Wednesday, April 3, 2013

شاهد على العصر 88



بسم الله الرحمن الرحيم 


     انتظرت طويلا وانا جالس على المقعد الطويل بالصالة الصغيرة  الضيقة وعدة مكاتب تفتح عليها وانا قلق عن ماذا سوف يحدث ؟؟ ومر الشريط بسرعة عن شراسة النظام والإرهاب الذى يقوم به بدون احترام لحقوق الإنسان وآدميته ،،، في الفكر والذهن ،،، هل يريدون فتح الملفات القديمة السابقة  التي تم الاتفاق عليها بالقفل للإبد وبدون أية متابعة ؟؟ الإنقلاب الاسود يأكل  ابنائه بكل بساطة وسهولة في سبيل البقاء لا عهد  لا شرف ولا مصداقية وأى انسان شريف حر يثق فيهم ويصدق عهودهم  يصبح مخطئا مجنونا عديم البصيرة 

اين السيد عبدالسلام الزادمة الذي وعد بعدم التعدي وقفل ملفات الماضي بخيرها وشرها ؟؟ الآن مقتولا عظاما بالية هشة في القبر ؟؟ ضحية النظام الشرس الذي هو شخصيا كان يوما سفاحا لكثير من الضحايا الأحرار  دفاعا عن العقيد المعقد القذافي ونظامه .

مرت بي الهواجس من كل مكان وطلبت بالهاتف عدة أشخاص وكان منهم ابن الخال محمد بورقيعة الذي أتى إلى المطار بسرعة يسأل عني وعن حالي وكيف يستطيع ان يخدمني واحضر معه احد الاشخاص الأدعياء الذي أوهمنا انه يعرف البعض من المسؤولين وسوف يفرج عني ولكن اثبتت الايام انه دعى لا يستطيع عمل اي شئ غير المباهاة ، والسجين المتهم الموقوف مثلى مثل الغريق يتعلق في قشة حتى لا يغرق ويصل لبر الأمان .

أخيرا بعد الاتصالات العديدة الهاتفية تم الامر بالتحفظ حتى يوم السبت لأقدم إلى النيابة مما ارتحت بعض الشئ لان النيابة معناها العدل والتخفيف للأحكام  في جماهيرية القذافي اللعينة حيث التحقيق والقضاة والمحاكمة وحضور المحامين للدفاع واشياءا كثيرة مما يصبح لدى المتهم الأمل في الخروج من الحلقات الضيقة والوهم، اما اذا كان الحجز من احد إدارات الأمن مثل الخارجي او الداخلي والمخابرات او اللجان الثورية عندها المصائب والمصاعب بلا حدود ولا اي فرصة حتى للسؤال اين المتهم؟  وسعيد الحظ من يخرج بعد فترة حيا يرزق !

بعد فترة طلبوا مني القدوم وان اتبع الحراس باللباس المدني إلى ساحة المطار حيث ركبت السيارة مع اربعة حراس وانا بالمنتصف في المؤخرة ورئيسهم بالمقدمة والسائق يقود بسرعة في الطرقات المليئة بالمطبات والحفر مما تعبت وتألمت من الوجع بالصدر،، وطلبت منهم تهدئة السرعة لأنني مريض بالقلب مما السائق هدأ بعض الشئ ،، وطلب رئيسهم مني الهاتف النقال حتى لا اتصل بأي احد وسلمته له وانا آسف على التسليم لأنه الوسيلة الوحيدة للأتصالات مع الآخرين البشر .

أخيرا وصلنا الى مبنى المباحث الرئيسي وكان كبيرا مثل المعسكر وبه البنايات العديدة المشيدة بالداخل  ودخلنا مع البوابة وراسا الى احد البنايات وتوقفت السيارة ودخلنا الى احد الحجرات وكانت مكتبا لاستقبال المتهمين وبعد الممر كان سجنا به عدة حجرات كبيرة مهيئة لاستقبال المميزين من المتهمين ، حيث تم التفتيش بدقة واستلام جوازات السفر الليبي والامريكي والمال الذي بحوزتي من نقد ليبي ودولارات للسفر وتم الطلب بأن اخلع أربطة الحذاء والحزام الجلدى وعندما تمت المعاملات، قادني احدهم الى زنزانة نظيفة بها سرير مرتب وحمام خاص ولكن بدون تدفئة والجو كان باردا بعض الشئ مما أعطوني بطانية جديدة اوفت بالغرض وكان الباب بالحجرة من قطعتين خشبية بالداخل والخارجية من الحديد وسمعت المفتاح وهو يقفل باب الزنزانة الصلب.

