Wednesday, August 5, 2015

قصصنا المنسية 34

بسم الله الرحمن الرحيم

 مسيرة حياة 1

              عانت مدينة درنة التهميش المبرمج ضمن مخطط كبير عن قصد المفروض عليها لجعلها تفلس وتركع من قبل الدولة وأياد الشر من المستعمرين الأجانب الإنجليز والبعض من رجال الحكم بالقصر الحاقدين  على المدينة...  مما أضطر الكثيرون من السكان للهجرة خارجها لطلب الرزق والعيش الشريف. وكان شقيقي الكبير الحاج صالح دائما يلح على الوالد بأن ينتقل بالعائلة ويهاجر إلى المنطقة الحدودية أمساعد حيث الأعمال التجارية من بيع وشراء رائجة... وكانت مصر وقتها تئن وتتألم من القوانين الإشتراكية الجائرة أيام حكم الرئيس عبدالناصر والخزانة المصرية شبه مفلسة من العملة الصعبة وغير قادرين على الإستيراد من الخارج لأي سلع كانت، حيث الدول الغربية تمارس الحصار والضغوط التجارية بقوة عليها نظير التعامل المصري مع روسيا الشيوعية في عز أيام الحرب الباردة بين الغرب والشرق ولا يريد ويرغب الغرب امتداد المد الشيوعي إلى أفريقيا عبرها وعن طريقها.

              وقام الرئيس جمال عبدالناصر رئيس مصر بأخطاء عديدة نظير ترك الغرب والتعاون مع الشرق ليغيظهم وليتحصل على سلاح حديث متطور حتى يستطيع مواجهة دولة أسرائيل ناسيا ان الصهاينة هم السادة للجميع أمريكا وروسيا معا في ذاك الوقت نظير العلم والمال والوحدة لمصلحة إسرائيل ولم يعرف كيف يتعامل بحكمة ومهارة مثل البعض من ملوك السعودية ورؤساء العرب الرئيس الحبيب بورقيبة تونس، بدل التحدى السافر وخلق أعداء شرسين ، العرب جميعهم وقتها لا يستطيعون هزيمتهم طالما يعيشون في الجهل والتفرق إلى شيع عديدة مختلفة .

               زين الرئيس عبدالناصر للجميع التحدي ولعب بالمشاعر الوطنية حسب ظنه ورؤيته الخاصة بترديد مقولات وخطب رنانة بالساعات بدون ملل ولا كلل.  والجميع يستمعون ويصفقون في حماس ويعيشون في قمة النشوة من الجهل والدمار للنفوس الغير فاهمة لما يجري من كيد للأمة العربية المتعطشة للوحدة.  ومصر في ذاك الوقت كانت في المقدمة في التعليم أمام جميع الدول العربية و لو أتيحت الفرص للشباب المصري المتعلم المشاركة في الحكم وإتخاذ القرار السليم حتى يبدعوا، لوصلوا للقمم ، ونتيجة الضغوط والإرهاب الأمني لحماية الثورة والزعيم عبدالناصر ، أضطر الكثيرون للهرب للخارج للغرب ونجح البعض في طلب العلم وأصبحوا مع الوقت علماء مشهورين في كثير من المجالات.

              أينما حل العسكريين الحكام في أي وطن عربي على مدى القرن العشرين الماضي وإلى الآن، تأخر وتقهقر للوراء عشرات السنيين مهما كانت الإطروحات والدعوة للنهوض والتقدم ، ومعاداة الغرب مما إستنزفت الطاقات وبلايين الدولارات في بناء جيوش وتكديس السلاح بلا حدود بالهبل ، والنتيجة الكوارث والمآسي والهزائم وعلى رأسها كارثة النكسة والنكبة التي حلت بجميع العرب 5 يونية عام 1967 م ، تحطمت الجيوش العربية في ساعات وأيام نظير القيادات الفاشلة وتسلط العسكريين الغير مسيسين على مقاليد الأمور وتأخر العرب إلى الوراء سنوات عديدة وسبقنا العدو الصهيوني مراحل متقدمة بالعلم وتصنيع العديد وبالأخص السلاح المتطور ولولا الخجل وبعض الحياء ، وأدعاء الكرامة  الكاذبة لكنا نحن العرب أكبر  المشترين لسلاح إسرائيل .

