Sunday, October 11, 2015

قصصنا المنسية 55

بسم الله الرحمن الرحيم

 الغرفة رقم 101

 الحلقة الأولى


 يوم السبت 1987/7/18م حوالي الساعة 12 ظهراً، جلست وحيدا أنتظر قدوم أحد الرفاق القادم من ليبيا للإجتماع في غرفة بفندق شعبي في مدينة كوربس كريستي يملكه أحد الأصدقاء الذي إستضافني للإقامة لديه على خليج المكسيك في ولاية تكساس...  كنت محتاطاً أمنيا من المتابعة لعيون اللجان الثورية من الأوباش الذين يطاردون ويلاحقوننا نحن الليبيين الوطنيين الأحرار معظم الوقت حتى لا نرتاح في غربتنا، ونكف عن معارضة الطاغية... يريدون القضاء علينا بأي وسيلة كانت...  ولا أريد أن أذهب ضحية إغتيال في غفلة بطلقة رصاصة من مجرم مرتزق .

                 كان لدي ميعاد مهم للحصول على معلومات قيمة عمايحدث في ليبيا من خبايا وأسرار، تفيدنا في الصراع والكفاح، و في إنتظار حتى يصل واللقاء بعيدين عن الأنظار حيث تم التخطيط المسبق على اللقاء في السر والصمت والذي نظير ظروف أمنية للطرفين تغير عدة مرات الزمان والمكان في أضيق نطاق، وسرح بي الخيال في كثير من التصورات، ووجدت نفسي أدخن سيجارة وراء الأخرى راجعا بالذكريات إلى أيام العز بالوطن ليبيا، والراحة النفسية التي كنت أعيشها بالقرب من الأهل والأقارب والأصدقاء، والتي لم أتصور في يوم من الأيام بالماضي ولا حتى في الحلم مرت بالخاطر   أنني يوما سوف أهاجر من وطني هاربا تاركاً الجميع، وأصبح معارضاً مطارداً من زبانية الإرهاب، فرق الموت القذافية من اللجان الثورية المجانين ، في العالم الفسيح للقضاء علينا...

                    خرجت من الوطن وهاجرت من الظلم والغبن والإرهاب، حيث وجدت أيامها أنني غير قادر على المقاومة الفعلية من الداخل نظير سلب حرياتنا ونهب أرزاقنا، والتحكم في رقابنا، ونظرات الشك والإرتياب والملاحقة والبحث عن أي سبب كان مهما كان، للإتهام والقبض التعسفي من قبل أشباه الرجال من الوشاة اللجان الثورية التي إنضم لها الكثيرون من العوام عديمي الأصل والفصل والوطنية ، الذين ليس لديهم الحياء ولا الشرف والكرامة في المعاملة للرجال الوطنيين الأحرار تغطية للنقص الذي لديهم بالنفوس بإستغلال السلطات الفوضوية الممنوحة لهم من قبل الطاغية المجنون مما عاثوا في الوطن ليبيا الفساد والإفساد، والكثيرون من المعارف والأصدقاء الوطنيين أصبحوا مرضى بعلل وامراض مستعصية يعانون القهر وزمن الظلم والمظالم، أو توفاهم الله عز وجل شهداء نتيجة الإرهاب السجن والتعذيب القاسي عن  تهم ملفقة وهم أبرياءا مظلومين.

                   وقتها في تلك الظروف العصيبة التي مرت على الوطن من الهرج والمرج، كنت أعد الأيام والساعات، ,أتساءل متى يأتي دوري  ويتم القبض على للإستجواب في أمور كثيرة، نظير الصداقات والعلاقات مع الكثيرين الغير موالين للنظام وأنا أحدهم المشكوك فيهم، مما كنت على اللائحة الطويلة للمطلوب القبض عليهم بتهم تافهة وهمية،   عندما يحين الوقت على أمثالي من  رجال الأعمال.

                  والسبب في التأخير على ما أعتقد وقتها العيش والسكن في مدينة درنة المناضلة الصابرة بعيداً عن عيون الثورة لم يصلنا الدور بعد، التي تتابع الوطنيين للحفاظ على وجودها وبقائها في الحكم، و أصحاب القرار في  المدينة لم يلوثوا بعد بفيروس الطاغية القذافي وتراهاته وتعاليم الكتاب الأخضر التافه الذي كل من قرأه بالوطن او بالخارج ضحك وشعر ر بضحالة الفكر وأنه صادر من عقل مخبول مجنون .

                 هؤلاء المسؤولين الوطنيين من رجال درنة والمناطق حولها مهما قيل عنهم من نكايات وشرور غير ثابتة ولا دامغة، الكثيرون منهم كانوا رجالا عاقلين وبعضهم  ساعدني في التغطية بتزويدي بالمعلومات،  مما تجاوزت تهما كثيرة ودسائس حيكت ضدي جزافا ظلما وعدوانا ، والسبب أنني صاحب أملاك ومال ...  وكان مخططا كبيرا من أساطين الشر، للتسبب في إفلاس رجال الأعمال والتجار وأصحاب الأملاك الأثرياء،  حتى يصبحوا فقراء مع الوقت،   يمدون أيديهم رغما عنهم بدون دخل ولا مال إلا من اليسير للعيش،  ولا يتم مد يد العون والمساندة مستقبلا لأي دعم بالمال قد يحدث ضد التوجهات الثورية الهوجاء حسب  الإعتقاد لدى العقيد.

                    لم أجهز نفسي ولم أخطط ولم أتخذ الإحتياطات اللازمة، كما فعل  الكثيرون في هدوء صمت... لم اتصور  أننى في يوم ما سوف أضطر للهرب بسرعة في ليلة مظلمة،  خاوي الوفاض بدون مال ولا رصيد بالخارج للأيام الصعبة بالغربة ، رغم أنني أنا كان لدي المال الوفير بالداخل وأستطيع القيام بتهريب الكثير عن طريق المعاملات التجارية والتغطية عليها من غير أن يشعر احد. 

               ولكن حبي للوطن النابع من القلب والضمير لم أفكر يوما بتركه مهما كان الثمن غاليا  ولكن سبحان الله تعالى مغير الأحوال من حال لآخر، وجدت أنني مضطرا للهرب قبل أن يتم القبض علي، وليس مثل الشائعات الكثيرة التي ترددت من أبواق النظام أنني هربت العديد من الملايين، والأيام سوف تثبت صدق القول عن طريق المستندات وليس مثل الكثيرين من حواشي ومحاسيب الطاغية اللئام القطط السمان تهريب الاموال وتسمين الحسابات بالخارج بأرقام خيالية فلكية بالحرام والزاقوم وهي ملك للجميع وارزاق المجتمع.

               لم أخن وطني، ولن أكون خائناً تحت أي ظرف ومعطيات في أى وقت كان، لأنني أعرف وأعلم عن يقين أن مصير الطائر المهاجر، يوما سيرجع إلى عشه ووكره طالما كتبت له الحياة، وأنا مواطنا ليبيا مسلما موحدا بالله عز وجل والإسلام ديانتي وعقيدتي ومهما عشت بأوطان الآخرين من سنين في الغربة لن أتغير، مثل البعض التافهين حثالات ونفيات المجتمع أشباه الرجال الذين لقاء التلويح بالمال والجاه، أصبحوا عملاء للنظام باعوا الكرامة والضمير ومنهم للأسف الكثير.

                هاجرت إلى أمريكا وإستقريت بمدينة صغيرة على ساحل خليج المكسيك ( كوربس كريستي ) على الحدود فترة شهور، حتى خرجت العائلة من مطار بنينا بنغازي هربا بنفوذ ومساعدة البعض من المعارف الأوفياء، وكنت في إستقبالهم في روما إيطاليا، وبرضاء المولى عز وجل أعمى عيون زبانية الشر اللجان الثورية نظير التخبط والفوضى العارمة، ولم يحسوا ويشعروا بخروج وهرب العائلة حتى فوجئوا بالأنباء أنها في أمان بالخارج، وتم التحقيق مع جميع مسؤولي المطار على عدم الإهتمام واليقظة حيث تخرج عائلة  مطلوب عائلها حيا أم ميتا، زوجة وسبعة أطفال، بكل سهولة، عائلة معارض مطلوبا رأسه بأي ثمن كان.

                نتيجة هذا الحدث وأحداث عديدة أخرى وهروب الكثيرين من المطلوبين من الوطن ليبيا حيث بالمنطقة الشرقية تختلف إختلافا كبيرا في التوجهات عن الغرب نظير الجهل والعصبية الجهوية، مع أن الكثيرين أصولهم من المنطقة الغربية، حيث الولاء لله تعالى والقبيلة قبل الوطن، مما تم إلغاء السفر للخارج من بنغازي مطار بنينا، وتم التوجيه لجميع الرحلات الدولية من خروج وسفر للخارج والقدوم للوطن عن طريق مطار طرابلس الدولي حتى يتم الحصر والرقابة القوية الأمنية منعا للهروب المتواصل .

             أطلق الطاغية علينا لقب الكلاب الضالة، ووضعت قوائم بالأسماء المطلوبين وكنت أنا أحدهم في المقدمة وعلى لائحة المطلوبين للإعدام والتصفية الجسدية، والتهمة الهروب للخارج ورفضنا الظلم والنظام ، وتساءلت العديد من المرات مع النفس لو وقتها لم نهرب ؟ بقينا داخل الوطن مثل الآخرين وتحملنا القهر والظلم هل كنا سننجح في إفشال مخططاته وضربه عن قرب في عقر داره ... حيث إن الأيام أثبتت أنه من الخارج يصعب الوصول إلى الداخل والقضاء عليه شخصيا  وهو تحت الحمايات العديدة والحراسات الشديدة مما يستحيل الوصول له شخصيا !!!

               مر وطننا ليبيا بسنين سوداء قاتمة من الغبن والإرهاب وإلصاق التهم لكل من دب وهب مشكوكا فيه من غير ذنب وجيه القبض والعقاب القوي حتى يعترف كذبا وزورا تحت الضغوط الشديدة على البعض الشرفاء الوطنيين، والتجويع المتعمد بقصد مبيت لأبناء الشعب وعدم الإستيراد لكثير من السلع المهمة وتسلط الأفاقين من اللجان الثورية والشعبية والمحاسيب من العائلة على مقدرات الدولة حتى إستكان الشعب مضطرا غصبا عنه نظير الإرهاب والإفراط في العنف، وإستشهد الكثيرون تحت التعذيب القاسي من زبانية قساة القلوب بلا ذرة رحمة ولا شفقة بالنفوس يعذبون الضحايا حتى الموت وهم يتسامرون ويضحكون وكأن المتهمين حشرات ضارة وليسوا بشرا مواطنيين من حقهم الحياة .

             عشرات الآلاف من السجناء وراء القضبان بدون أي تهم ولا جريرة ولا عدل ولا قضاء وإنما ترضية للحاكم الطاغية وحقد وحسد من أي مواطن شريف من هؤلاء الحراس الأراذل المنافقين حديثي النعمة والسلطة، نظير تصفية حسابات سابقة، وعشرات الآلاف من المواطنين الشرفاء على مدى سنين الظلم والقهر، بوسيلة أو أخرى تمكنوا من النفاذ بالجلد هربا للخارج غصبا عنهم للحفاظ على الحياة .

              هربت من الوطن (قصة طويلة سوف يتم تدوينها) مثل الآخرين بدون أي تخطيط للغربة مسبقا معاهدا النفس أنني حسب القدرات وبالمتاح لن أتوانى عن الكفاح والمعارضة للطاغية الذي سرق أرزاقنا وطالبا رؤوسنا والموت لنا لضمان بقاء حكمه الملعون ونحن أبرياءا مظلومين، ولم أخرج للعلن والضوء على مسرح التحدي والمعارضة حتى ضمنت الزوجة والأولاد معي في الغربة حتى لا يتم الضغوط عليهم بالوطن ويستعملونهم سلاحاً فتاكا ضدي حتى أستكين وأرضخ وأرضى بشروطهم بأن أكون عميل عينا على الشرفاء الوطنيين!!!

              بدأت في الظهور وإنضممت لصفوف الرابطة الوطنية في مصر وأصبحت عضواً بمجلس إدارتها مع كثير من الإخوان عام 1980م برئاسة السيد مصطفى البركي الذي كان نعم الرجل المكافح، والذى ربطتني به أخوة وصداقة من القلب للقلب، عندما كنت في زيارة إلى هناك ولم أتحصل على تأشيرة عودة لأمريكا مما إضطررت للبقاء حوالي السنة عازباً وحيداً والعائلة في أمريكا معتمدا على وجود خال الأولاد حمدي المقيم معهم الطالب فى الجامعة ينتظرون الرجوع والقدوم سالما معافيا حتى تحصلت على تأشيرة عودة إلى أمريكا التي تم الرفض لى عدة مرات نظير الإشتباه فى الليبيين، وبمساعدة الأمير عبد الله عابد السنوسي الذي تعرفت عليه بالغربة بدون مصلحة ولا نفاق كما عمل الكثيرون أيام عزه فى ليبيا !!! وقضيت الوقت الطويل فى زيارات له شبه يومية ضمن بقية المعارف من رجال ليبيا الأوفياء المتقاعدين بالغربة.

               المساهمة المالية والتجميع للأصدقاء والمعارف لحضور المظاهرة الأولى للمعارضة في العاصمة الأمريكية واشنطن، والتي كنت ضمن الشباب مقنعين نسير في شوارع المدينة ونهتف بسقوط الطاغية وكانت بدايات لفضح النظام الليبي وتعريته أمام الرأي العام الدولي والصحافة الغربية فى العلن.

              وكنت من الداعمين وشباب الحركة الوطنية الديمقراطية عدة شهور برئاسة المناضلين السيد نوري الكيخيا، والسيد فاضل المسعودي، وضمن الفريق للتحضير للإجتماع الأول للمعارضة وسافرت من القاهرة في رحلة جوية على الخطوط الملكية المغربية مع المناضلين،  فاضل المسعودي وجمعه عتيقه، إلى الدار البيضاء، وتعطلت الطائرة في الجو، وسترنا الله عز وجل بلطفه وكرمه وإضطررنا للهبوط الإضطراري في مطار قرطاج بتونس، ولو هبطنا في مطار طرابلس لكنا لقمة سائغة للنهش من كلاب الشر، المخابرات واللجان الثورية، مما بعد الحادثة جميع الرحلات الجوية التي قمت بها، لا تمر عبر ليبيا تحسبا للهبوط الإضطراري كما حدث للكثيرين الأحرار المتهمين .