رجعت بي  الذاكرة الى صور كثيرة مرت بسرعة البرق كيف الدولة تدار بيد من حديد ؟؟؟ الأمن القوى من خلال وجود الاسم على شاشة الحاسوب بالمطار والقبض  والتوصيل والاستلام المنظم بدقة والايداع بالغرفة، وشعرت بهيبة الدولة حيث كنا من قبل نستهزء عليها ولا نحسب لها اي حساب ولكن عندما وقع الفأس في الرأس وتم القبض عرفت الواقع المرير، وأنني الان حبيس سجين انتظر ساعة  الفرج والخروج من التوقيف .

مشكلتي انني لا أعرف أي شئ حتى تلك اللحظات الحرجة،  لماذا التوقيف وبدات الشكوك السوداء تبحث  عن التهم الموجهة لى ، هل الأتهام والتوقيف عن ما فعلت بالسابق أيام المعارضة والجهاد بالخارج ضد النظام؟  أم أشياءا  جديدة لا تخطر على البال ؟؟؟ أم نتيجة وشاة عن أعمال حاضرة ؟؟؟ وقررت المضي الى آخر المشوار  والتحدي فالعمر واحد بيد الخالق الأحد وساعة الموت والقبر لن استطيع تلافيها مهما فعلت ،، وأهم الأشياء  قول الصدق حيث هو النجاة وبر الأمان للمتهم .

حوالي الساعة الخامسة بعد الأصيل فتح الباب فجأة من احد الحراس وقال لي ان المدير يريدني ان اقابله ، ولبست الحذاء والمعطف لإتقاء البرد  وخرجت وراءه أمشى الى احد البنايات وصعدنا السلالم للدور الأول الى قاعة فسيحة وطرق الباب بأدب وكان الرئيس عميدا بأمانة الداخلية على ما أعتقد  اسم عائلته الشيباني اما الاسم الأول فقد نسيته الآن ؟؟

وكان إنسانا خلوقا ذو هيبة وشخصية ومن خلال الحديث عرفت ان النيابة العامة هي التى طلبت التوقيف المؤقت لديهم حتى يوم السبت لتفض الموضوع  وتحقق بناءا على بلاغات واتهامات  من النائب العام  المدعو المصراتي عضو اللجان الثورية، وانه حاول قدر جهده الإفراج عني ولكن النائب العام رفض ، ولا يستطيع التعدي والإفراج عني ،، وطلب في حدود صلاحياته وقدراته عن  ماذا اريد وأرغب ؟؟ 

وشكرته على التعاون والجبر بالخاطر في الساعات الحرجة وطلبت ترجيع الهاتف النقال حتى أستطيع الأتصال مع العائلة للإطمئنان وإحضار الدواء والطعام مما أصدر الأوامر لمدير مكتبه بالرفق بي وتسليم الهاتف النقال وترك باب الزنزانة مفتوح أتنقل في الممرات كما أريد وأرغب والأمر للبوابة الرئيسية  بدخول الدواء او أي طعام أو حاجيات، مما شكرت الرجل وعرفت ان الكثيرين مما تم حسابهم على النظام قاموا بأدوار مشرفة مثل هذا الرجل الكريم ، ساعدوا المتهمين والأبرياء قدر الطاقة في السر بدون الظهور في العلن .

نفذت أوامر العميد بحذافيرها وأستلمت الهاتف النقال وتمت الاتصالات الهاتفية مع العائلة والكثيرين وتم الأتصال بالسيد  مصطفى عبد الجليل وزير العدل صديقي الذي اعرفه معرفة وثيقة من عام 1993 م عن طريق وسيط " م ج " الذى أثبتت الأيام بعد فترة  أنه نصاب، تحدث هاتفيا مع الوزير وأخبره بأنني سجين حتى يعمل مابوسعه للإفراج عني 