               كانت حالة مصر الناصرية في بدايات الستينات تعاني الفقر والإحتياج ، ومن غناء وإستقرار وثروة أيام عهد الملك فاروق الراحل ، بريطانيا العظمى بجلالة قدرها أستلفت وإستدانت من حكومة مصر ملايين الجنيهات الذهبية أثناء حربها الضروس ضد المحور (الحرب العالمية الثانية) لإطعام جيوشها بالمواد الغذائية من أجل البقاء وهذه الأموال وقتها تعتبر أرقاما ضخمة خيالية ذابت في الجيوب بعد الثورة المصرية عام 1952م ، في فترة بسيطة من التحدي الكاذب للغرب وإسرائيل وعدم الرقابة القوية والمتابعة للهدر المالي ووضع الرجال الصادقين الشرفاء الوطنيين في المراكز القيادية حتى تنهض الدولة وتتقدم آسوة بالآخرين من الأمم .

               العكس هو الذي حدث الوصوليين المنافقين المرتشين الغير مؤهلين من أشباه الرجال والقطط السمان لتسمين الحسابات بالحرام والزاقوم من أموال المجتمع وعرق البؤساء الجماهير الأبرياء وأدعياء الوطنية المنافقين الملتفين على الرؤساء ، ومع الوقت أصبحت مصر تستدين وتتلقى  المعونات الاقتصادية من الهبات المشروطة بإجحاف، وشعبها الكادح تحمل الويل والتعب والجوع وضحى بماء الوجه لقاء العيش شرفاء  بكرامة .

             أنه العسكر عندما يحكم ويتحكم ، لا يعمر ولا يبني ويشيد للإصلح ، يزرع الخراب والدمار أينما حل في أي وطن بقوة السلاح، والدليل جميع الثورات والإنتفاضات العسكرية في دول العالم الثالث ماذا عملت وحققت لشعوبها؟ هل نجحت؟ والرد الوضع العام المزري والمؤلم على الواقع في الحياة اليومية العملية كفيلا بالجواب الصادق الصحيح لمن يتابع الامور بدقة.

              أضطر الوالد عميد الأسرة نظير ضغوط مادية ونفسية أدبية وهو المجاهد الصامد أيام غزو الطليان وخوفا من نفاذ بقية الرأسمال في المصاريف للعيش والحياة بكرامة في الإعالة لعائلة كبيرة بدون دخل قرر الإنتقال إلى بلدة امساعد الحدودية مع مصر التي وقتها كانت عاجزة عن التجارة الحرة والاستيراد من العالم وسوقها المحلي بحاجة للكثير من السلع الغربية التي تتهافت الجماهير على شراءها، وكانت بلدة أمساعد الليبية الحدودية هي محطة العبور والشريان الرئيسي للتزويد والمبادلات والمقايضة التجارية من والي مصر .

               الليبيون يشترون المواد الغذائية من الأرز وزيت الكتان من بذرة القطن ( والذي أثبت العلم مؤخراً بأنه من أرقى انواع الزيوت للإستعمال البشري والحبوب بجميع أنواعها من الفاصوليا والفول والبصل وبعض الصناعات الخفيفة التي تأتي عبر التهريب بين الحدود على ظهور الحمير بالفجر إلى أمساعد وترجع بالليل محملة بالسلع من  الشاي وامواس الحلاقة والساعات السويسرية بالآلاف والأقمشة الجيدة الانجليزية لصنع البدل...  وتهريب كيلووات الذهب الخام للصياغة والتصنيع حسب مواصفات الحلى الليبية ورجوعها مرة اخرى إلى ليبيا بإسعار عالية والكثير من المواد الأولية والأشياء المطلوبة للصناعة التي يحتاجونها للتصنيع ، وتعافى الوالد بسرعة من الامراض والكآبة نتيجة الطقس الصحراوي الجاف ورواج التجارة والأرباح وحقق النجاح والثروة .

              وكنت أنا الضحية، فقد أصر الوالد على إنتقالي معه وترك الدراسة  لعدم تركي وحدي بمدينة درنة مع الآخرين من الأقرباء لصغر سني...  وتركت الدراسة يوم 1958/12/30م   وكنت بالفصل الثامن وكان عمري وقتها خمسة عشرة عاما...  وفي اليوم الثاني، وصلت متأخرا بالليل في الظلام الدامس للبيت الجديد للسكن في بلدة أمساعد.