                 حضرت الإجتماعات مع العديد من الرفاق في منطقة المحمدية، وتطوان سبتمبر 1980م وكان الرئيس الفخري للإجتماعات منذ البداية، الحاج محمد عثمان الصيد رئيس الوزراء السابق في العهد الملكي والذي ربطتني به صداقة وأخوة مع فارق السن حيث كان صديقاً لإبن عمي جد الأولاد الحاج محمد زعطوط عندما كان نائباً في مجلس النواب الليبي في الستينات، وكان الحاج الصيد نعم الرجل في الوقار والرزانة والحكمة، يشرف ليبيا إنه أحد رجالها الشرفاء الأحرار الوطنيين من الجيل القديم الذي تعرفت به في الغربة ، أيام التحدي والصمود .

                 سافرت للعديد من الدول وحضرت كثيراً من اللقاءات والمؤتمرات والندوات مع المناضلين الشرفاء للمصلحة العامة وكيف التخطيط للخلاص من الكابوس الطاغية، وأثناء ذاك الوقت ونحن في المخاض مستمرين، حدثت إختلافات في وجهات النظر مع قيادي الحركة الوطنية نظير عدم الفهم في بعض الأمور الجوهرية، مما تركتهم بشرف حيث كانت مهمتهم التركيز على الإعلام ونشر صحيفة (صوت ليبيا) ومن وجهة نظري وقتها أن الأمور سوف تطول حيث مهما كان لدينا من مال وجهد للتحدي سوف ينتهي ونصبح على قارعة الطريق، وعقيدنا كل يوم يزداد غنى وثروة تفوق الحدود نظير الدخل من النفط !!!!

            وفكرت في تكوين تنظيم خاص لنا حتى نستطيع أن نعمل حسب رؤيانا وتطلعاتنا بالعمل المسلح في السر، وتم الإتفاق مع رفيق العمر وأخ الدهر جاب الله حامد مطر ، وتقابلنا في جنيف سويسرا طيلة أيام عديدة قضيناها في إجتماعات مستمرة وإتصالات مكثفة مع الكثيرين، وظهر للوجود تنظيم جيش الإنقاذ الوطني الليبي يوم 1981/1/6م، وأعطيته كل الوقت ولم أبخل بالمال والجهد وقضيت 5 سنوات من العمر حاملاً لحقائب السفر والترحال من مكان لآخر على حسابي الشخصي من أجل القضية النبيلة، بدون أي عناية كبيرة للعائلة الزوجة والأولاد تاركاً الرعاية للصغار على أكتافها وهم في أمس الحاجة لوجودي، وتعرفت بالكثيرين وتعلمت الكثير، ومازلت أتعلم طالما بي نفس حياة، حيث قضيتنا مستمرة إلى أن يأتي اليوم للتمرد والثورة والخلاص عن قريب، والله الموفق.

 رجب المبروك زعطوط

1987/7/18م

Sunday, October 4, 2015

قصصنا المنسية 54

 بسم الله الرحمن الرحيم

 خواطر عن أمريكا


 مرت الأيام الأولى من شهر مارس عام 1988 م وأنا في أجازة جبرية بالبيت في فرجينيا بيتش بأمريكا ، حيث قررت الخلود فيها إلى الراحة البدنية وعدم السفر والترحال لفترة من الوقت وتنقيص المصاريف وتفادي زيادة الإلتزامات وتجنب الغرق في الديون التي تتكاثر نظير الحفاظ على العيش بكرامة...  معطيا للنفس حقها في أجازة طويلة حتى أرتاح من التعب والإرهاق في سبيل القضية الوطنية النبيلة... حيث كنت تاركا بالسابق الهم  على كاهل الزوجة الوفية،  والأولاد بدون رعاية وحنان كما يجب وحقهم علي أن أكون بقربهم وقت طفولتهم وصغرهم والبعض منهم في سن المراهقة الصعبة التي تحتاج إلى رعاية كبيرة !!!

               تركت أمهم تحل مكاني وأنا حي أرزق، وتصبح الأم والأب معا في رعايتهم وتربيتهم والأخذ بيدهم طوال الوقت مما تعلقوا بها وأصبحت مع الوقت غريبا ضيفا بالبيت بدون التواصل معي وطلب أي شئ مني في أمور كثيرة تخصهم ، وكان هذا الأمر خطئا كبيرا وسوء تصرف مؤسف قمت به حيث وجودي بالقرب منهم وبينهم مهم جداً!

        أثناء وجودي بالبيت كل يوم يفاجئني قدوم الرسائل العديدة بالبريد والتي معظمها فواتيرا للسداد، مما أضعها في السلة على المكتب بدون فتح حتى لا أفاجأ بالأرقام المطلوبة سدادها مع أنها بسيطة والتي لو جمعتها كلها لأصبحت رقما كبيرا... أنا عاجز في الوقت الحاضر على السداد، حيث السيولة ناقصة في هذه الأيام الصعبة، وأنتظر  مبلغا مالياً تم تحويله من الخارج مقابل دين سابق على احد الرفاق، ولم يصل ويصبح في الحساب المصرفي بعد!  وأنا أنتظر،  أعد الايام قائلا للنفس لماذا الحوالة تأخرت من الخارج ولو كان التحويل في أمريكا يصل خلال ساعات حتى أقوم بالسداد دفعة واحدة لجميع الالتزامات والفواتير المكدسة  وأرتاح من الهم والغم الذي كل يوم يزداد ضغطه ومعاناته وأنا أسيرا مكبلا بالقيود والهم والغم بالليل والمذلة بالنهار بالغربة .

                 حيث كل خطوة خطوتها في المدة الأخيرة في العمل لم تحقق النجاح كما توقعت،  وخططي باءت بالفشل. فالوضع العام الإقتصادي في أمريكا يمر بمرحلة صعبة وشلل وخسائر لمعظم الشركات وكساد قادم يطرق على الأبواب بقوة في مدينة فرجينيا بيتش بولاية فرجينيا وجميع الولايات الأخرى، ولا أحد يعرف إلى أين سوف تؤدي هذه الكوارث والأزمات المالية بالكثيرين من رجال الاعمال والتجار الذين يعتمدون على حركة السوق في النماء والرواج والدورة المالية تدور ويستحيل  التوقف وإلا حل الخراب والدمار للكثيرين ضعاف الرأسمال،  متسائلا مع النفس في حزن، إلى أين المسيرة سوف تصل؟  سبحان الله الكريم حيث لا أعلم الغيب ولا الذي سوف يحدث بالمستقبل القريب أو البعيد؟؟ ولكن تاركا الأمر له!! هو المفرج للأحوال والهموم عندما يرضى في لحظات وليست ساعات ولا أيام وشهور .

                الساعة الثامنة مساءا وصلت الزوجة للبيت بعد أن أغلقت باب المتجر (البوتيك) الذي نملكه لبيع الملابس والأحذية والحقائب اليدوية الجلدية للسيدات والكثير من الأشياء النسائية من أفخر الأنواع وآخر الصيحات بأوروبا، وسألتها  السؤال العادي الذي   أردده كل يوم : هل من مبيعات اليوم وسيولة لدفع المصاريف الحياتية؟ وترد علي بسخرية وأسف وتقول لا تسأل، السوق في كساد وموت بطئ ولا بيع لأي شئ طوال الوقت، حضرت البعض من السيدات وكلهن يتطلعن للمعروضات معجبات ولكن عاجزات عن الشراء.

             وقلت لها لعل الأسعار عالية؟ وقالت الأسعار مناسبة جدا ولكن السوق كل يوم يتضاءل وفي كساد...  وفي مجمع السوق الكبير حيث محلنا كل يوم يقفل أحد المحلات نهائيا من غير فتح الأبواب، وصاحب المطعم الكبير (الملعقة الفضية) بجوارنا أقفل الأبواب نهائيا وتغيب عن العمل غير قادر على دفع المصاريف الضخمة المستحقة للأيدي العاملة والإيجارات والمصاريف العامة التي بدون حساب، حيث لا زبائن مثل السابق يترددون وزحام كبير على الحجز، وسمعت همسا من أصحاب المحل المجاور لنا، أنهم آخر الشهر سوف يقفلون المحل، وينتقلون إلى مدينة أخرى عسى أن تتاح لهم الفرص للنجاح ،  مما السوق سوف تقفل فيه محلات كثيرة وبالتالي يخف الرجل والحركة للزبائن على المجمع... ففي المدينة عشرات الأسواق والمجمعات التجارية في كل ضاحية و ليست سوقا واحدة .

                هذه المشاكل العديدة سببها الإنهيار الكبير لسوق الأوراق المالية في نيويورك (البورصة) العام الماضي يوم الإثنين الذي سمي باليوم الأسود من أكتوبر 1987م .... فقد تمت خسارة المليارات وإفلاس معظم المضاربين خلال ساعات قليلة ، وأنا كنت أحد الضحايا ضمنهم، فقد خسرت الكثير من المال ، الرأسمال والأرباح ، مما ضاعت السيولة التي كانت لدي دفعة واحدة في ساعات ومرضت يومها فجأة من القلب لأول مرة ، نتيجة الصدمة القوية الغير متوقعة ... وبالأخص في الغربة وعلى عاتقي مسؤوليات كبيرة عائلية محتاجة لكثير من المصاريف ، ومازلت تحت العلاج ، وأعاني من  المصائب والصعوبات و سوء الحظ نظير الآثار للخسارة العميمة التي حلت على رؤوس الجميع وأنا كنت للأسف من بينهم !!! !


               معظم رجال الأعمال والتجار والأفراد العاديين الأمريكان، لهم طرق غريبة في التخلص من الديون لا تتماشى معنا نحن كعرب، عندما يعجزون عن الدفع، يعلنون الإفلاس الرسمي عن طريق المحكمة ، وبالتالي يتحايلون على الدفع وإنقاذ مايمكن إنقاذه من الأصول المادية بحكم القانون، ويدفعون نسبا بسيطة لقاء المبالغ الكبيرة التي تم العجز عن سدادها .

               يتخلصون من الماضي و مشاكله وهمومه وغمه بتوقيع ورقة ، ويبدؤون من جديد بأسماء أخرى جديدة وكأنه لم يحدث أي شىء...   أما نحن الغرباء المهاجرين العرب المسلمين المقيمين نظل على نفس مبادىء العالم القديم بدون تجديد ولا فهم للطرق الغريبة في نظرنا، ويستمر الغريب يناضل ويكافح ضد التيار الجارف على أمل الفوز والنجاح عسى أن يعوض الأمر حتى آخر رمق خوفا من الفضيحة، وبالتالي يضيع كل رأس المال ولا يستطيع النهوض من جديد إلا بعد عدة سنوات ، نظير التعنت وعدم مجاراة الآخرين والإستفادة من القوانين .

           كل يوم قضيته في أمريكا أحاول تعليم وتثقيف النفس قدر الإستطاعة والمعرفة والفهم حيث لم تتاح لي الفرص بتكملة الدراسة في الجامعات كطالب منتظم أو منتسب حيث ليس لدي وقت الفراغ المناسب لأتابع الدروس لأنه كنت طوال الوقت مشغولا بالقضية الوطنية ، وفي ترحال وسفر عبر القارات في حضور الإجتماعات واللقاءات الوطنية ، حتى أتحصل على شهادات جامعية تفيدني يوما من الأيام، وكانت خطئا كبيرا من أخطاء العمر لا تعوض ولا تغتفر ! 

              كنت أمضي  ساعات وقت الفراغ في الإطلاع على البرامج العلمية في بعض القنوات المرئية ، وأتابع الندوات السياسية وخصوصا قناة مجلسي الكونجرس محللا كيف يتم الحديث والردود وقوة الحجة والإقناع، مما بعد مرور الوقت في المتابعة والإطلاع والمثابرة والقراءات المستمرة للكتب الدسمة بالمعلومات ، تعلمت الكثير، توسعت المدارك وأصبحت ملما بكثير من الأمور السياسية، والتحليل لأي موضوع عابر يخص وطننا ليبيا بسهولة في نطاق المعرفة والفهم بطرق علمية يعجز عنها الكثيرون من أدعياء النضال والسياسة الليبية في المعارضة،  مع أن الكثير منهم  لديه شهادات جامعية عالية في تخصصات معينة ولكن إذا كان المسار يختلف في الطرح وليس في الإختصاص،   عندها يغرقون في شبر من الماء كما يقولون ، حيث ليست لديهم معلومات عامة كبيرة كثيرة دسمة تشفي الغليل ولا الشجاعة الأدبية في الإعتراف بالعجز في الموضوع نظير الكبر والجبروت، أليس الأمر بمؤسف ؟؟

               الميزة الكبيرة في أمريكا مساحتها الشاسعة وكثرة الولايات التي عددها 50 ولاية، وكأنها 50 دولة مجتمعة مع بعض ضمن الحريات والقانون الفريد المميز الذي يضمن حقوق الجميع ويحفظ السلام والأمن والأمان للمواطن والغريب....   ولايات فقيرة بها العجز والإفلاس وولايات تجاهد قادرة على السير ببطء، وولايات غنية تأثرت الأعمال فيها قليلا ولكن قادرة على الصمود والسير ضد التيار، محافظة على الاستقرار الإقتصادي بسهولة متناهية لمواطنيها نظير قوة الدخل والموارد الموجودة فيها... حيث يحتاج الغريب المهاجر إلى معرفة القوانين بدقة وطريقة التفكير والعقلية الأمريكية في البيع والشراء حتى يستطيع أن يتعامل مع السوق ويحقق الأرباح ويستفيد من القوانين في حالة العسر والغسرة ، الضيق أو الإفلاس .

              أمريكا وطن اللبن والعسل، وطن الفرص والنجاح والإثراء، لا أحقاد وحسد للغرباء عند النجاح والإثراء الكبير كما في أوطاننا العربية ... حيث يحتاج المهاجر إلى عمل دؤوب جاد ودخل يغطي المصاريف ضمن القانون حتى يقاوم الجرف وينجح مع الوقت إذا ساعده الحظ وفتحها الله عز وجل في الوجه ويصبح من الأثرياء بسرعة نتيجة التطور والتجديد  اليومي والمتواصل.

