدى سنوات التجربة والخبرة التي لديه ، وأن لا يكون حاملا لأي منصب سابق مع نظام القذافي مهما كانت الحاجة والأسباب ، فليبيا قادرة على الإنجاب لم تعقر بعد... وبها الرجال الوطنيين القادرين على النهوض بها إلى أعلى المستويات ، وأسئلة كثيرة حتى نعرف ونتعرف قبل الحكم على أي مواطن ليبي ولايضيع وينتسى الرجال الحقيقيون الأحياء الذين ضحوا من أجل الوطن بشرف ينتظرون المساواة والعدالة التي غابت عن الحضور والتطبيق ، فليبيا للجميع وليست لفئة واحدة خاصة تحكم وتتحكم دون الآخرين ولم يعط للأمر أي اهتمام نظير الضغوط الخارجية وعدم التجربة والخبرات للقائمين على الحكم .
              لست متجنيا على أي أحد ولا أريد كسب أحقاد وخصوم مستقبلا نظير رأي الخاص حيث نصائح غالية قدمت ودفعت الثمن الغالي من الوقت وضياع العمر والصرف للمال الخاص من عرق الجبين حتى تعلمتها، نظير حب الوطن والولاء له، ولا أرغب أن أرى شعبنا الليبي البطل يموج ويهوج في فراغ ولا نظهر بالمستوى المطلوب أمام بقية الأمم التي تتطلع لنا بعيون يقظة وتحتسب في خطواتنا بدقة خوفا أو حسدا لا يريدون نجاحنا لأنها تعرف معرفة يقينة أن أبناء الشعب الليبي على قلة عددنا عملاقا نائما إذا استيقظ ووقف وجرى لن يتوقف حتى يصل إلى أعلى المستويات حيث لدينا جميع الإمكانيات للنهوض والتقدم .
               نجاتنا الوحيدة من التردي في الهاوية والضياع ، الإيمان بالله عز وجل والتحلي بقوة الإرادة والأخلاق الحميدة والعزم في التطبيق بما أمر الله تعالى بالحق والعدل والمعاملة بشرف ، والإحترام لبني البشر والتقدير لكل من أبدى بالرأي السليم للمصلحة العامة التي تنفع وتنهض بالجميع ، وليست وراءها أغراضا خاصة ولا مصالح شخصية .
              علينا أن نتعلم الديموقراطية من الأساس ولا نغتاض من أي أحد عارض الخطأ ، طالبا الحق وتصحيح المسار وقدم ورقات عمل جيدة للدراسة حيث هذه المرحلة الصعبة التي نحن نمر بها الآن مابعد القذافي ساحة سباق طويلة نهايتها ليست قريبة ولا سهلة والذي ليس لديه الجهد والقوة والصمود وقوة الإقناع والحجج للشعب بالحوار الهادف والإبتعاد عن لغة السباب والقذف في حق البعض في المرئيات أمام الملايين ، مهما كانوا وإن كانت زلات  لسان عفوية نتيجة الغيظ او الغضب ، سوف يسقط مهما حاول القيام .
            نصيحتي هي السمو بالنفوس وترك القيل والقال والشائعات التي تتردد من كلام مخطط ومبرمج له مسبقا من مستشارين خبراء في علوم النفس ومعاملة البشر الغافلين، المطروح الآن بالساحة يتردد لذر الرماد في العيون وجعل أبناء الشعب مخدرين في الأحلام ، ولا يعملون بجد وجهد وإستغلال الوقت الثمين في النهوض والتقدم ، والجري في حلقات ليست لها أبواب ونهايات للعبور وأياد الشر والفتن والدسائس ، بينما تحصد خيرات الوطن ضمن مخططات ودراسات وهم مسرورين سعداء ويضحكون على الغافلين البسطاء والمغفلين أدعياء الثوار والسياسة الجدد ، والله الموفق...