وجاء الطعام والدواء وأحضره صهر أخت زوجتي ،  السيد الدوكالى مختار الترهوني، وبدأت الإطارات تدور من الجميع للضغط على الدولة  والإفراج عنى فى أسرع وقت بدلا من التوقيف وأنا أعانى فى المرض والتقدم  فى السن ،، وتم الإتفاق مع محامى قدير جنائى لحضور جلسة التحقيق عن طريق إبن الخال السيد محمد بورقيعة ( رحمه الله تعالى )  للدفاع عنى وتلقينى الردود القانونية المطلوبة مما سعدت أننى لست لوحدى بالميدان وأن الدنيا مازالت بخير !!!!
يوم السبت صباحا تم عمل جميع الإجراءات من التصوير الإمامى والجانبى والبصمات كأي مجرم عادي وتم فتح ملف لدى المباحث الجنائية وبعدها الحشر فى سيارة ضيقة مع الحراس واحد المتهمين الآخرين والذهاب الى مبنى المحكمة حيث تم تسليم المتهم الأول اليهم وبالنسبة لى تم التوصيل الى نيابة شمال طرابلس حوالى الساعة الثانية عشرة والنصف وكنت خائفا من تتأجل القضية الى الغد حتى لا يرجعون بى الى الحجز نفس المكان مرة اخرى .

اول ما دخلت مع الباب الرئيسى كان الجميع فى الانتظار إبن الخال والمحامى وبعض الأصدقاء ورأسا الى مكتب رئيس النيابة الذى بعد لقاء قصير دخلت الى مكتب آخر واستدعى احد وكلاء النيابة وكاتب لتوثيق التحقيق وفتحت الجلسة برئاسته وكان المحامي معي يحاول الردود بأدب ووجل حيث من النادر ان يحقق اثنان الرئيس واحد الوكلاء زيادة في الأمن والثقة لخطورة الإستجواب بأن لا يحدث أي نوع من أنواع المساعدة أو التهاون مع المتهم .

كانت الأسئلة الأولى عامة ثم بدأت تتصعب وتصبح شائكة ولكن التزمت جانب الصدق وقلت الحق فى المواضيع العامة ولم أذكر تحت أى ظرف أى أسم لأى منتسب او عضو بالتنظيم حيا يرزق  بل زيادة فى التضليل عندما يتم الضغط المباشر على ، لا أبوح بالإسم الصحيح   أضع الأمر والمسؤولية  على كاهل أي مناضل  شهيد الواجب ، مات قتلا في السجن  أو توفاه الله تعالى بالغربة بحث التساؤلات  والأسئلة تصبح عديمة لا جدوى منها  توقفت ولها نهاية وطرق مقفلة مسدودة .

لم أتطرق الى أى  إنسان  تحت أي ظرف حتى أضمن عدم الإتهام لأى أحد ؟؟ حتى المحققون  لا يأخذون المواضيع جديا ويظلون يتابعون ويضيع الوقت على وأصبح موقوفا محجوزا  حتى تنتهى القضية سواءا سلبا ام إيجابا .

كان رئيس النيابة ومعاونه من أروع الناس وتعاطفوا  معي للآخر وساعدوني قدر مايجب وكنت أشاهد لمعان العيون وهم يعاملون  فى بكل الأدب والأخلاق وكأننا نعرف بعضنا منذ عدة  سنوات  ربطتنا  أواصر الصداقة والأخوة منذ سنيين ،، حياكم الله تعالى بالخير 

إنتهى التحقيق على خير وسلامة وكان بالإمكان الحجز والحبس بسهولة مع أن الإتهام كان بقلب نظام حكم معمر القذافي تهمة خطيرة تؤدي بصاحبها الى الموت بسرعة من غير أي سؤال ولا تساؤلات ولكن رضاة الرب القدير منحني العمر وتجاوزت المحنة ، وقال لي الرئيس بالامكان سجنك حتى يستوفى التحقيق مع الجميع ولكن نظير حالتك الصحية سوف يتم الإفراج عنك مؤقتا حتى نستكمل بقية التحقيق والمطلوب منك أن تأتى كل يوم وتسجل أنك موجود، وقلت له لا أستطيع القدوم وأنت تعرف الحالة الصحية ،، وقال سوف نؤجل التسجيل كل أسبوع مرة وقلت له لا أستطيع أن أوعد بأن آتى حسب الوعد ،، وأريد الإفراج حتى أذهب إلى أمريكا للعلاج وسوف أرجع الى ليبيا الحبيبة وأبقى تحت تصرفكم 

وكان الرد الأمر لدى النائب العام يرجى مخاطبته عن طريق مدير مكتبه ، اذا وافق فلا مانع من ناحيتنا … وأطلق السراح وقال لي وهو يبتسم تفضل مع السلامة وراجعنا غداً حتى تأخذ رسالة الى مكتب النائب العام وخرجت وانا مسرورا سعيدا فقد نجحت وفزت فى الجولة الاولى ومازال الكثير حتى أفوز بالقاضية وتنتهى المباراة للأبد وننتهى من نظام الطاغية القذافي عن قريب بإذن الله عز وجل .