              ونصيحتي الثمينة  والتي دفعت الثمن الغالي فيها نظير الأخطاء العديدة، أن لا يوقع المهاجر على أي عقد ومستند مهما كان بسيطا حتى يستشير المحامي في الأمر، حيث أن خطئا بسيطا ممكن أن يجر الإنسان الغافل إلى المحاكم التي لا ترحم المغفلين... حيث كل إنسان مواطنا أم مقيما غريبا عبارة عن رقم في الحواسيب ضمن الضمان الإجتماعي ، وليس كأوطاننا العربية يعتمد على المركز وإسم العائلة والتجاوزات والمقابلة الشخصية والعواطف البشرية، والتحايل على القانون بحجة المعارف والواسطات والتأجيل الطويل ودفع الرشاوى الباهظة، وبالتالي نحن الشعوب العربية تدهورنا للقاع بدون نهوض وتقدم...  نتيجة التخلف والتأخر والمحسوبية .

             كتابتي لهذه الورقات وبالأخص عن أمريكا ، تعبيرا  لها عن حبي وإحترامي العميق فقد آوتني وقت الضيق، وحفظتني من العدو الطاغية القذافي و زبانيته وشطحاته وأنا مناضلا غريق، عندما تم الطلب الرسمي عن طريق البوليس الدولي (الأنتربول) للتسليم، رفضت الأمر ، ونحن معظم العرب الأصيلين ذوي الجذور أبناء العائلات الكريمة نحافظ على الجميل، وفضل أمريكا دينا على العنق والنفس طوال العمر لن ينتسى كما يفعل الكثيرون المنافقين ذوي المصالح، ولن أنساه طالما بي نفس ورمق حياة، وسأعمل جاهدا على تقريب وجهات النظر في حالة الرجوع يوما منتصرا للوطن، حيث الفرق كبير بين التغطية الإعلامية في القنوات المرئية والإعلام المأجور، وبين الواقع المرير الذي تعلم الإنسان المهاجر المقيم فيها والذي قاربت المدة لدي حتى الآن حوالي ربع العمر مقيما شرعيا مواطنا فيها تعلمت الطرق السليمة وكيف أفكر بالمنطق بالعقليتين العربية والأمريكية معا بعقل متفتح بدون تعصب وتزمت والإنحياز لطرف دون الآخر نظير الإعلام العربي السابق الجاهل في أوطاننا قبل الغربة وبعدها في الطرح مما سبب الكراهيات وتضييع الوقت من غير أن ندري .

              الله تعالى يسامحها على كل لحظة أقمت فيها وعشت و تنسمت فيها هواء الحرية وشعرت بالأمن والأمان، ومهما شكرت لن أوفيها حقها من الإحترام والتقدير، فهي الوطن الحالي لنا، الذي كل انسان بالعالم يتمنى ان يهاجر ويقيم ويعيش فيه نظير الحريات بدون حدود وفرص النجاح لأي غريب حيث لا فرق بين مقيم ومواطن مهما كان طالما ضمن القانون...  والله الموفق... 

     رجب المبروك زعطوط

 1988/3/5م

قصصنا المنسية 53

 بسم الله الرحمن الرحيم
 خواطر المرض

قضيت أسبوعا طريح الفراش مريضا بالحمى، حيث   أصابتني أنفلونزا حادة، مما جعلت الجسم يتهاوى فريسة الإعياء ويسقط من الضعف، غير قادر على الوقوف مثل العادة والرأس يكاد ينفجر من الصداع والألم ولا أستطيع السمع إلا بصعوبة، والرشح من الأنف كرذاذ المطر بدون توقف، والدمع ينهمر من العيون طوال الوقت، وشعرت بضعف شديد وإعياء كبير وعدم قدرة على الحركة أو التفكير الهادف الصحيح فقد أصابني الهذيان وعدم التركيز .

              الأعصاب مشدودة على الآخر من مشاكل عديدة حدثت نتيجة التسرع في إتخاذ بعض القرارات المصيرية وأكاد أجن من الإرهاق والقلق والضيق ينتابني بسرعة من الأصوات العالية وبالأخص في البيت العامر بالعائلة والآخرين من الأقارب الشباب المقيمين في ضيافتي لغرض الدراسة... حيث جميع المنافذ قد سدت في وجهي كسدود منيعة صعب تجاوزها بسهولة ولم أجد الراحة في الغربة كما كنت أعتقد، أعيش صابرا على مقادير القدر فقد عملت ما بوسعي حسب الجهد والقدرات، والباقي تركته على الله عز وجل فهو المسير للأمر طول الوقت .

              معظم الأيام الأخيرة قبل المرض قضيتها ساهما لوحدي مع النفس، أعيش في صمت لا أريد الكلام ولا كثرة  الحديث والنقاش، تجتاحني كآبة وأسف محاولا قدر الإمكان طردها والتخلص منها حتى لا تستمر طوال الوقت وتصبح مزمنة، وعندها المصائب تزداد ولا تتوقف، صعب الخلاص منها...  متسائلا مع النفس أخطط وأبحث عن أجوبة شافية، ماذا فعلت  لهؤلاء الأولاد والزوجة، حيث خاطرت وأحضرتهم لهذه الغربة البعيدة،  أمريكا، بدون سند ولا أهل ومعارف الا من القلائل، أفكر بقوة متسائلا مع النفس في حسرة وخوف  كبير عليهم طوال الوقت الذي يمر ببطء من غير أن أصل إلى إجابة مقنعة ليرتاح الضمير... لو حدث شىء لي وإنتقلت لرحمة الله عز وجل وفارقت الحياة، سوف يتعبون وهم مازالوا صغارا بالسن ، لم يتمرسوا بالحياة بعد!

            الله تعالى يجازي، الطاغية القذافي، الذي كان السبب في الهجرة القسرية ، رغما عني،  من وطني،    ولو تأخرت لكنت متهما وسجينا بالسجن مهانا تحت التعذيب والقهر أو أشلاءا في القبر !

              أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم على الوسوسة الخبيثة بالفكر نتيجة الهذيان ، ذاكرا عظمة الرب الخالق معللا للنفس أن كل إنسان حي رزقه على الله عز وجل وما أنا إلا عبارة عن وسيلة وجسر لعبور الطريق إلى الحياة المتشعبة من خير وشر، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة كما يقول المثل الشعبي، حيث المعنى الحقيقي لهذا المثل، مطلوب من الإنسان الجد والعمل بلا كلل حسب القدرات والجهد، ولا ينام ويتوقع حصول المعجزات بدون أن يقدم ويدفع الثمن. الرب الرازق سوف يعطي ويهب العبد المؤمن الصابر المكافح من أجل العيش بشرف محافظا على الدين بقناعة وإيمان راسخ من الروح والقلب ، ذو قيم المولى العاطي الوهاب يدهشنا  بالمن والعطاء، وقد مررت بالماضي بالنعم، وأصبحت من الأثرياء في فترة وجيزة من الزمن في مدينتي درنة بليبيا حسب ذاك الوقت والمعطيات منتصف الستينات وأنا مازلت في بدايات فترة الشباب !!!

              جميع الأمور في مسيرة الحياة العملية التي مررت بها عمل مستمر،  جهاد وكفاح ، مررت بأفراح وأتراح كثيرة حتى الآن فأنا مسيرا ولست مخيرا ...  أراجع النفس عن ماذا فعلت ؟؟ هل بقرار الهجرة والهرب من ليبيا قد أصبت أم تسرعت ، إنني لا أعرف ؟؟ لكن النفس مرتاحة بها طمأنينة تامة وشعور غامر روحاني إنني لم أخطىء القرار والقدوم لأمريكا، ولكن لدي بعض الأخطاء التي جعلتني أندم على فعلها، وهذا هو السبب في الضيق والقلق، أما عن الوعكة الصحية والمرض بالحمى فهو شىء طبيعي يمر ويحدث طوال الوقت على أي إنسان بأي مكان كان، يحتاج للراحة والعلاج حتى يتم الشفاء بإذن الله عز وجل .

              ساعة العسر والضيق بالغربة تطلعت ولم أجد الرفاق الذين بالسابق كانوا عشرات ملتفين حولي مثل السوار على المعصم بدون فكاك ولا خلاص منهم مهما فعلت وحاولت نتيجة الرياء والنفاق من البعض. تطلعت ولم أجد أي أحدا منهم بجواري في الغربة يؤنسني ويخفف آلام المرض والهم والغم عني، وقلت للنفس سبحانك رب العالمين لو إحتجت لهم ماديا أو نصرة ضد عدو ، فما العمل ؟؟ حيث لست طالبا عونا ولا مالا منهم، لكن طالب تسرية نفس وحديث من القلب للقلب ورفقة أخوة نابعة من الضمير بشفافية وبصدق، حتى أشعر بالطمأنينة وأنني لست أصارع المرض والوحدة بالغربة لوحدي فلدي إخوان وأصدقاء وقت الحاجة.

             وكانت هذه "الغسرة"، الضيق والمرض درسا مهما تعلمته من الدروس للتوعية مهما دفعت فيها من أموال ، ليس لها ثمن حتى أتعلم أن لا أخطىء بالمستقبل وأندفع في مغامرات غير محسوبة بدقة، وبالأخص مع البعض المنافقين الذين صداقتهم ورفقتهم عبارة عن مصالح ونفاق، الضرر فيها أكثر من النفع .

              هذه الأيام الصعبة بالغربة لن أنساها طالما حييت، طالبا من الله عز وجل أن أتخطاها بسلام وأن تكون آخر التعب والأحزان، فأنا أسطر هذه السطور العديدة بسرعة من غير تدقيق ولا فحص بل أكتب وأكتب ممسكا بالقلم بيدي بقوة وأسطر بسرعة واضعا القلق والهم والغم على الورق حيث لا يتكلم وينطق ولا يشتكي ... أعبر عن ما يجيش بالنفس من خواطر وإنفعالات جياشة عن تدني الكثيرين من البشر الذين يحسبهم الإنسان إخوة ورجال، وأثبتت الأيام أنهم أشباه رجال منافقين متسلقين ذوى خداع يرتدون أقنعة جميلة حسب المصلحة والأمر. إعتقدت أنهم أوفياءً،  وهم صعاليك ونفايات المجتمع!

              أليس بشىء مؤسف من هؤلاء الأدعياء المنافقين الذين يلعبون على الحبال؟  فقد تعودت على القيم والكرامة وعدم مد اليد وإراقة ماء الوجه لأي إنسان مهما كان، فالعفة والشرف هو الأساس والمقياس الذي يقاس به الإنسان الشريف، هكذا تربيت في بيت العائلة والوالد رحمه الله تعالى،الحاج المبروك ، هو الأستاذ الأول والمثل الأعلى لي في تعليم الدروس القيمة التي الإنسان لو أخذ بها وطبقها التطبيق الصحيح لن يتعب، و يستطيع مواجهة الزمن  وقت الأزمات أو الخطر...   ولكن للأسف خدعت نظير طيبة النفس والعواطف وحب الخير والصدق في القول والإخلاص في العمل والعهد والوعد، فجميع هذه الصفات توجد عند بعض الشرفاء الصادقين مع الله تعالى وأنفسهم...  أما الكثيرون فقد ذابوا وتلاشوا مع الأيام ومرور الزمن بسرعة من غير أن ندري أو نشعر بهم... يعتبرون هذه الأوصاف الجيدة والقيم والأخلاق الحميدة بالية قديمة لا تصلح لهذا الزمن... همهم النجاح والفوز والوصول للقمم بأي ثمن كان وللأسف على حساب الكرامة !!!

              الغربة لها ثمنها القاسي وبالأخص للإنسان السياسي المناضل الذي  يبقى فكره مشغولا بقضية الوطن طوال الوقت،  بالجهاد والخلاص من الطاغية للرجوع في أقرب وقت منصورا ، مما تتعطل الطاقات ولا يعمل ويكافح بالعرق في وطن الغربة ليعيش، ولا يستطيع الرجوع لوطنه الأصلي في حالة الضيق والإحتياج حيث هاربا ومطاردا وبالتالي يضيع بين البينين ويضطر على العيش في الهم والغم ، وهذا الأمر قمة المأساة ، والحزن للغريب .

             شهدت بساحة الغربة خلال العقود السابقة والسنوات الماضية على أحداث رهيبة ومآسي محزنة نتيجة شائعات أطلقت على مهاجرين مناضلين شرفاء ونظرات الشك وأصابع الإتهام وجهت لهم من الجميع نظير الخبث والدس من أدعياء النضال الذين يدسون في االسر والعلن ، يعملون من الحبة قبة ، حتى تصفى الساحة لهم من الوطنيين الشرفاء، حيث يستغلون ويستعملون القضية الوطنية النبيلة كورقة للإبتزاز وقبض الهبات والدعم من الدول لقاء العمالة وتمرير المعلومات !!! والجماعات والأفراد المحسنين المتعاطفين مع القضية ، يعيشون أحسن العيش على حساب الآخرين في أمجاد زائفة، ناسين متناسين أنهم يأكلون ويطعمون عائلاتهم مالا حراما زاقوما، في يوم ما  سوف يرجع عليهم مهما طال الزمن والوقت بالدنيا أم بالآخرة بالضرر !!!!! .

              قصتنا نحن الليبيين الغرباء المناضلين المطاردين بأوطان الغربة، قصة طويلة تحتاج إلى شرح كثير، والجميع من الشرفاء الوطنيين الصادقين بالغربة الذين مارسوا السياسة من عظيم الشأن إلى قليله وصغيره ، قدموا الثمن الغالي ومروا بدرب المعاناة والضيق، الهم والغم بطريقة أو أخرى ،  طالبا من الله عزوجل الشفاء العاجل في أقرب وقت ، وأن نصل إلى تفاهم بشرف،  لا غالب ولا مغلوب  لأي أحد للمصلحة العامة ويتحد الجميع مع بعض يدا واحدة ضد العدو الطاغية الرابض على أكتاف الوطن عسى أن نلحق به الضرر البليغ ونرتاح منه بالأسر ومحاكمته في العلن أمام الجميع على كل الشرور في عهده المشئوم الأسود،  بالعدل والقانون، أو القتل وإزالته من الحياة وخريطة الوطن المستباح من الأشرار بأمر الله تعالى حتى نهدأ وترتاح نفوسنا من الهم والغم والمطاردات حتى نعيش مرتاحين ونرجع منصورين إلى وطننا، ليبيا الغالية،   عن قريب...  والله الموفق .