              رجب المبروك زعطوط


Sunday, May 31, 2015

قصصنا المنسية 18

 بسم الله الرحمن الرحيم


                اليوم الرابع في بغداد تم اللقاء بناءا على طلبنا مع السيد خليفة المنتصر الذي كان مقيما معززا مكرما لاجئا سياسيا ببغداد ضيفا على العراق، حوالي الساعة 9 صباحا يوم طقس قائض شديد الحرارة بالخارج والذي لم نكن نحس به بالداخل حيث كان الجو رطبا وساحرا من الهواء المنعش ينساب من المكيفات الكبيرة التي كانت تعمل على مدار الساعة، بدون توقف .
             كان الرجل وقتها في حوالي العقد السابع من العمر وبعد التقديم والسلام والتعارف جلسنا على كراسي صالون دائري متقارب لوحدنا بحضور الرفاق الليبين وحراسات شباب حزب البعث المدنيين من بعيد، وسألته سؤالا محددا عن الرسالة وترجمتها، وإبتسم الرجل وقال لنا بمرارة ترجمة الرسالة المشئومة هي سبب بلائي وهروبي من ليبيا لأنني لو إنتظرت قليلا لكنت الآن ميتا بالقبر أو قابعا بالسجن إلى ماشاء الله تعالى .
             وسرد لنا القصة المثيرة والتي في ذلك الوقت في ليبيا كانت تتلى على أضيق نطاق، خوفا من الاتهام ، حيث أقل إشتباه يصبح صاحبها متهما  ويكون مصيره السجن أو القتل وإخماد الأنفاس غدرا حتى لا تفوح القصة لدى أبناء الشعب ويعلمها الداني والقاصي والتي القذافي وحواريوه لا يريدون نشرها لأي سبب كان،  وقتها، حفاظا على سمعة العقيد من أن تلاك في الأفواه ويصبح محل سخرية في أوساط الشعب وفضيحة من الفضائح في الشارع الليبي حيث  كان معظم الشعب  في ذاك الوقت  يعيش في الخداع والتدجيل والتمثيل ويحبونه لدرجة العبادة... فلو تظهر الحقيقة  أنه من أصل يهودي غير ليبي أصيل، والتي وقتها مصيبة كما كان يدعى ويروج له الحواريين أنه إبن ليبيا البار الذي سوف ينهض بها من الخراب والدمار، والواقع المرير أن الأهوج هو الذي أوصلها لهذا الحال من الخراب والدمار على جميع المستويات نظير شطحات الجنون والعظمة الفارغة والإرهاب.
          قال محدثنا أنه في بدايات الثورة تم إستدعاؤه بالليل من قبل مجلس الثورة عن طريق الشرطة العسكرية ولم يعرف سبب الإستدعاء، مما شعر بالخوف والرعب من الطلب حيث كان موظفا سابقا بالخارجية أيام المملكة وخاف من الزج بإسمه ضمن المطلوبين للقبض والتحقيق معهم من المسؤولين... ووصل للمجلس وهو يرتجف وعندما شاهد إبن عمه المصراتي الضابط ،عمر المحيشي، عضو مجلس قيادة الثورة مع بقية الحاضرين، إطمأن قليلا وبعد التحية والجلوس على أحد الكراسي ضمن طاولة الإجتماعات الكبيرة وكان الحضور جميع الأعضاء بالمجلس عشرة من الضباط ولم يكن غائبا عن الحضور سوى الرئيس العقيد  معمر القذافي ونائبه الرائد عبدالسلام جلود الذين كانوا وقتها في زيارة إلى سرت حسب ما قيل له .
               سلمه المحيشي الرسالة وطلب منه ترجمتها من اللغة الإيطالية إلى العربية وتصفحها بسرعة وعندما عرف محتوياتها بدأ يرتجف ويرتعد وقال له المحيشي لا تخاف خذ راحتك وترجم بالحق، وترجم الرسالة بصدق وكانت من أحد الكرادلة بالفاتيكان في روما ، يشيد بقائد الثورة  معمر ويشرح له نسبه وأصله ويوصيه بالجالية اليهودية التي نفيت من ليبيا بعد النكسة عام 1967م وهزيمة العرب ، بالتعويض المناسب ، والرأفة بالجالية الإيطالية في ليبيا حتى لا يحدث لهم مثلما حدث مع اليهود الليبيين .