اليوم الثانى إستلمت رسالة توصية الى مكتب النائب العام وقابلت المدير وبعد أخذ ورد طمأنني أنهم سوف يفرجون عني مؤقتا لأسافر للخارج للعلاج بناءا على توصيات من وزير العدل وآخرين  وخلال أسبوعين من الجري من مكان الى آخر فى الإدارات وفقني الله تعالى وتحصلت على الإفراج بالسفر وشطب الاسم من على شاشة الحاسوب بالمطار .

وسافرت برفقة العائلة من طرابلس عبر قضاء ليلة فى مدينة فرانكفورت بألمانيا واليوم الثاني الى العاصمة واشنطن دس وكان إبننا مصطفى في الانتظار بالمطار ومنها بالسيارة الى مدينة فرجينيا بيتش حيث وصلنا بالليل للبيت الذى إشتراه من خاله حمدي الذى انتقل الى بيت جديد في أحد ضواحي المدينة العامرة القريبة من المدارس الراقية لدراسة أولاده .

قضيت عدة أسابيع فى المدينة من عيادة الى أخرى حسب أوامر الدكتور " قريفن "  للفحوصات الدقيقة من الدم ورسم القلب والقياسات العديدة وكان كل شئ سليم مع بعض التعديلات في الأدوية ،، وسافرت أنا والحاجة الى مدينة دالاس بولاية تكساس وكانت رحلة بالبر جيدة وقضيت عدة أسابيع أخرى فى زيارة لبقية العائلة والاستعداد لعمل فرح إبنتى الدكتورة أميمة وكان العريس أمريكيا أسلم على يدي فى الجامع الكبير حيث وافقت على الزواج لأننى مقتنع بالواقع أنه طالما مسلما يوحد بالله تعالى فلماذا التعصب والجهل ؟؟؟

حفلة العرس والفرح كانت بسيطة وحضرها معظم الجميع من الجالية الليبية والعربية الذين لنا علاقات وصداقات  معهم وحضر من طرف العريس الكثيرين من عائلته وكانت الحفلة والعرس مهم للتعارف والحمد لله تعالى مر كل شئ على أحسن مايرام، وفقهما الله تعالى ،،  ولدي حفيد الآن إسمه يوسف عمره سنتان …
رجعت حسب الوعد والعهد الى ليبيا مما إستغرب البعض من الرجوع من الذين قاموا بالتوصية على بالإفراج والسفر حيث كانوا يعتقدون أننى لن أرجع بعد التعب الذي وقعت فيه والحجز والحبس عدة أيام على ذمة التحقيق والمنع  وعدم السفر .

وكان الرد بسيط لأنني أومن ان ليبيا وطني لن أتركها مهما حدثت من أمور صعبة والسبب الثاني أنني أصيل لن أترك الذين ساعدوني في مهب الرياح والمساءلة يوما بسببي لأنني وعدت والحمد لله تعالى أوفيت بالعهد مما فرح الكثيرون 

لقد كانت تلك السنوات من أصعبها حيث كانت لعبة "غميضة "  بيني وبين نظام الشر والشرور ،  لم أرتاح يوما من النظام حيث كنت دائماً معلقا  بشكوك عديدة ، متهم ينظرون لي بنظرات العداء المستتر وفي نفس الوقت طليق داخل السجن الكبير ليبيا  بلا زنزانات ولا حراس يمنعونني من الحركة والتجوال وكان لدي الشعور الشخصي أنني دائماً تحت الرقابة  ،  أين ما حللت فهناك عين  ساهرة تراقب  كل حركاتي ،، وكنت حريصا فى كل تصرف بناءا على الممارسات والخبرات الأمنية التى إكتسبتها حتى لا أقع فريسة سهلة للأوباش الذين مثل الوحوش الكاسرة ينتظرون أي خطأ مني ، لكي ينقضوا وينهشوا

            رجب المبروك زعطوط 

البقية في الحلقة القادمة 
    

No comments:

Post a Comment