            رجب المبروك زعطوط

 1988/5/2م

Sunday, September 27, 2015

قصصنا المنسية 52

بسم الله الرحمن الرحيم

 التقاعد عن العمل السياسي

  يوم 2011/10/20م كان من أسعد الأيام في تاريخ ليبيا المعاصر في القرن الحالي الواحد والعشرين وفي حياتنا نحن المواطنيين الليبيين الوطنيين الأبرياء الذين إكتوينا بنار الإرهاب والظلم من نظام فوضوي ليس له أساسات ولا قواعد صلبة للحكم بالعدل ضمن القوانين.... أخذ أعمارنا وزهرة شبابنا التي ضاعت وتلاشت ولن ترجع مثل السابق، حيث تم قصف رتل السيارات الذي كان يغادر مدينة سرت من طرف أحد طائرات التحالف ، مما تفرق إلى أجزاء للتمويه  والإخفاء وتم القبض على الطاغية القذافي بالصدفة بعد حصار شديد على المدينة من جميع الطرق محاولا الهرب إلى الجنوب إلى الصحراء الواسعة،  فارا من ساحة المعركة مع البعض من أعوانه الثقات محاولا النجاة بالنفس.

               آسريه الثوار الشباب لم يرحموه في ساعة الهرج والمرج والفرحة بأسره ، وهم يسبونه  ويلعنونه بآلاف اللعنات واللطم بالأيادي على وجهه الكريه الحقيقي بعد أن زال الشعر المستعار عن الرأس والأصباغ ومواد التجميل عن الوجه القبيح، وهو يتوسل لهم راجيا الحفاظ على حياته بحجة أنه كبيرا في السن وفي عمر آبائهم، ناسيا متناسيا أعماله وجرائمه الشريرة وفساده في الحرث والنسل في الوطن والعالم الخارجي على مدى حوالي 42 عاما من حكم ليبيا المطلق بدون أي مراجعة عاث فيها الفساد والإفساد.

            وتم قتله شر قتلة وأسدلت ستائر المسرحية الهزلية للأبد التي ألفتها وخلقتها القوى الخفية الشريرة الدولية وساندها الغرب من البداية إلى النهاية،   لقاء المصالح ، المدة الطويلة والإستنزاف للمجنون لخيرات ليبيا حتى لا تنهض، ونحن أبناء الوطن الليبيين الوطنيين دفعنا الثمن الغالي من القهر والتمثيل والتدجيل والكذب وصرف الأموال في غير طاعة الله تعالى والشعب محتاج يمد أياديه إستجداءا لكثير من الأشياء من الألف وعلى رأسها الحريات والصحة والتعليم إلى الياء.

                  ومن وجهة نظري مات الممثل الوحيد بدون منازع، ولا من ينافس في وقتنا الحاضر أو حتى بالمستقبل ولا يستطيع إتقان الدور في المسرحية الهزلية الساخرة القاتلة أي ممثل آخر وصعب إيجاد البديل بنفس المواصفات المطلوبة مثله من الجنون والغرور بالعظمة والأحلام الخيالية التي صعب تحقيقها على الواقع بسهولة ويسر.

                  اشرقت االشمس بالضياء وهطل المطر الغزير في جميع ربوع ليبيا رحمة من الله تعالى وكرما على الشعب الفرح بالنصر على التطهيرمن رجس الشيطان الرجيم من على كاهل الوطن ، وعمت الفرحة والإحتفالات في كل مكان وكأننا في أعراس دائمة وزفاف لشهور غير مصدقين ولا متوقعين ان الحلم أخيرا تحقق والثوار الأشاوس الأسود الوطنيين وليس الأدعياء أشباه الرجال المنافقين الذين ركبوا موجة الثورة أثناء الهرج والمرج والفرح بالنصر... الثوار الوطنيين الحقيقيين الذين نفذوا المهمة على أكمل وجه محققين الهدف المطلوب والخلاص من الطاغية بالتضحيات والدم لآلاف الشهداء والجرحى والمعاقين .

                أخيرا تحقق الهدف النبيل والحلم الذي جاهدت من أجله وعارضت النظام طوال 33 عاماً بكل شدة وعنف جميعها مغامرات ومطاردات في أوطان العالم من قبل فرق الموت اللجان الثورية والنجاة من محاولات الاغتيال والتصفية الجسدية، وملاحقة البوليس الدولي (الانتربول) بالقبض وإلإرجاع بالقوة تحت الحراسة إلى ليبيا بناء على الطلب من حكومة القذافي لأمريكا، ولكن أمريكا دولة قانون رفضت التسليم بدون إثباتات دامغة .

               وكان عمل الخير ورضاء الله عز و جل والوالدين ، هي التي  حمتني طوال الوقت ونجوت  من الشر والقبض... ليلة مصرعه كنت في تونس والمفروض أن أكون حاضرا في العاصمة الليبية ولكن تأجلت الرحلة نظير إعطال وإغلاق المطار في طرابلس من إستقبال الطائرات القادمة والمسافرة خوفا من ان تصاب عشوائيا في  الهواء من كمية الأعيرة النارية التي تطلق لأعلى من من جميع أبناء الشعب، تعبيرا عن الفرحة والنصر وهلاك الطاغية ...  وكانت ليلة سعيدة من أسعد ليالي العمر حيث نمت هانئ البال طويلا في راحة بدون قلق كما كنت بالسابق طوال الليل ساهما ضمن الهم والغم من آي حدث قد يحدث في أي وقت ويتم القبض علي كما حدث  في العديد من المرات السابقة  !!!!

           وتم الاتصال الهاتفي مع فرج إبن أختي في طرابلس لإستقبالنا في الحدود الغربية القريبة من طرابلس العاصمة، واليوم الثاني غادرنا تونس العاصمة إلى جزيرة جربة ، في الجنوب التونسي ،على متن  طائرة صغيرة (فوكر) وكان معي إبني الكبير مصطفى للرعاية والحراسة والرفقة وهبطنا في المطار الصغير وكانت أول مرة تطأ فيها أقدامي أرضها، وتم تأجير عربة نقل (تاكسي) ليقلنا إلى الحدود وكان السائق التونسي ودودا مرحا من أهل المنطقة ولم نتعطل في البوابات التونسية العديدة حيث لديه معارف بدون حدود ومررنا بسرعة أمام مئات السيارات الليبية الواقفة في طوابير تنتظر الدور في الرجوع إلى ليبيا، حتى وصلنا إلى رأس إجدير والبوابة الأخيرة التونسية ودعنا السائق وحملنا حقائبنا وبعدها بخطوات قليلة عبرنا إلى البوابة الليبية والجميع فرحى وكان ابن أختي فرج ومعه عديله الضابط بالشرطة في الانتظار.

               بعد رحلة جميلة، وصلنا إلى طرابلس ونحن مشتاقين لرؤيتها بعد الخلاص والنصر ، ومررنا على معسكر العزيزية قلعة الطاغية الحصينة بالسابق وكانت أسوارها مهدمة ومبانيها بالداخل معظمها أطلالا من قوة الرماية بالنيران بالقنابل والصواريخ التي أطلقت عليها...  وقلت للنفس سبحانك رب العالمين بالأمس القريب كانت الإنوار تشع فيها طوال الليل والنهار والحرس شاكي السلاح في كل مكان يراقبون ويحرسون من الأبراج العديدة والجميع من أبناء الشعب يمرون على الطرق حولها بسرعة يخافون من التوقف في الطريق بجانب الأسوار وخاصة عندما تتعطل أي  سيارة  لظرف ما ، الحراس من الخوف والرعب من أي عمل فدائي قد يحدث، بناءا على الأوامر الصارمة التي لا ترحم ولا يتم التأكد، كانوا يطلقون عليها الرصاص بدون أي  سؤال ... وقد توفي الكثيرون عبر السنوات قتلى من الضحايا الأبرياء نتيجة سوء الحظ وعدم المعرفة.

             كنت ارغب في الإقامة بأي فندق في وسط المدينة، حيث لا نريد مضايقة أي أحد ولكن قريبي فرج أصر على الإقامة معه في بيته مما فعلنا. أقمنا فترة أسبوع في ضيافته وكنا كل يوم نخرج في جولات نشاهد على الطبيعة الدمار والخراب في بعض الأماكن من القصف الجوي القوي  للتحالف لشل حركة قوات وجنود القذافي المرتزقة ، ونسمع العديد من  القصص  والتي اعتقد انه أضيف على معظمها الكثير من المبالغة... حتى تمكنا من السفر إلى درنة .

                  بدأت صفحة جديدة في ليبيا من الصراع السياسي الخفي على من يخلف القذافي والإستئثار بالسلطة بأي ثمن كان والحصول على الثروات السائبة والمجنبة التي لا يعرفها ولا يعلم بها إلا القلائل،  بدون رعاية وإهتمام من حراس وطنيين شرفاء يحافظون عليها حيث أرزاق المجتمع، والتمكن والتحكم من قبل قوى ومراكز أخرى شيطانية بدأت تظهر على السطح السياسي والتي معظمها ذوي أقنعة مزيفة متخذين من الدين عناوين كبيرة حتى يتحكموا في رقاب الآخرين ، حيث شعبنا الليبي طيبا يعمل أي شئ يخطر على البال من خير وشر وعندما يصل الأمر إلى المساس بالدين يصاب بالرهبة روحيا ويتوقف بأية أعذار حيث ذاك الوقت من سنوات قليلة مازال ساذجا طاهرا لم يتلوث بعد.

           الكثيرون من ضعاف النفوس مع الوقت ومرور عقود من التطبيل والتدجيل وتراهات الكتاب الأخضر والطمع في الشهرة والكيد للبعض من الخصوم الأبرياء والحفاظ على النفس ومحاولة الإستغلال للمال والجاه والمناصب ، طواعية تم الانضمام منهم إلى اللجان الثورية والشعبية وعاثوا الفساد والإفساد في الحرث والنسل في ليبيا الوطن، لقاء فتات ، والآن بعد النصر وزوال الطاغية سبحانك رب العالمين مغير الأحوال من حال إلى حال آخر ، خائفين هاربين من ملاقاة المصير الاسود والملاحقة من الثوار ، للحساب والعقاب عن الضرر المشين الذى سببوه للآخرين بدون وجه حق ولا عدل.

             لم أتوقف عن النضال والكفاح ضد نظام الطاغية القذافي منذ يوم 1978/9/22م الذي كان  تاريخا لن أنساه طالما لدي نفس حياة على هذه الأرض... حيث تم الزحف والتأميم ونهب كل عرق الجبين طوال سنين من السعي والكفاح بشرف، وفي وقت قصير وجرة قلم من الطاغية بالإستيلاء على أرزاقنا الحلال بدون أي وجه حق كان...  ووفاة الوالدة من الصدمة خوفا علي من القبض والسجن ، وكان الإستيلاء والتأميم من ضمن الأسباب القوية في الهجرة والهرب من الوطن رغما عني حتى لا أتعرض إلى القبض والسجن والتعذيب والقتل وأنا بريئا بدون ذنب ، والتهمة الموجهة لي من النظام أنني من ذوي المال والشهرة، تاجرا ومقاولا في المنطقة الشرقية ناسين متناسين أن النعمة والمال والثروة حلال هو نتاج عمل وكد سنين طويلة كما انها عطاءا وهبة من الله عز وجل .

                     تعرضت للمطاردات ومحاولات الإغتيال والتصفية الجسدية سبع مرات في العديد من عواصم العالم، وبالمساعي الحميدة من الشرفاء، تم العفو العام وتحديت النظام ورجعت مخاطرا بالحياة ، وخلال عقدين من الزمن تعرضت فيها إلى الاعتقال والسجن 4 مرات من النظام والتحقيق المضني 28 مرة من معظم الأجهزة الأمنية المختلفة والترجيع من مطار طرابلس الدولي والمنع من السفر عدة مرات والحجز لجواز السفر الليبي حوالي 7 سنوات مما أصبحت سجينا ضمن السجن الكبير ليبيا غير قادر على السفر لرؤية العائلة والأولاد المقيمين في امريكا الذين كانوا وقتها صغارا في العمر في سنين المراهقة وبحاجة ماسة إلى وجودي وسطهم .

                    بعد معاناة وصبر طويل من" الله تعالى على بالكرم والفضل ومساندة البعض من أصحاب القرار في السر المجهولين والعلن عن طريق المعارف والواسطات والدفع المجزي لبعض عديمي الضمير والذمة المرتشين حتى تحصلت على جواز السفر الليبي المحجوز بعد جهد جهيد ، وتم تجديده للخروج من ليبيا ، وسافرت إلى امريكا وقابلت الأولاد والأحفاد الذين ولدوا فترة الغياب الطويل.

             قامت الثورة المجيدة يوم 2011/2/17م   ويعلم الله تعالى ماذا قدمت من جهد واتصالات دولية في السر والعلن والدعم بالمال والسلاح للثوار قدر الاستطاعة والمتاح ولم أتوانى في أي لحظة كانت خلال شهور الثورة عن العطاء والمخاطرة بالنفس مع بعض أولادي متنقلا في ربوع ليبيا وعدة دول بالخارج للدعم والمساندة حتى يوم النصر .

             رجعت بي الذاكرة إلى الوراء سنين عديدة مضت حيث بدأت في المعارضة الحقيقية لنظام الجهل يوم 1978/3/21م الذي كان تاريخا مميزا في مسيرة العمر النضالية حيث كان يوم الخروج والمغادرة السريعة والهرب من مطار طرابلس ليبيا إلى المهجر في امريكا ، وتم بحمد الله تعالى قفل الملف الساخن المثير بالأحداث والمغامرات مبدئيا يوم 2011/10/20م  يوم هلاك و مصرع الطاغية ، وإخترت حياة التقاعد والبعد عن المسرح السياسي لعوامل عديدة حيث الرجال الوطنيين الحقيقيين الصادقين مع الله تعالى وأنفسهم معظمهم أصبحوا شهداء موتى في ذمة الله تعالى، والباقين الأحياء منهم الأحرار ذوي الدم الساخن الأطهار في وقت قصير تواروا بالخلف وراء الستار عن المسرح السياسي ، ليس خوفا ولا جبنا لأنهم لا يرضون العيش في المهاترات والمتاهات لقاء مصالح شخصية ومراكز وهمية زائلة مع الأيام مهما طالت.