                وشرح الكاردينال في الرسالة (الذي كان وقت ميلاده راهبا في منطقة سرت في الأربعينات من القرن العشرين الماضي وكان له العلم بالقصة من البداية ، وتدرج في السلم الكهنوتي في فاتيكان حتى وصل إلى منصب ديني كبير، كاردينال) قائلا للقذافي أن الأديان الثلاثة إجتمعت فيه وأنه الرسول المختار والدته يهودية ليبية حملته بالحرام بدون زواج  شرعي رسمي معترف به ، ووالده ضابط إيطالي مسيحي كاثوليكي، ويوم ولادته خافت أمه من عائلتها اليهودية  المتزمتة دينيا ومن خنق وقتل الرضيع ، فتم تسليمه إلى محمد بومنيار القذافي الليبي المسلم ، المجند ضمن الجيش الإيطالي والخادم لدى الضابط في قضاء حوائجه ، لرعاية الرضيع المولود وتربيته في بيته مع الآخرين من افراد عائلته... مما نال ، الكفيل بومنيار، إهتماما وسخاء من قبل  الضابط الإيطالي الأب نظير تربية اللقيط في كنفه وكان فأل دخل لأسرة بومنيار الفقيرة حيث نالت خيرا كثيرا نظير تربيتها ورعايتها للرضيع من نقود وعطايا من مواد غذائية والتي كانت نادرة وقتها أثناء الحرب العالمية الثانية....
               عندما سمع الضابط  محمد المقريف الترجمة وكان شجاعا قويا متهورا خبط الطاولة بقبضة يده بعنف وقال الكلمة المأثورة عنه والتي كانت سبب هلاكه وموته: "آخر الزمان يحكمنا نحن الليبيون العرب المسلمون شخص يهودي عديم الأصل والفصل!" ...  وإنفض الإجتماع بين مادح وقادح من الأعضاء والبعض كان محتارا،  غير مصدق للموضوع ولا يدري كيف يكون العمل والتصرف؟؟ وطلب منه الصمت والسكوت وعدم البوح بالسر لأي أحد كان تاركينه في حاله يرجع للبيت بدون مشاكل وحجز نظير الترجمة والمعرفة.
                السيد خليفة ذو تجارب مريرة ولديه خبرة وحنكة سياسية وعرف بالحدس أنه لن ينجى ببساطة ويترك في حاله  نظير الترجمة للرسالة المشئومة في نظره،  ذاك الوقت، ولم ينم الليل وهو يفكر ويقلب الامور وقرر الهرب بالصباح طالما الفرصة سانحة والسفر والهجرة ليضمن حياته... وفي اليوم الثاني رتب حاله وأحواله وغادر فجأة إلى بغداد مع عائلته ليحتمي بقيادة العراق حيث كانوا على خلاف وصراع مع القذافي منذ  يوم الإنقلاب الأسود... ولا يثق في رجال مخابرات مصر حيث قضى وقتا هناك في السفارة الليبية ويعرف أن البعض من المسؤولين طماعين مرتشين ومن الممكن أن يقبضوا  عليه بأي حجج ويسلموه إلى ليبيا بسهولة لقاء دفع المال... وقد حدث ذلك بعد عدة سنوات وتم خطف رجال ليبيا الأحرار أمثال السيد المناضل ، جاب الله حامد مطر ، والسيد منصور الكيخيا،  من طرف المخابرات العامة أيام عهد الرئيس حسني مبارك لقاء حفنة ملايين دولارات باع شرف مصر وكرامتها بسهولة ، عكس الرئيس السادات الوطني المخلص إبن مصر ، الذي قال عنها وصدق في القول حتى وفاته:"مصر وطن الأمن والأمان".