              والآن بعد مرور بضع سنوات بعيدا عن الأضواء، مازلت أتابع في المسارات وما يحدث من مهاترات في ليبيا يوما بيوم في الهجرة الثانية عائشا على الأمل أن يتغير الحال للأفضل ولا يضيع كفاحنا وزهرة أعمارنا وشبابنا هباءا منثورا من غير الوصول للهدف الذي ناضلنا وكافحنا من أجله ، ونفرح بحياة سعيدة بقية أيام الحياة في وطننا الغالي ليبيا إذا أطال الله تعالى لنا العمر وتمتعنا بالصحة والعافية ، ونشاهد نهضة الوطن وتقدمه إلى الأمام بدلا من الصراعات العديدة والدم بين الأخوة المواطنين الذي يراق كل يوم بدون فائدة ولا جدوى كل فريق يريد النصر وفرض الأمر أنه على الصواب والحق.

                    ومن وجهة نظري الخاصة نظير الخبرات والتجربة ، الكاسب والفائز في الصراع مهما وصل للقمة  وإنتصر خاسر ا على طول المدى حيث الوطن غالي للجميع وليس لأحد دون الآخر... حتى يتحكم ويحكم الجميع بدون انتخابات حرة والفوز بالاغلبية من الاصوات من أبناء الشعب  ... والله الموفق...

         رجب المبروك زعطوط

قصصنا المنسية 51

بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين


  تم طمس وتعتيم أسماء الكثيرين من المجاهدين المناضلين الليبيين المغمورين الذين لم يذكروا في تاريخ الجهاد الوطني من جميع الشرائح والقبائل الليبية... الجنود المجهولين الذين قاموا بالكثير من العمليات الإنتحارية والبعض الذين كتبت لهم النجاة والحياة وعاش بقية العمر شاهدا حيا على مدى الإيمان والتضحيات ضد الغزاة العدو الايطالي الذي إستباح الوطن وغزاه آملا في ضمه للأبد لإيطاليا في أكتوبر من  عام 1911 م .

               الغزاة نسوا  ان الله تعالى حي في الوجود لا يرضى بطمس نور الاسلام عنها ، والشعب الليبي حي لا يموت مهما حدث له من مخططات ومؤامرات لإبادة الجنس والعرق العربي المسلم ، الذي ناضل حسب القدرة والإستطاعة وبالمتاح مقدما الضحايا الشهداء والجرحى والمعاقين في المعارك العديدة والقتلى في المعتقلات ، الذين تم شنقهم لأتفه الأسباب...  والمبعدين المنفيين بدون حساب من اجل الخلاص والحرية حتى تم التوفيق من الله عز وجل وسمحت الظروف  وخسرت ايطاليا في الحرب العالمية الثانية عام 1945 م ، وأصبحت ليبيا تحت الانتداب البريطاني الذي يضحك في الوجه ويطعن في الخلف من الخبث والدهاء في حكم الشعوب المغلوبة على أمرها... وتحقق الاستقلال في الوطن بجهود الرجال الوطنيين المخلصين وأصبحت ليبيا دولة معترفا بها من جميع دول العالم في الامم المتحدة، مملكة عربية منذ تاريخ 1951/12/24م .

                هذه القصة من عشرات ومئات القصص الفردية التي حدثت عن التضحية والفداء من اجل الحياة والوطن، قام بها البعض ولم تذكر مع مرور الايام والزمن ، سمعت بها خلال أحد السهرات والسمر مع الإخوة الرفاق عن قصص الجهاد والبطولات منذ فترة طويلة من الزمن والتي تذكرتها والتي تجعلنا نحن كليبيين نزهو ونفخر أن الكثيرين من بني وطننا كانوا أبطالا وقدموا هذه التضحيات في السر والخفاء والعلن ولم تذكر الا من القلائل وتظهر للعيان ..

              تم القبض على مجموعة من ثوار قبيلة الحاسة في الجبل الأخضر وصدر الحكم بالإعدام لإبادتهم بسرعة من قبل المحكمة العسكرية حسب المخطط الإستعماري للإستيلاء على الأرض...  وكان من العادة في ذاك الوقت توقيف المتهمين على جرف عالي معروف بالمنطقة مبنية بجواره قلعة مراقبة تشرف على وادي عميق سحيق مازالت أطلالها إلى الآن شاهدة ...   وقتها كان بها العشرات من العساكر والجنود الإيطاليين والتي حدثت بها عشرات الأحداث والمآسي المؤلمة والقتل للكثيرين من الضحايا الوطنيين المحليين حيث كانت مكانا لإعدام المتهمين بالمنطقة الذين شاء سوء الحظ وتم القبض عليهم من الغزاة المستعمرين بين مدن شحات وسوسة .

                ويتم اطلاق النار على الضحايا المعتقلين المحكوم عليهم بالموت على الحافة ، وترمى جثث القتلى بوحشية إلى القاع نكاية وتشفيا في الليبيين المحليين الثوار (المحافظية) على خسارتهم الجسيمة في المعركة المشهورة التي أطلق عليها إسم  معركة "الكراهب"(السيارات) عام 1925 م والتي خسر فيها الإيطاليون عدد كبيرا من جنودهم وتمت الإبادة لهم بدلا من الدفن للضحايا القتلى كما يجب حسب الأديان السماوية، والأصول والشرائع الانسانية .... ترمى الجثث في الوادي حتى تنهشها وتأكلها الحيوانات المفترسة من الضباع والذئاب.

                ولما وقف المتهمون في الصف نهاية الأصيل قبل المغرب وحلول الظلام ، مقيدين وأمامهم كتيبة الاعدام من الجنود ببنادقهم يستعدون لإطلاق الرصاص عليهم ، قام أحدهم طالبا من رفاقه المقيدين بالقفز إلى الوادي والشهادة بدلا من الموت برصاص العدو ولم يطاوعوه وإستسلموا لله تعالى راضين بالقضاء والقدر نظير قوة الإيمان بأنهم مظلومين وعلى حق ويعرفون ويعلمون أنه لديهم بعض الوقت القصير للعيش بالحياة، دقائق ويموتون ويقابلون وجه الخالق.

                   قفز المتهم السجين إلى الوادي مضحيا بالنفس حيث عارفا أنه ميتا لا محالة وفضل الموت بشرف بيده طواعية وكان محظوظا وعلق بأحد النتوءات بالجبل ولم يسقط للأسفل كما كان متوقعا من الجميع... ولم يهتم الحراس بالسجين الهارب الذي قفز إلى الهاوية حيث بالنسبة لهم هلاكه كان مؤكدا من هذا الارتفاع الكبير الشاهق...   وتم إعدام رفاقه ورميت الجثث في الوادي السحيق كالعادة بلا مبالاة ولا وخز ضمير وكأنهم يرمون جثث حيوانات نافقة ميته وليسوا بشرا شهداءا مناضلين من حقهم الحياة حيث يدافعون عن ارضهم ودينهم وقيمهم .

                 وحل الظلام وتحرك الهارب بصعوبة يتحسس بيديه ويهبط ببطأ وهو مقيد اليدين بالقيد مستعملا السلسلة الحديدية القصيرة في تثبيت الجسد بالنتوءات وجذور الأشجار القوية حتى وصل إلى قاع الوادي وهو في الرمق الأخير، والفرحة بالنجاة أعطته القوة على تحمل الجراح والخدوش والرضوض بالجسم وجر نفسه في الأحراش حيث يعرف المنطقة جيدا حتى وصل إلى احد المزارع المملكة لأحد المزارعين الايطاليين (السيشليان) القادمين من ايطاليا لإعمار المنطقة، حسب مخطط الإبادة والإستيلاء على الارض من أصحابها الأصليين بدون وجه حق...   بحيث تصبح مع الوقت الأغلبية السكانية من المقيمين للمسيحيين الكاثوليك....

               وعندما وصل كان في حالة صعبة يرثى لها ، وقام أحد العمال الليبيين الوطنيين من أولاد العم بالقبيلة الذي يعمل في المزرعة كعامل أجير، بتحريره من القيود وإطعامه في السر وزوده ببعض المؤونة وطلب منه الرحيل بسرعة وعدم البقاء بالمزرعة ولا في حدودها ، منعا في حالة قدوم أية دورية بالغد للعدو تبحث عنه ، وشككت فيه أنه قام بمساعدته مما سيتعرض للمساءلة والاتهام.

                وبدأ السير وسط الأحراش والغابات والوديان وكان طوال الوقت يقتات على بعض المؤونة التي معه ويشرب من الابار والعيون وبقايا المياه في البرك الصخرية من ندى الصباح الباكر وبعض الاحيان يحصل على بعض البيض او الدجاج من المزارع أثناء الطريق يستولى عليها خلسة وأصحابها من المستعمرين المزارعين الطليان غافلين ... حتى عبر الجبل الأخضر وتوغل في صحراء الحدود الشرقية ودخل خلسة إلى مصر التي كانت تحت الإحتلال البريطاني وقتها مفتوحة لجميع الليبيين الهاربين من العدو الايطالي .

             وجد الترحاب والكرم في نجوع البادية عند أولاد علي والضيافة والكرم العربي حيث ليبيين أصليين يعيشون في أرضهم في الشريط المثلث حتى رأس الحكمة بالقرب من الإسكندرية والتي تم الضم للأرض والبشر وقت الاحتلال الايطالي من الانجليز ووضعوا الخط الوهمي إلى الآن كحدود بين الدولتين خوفا على قناة السويس،  الشريان الحيوي لهم للوصول إلى مستعمراتهم في الشرق الأقصى من قرب وجود القوات الإيطالية لها .

                قضى بعض الوقت معهم في أمان حتى إلتأمت الجراح وشفي جسمه من الرضوض وأصبح قادرا على مشقة الطريق الصعبة وقتها، وواصل المشوار إلى الاسكندرية واقام بها فترة بسيطة ضمن الجالية الليبية ، ولظروف ما غير معروفة واصل المسيرة عبر فلسطين حتى وصل إلى الأردن بعد فترة طويلة ، وتطوع جنديا في جيش إمارة الأردن الهاشمية سنوات عديدة وتزوج هناك من احد الفتيات وأصبحت له عائلة .

                  قامت الحرب العالمية الثانية وبعد معارك شرسة عدة سنوات كل فريق يريد النصر بأي وسيلة كانت...  حتى إنتصرت دول الحلفاء وخسرت دول المحور الحرب وكانت إيطاليا من ضمن المحور وأصبحت ليبيا تحت الإنتداب البريطاني عدة سنوات حتى تحررت ونالت الاستقلال ، ورجع بعائلته ، وأقام بمدينة درنة فترة طويلة ، وكنت اعرفه شخصيا ولم أعرف بالقصة وتضحيته .... فقد كان احد الجيران وأبناؤه البعض من جيلي اصدقاءا لي حيث كنا في نفس المدرسة ولم أعرف القصة إلا بعد سنوات عديدة بعد وفاته (رحمه الله تعالى) .

             مثل هذا الرجل المناضل الذي  كتبت له الحياة نظير الإقدام والمجازفة،  قلائل يعدون على الأصابع... الذي رمى بنفسه من الجرف العالي محبذا الموت بدل الإعدام من العدو ، والمسيرة الطويلة والترحال خوفا من القبض عليه مرة أخرى، حتى وصل لبر السلامة ، والكثير من القصص والحكايات والتضحيات بالعشرات والمئات من جميع مناطق ليبيا ولا علم للكثيرين بها نظير الطمس والتعتيم ، وليس لدي علم بها شخصيا والتي في بعض الاحيان اسمع القليل عن بعضها عندما تتاح الفرص لسماعها .

                   حيث للأسف لم تكتب وتدون فى كتب أو تذاع فى الاعلام والقنوات المرئية أو تنشر في الصحافة من البعض، حتى تنتشر وتعم في أوساط الشعب وتظل قائمة إلى ماشاء الله تعالى ، تذكر بالخير وذكرى عاطرة تخلد أبطالها الجنود المجهولين ، حتى يعرف الجميع من الأجيال الحاضرة والقادمة بإذن الله تعالى،  مدى التضحيات والبطولات من الآباء والأجداد ونفخر ونزهوا بأننا ليبيين وطنيين لنا ماض مشرف سطره السابقون بالدم والشهادة في سبيل الله تعالى والوطن في صفحات سجل التاريخ الذهبي الليبي عبر الزمن... والله الموفق....

                رجب المبروك زعطوط

Sunday, September 20, 2015

قصصنا المنسية 50


 بسم الله الرحمن الرحيم

رحلة لندن


        يوم الأربعاء 1987/7/22م الساعة الرابعة عصراً ، سافرت إلى لندن على متن رحلة شركة الطيران بيدمونت  الداخلية إلى نيويورك، بعد أن أوصلني الأخ عاشور بسيارته إلى مطار نورفولك في فرجينيا بيتش،  وقضينا بعض الوقت في أحاديث عامة في الإنتظار قبل الصعود للطائرة التي تهادت على المدرج وكانت جديدة على المطار في خيلاء وزهو وإنطلقت بقوة في الجو في نعومة وهي تشق عباب السحاب، وقدمت لنا بعض المشروبات الغازية، ورحلة مريحة حتى الوصول، لمطار نيويورك بعد رحلة ساعة طيران جوية وأثناء الإنتظار للصعود للرحلة القادمة، إتصلت هاتفيا بالعائلة سائلاً إذا كان هناك أي شيء جديد قد حدث... أو نسيت شيئا نظير العجلة ؟؟ وكان الرد كل شيء على مايرام. بعد إنتظارا بسيط في بوابة ( تي دبليو أي) ، صعدت للطائرة العملاقة (الجامبو) رحلة 708 عبر المحيط إلى لندن.
              الرحلة طويلة تستغرق عدة ساعات وجلست ساهما لوحدي وطاف الفكر في مواضيع كثيرة وإسترجعت حديثاً للأخ عبدالعالم على مائدة العشاء في البيت عندما كان ضيفاً لدينا في مدينة فرجينيا بيتش حيث أسكن، زائرا مع عائلته لنا وقضى يومين بالزيارة، وكان الحديث يدور على أوضاعنا في الغربة والهجرة والبعد عن الوطن، وقال أن الغربة سوف تطول، وساحة المعارضة الآن في هدوء ونوم وخمول لا تستطيع عمل أي شئ غير الجعجعة في الإعلام. وأذكر أنني أجبته قائلا بأن هذا الهدوء عبارة عن وقفة إستراحة قبل أن تهب العاصفة بقوة من جديد وتزيل النظام من على كاهل الوطن ... ضحك من كلامي ولم يستحسن الجواب، وقال أنت تحلم ... وفعلاً أنا كنت أحلم لأنني مؤمن أن النظام مهما طال الوقت يوما سينتهي ويصبح في برميل قمامة التاريخ ولا أعرف متى ؟؟ فهذا قدر مقدر في اللوح المحفوظ من الأزل وعلمه عند الله عز وجل .

                 كان صديقي وضيفي مهموماً مغموماً من بعض المشاكل التي يمر بها وغير قادر على حلها، ورددت عليه محاولاً التسرية عنه، لو يعلم كم من المشاكل التي أعاني منها سوف يرتاح، فأنا أعاني عشرات المرات أكثر وأصعب من  الذي يعانيه. ومازلت صابراً وأقاوم محاولا النسيان حتى لا أمرض محاولا التغطية للصعاب بمهارة ولا أريد الزوجة والأولاد والآخرين يحسون بها. تاركاً الأمر للعارف الله تعالى حتى يفرجها يوماً من الأيام إذا أطال لنا العمر وأفرح .

             لدي عادة كل يوم مهما كنت مشغولا أو مرهقاً ، أقرأ وأطالع بعض الوقت وأنا بالفراش قبل النوم ، والبارحة إطلعت على الخواطر التى كتبت الكثير منها منذ فترة وإستهوتني وعشت معها بجوارحي ومضت الساعات بدون أن أدري....وتطلعت للساعة ووجدتها حوالي الثانية بعد منتصف الليل، وقلت كان الله عز وجل في عوني ، لأن غداً هناك عدة أشياء لتنفيذها قبل السفر وأحتاج للراحة .

              في المدة الأخيرة مررت بتجربة مريرة كبيرة وطعنة في الظهر من أعز الرفاق نظير إختلاف وجهات النظر والدس والخبث من بعض المنافقين، ولا أستطيع العتاب ولا السب ولا نشر الغسيل القذر للبعض فقد كنا يوماً ضمن تنظيم واحد، إخوة في المصير ورفاق في الطريق النضالي، ونظير ظروف معينة وحسابات في نظرهم يعتقدون إنها صادقة نظير رؤيات معينة ومصالح وقتية يعتقدون فيها الفائدة العميمة، وفي نظرنا خاطئة تصرفوا تصرفات عشوائية بدون مشاورات مما أضر بالجميع ، وتقهقرت القضية الوطنية للوراء .

             المعدن الأصيل دائماً مثل الذهب ، حتى لو تكسر ممكن صياغته من جديد، أما الزائف مثل جرار الفخار عندما تنكسر لا يمكن إرجاعها مثل قبل من جديد، وهذا هو الفرق الكبير في نوعيات الرجال، بدون ضغوط قوية وأخطار وطول الطريق لا يمكن الفرز السليم والمعرفة لقوة التحمل والطاقة، حيث في الواسع والهدوء ووقت الراحة والسلام الجميع الغث والسمين رجالا مناضلين .

               والسؤال الكبير من هو المتوقع للزعامة الحقيقية ليقود المسيرة إلى تحقيق الهدف، الرجل الحقيقي الصامد المؤمن بالقضية ويعمل في صمت من أجل الوطن مهما عصفت الرياح والأعاصير، ومن هم الذين يدعون الرجولة والقوة والصمود ... وهم أدعياءا وأشباه رجال ، حتى يعرف المناضل مع من سوف يدعم ويخاطر.

                 والواقع أن أدعياءا كثيرين أشباه رجال عبارة عن مناظر وصور خدعوا الكثيرين بعض الوقت، سقطوا للقاع والحضيض عند أول هز للغربال، لم يستطيعوا الصمود حيث القلوب هواء ليس لديهم الجرأة والعزم على تحمل المشاق والخطر الذي هو الأساس للحكم على الرجال .

            يوماً من الأيام سوف ينتهي الطاغية من على كاهل الوطن ،  ونصبح أحراراً ... وسعيد الحظ من يطول عمره ويشاهد نهايةالنظام، وسوف تفتح الملفات وتظهر حقائق غريبة عن أمور عديدة لا تصدق من الكثيرين من أبناء الشعب، عن قيادات ورجال ، والواقع المرير عبارة عن أشباه رجال لظروف عديدة والحظ إستغلوا عرق وجهد ودم الآخرين المهمشين ووصلوا للقمة وهذه الأمور طبيعية من سنن الحياة... فنحن الآن نسجل ونسطر ونكتب تاريخ الوطن بدون أن ندري ونعرف من خلال الكفاح والتجارب العديدة، البعض منها قاتل....  وفي نظري من خلال المحن يفرز ويخلق ويظهر على السطح الرجال ذوي العزم، فليبيا أنجبت الكثيرين من الأبطال، ومازالت تنجب في الغث والسمين إلى ماشاء الله عز وجل.

          إنني لا أستفز أو أهدد أي أحد، وإختلاف وجهات النظر رحمة، وكل إنسان قيادي وله طريقته الخاصة في العمل والمواجهة ،  وخوفي ليس من أعدائي، بل من أصدقائي ورفاق الدرب النضالي، أخاف كيدهم والغدر يوماً ما، من جانبهم وأنا غافلا عن الأمر .

           كثيرون من الشباب الطلاب بالخارج المتحمسين للقضية ،  ضحوا بإتمام دراساتهم وتخلوا عنها بطيب خاطر وهم من الأوائل بالصفوف الدراسية نظير الحب للوطن، إستغلهم البعض أسوء إستغلال وتحصلوا على الجاه والأموال بإستخدامهم كأدوات وجنود للعرض ، والضحايا نظير الإندفاع وعدم التجارب،  همشوا مع الوقت وأصبحوا بآخر الطابور .

           أصابني الإحباط والحزن بسبب هذه القيادات الفاشلة التي لولا الجاه والمركز والدعم من القوى الخفية والحصول على الدولار مستعدون للإنسحاب أو التخلي عن المباديء وقضية الوطن، وتساؤلاتي للنفس هل أستطيع ضم الجهود مع بعض في بوتقة واحدة، وأغامر بالرأس وأخاطر بالحياة مع أمثال هؤلاء ؟؟  

                  صدق من قال إحذر عدوك مرة واحدة، وإحذر أصدقائك ألف مرة، فالعدو ظاهر للعيان وممكن الإحتياط منه، ولكن الأخ والرفيق عالم ببعض الأسرار، وممكن بقصد أو بدون قصد نظير المباهاة، يردي للتهلكة نظير زلة لسان في وقت ومكان غير مناسب .

                  كثيرون من المهاجرين تسلقوا عربات قطار المعارضة لأغراض خاصة، البعض نبيل وصادق محبا القضية من القلب والوجدان بضمير ، والكثيرين عبارة عن حسابات خاصة للوصول لهدف معين ،  وما أكثر من هؤلاء الأدعياء الذين أجهدوا المسيرة من المضي بسرعة ،حيث مشاكلهم لا تنتهي طوال الوقت، من الدس والخبث والمزايدة ولا يعجبهم العجب ،  وكان الله عز وجل في عون الشرفاء الذين مروا بالأيام السوداء وهم طوال الوقت يحاولون المصالحة حتى لا يتوقف القطار في أحد المحطات النائية ولا يستطيع السير بقوة ، وعندها المصائب ، تحل على رؤوس الجميع .

                في أحد الرحلات السابقة في مدينة لندن تحدثت مع أحد الشباب الليبين الذي كان والده من الأثرياء أيام الغفلة، وكان يبلغ الثلاثين من العمر، وأثناء النقاش كان يسب ليبيا والليبيين و يقول أنهم سلبيون وكلام كثير مبتذل في نظري، وقال أنه سعيد أنه يعيش في بريطانيا، وبدأ يعدد في الفروقات ،  وجاملته بعض الوقت وأنا أحترق داخل النفس على مثل هذه العقليات الجاهلة في نظري مع أنه يحمل شهادة جامعية عالية ، وقلت سبحانك ربي الكريم، هل ليبيا يوما سوف تنهض بعقليات حقودة حاسدة جاهلة مثل هذا الدعي ؟؟ الذين عائلته نهشوا خيرات ولحم ليبيا بالنهب بالسابق ويعيشون في الغربة على أموالها، ويتشدقون ويزايدون ،  بدلا من مد يد العون أو العمل النضالي مع الآخرين من أجل الأم الحنون التي الآن بحاجة إلى العون.

              ونصحته بصدق، وقلت له مصير الغريب يوماً يرجع للوطن ،  ولا تقل هذا الكلام المبتذل وتسب الوطن، يوماً ما سترجع وتكون منبوذاً من الجميع نظير تراهات اللسان.  صدم من الرد والصراحة، وإنني لم أخدعه، ورجع لعقله وحاول الإعتذار ولملمة الموضوع، وخرجت من المحل وأنا حائرا ومتعجب أن بعض هؤلاء الشباب الليبي بالمهجر ليس لهم ولاء ولا إنتماء للوطن، وفي نفس الوقت أعطيته بعض العذر، لأنه ممكن إختلط مع نوعيات تافهة، أو المرارة والحرقة وهو يسمع في المظالم التي تحدث بالداخل والتمزق والتشرذم للمعارضة بالخارج، وقلت للنفس لو إستمر النظام عقوداً طويلة أخرى، ماذا يكون الحال، مع شباب الغربة والمهجر؟؟

              كنت ضيفا في أحد الولائم، وتطرق الحديث من أحد الحضور وتشعب عن خيرات ليبيا، وسهولة النجاح بها وأنها بدون منافسة ، وقلت ردا عليه بإستهزاء أنت تحلم ... النفوس تغيرت وستجد منافسة كبيرة أمامك فالليبيون تغيرت نفوسهم وليسوا مثل أيامنا في السابق ... ورد قائلاً ياحاج إذا رجعت يوماً للوطن أنا رجل أعمال وسوف أدخل للسوق بمواضيع كبيرة يعجز عليها الكثيرون وسوف أنجح من جديد، ولكن سوف أحول جميع المال للخارج وأترك ديون لدى المصارف حتى لا يتم تأميمها من جديد ... وقلت للنفس  سبحانك رب العالمين، هل ليبيا منكوبة إلى هذا الحد من التفكير الشيطاني لبعض رجال الأعمال والتجار بدلا من التفكير في الخير والمساهمة في البناء والتشييد والإعمار، لكي يخطط البعض من الآن كيف يستغلون الأمر؟؟

              ونقاش آخر مع أحد الضباط الكبار السابقين المتقاعد "عواجيز" العهد الملكي، الذين تشردوا بعد الإنقلاب الأسود يوماً في ساعة صفاء، فتح قلبه وقال لو تتاح لي الفرصة مرة ثانية وأُصبح من ذوي القرار في الوطن، سوف أصفي الحسابات وأنتقم من عديدين يحتاجون للبتر من المجتمع نظير أعمالهم المشينة وعدد بعض الأسماء، وكان ردي عليه بسيط:  دع الخلق للخالق فهو العادل والمنتقم ، وأحسن شىء أن تنظف قلبك من الأحقاد، فأنت الآن على أبواب الثمانين من العمر ومازلت تطمح في الوصول والإنتقام، جهز نفسك للرحيل حتى تلاقى الرب بقلب طاهر.  وإبتسم وقال ياحاج عندك حق، وشكراً على النصيحة القيمة الغالية .

               تساءلت مع النفس وقلت لماذا يزداد العويل والضجيج عندما تتم إتصالات مع البعض بالداخل، أو اللقاءات بالصدف في المطارات والمستشفيات أو بالأسواق صدفة بالخارج أو عن مواعيد عن طريق ثقات، وتلوك الألسن علينا ونوصم بالعمالة نظير الجهل...  ولولا الإتصالات مع الداخل بطرق كثيرة وتسريب المعلومات القيمة كيف كنا نستطيع المقاومة، وإفشال مخططات القذافي .  وأي خطأ بسيط لو تم الإتهام لهؤلاء الذين سيرجعون للوطن،  سيدفعون الثمن الغالي معرضين حياتهم للخطر، أما بالخارج ذوي الجعجعة والهراء ورمي التهم جزافا، أيادي القذافي السوداء قاصرة عن الوصول لهم بسهولة حتى يدفعون الثمن .

                أحد الأصدقاء المتعاونين مع المعارضة قدم إلى إيطاليا للعلاج، بعد أن تحصل على تأشيرة الخروج بالسفر بعد سنة ، و عندما فحصه الأطباء تبين أن مرضه كان نتيجة عوامل وهواجس نفسية تتعلق بالخروج والسفر وليست لديه أية أمراض لعلاجها، وبعد بعض الفحوصات البسيطة خلال فترة أسابيع رجع إلى طبيعته العادية ولم يشكو من أي شىء، والمرض عبارة عن كآبة وضغوط شديدة نظير المنع، وآلاف الحالات التي أودت بكثير من أبناء الشعب الليبي موارد الهلاك نتيجة حكم التسلط والقهر والإرهاب من مجنون طاغية. وتمت إتصالات هاتفية عديدة مرتبه عن طريق أحد الثقات من الأصدقاء الإيطاليين (ماريو)، بحيث صعب متابعتها من النظام ،  وتحدث المريض بالكثير من المعلومات القيمة والتحذير من بعض أسماء العملاء المندسين في أوساطنا بالخارج والتي تهمنا كجالية مهاجرة حتى نستطيع أن نعمل من خلالها إفشال الكثير من مخططات اللجان بالخارج، وتم العمل بها وكانت ذات فوائد كثيرة جمة للمعارضة!