            الضابط الشجاع محمد المقريف الذي خبط الطاولة وتفوه بالكلمات المسيئة للعقيد في فورة الغضب تم إستدعاؤه للقدوم إلى سرت بسرعة حسب ما سمعت نظير المتابعة، وركب الطائرة الهليكوبتر بحسن نية وأثناء الطريق وفي بقعة مهجورة قفز عليه الحرس وتم رميه من علو شاهق بحيث توفي في الحال ورتبت له المسرحية للتغطية والتمرير بأنه حادث سيارة وظهر الرائد عبدالسلام جلود على الشاشة المرئية وعليه ضمادة (لصقة) بسيطة في مقدمة الراس بالجبهة للتمويه والتضليل وأعلن الخبر المفجع وأنه نجى من الحادثة الأليمة بعد أن كان برفقته في السيارة وقد شاهدته شخصيا وهو يعلن عن الحادثة المفجعة وقتها ولم أصدق القول والبيان  .
              الغريب الذي لا يصدقه أي أحد أن  المرحوم  محمد المقريف كان صحيح البنية، والذين قالوا في البيان الطبي  الرسمي الغير معلن أن به كسورا بلغت 21 كسرا بالجثة والرائد جلود عبارة عن خدش بسيط ومضى الأمر ببساطة وصدقه المغفلون، فهل يوما من الأيام، سوف تفتح الملفات لنعرف الحقيقة المرة وكيف توفي الرجل الشهيد الوطني الذي قدم حياته في أوائل بدايات الإنقلاب (هرب الرائد جلود من طرابلس إلى إيطاليا وهو شاهد إثبات على العصر والحدث، نرجو منه الإيضاح حتى نتأكد من صحة القصة للتاريخ).
         بعد هذا الحدث بفترة بدأت سلسلة الإغتيالات والتصفيات لبعض الضباط الكبار بحوادث سيارات مدبرة والبعض أقصي عن السلطة بناءا على رغبته، خوفا من الإستمرار فقد لمس كيف تدار الأمور بالعنف والقوة وليس كما كانوا يتوقعون  بالديموقراطية ... وهناك الكثير من القصص التي يوما سوف تكون مسلسلا به آلاف الحكايات والحلقات عن ماتم من حوادث وقتل وإغتيالات حتى صفى الجو وحكم العقيد الأهوج الوطن بالخوف والإرهاب .
               شكرنا الرجل على سرد القصة كما حدثت معه وودعناه على أمل اللقاء يوما عن قريب في طرابلس ليبيا وإنتهت المهمة في بغداد، العراق، ورجع كل واحد منا إلى حيث يقيم ونحن نتأسف على الحدث، وبعدها بمدة طويلة سمعت أنه إنتقل إلى رحمة الله تعالى وتوفي غريبا مهاجرا ودفن في بغداد العراق (الله يرحمه ويحسن له) .
             قامت القيادة العراقية بالوفاء  بوعودها وعهدها بدعم ممتاز للمعدات والتقنية والتي عن طريق دولة تشاد حسب ماعلمت ، وبدون علمها على ما أعتقد، هربت وأدخلت إلى ليبيا عبر الصحراء الشاسعة ووصلت حتى مدينة إجدابيا وتوزعت إلى بعض الأماكن في مدن وقرى الوطن للإستعداد للثورة ضد نظام الأهوج، تحت إمرة البطل المناضل جابالله حامد مطر، والتي كانت المطاردة الرهيبة له من قبل اللجان الثورية والمخابرات الليبية في صمت لعدة سنوات ودفع الملايين من الدولارات للقيادة المصرية العميلة للقذافي وخطف الرجل المناضل من مبنى المخابرات المصرية في القاهرة بعلم الرئيس المخلوع، حسني مبارك ، وأوامره، والذي الآن يحاكم على الجرائم التي لا تحصى ولا تعد تجاه الشعب المصري أولا....وإنتهاءا بالدمار للشعب الفلسطيني عندما صافح وزيرة الخارجية الإسرائيلية بالموافقة الضمنية في الخفاء وتحت الطاولة لمحاربة فلسطينيي  غزة وأن مصر لن تتدخل ولن تفتح المعبر... وهذا ما شاهدناه في الإذاعة المرئية، قناة الجزيرة،  وحدث الذي حدث... والله الموفق .

              رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع..

Sunday, May 24, 2015

قصصنا المنسية 16

بسم الله الرحمن الرحيم 


            آليت على النفس كتابة الحق حسب المعرفة والقدرات بدون التجني على أي أحد مهما كان... حيث من وجهة نظري بالسابق القلائل الذين كتبوا عن التاريخ الليبي الحديث بصدق من بعض الجوانب التي حدثت ، والبعض من الكتاب لم يتجرأ على الكتابة وإشهار الحقائق التي غابت وطمست ولم تظهر للنور والعلن للجميع نظير عوامل عديدة أهمها الخوف والنفاق وعدم الاحراج واللوم والمحاسبة... حيث الصدق والحقيقة هي الأساس للحضارة والسمو والتقدم ، حتى يأخذ شبابنا الباحثين عن الحق والحقائق الغائبة والمغيبة بقصد ، منها بعض العبر .
                فالوطن للجميع وليس ملكا لأحد دون الآخر حتى يتباهى ويفخر لأي سبب على الآخرين،  حيث من وجهة نظري المواطنة ليست بالولادة ولا بعدد السنين التي قضاها وعاشها الانسان مقيما بالأرض ولا بالقبلية والفخر المزيف والتشدد والتزمت والجهل ، ولا بالجهوية والعنصرية لجهة ما معينة .... الأرض جميعها لله عز وجل ، والأهم الايمان التام والتوحيد بوجود الله تعالى والولاء والحب للوطن من القلب والضمير بصدق والعمل المستقيم للصالح العام .
                جميعنا مواطنين في ليبيا ، والدفاع عنها وقت المحن بالروح والدم بلا منن ولا جميل ، ولا طمع في عطايا من مراكز ومال مثل مايحدث الآن في الواقع المرير من الكثيرين أدعياء الثوار أشباه الرجال الذين قفزوا للمقدمة والقمة نظير عوامل كثيرة وحظ ، لم يكن لهم وقت الصدام والمواجهة الحقيقية أي دور كان.
                  عشت أيام المملكة شابا بدون خبرة ولا تجارب سياسية وشاهدت وسمعت عن الكثير من المواقف الجيدة والبعض السيئة التي بمقاييس اليوم تعتبر لا شئ ... وقام الأنقلاب الاسود المشئوم الذي غير كل المفاهيم رأسا على عقب ، جعل من أبناء شعب ليبيا البسطاء ذوي طهارة النفوس والبراءة ، من البساطة والأحترام والتقدير للكبير وحب الخير للجميع إلى وحوش كاسرة تنهب المال العام وتستولي على أرزاق الناس بدون وجه حق.  تنفذ أوامر الطاغية الشريرة بدون واعز ضمير ولا تساؤلات ، تسجن وتعذب الأحرار بقسوة غير عادية وكأنهم غير بشر ، تقتل الزوار الضيوف كما حدث للإمام موسى الصدر ورفاقه بدون احترام ولا كرم الضيافة ، تهتك الأعراض للحرائر وكأنهن سبايا ليس لهن كرامة ولا أهل وأصل ، وتنشر فرق الموت من اللجان الثورية الارهاب والرعب القتل والدم فى الوطن وخارج الوطن بدون أسباب واضحة مهمة للمصلحة العامة غير الجنون والغرور من طاغية إتخذ من المخالفة أعراف جديدة (خالف تعرف) النعت ودمغ الوطن بصفة الإرهاب ، وتصفية الخصوم المعارضين الأبرياء في معظم أنحاء العالم ببساطة وكأنه أمرا عاديا ينفذون في الواجب لا غبار عليه بدون ان يندى لهم جبينا على الجرائم البشعة في حق الانسانية ولا صوت ضمير نابع من الأعماق يعنف ويردع .