              يوجد الكثير من رجال مسؤولين في مناصب كبيرة بالدولة كنا نخاف منهم لأنهم رجال النظام وهم أبرياء، يعطلون في كثير من الأمور بالتعطيل والتأجيل والتسيب المتعمد عن الإنجاز السريع مما تفشل كثير من الأوامر والأمور العشوائية وتتاح الفرص للكثيرون للهروب قبل أن يتم القبض عليهم والتحقيق العشوائي والتعذيب العنيف الذي قد يؤدي إلى الموت.  يتحملون المسؤوليات الجسام ويخاطرون بحياتهم ويسربون المعلوماتال كثيرة، والظروف أجبرتهم لتقلد المناصب الكبيرة كحضور وأجسام مناظر لها الرهبة والخوف منها ولكن الضمائر حية، يحبون الوطن، يضعون الحياة ورؤوسهم على أكفهم في مخاطر نظير خطأ أو زلة لسان، أحسن من كثيرين بالخارج يزايدون وهم أدعياءا متسلقين .

               إرتكب النظام أخطاءا عديدة نظير الجهل وقوة الدخل والمال، لو كانت عندنا التجربة الكاملة والخبرات لكنا إستغلينا الأمر أحسن إستغلال، ولكن المشكلة النظام يتخبط طوال الوقت ويجرب، ونحن كذلك كمعارضة نتخبط بدون تفاهم ووحدة عبارة عن إعلام وكلام وتراهات ومهاترات وكيد ودس من كثيرين من الأدعياء، لدينا الهدف واضح، إطاحة النظام، وليست لدينا الأدوات والدراسات الجيدة في التنظيم والتخطيط لمعايير النجاح والفوز فنحن نلعب في مباراة طويلة شبه خاسرة من البداية، لأن الأساس لنجاح الثورة هو الداخل إذا لا يهب ويتمرد ويعلنها ثورة قاتلة الفشل أكيد،  فلا يمكن محاربة النظام من الخارج وإنهاؤه بسهولة ونحن بيننا وبينه محيط شاسع ...

                   المعارضة بالخارج عبارة عن إعلام قوي وتشويه وفضح النظام في جميع المحافل والمؤتمرات الدولية، مثل طنين البعوض المزعج بالقرب من الإنسان، تحلق وتكرر الدوران عدة مرات بإصرار، تذهب العقل "تدوشن"، تجعل الجسم يتراقص خائفا حذرا من اللدغة الحارة والواقع عبارة عن طنيين وإزعاج بدون ان يقتل .

                   إستفحل الداء بالوطن نظير حكم الإرهاب، ولا يمكن محاربة النظام إلا بنفس الأسلوب عن طريق الخوف والإرهاب لأعوانه المقربين الذين يعيثون الفساد، يتجولون كما يحلو لهم في مدن وعواصم العالم من غير أي خوف، حتى يتحرك الشعب من الداخل ويشعر ببصيص من الأمل وتبدأ المقاومة بالنمو كل يوم للأحسن والأفضل، حتى يوماً تهب بقوة جامحة تخنق أنفاسه وتنهي نظامه بثورة عارمة .

                الخميس يوم 1987/7/23م وصلت لمطار هيثرو لندن وبعد المعاملات للدخول أخذت عربة أجرة ورأسا إلى فندق رويال لانكستر، وقبل النوم تم إتصال هاتفي مع أخ الدهر الصابر مجيد الذي أتى حوالي الساعة الثانية ظهراً إلى الفندق والذهاب للغداء في بيته...  وبالطريق إلى البيت قلت له عن الغرض للقدوم إلى لندن، وكان رده آسف لا أستطيع مما كتمت الأمر ولم ألح وأزيد في الشرح للموضوع حتى أدع له الوقت للتفكير في الطلب وحل المشكلة وجاء قريبي مفتاح بن عمران وحضر معنا مأدبة الغداء، ونقاشات كثيرة معظمها تدور عن الهم الذي نعاني منه وندور... وبعد الغداء خرجت مع الصابر لوحدنا للحديث الخاص ومقابلة الأخ رمضان بن موسى الذي حضر إلى لندن مع العائلة والأولاد لعلاج زوجته المريضة، وكان نعم الرجل الواثق من نفسه، قليل الكلام والشكوى، يحب الوطن من أعماق الروح والنفس، وتحدث بمصداقية وكم يعانون بتحفظ... مما أكبرت فيه الصراحة، ولم أبالغ في الطلب وتأييد المعارضة بالمعلومات والدعم بالمال وبالأخص أن مثله لا غبار عليه، حتى لا أصاب بالإحباط في حالة الرفض، وتركت الأمر للأيام . 

                ركز الصابر على سوء التفاهم الذي حدث مع أحد الرفاق، وحاول رأب الصدع، والوحدة مع الجبهة الوطنية والعمل معاً حتى  نتوحد بدل الفرقة والتمزق...  وحسب قوله الجملة جمل صعب إبتلاعه بسرعة، وشكرته على السعي والوساطة والمصالحة التي نحن في أمس الحاجة لها، ولكن كانت لدي تحفظات وهواجس سابقة منذ البدايات مع الجبهة نظير أخطاء قاتلة مازلت أدفع ثمنها إلى الآن عن الخداع وعدم الصفاء في الشراكة النضالية ولن أستطيع تحت أي ظرف المغامرة مرة أخرى...  وكنت عنيداً لم أرضخ مهما حاول، فأنا غير مستعد لأي ظرف أن أتعاون مع قيادات تريد السلطة بأي طريقة وهي مازالت بأول المشوار، وشرحت له الأسباب ولم يقتنع ... وأثبتت الأيام صحة القول، حيث بعد سنوات تغير المسار معهم إلى الفرقة والعراك والتشرذم بعد الدعم القوي، المال والمعلومات من جماعة درنة الصابر مجيد والعراب أحسين سفراكس وأثبت إنني كنت على حق وصواب ... والصابر شخصياً أكثر من مرة قال لي عدة أشياء بمرارة عن المعاملة السيئة والتهميش، ولا داعي للذكر ونشر الغسيل القذر .

                إتصالات كثيرة سواءاً بالحضور أم بالهاتف مع عديد من الرفاق والأصدقاء فقد كنت نظير الإطلاع والمتابعة مما تحصلت وعرفت الكثير من المعلومات السمين والغث حتى نحافظ على أنفسنا والغير من البسطاء المهاجرين من أن يضيعوا هباءاً بالإغتيال وهم أبرياء، فالنظام يقتل بالخارج لإشاعة الرعب في الجالية حتى تستكين ولا تقاوم، ولم أهتم بأي مورد عمل وعيش، ولم أمد اليد لأي إنسان وأريق ماء الوجه كما عمل الكثيرون ، بل عشت صابراً على الأيام، وتحصيل بعض الديون السابقة وقرض كبير من أحد الأخوة الرفاق، الذي أعانني على الإستمرار في العيش الكريم .

               رجعت إلى أمريكا بعد أن قضيت أياما في لندن جميعها تعب وقلق من المجهول، حائرا لدى شعور غريب ينتابني طوال الوقت من شىء ما سوف يحدث غير عالما به ، عسى أن يكون خير ... وسمعت الأخبار المؤسفة أن جد أولادي وخالهم، تم القبض عليهم والإيداع بالسجن من قبل عقيد الأمن الداخلي السنوسي الوزري، والتهم الموجهة نظير بعض المكالمات الهاتفية المتبادلة مع العائلة في أمريكا... وكم تأسفت للأمر، ولكن ليس باليد حيلة حتى أساعدهم ويتم الإفراج عليهم، وزادتني هذه الخطة الخبيثة للضغط علي من خلال أقرب المقربين... الإصرار في العمل النضالي والكفاح لآخر نقطة دم ونفس .

               لا أنسى هذه الرحلة فلها ذكريات خاصة تحتاج إلى وقت طويل فقد تعلمت أن الإنسان المناضل من غير دعم ومال لا يستطيع المضي في المشوار، وأكبر خطأ صرف المال الخاص بالعائلة والأولاد على السياسة، المفروض لكل شيء ميزانية قبل البدأ والتقدم إذا أراد الإنسان البدأ بأول خطوة نجاح، ويقوم  بالإحتياط للصرف ساعة الصفر والحاجة الماسة للعيش الكريم ، ففي حالة النضوب يكون الضياع على الجهتين والوجهين، وهذا الذي حدث، خططنا للرجوع للوطن منصورين بسرعة خلال سنوات بسيطة مرت، ولم نحسب حساب التعطيل عقودا من السنين الطويلة ولم نمد أيادينا إستجداءا لكل من هب ودب، صابرين ، ننتظر  رحمة الله تعالى .

 الصبر الصبر فالله عز وجل حي موجود في الوجود ولن يتأخر عن العون للشرفاء الأتقياء، وكل بداية لها نهاية، ومهما طال الوقت للنظام، يوماً سوف يسقط وينتهي من الوجود مهما طغى وتجبر فالقضية الوطنية يهون فيها بذل كل شيء... الأرواح والدم وليس المال فقط ،  لقاء الفوز والنجاح بشرف وكرامة...  والله الموفق ...                 

     رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

قصصنا المنسية 49

بسم الله الرحمن الرحيم

 نوعيات الرجال

                          في بعض الأحيان تشدني رغبة كبيرة للكتابة وتسطير الخلجات والخواطر التي تتردد بالنفس بعض الوقت تريد الخروج والإنطلاق إلى الأجواء بالعالم الفسيح للإطلاع عليها من البعض عسى ان تكون ذات فائدة يوما من الأيام ، والتي أشعر بعشرات الخواطر متشابكة مع بعض تجيش بالنفس قبل أن أنساها وتضيع مع الوقت ومرور السنين ... وكتبت الكثير والكثير عندما وجدت بعض فراغ الوقت، بدلا من تضيعه في اللعب ، أو مشاهدة الأفلام في القنوات المرئية العديدة التي تخلب اللب وتسحر وبالأخص في أمريكا ، مصنع الإعلام والأفلام .

                  وقال لي أحد الأخوة الأوفياء الذين ربطتني به صلة أخوة وصداقة في الله تعالى من أيام الشباب والدراسة بالسابق أيام الوطن ومصاهرة وعلاقة دم بين العائلات ، وزادت الأواصر بالغربة، ووقت الضيق، الذي قال متسائلا لماذا تتعب  نفسك وتكتب طوال الوقت وتسطر ؟؟ فنحن جميعا لدينا خواطر ونعيش في نفس المأساة ، الضيق والتعب في الغربة  بعيدين عن الوطن .

                  ورددت عليه قائلاً ، ياصاحبي أنا أعرف ذلك، والفرق بسيط بيني وبينك، فأنا أسجلها على الورق حتى لا تضيع وتنتسى مع الوقت، أو أتوفى فجأة أو أصاب بمرض صعب لا أستطيع التذكر والكتابة ، على الأقل أولادي من بعدي يقرؤن بعض الذكريات عن مامر بوالدهم من صراع وتعب بالغربة والنضال ويعرفون كم عانيت من أجل البقاء والعيش بكرامة ضمن القيم ...ويوماً ما إذا أطال الله عز وجل الحياة والعمر ، سوف أتابع قراءتها وتنقيحها قدر الاستطاعة والصياغة من جديد في حالة النشر .

                   وأنت ياصاحبي تضيع الوقت الثمين هدرا مع أنه عندك وقت الفراغ الكثير، وبالأخص طليقا بدون مسئوليات عائلية ومعاناة ، ولا عمل متقاعدا بدل التضييع في مشاهدة الأفلام العديدة كل يوم والزيارات والرياضة، تعمل شيئا مفيدا تشغل به الوقت، تسطر كل يوم بعض الكلمات كمذكرات ويوميات عن تجربتك في الحياة العملية لعدة عقود وما مر بك من قصص ، يوما ما سوف تحتاج لها، تفيد بها الآخرين.

                 كتاباتي هذه  سوف تصبح يوماً موسوعة بها الكثير من المعلومات والتجميع للأحداث الحلوة والمرة لبعض الدارسين، الذين يرغبون تقديم بحوث ودراسات عن القضية الليبية المعارضة بالخارج في فترة الثمانينات، وتعدد الفصائل الكثيرة وتناحرها مع بعض، من بعض الزعامات الهشة أو الأدعياء على تفاهات شخصية من الدس والخبث وتدخل وتغلغل عملاء النظام، وأشباه الرجال المتملقين المتسلقين ، والكثير من الأجهزة الأمنية الخارجية لقاء عمالة وفتات مثل الموافقات على البقاء والإقامة والدعم بالمال مما زادت الفرقة والتمزق والتشرذم، بدل الوحدة والتعاون ضد العدو الجاثم بالوطن القذافي المجنون .

                  ضاع الشرفاء الوطنيين وسط الخضم وهم كثيرين في الظل والصمت لا يريدون الظهور في العلن حتى لا تطالهم الألسن الخبيثة بالخارج التي تحب الهدم والإنقسام والعقاب من النظام، وأن يستشف منها بعض الذي دار على الساحة بالغربة من خير وشر وخصام فارغ، فقد كتبتها بكل الصدق والإخلاص حسب القدرة والفهم، ومتحملا جميع المسؤولية في أي كلمة سطرتها وكتبتها حيث أمانة تاريخية، وأنا إنسانا مؤمنا متدينا، لا أخون مهما كان الظرف، أريد الفوز والنجاح يوما بالآخرة وليس بهذه الحياة والدنيا الزائلة التي مهما طالت لها يوما موت ونهاية .

               تبسم صاحبي ولم يعلق، ولدي القناعة داخل النفس من غير أن يقول، أنه غير مقتنع بالرد والحجج، وهو حرا في نفسه سواء أقتنع أم لا ؟ فأنا مقتنع بالذي أعمله وسوف لن أتوقف ، فالكتابة أصبحت جزءا من حياتي مثل القراءة والإطلاع المستمر، ففي الكتابة أجد راحة نفسية تنتابني وتخفف الآلام بالنفس عن المعاناة والمرارة بالغربة والنضال، حتى لا تسيطرالهموم والمصاعب والآلام على الذات وأسقط مريضا بحاجة إلى علاج طويل ونقاهة وراحة من الصدمات ،  مثل ماحدث للكثيرون من الإخوان والرفاق، الآن مرضى بدون شئ ظاهر للعيان ولا ألم نتيجة الضغوط الكبيرة والإصابة بمرض االعصر الحديث الكآبة، وعندها المصائب تحل بلا نهاية .