                     نسوا وجود الله عز وجل الخالق فأنساهم أنفسهم، جعلهم في هرج ومرج يتخبطون في الشر والشرور العديدة كمن مسهم الجان بلوثة جنون... نظير حكم وأمور غيبية نحن كبشر مهما أوتينا من علم ، لا نعرف الأبعاد البعيدة والذي يعتبر ضئيلا قليلا نظير الشهوة والطمع وغياب الأخلاق الحميدة وعدم الرجوع للطريق السوي، الحق الذي هو الأساس والركيزة للنجاح والخروج من المحن .
                    نظام الجهل والتخلف دمر جميع أعمدة التقدم والرخاء ،السلام والولاء والأخلاق للشعب البسيط على مدى 42 عاما عجافا مرت من أعمارنا وأخذت زهرة شبابنا وجعلتنا نعيش حالات الخوف والرعب نظير القهر والسجن والتعذيب والقتل وإراقة الدماء بدون حساب في أوساط المجتمع .
                   تم زرع الشك من كثرة الأجهزة الأمنية العديدة المعلن عنها والغير معلن والتي في السر والخفاء ، الواحدة تراقب  أبناء الشعب والأخريات من الأجهزة بعيون ساهرة...  والذي لديه ذرة ضمير من المسؤولين ويريد أن يتساهل ويساعد البعض من المتهمين الضحايا لا يستطيع من الخوف والشك خشية من الوشاة المستترين.
                والوشايات من أقرب الناس للإنسان الذين البعض منهم من الأقارب ذوي صلات الدم من دون ان يشعر ويشك في نواياهم الشريرة لقاء الحقد والحسد ، والبعض يدعون الأخوة والصداقة وهم وشاه عملاء منافقين ، لقاء جاه ومراكز زائلة حيث لا يصح الا الصحيح مع طول الدهر والوقت.
                أحمد الله تعالى على طول العمر فقد عشت أيام العهد الملكي شابا يافعا، وعاصرت الإنقلاب الأسود من أول يوم حل بهذا الوطن الطيب الصامد كرجل شاهد على العصر ، والآن في شتاء العمر وكبر السن عائشا مناضلا أتجرع المرارة والأحزان على مآل الوطن وما حدث فيه من هرج ومرج وقتل عشوائي ودماء وخطف وطلب الفديات الضخمة مما إضطر الكثيرين للفرار والهجرة خارج الوطن بعد عدة سنوات قليلة من النصر والقضاء على الطاغية القذافي،  خوفا على حياتهم والنجاة بالجلد.
               بكتابة بعض القصص عن الدسائس والمشاحنات من أهل القصر وصناع القرار في مدوناتي السابقة ، ضمن قصصنا المنسية عام 2011 م ، لتوضيح الحقيقة ، والتي الآن بعضها تحت المراجعة والتصحيح ، إنتهيت من خمسة عشرة واحدة ، ونشرت  والباقية تحتاج إلى وقت طويل حتى انتهي منها طالبا من  الله تعالى التوفيق في إتمامها كما يجب.
                 كانت نتيجة لقاءات وسماع الكثير من الحكايات والأسرار التي دارت بالسابق في العهد الملكي في الردهات ودهاليز القصر والصالونات، أثناء المآدب والجلسات الخاصة من بعض المسؤولين الذين كانوا يوما من أصحاب القرار في الوطن والبعض كانوا متقاعدين في الثمانينات لاجئين بالغربة، ربطتني بهم معرفة وصداقات ، والذين الآن معظمهم في ذمة الله تعالى أمواتا في القبور ( رحمهم الله تعالى بالمغفرة ).
              جمعتها حسب الفهم والمعرفة ودونتها عسى يوما فيها بعض الفائدة لمن يبحث لصياغة التاريخ الليبي الحديث على الوجه الأكمل الصحيح بدلا من الكثير المزور...لقاء أهواء جهوية وعنصريات ، لا أريد لوما ولا تجريحا لأي إنسان كان ، وأعتذر اذا سببت الإحراج لأي طرف ، فنحن بشر خطائون لسنا ملائكة، وبالأخص الذكر لبعض الأخطاء في نظر الكثيرين من أبناء الشعب التي قام بها الملك أدريس سليل الأصل والفصل ، زعيم الطريقة السنوسية الروحية البناءة   لرفعة الدين وخدمة الإسلام .
               ولو تقدم مناضلا من العائلة السنوسية وقاد المسيرة خلال فترة 42 عاما العجاف وطالب بالعرش بمصداقية  وتحدى النظام وأثبت وجوده في المعارضة بالخارج والداخل وواصل الكفاح بضمير مع الثوار الأشاوس فى الثورة المجيدة 17 فبراير وبعدها لكنت من أول المناصرين والمؤيدين لرجوع العهد الملكي لحكم الوطن ليبيا .
               ففضل العائلة السنوسية على ليبيا روحيا بالسابق وبالأخص المنطقة الشرقية أفضالا كثيرة أهمها توحيد الصفوف والجهاد والنضال ضد المستعمر... كانوا شموعا نيرة أضاءت النور ضد الجهل والتخلف والدعوة الصادقة لشرح الدين على الأسس والقواعد السليمة، محاربين الكثير من البدع والحشو الضار الزائف المدسوس خلال عصور سابقة عبر الزمن من التخلف والجهل المتعارف عليه في القرن التاسع عشر.
                نشروا الدين الحنيف في مجاهل أفريقيا بالترغيب والحوار والمنطق بسلاسة وبالعقل ، والملك ادريس بالحكمة والدهاء والصبر وبعزيمة الرجال الرفاق المناضلين وحد البلاد في وحدة ودولة واحدة ونزع فتيل الخلافات بين الزعماء في الغرب والشرق والجنوب الذين كان كل شيخ وزعيم يرغب ويريد حكمه والسيطرة على الوطن .
                 أحببت بسردي هذه الصراعات والتي لم تكتب صراحة من قبل ، تنبيه لمن يبحث من الشباب حبا في المعرفة ويأخذ عبرا حتى لا يخطأ ويتعثر فالمسيرة طويلة بعد سقوط وانتهاء النظام تحتاج إلى رجال حكماء ذوي عزم وقوة على التحمل والسير بحكمة ، ذوي تجارب ودراية حتى تصل السفينة الى بر الأمان ضمن إحقاق الحق والعدل ومحاكمة جميع رموز النظام ، إيداعهم بالسجون ضمن الزنزانات التي قضى أحرار ليبيا الوطنين وقتهم فيها عسى ان يتذكروا أفعالهم وسوء أحكامهم السابقة .
                المحاكمات العادلة لكل الرموز التي عملت وساندت الظالم القذافي حتى تمكن من البقاء طوال السنين العجاف ، بالعدل والحق سجناء نزلاء بالسجون ضمن الحراسات المشددة ، وليس السجن المرفه بالإستراحات الفاخرة كما قيل وحدث مع مصطفى الخروبي، عضو مجلس قيادة الثورة، والذي كان له أدوارا عديدة في خراب ودمار ليبيا طوال مسيرة الفوضى والعهر السياسي المادي والإرهاب .
                 وترك البعض وغض النظر حتى يهربوا إلى خارج الوطن نظير دفع الرشاوي الباهظة بالملايين ومنهم الرائد عبدالسلام جلود وغيرهم من المسؤولين الكبار في بدايات الإنقلاب الأسود الذي لديه معرفة بالكثير من المآسى والاحداث التي حصلت بحاجة إلى توضيح للعلن لكثير من الأسرار، طالما مازال باقيا على قيد الحياة ، عسى أن يرتاح ضميره من العذاب اذا كان لديه الاحساس ويغفر له أبناء الشعب الليبي الذنب.