                     عن قريب إذا أطال الله عز وجل العمر ، وأقمت في مكان مريح، آمن بدون خوف ولا ضغوط و إرهاب، سوف أجمع جميع الورقات التي كتبتها الموزعة بين ليبيا وأمريكا في عدة أماكن، وأضعها بالترتيب وتصبح يوميات رحلة حياة عما شاهدته وقمت بعمله وماذا حدث من أحداث وطرائف ومغامرات من البداية ، من أفراح وأتراح وحزن ومخاطر، فالحياة مستمرة ويوماً سوف تكون ذات قيمة وفائدة للبعض سواءا العائلة أو الغير، وأنا فخورا بماذا قدمت وعملت وأرجو من الله عز وجل الصلاح والتوفيق في الطريق النضالي الذي إخترته بمحض الرغبة والتطوع بدون طمع في مكافئات وجوائز... إنه دين كبير في عنقى حتى أرجع يوماً لوطني منصورا رافعاً الرأس كريماً .

                 لقد مررت بتجارب وأهوال كثيرة، وفي بعض الأحيان عندما أكون لوحدي في جلسة صفاء ومراجعة للذات والنفس، راجعا بالذكريات للوراء، العرق يتصبب من الجسم وأشعر برعدة ورعشة خفيفة تنتابني من بعض الأحداث الصعبة التي مرت على منذ زمن وإنتهت وقفلت الملفات للأبد، وأتساءل هل معقولا أنا الطرف الرئيسي فيها وبطلها، ومازلت حيا أرزق ؟؟ ولو لم أكن عارفا وملما بجميع التفاصيل الدقيقة لأصابني الشك وأقنعت النفس أنها عبارة عن تخيلات وإدعاءات .

                 الكثيرون يقولون عن بعض الأحداث أنها شجاعة وبطولة ورجولة ويعددون ويكررون في الحدث ويضيفوا عليه بعض الإضافات مما يتضخم ويصبح أسطورة، وردي عليهم بسيط من خلال التجارب الصعبة أن (الرجال محاضر وليسوا مناظر) فياما من رجال كنت مخدوعا مغررا فيهم إعتقدت أنهم ذوي شجاعة وإقدام، وأثبتت الأيام أنهم في قمة الجبن والخوف ساعة الخطر، أشباه رجال لا يعتمد عليهم خطوة واحدة لحظة النداء والفداء، يتراؤون للكثيرين عديمي الفراسة والتجربة انه يعتمد عليهم نظير بسطة وضخامة الأجسام وقوة العضلات وطلاقة اللسان وحلو الكلام وهم منافقين من أجل  الحصول على مصالح، حيث مناظر كبيرة ولكن هشة ، تسببوا في الضرر للكثيرين من رجال كثرت الأقاويل عليهم ولاكتهم الألسن باتهامات كثيرة أنهم عملاء ومتسلقين يسعون للصدارة والقيادة، نظير الحقد والحسد للتهميش وجعلهم بآخر الطابور، حتى لا يهتم بهم أي أحد ويصبحون هم بالمقدمة ... وساعة الصفر والخطر هؤلاء المبعدين المستهزأ عليهم أثبتوا الوجود بأنهم رجالا أقوياءا ذوي عزم وجرأة نادرة وشجاعة وحسن التصرف وقت الحدث قادرين على الصمود والتصدي بدون أي نوع من الخوف .

                مررت بمواقف صعبة جداً في بعض الأحيان ومسيرة الحياة، ولحظات الغضب والخطر تتفتح الشرايين ويتدفق الدم بغزارة هادراً بالجسم وتشد العضلات، ويتوقف العقل عن التمييز وإعطاء الرأي الصحيح، وينعدم الخوف والحواس جميعها في حالات إستنفار قصوى حتى يمر الحدث بالخير أو بالشر وينتهي ، وتختلف الأحاسيس من شخص لآخر ،  فالبعض يسقطون ويتداعون بسرعة ويصابون بشلل وإعياءا وضعفا وقتي، مع أنه لديهم القوة البدنية ولكن ينقصهم العزم والإقدام والجرأة، قلوبهم هواء يوصمون بالجبن، والبعض في الظلال لديهم العزيمة وقوة القلوب والجرأة، يقومون بأعمال بطولية أكثر من قدراتهم وإمكانياتهم في اللحظات الحرجة ويوصمون بالشجاعة والإقدام، وفي نظري خلال ماشاهدت خلال بعض المواقف الصعبة على الواقع المرير وشاهدت بأم العين في مواقف الخطر للبعض ، أن الشجاعة والإقدام موهبة ، وليست إكتساباً من الأيام ودروساً تعطى في المدارس للفهم والتحصيل .

                      تعلمت من الأيام، وخدعت في كثيرين مع طول الوقت والمسيرة وتساقط العديدين مثل أوراق الشجر أيام رياح فصول الخريف العاصفة الباردة، وبدأت أتحسس محاولاً الفهم للخلفيات عند حدوث أمور تعتبر بسيطة تافهة لا يهتم بها أحد، ولكن مع الوقت تصبح قاتلة، فالحكم على الرجال من أصعب الأمور بسرعة ، حيث لها أساسيات كثيرة أهمها، الإختلاط والسفر، المعاملة المادية والجيرة، رفقة النضال والجهاد، الكرم...  ففي نظري ومن خلال التجارب، البخيل لا يعتمد عليه في أي ظرف نضالي صعب حيث ممكن السقوط فى أحضان العمالة للأعداء نظير حب المال والإغراءات ، وإن كان عفيفا يحسد الآخرين في أي شىء كان ولو في لقمة طعام، لا يحب الصرف والدفع، ويشكك في أي موضوع يحتاج للعطاء والصرف والتبرع، مترددا في إتخاذ القرارات المهمة، مثل الشيخ وفقيه الدين الذي يحب أن يأخذ الصدقات ولا يتكرم ويعطي ويهب للآخرين غير الفتات .

                 حالات كثيرة مررت بها في خلال رحلة الحياة، وأتذكر عشرات الحالات، وسوف أذكر البعض للتدليل بدون ذكر للأسماء، مع العلم أنه لو أتيحت الفرص والذين أعنيهم مازال البعض منهم أحياءا يرزقون قرؤوا هذه المدونة سيعرفون أنفسهم، وأن كل كلمة كتبتها بضمير حق وصدق، وليس كيداً وكذباً وحسدا، محاولاً النيل منهم، أو الإدعاء عليهم بدون وجه حق .

                لقد تعرفت بأحد الأشخاص فترة طويلة حوالي 16 عاما ذقنا فيها الحلو والمر مع بعض، وكنت أعتبره من إخوة الدهر، ولم أبخل عليه طوال الوقت بكل ماهو متاح ومستطاع بجميع الجهد، والنهاية نظير ظروف صعبة عديدة مادية، وتشويش ودس الأراذل من الخبثاء نسى الماء والملح والعشر، وإنني صادق معه في كل لحظة، وإنتهت المصلحة، تآمر مع بعض أشباه الرجال ، نظير الحصول على مركز وجاه زائل ... وعرف الخطأ الذي إرتكبه بعد بعض الوقت عندما جرب الآخرين وعرف كم كنت أعاني منهم في صمت ... وحاول بكل الجهد الإستمالة والرجوع كما كنا من قبل .

                وجاءني أخ العمر الحاج الصابر كوساطة لرأب الصدع حتى ترجع المياه لمجاريها ونصبح رفاقاً كما كنا من قبل ولكن الأساس ضاع، الثقة زالت وكان رأياً قاطعاً لا شراكة ولا عمل مع بعض ، والصداقة سوف تستمر فقد أكلنا عيش وماء وملح مع بعض طوال سنين عديدة، ولم أحرق الجسور بل تركت الأمور تجري في أعنتها، ولكن ليست مثل السابق، إحتفظت به كصاحب وصديق ورفيق سابق، حتى يتعلم ويعرف قيمة الرجال وقت الضيق والمعاناة، فليس الحقد و الحسد والتشفي من أخلاقياتي وطبيعتي، وتركت الأمر لصاحب الأمر الله عز وجل ... فلي عشم ... والآن هو في رحمة الله عز وجل، الله يرحمه ويحسن له فقد كان نعم الرجل والرفيق يوما مضى إلى غير رجعة .

               أحد الحالات والنماذج، خدعنا في أحد الرجال، وتم تقديمه كمناضل يرغب في الإنضمام للتنظيم، وكنت أعرفه معرفة سطحية ومن أبناء العمومة فى القبيلة ( التواجير ) من بعيد ،،، كان يدعى الشجاعة والعزم وخدع الكثيرون بالتملق والنفاق وكان لدي شعورا داخليا ما وأحاسيس، أنه أجوف، لا أعرف لماذا ؟؟ وساعدته قدر الإمكان بتحفظ، وحدثت معه عدة حوادث من خلال الممارسات وعرفت أنه متسلق يحب الدس والفتن وسبب لي إحراجات كبيرة نظير الوشايات الكاذبة مما نظير الثقة العمياء تسرعت بسبب معلومات خاطئة من طرفه وطردت بعض الشباب من العمل والسكن في فرجينيا في شهر رمضان الكريم وكانوا أبرياءا، كان متفانياً في الخدمات لأغراض شخصية، دائماً بالجوار يتملق و يستقطب الأخبار، ونسيت مع كل الفهم والمعرفة التي لدي نظير الثقة ، أنه يلعب على الحبال ذو وجهين، مما سبب الشرخ بين الرفاق نظير الدس والفتن، ولما تأكدت من الألاعيب وضعته على الرف بدون أي إهتمام، وأقفلت ملفه طوال الحياة .. ولا تعليق عليه سواءا خيرا أم شر، فالرب القادر عارف وهو صاحب الأمر .

                أخطر الحالات التي مرت علي من أحد أدعياء العلم والمعرفة، تعرفت به في الغربة، ورشحه أحد الرفاق المحترمين بأنه من أبناء عمومته ومنطقته وفي الثمانينات حاول قدر الإستطاعة وعشرات الإتصالات أنه يرغب في الإنضمام معنا في التنظيم، وتم السؤال عنه والتحقق أنه ليس عميلاً مدسوساً، ووافقنا عليه، وزكيته وشملته بالرعاية، وتدرج في المناصب وفي وقت قليل وصل إلى الإدارة، وتعرف بالرفاق، كان ذكياً بخبث مستور في الخفاء يعرف كيف يأكل الكتف السمين، وبعد مدة عرف الكثير مما دار في الخفاء من أمور، رؤوس مواضيع وليس بالتفاصيل ... حاول تغيير المسار للتنظيم نظير أفكاره اليسارية التي لا تتمشى معنا. وعندما وجد التصدي، إنقلب إلى عدو كاسر في الخفاء، يدس الفتن وسط الرفاق بفن للوصول، وإستغل غباء وطيبة البعض وزين لهم كثيراً من الأمور .

                  والنهاية للقصة منعا للشر أن يستفحل وغسيلنا القذر يظهر للسطح ويسبب لنا الأضرار الكثيرة والكبيرة ، أنا الذي تراجعت حتى أتخلص من الرفقة المزعجة وإنسحبت في هدوء من غير أن أغضب أي أحد، قائلا للنفس إتق شر من أحسنت إليه ... فممكن هذه العثرة والدس الكاذب لمصلحتي، قدر مقدر وضع العراقيل في الطريق ضدي، حتى أتنحى وأترك هذا الطريق، فهذه الرفقة السيئة يوماً سوف تجلب المصائب والنحس حيث لدي عشم، نظير الإخلاص والثقة كل من حاول النيل مني بطريقة أو أخرى دفع الثمن، وأثبتت الأيام صدق القول، عندما تركتهم في صمت وسكون بدون ضجيج، ليس خوفاً ولكن قمة الشجاعة الأدبية، والله يسامحه على الفعل ، وأنا متأكد أنني مظلوم من الإدعاءات وهو يعرف.

               مهما كتبت عن هذه الحالات، سأحتاج إلى ملفات كثيرة للذكر، لا أدعي البراءة ولا أنني معصوما من الأخطاء، وأكيدا علي ملاحظات عديدة لا اعرفها ولا أعلم بها، والمشكلة لا يواجهون الأمر بقلوب نظيفة وحجج دامغة وشفافية حتى يتحاور الإنسان معهم ونصل إلى حل وحلول بالمنطق، وأعتبر الأمر جميلا أنهم نبهوني للخطأ حتى لا يتكرر، وتتجدد الأخوة والصداقة لباقي العمر، ففي نظري لا يمكن أي عمل سريع يتم من غير بعض الأخطاء... وأنا آسف إذا أخطأت في حق أي أحد ... ولكن هؤلاء كانوا يحاولون إزاحتي فقد كنت سداً منيعاً عائقا أمامهم .

               دائماً أعطي الأعذار لغيري ولا أحب أن أتسرع فقد تعلمت من بعض الأخطاء السابقة التي إلى الآن دائما أمام ناظري حتى لا أكررها مع آخرين، والحمد لله عز وجل، لدي موهبة عظيمة، وصفة جيدة حميدة، عندما أنام كل ليلة وأضع رأسي على المخدة، لا أحمل حقدا ولا حسدا لأي إنسان مهما كان ...  مهما حدث من سوء فهم أو عراك، مسامحاً الجميع، طالباً السماح لأنني لا أعرف عن يقين اليوم الثاني سوف أصبح حيا أرزق أعيش، أم ميتاً في ذمة الله تعالى .

                  سردي لهذه الحالات من عشرات ومئات خلال رحلة الحياة، لا أريد الإدعاء بأنني الفاهم والعارف، أردت ذكرها بتجرد وصراحة ولو على النفس حتى يتعلم غيري من الشباب في المستقبل أن لا يتسرعوا في الحكم في أي موضوع مهما كانت الأسباب حتى يتأكدوا من صحة الأخبار والمعلومات، وإنها ليست وشايات ودس وخبث، ولا يقعوا في الأخطاء مثلنا، ويقدمون الثمن الغالي من جهد ومال وتضييع للوقت الكثير الذي نحن في مسيس الحاجة لإستغلاله للوصول للغايات النبيلة منصورين ، ويختصروا الوقت نظير التجارب والمحن والمعاناة التي مرت بنا خلال الغربة والمعارضة التي إستمرت سنين طويلة للنظام بدون أية أطماع مستقبلية، والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط

 7/7 /1987م