                كان جلود من ضمن الذين داسوا على كرامة رجال  المملكة وشيوخها السابقين أمثال السادة محمود المنتصر، وأحسين مازق وعبدالجليل سيف النصر، وحامد العبيدي، ومفتاح بوشاح والسنوسي الفزاني والسيد أدريس بوسيف والسيد عبدالرازق شقلوف والسيد عبدالحميد البكوش والحاج محمد عثمان الصيد والحاج محمد السيفاط والحاج رجب بن كاطو وغيرهم من الأسماء التي لا أتذكرها الآن وقت التدوين والكتابة ، والذين هم  بالعشرات من رجال ليبيا الحقيقيين.
                لم يراعوا عوامل السن ولا إحترام الشيخوخة ، وماذا قدم هؤلاء الرجال من تضحيات للوطن حتى تحصل على الأستقلال ، كم عانوا من ويلات وتحديات عندما كانوا في السلطة وصناع القرار في المملكة الليبية منذ الاستقلال في الخمسينات إلى نهاية الستينات من القرن الماضي العشرين وقت ليبيا الصعب والتي كانت فقيرة بدون دخل تعيش على الإعانات والهبات، كانوا وقتها النخبة بالوطن ، حيث للأسف الشديد مثل العادة لدى الشعوب الجاهلة بدون سمو وحضارة ، لا إعتراف بالجميل ، والذى يسقط في الصراع السياسي تناله سكاكين الجزارين بالذبح.... وكأنه لم يكن يوما سيدا مطاعا الجميع يحاولون القرب منه، معظمهم نظير النفاق والحصول  على مصلحة وفوائد ، بدون ان يعرفوا الأخطاء.
                 تم الحجز والايداع لهم في السجون بدون شفقة ولا رحمة ولا ذرة أنسانية نظير الجبروت والطيش وفرحة النصر بالإنقلاب الذي أطلقوا عليه ثورة الفاتح ، في إنتظار المحاكمات وهم يعرفون أنهم كبارا في السن ولديهم أمراضا عديدة ، تاركين البعض تشفيا وحقدا من غير أية رعاية صحية حتى ماتوا شهداءا وحيدين بدون أهل ولا رفاق في ساعاتهم الاخيرة.
               نحن أبناءهم وأحفادهم وبني مناطقهم تربطنا صلات الأخوة في الدين والوطن والدم والمصاهرة،   لن ننسى الجرائم المشينة البشعة التي حلت بهم ، طال الزمن أم قصر ، وسوف نأخذ بالثأر بشرف والحق والعدل ، من الذين دمروا ليبيا الوطن إلى الآن نظير الجهل وحب السلطة ، وإن لم نستطيع الحساب لهم بالدنيا للمجرمين الذين عاثوا الفساد والإفساد في الحرث والنسل نظير ظروف قاهرة وعوامل تقادم الزمن ، الأحياء منهم وراءهم الامراض وعذاب الضمير ينهش، وأموال الحرام والزاقوم تلذع وتلدغ النفوس ، وآخرها الموت والنهاية والحساب الإلاهي الذي لا يترك ذرة واحدة شرا في زوايا النسيان ، بدون حساب صارم و عقاب.
            ونذكر الأموات الشرفاء الوطنيين الشهداء في ذمة الله تعالى بالخير والذكرى العطرة نظير الاعمال الخيرة وماذا قدموا من تضحيات ودماء زكية طاهرة مثل العطر في سبيل الوطن ، من يوم الانقلاب الاسود 1969/9/1م  وحتى الآن حتى يأخذ الآخرون العبر من ذوي أصحاب القرار الحكام الجدد للوطن ، ولا يتمادون في الظلم والقهر ... فالظلم والقهر ظلمات تؤدى بأصحابها إلى الضياع والهلاك طال الزمن أم قصر... والبقاء للشعوب الحية وأجيالها عبر التاريخ والزمن إلى أن يأذن الله عز وجل ويأمر بيوم القيامة ...

   والله الموفق...
                          رجب المبروك زعطوط