             اليوم الأول من عام 1959م نهضت متلهفا من النوم لأتطلع إلى البلدة وكم فوجئت من الصدمة الكبيرة، بدلاً من مدينة درنة الجميلة ببساتينها وطرقها وحضارتها وسكانها وأصحابي ورفاقي والبحر الجميل للسباحة ودور العرض والمكتبة للشراء او لأستعارة للكتب من المكتبات المجانية التابعة لبريطانيا وأمريكا حيث وقتها الوسيلة الوحيدة للمعرفة والثقافة العامة ، لا وجود للقنوات المرئية ولا النت ولا الشبكات العنكبوتية والإعلام كما موجودا ومتوفرا الآن في كل مكان.

                الإقامة والسكن فى بقعة نائية صحراوية تعصف بها الرياح طوال الوقت ولا أي نوع من أنواع الحياة بها، غير ضجيج الدواب والحمير في ساعات معينة بالمئات تبدأ بالقدوم طوال الليل محملة بالسلع عبر الحدود من مصر وترجع من ليبيا قبل الفجر بساعات، وبقية النهار الهدوء والنوم ومعظم المحلات مقفلة ولا زبائن بكثرة، إلا من بعض المسافرين العابرين الذين دائما كانوا مسرعين سواءا في الدخول إلى مصر أو الرجوع منها .

               مرت سنة ونصف من عمري هناك في الإقامة مع الوالدين وكنت طوال الوقت في العمل بالمحل وأستفدت الكثير وتعلمت كيفية المعاملات التجارية في معاملة الزبائن في البيع والشراء والأخذ والعطاء مع الجميع والتي لو قضيت عشرات السنوات بالجامعات والمعاهد للدراسة لن أتعلمها مهما عملت من جهد فقد كان التعليم على الطبيعة يومياً ضمن التجارب العديدة مما ازددت خبرة وتجربة وثقفت النفس بالقراءة المتواصلة يوميا لكل كتاب وصحيفة تقع في اليد .

              كانت تأتي يوميا للمحل سيارات النقل الكبيرة محملة بالبضائع من بنغازي ويعبأ المخزن الملاصق بالكميات الكبيرة من السلع المطلوبة وبالأخص الشاي من سيلان الهند والبيع معظمه في الليل وكان الوالد وشقيقي يقفلون الباب الرئيسي الحديدي للمحلات ومصرح بالدخول لخمسة زبائن فقط للشراء حتى لا تحدث سرقات وعندما يخرج زبونا يدخل آخراً مكانه من الطابور الطويل في الانتظار بالخارج .

              حتى لا يزدحم المحل ويتم النشل والسرقات التي تحدث في بعض الأحيان والتي بهذه الطريقة تم الحصر والضبط حيث البعض من الزبائن يفتعلون قصصا للجدال والعراك بحيث التاجر فى الخضم يسهى وينسى المتابعة ويكتشف بعدها أن في أشياءا ثمينة سهل أخفاؤها، أختفت وسرقت بقدرة قادر أمام عينيه بدون أن يقبض ثمنها...  ولكن طريقة الوالد والتحكم في الدخول والخروج والتسليم للبضائع والمراقبة القوية ،،، أجبرت الزبائن على الأحترام والأنتظار أذا كانوا يرغبون الشراء فقد كان يتعامل ويبيع السلع الجيدة والأسعار مناسبة والشارى لا يستطيع إيجادها لدى الغير في السوق مما يضطرون للانتظار في الطابور ، وبالصباح المستودع فارغا من البضائع ولا توجد الا صناديق الخشب والكرتون الزائدة والمرمية القمامة أمام المحلات بالمئات .

             البيع بالليل للمهربين المصريين من قبيلة أولاد علي بالجنيه المصري ويتم الشراء للسلع المصرية وبيعها في اسواق درنة وبنغازي بالجنيه الليبي حيث الطلب كبيرا عليها ، وتشترى السلع المطلوبة للمحل من تجار بنغازي بالعملة الليبية مما يتم التوفير الكبير خلال الدورة التجارية والفروقات في الصرف في الأسواق المالية من بيع وشراء للعملة المصرية مما حققت أرباحا وفيرة في المعاملات التجارية...  والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Sunday, August 2, 2015

قصصنا المنسية 33


 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين (محمد الحصادي)

                مدينة درنة طوال العهود والزمن لديها مناضلين من الجنسين سباقون للجهاد والفداء من أجل رفعة الوطن والنهوض والتقدم يحسبهم الجاهلين انهم بعيدين عن الحس والشعور الوطني والفداء بالغالي والنفس نظير الإزدراء والتفاخر الكاذب في الأوساط ، والواقع عندما تدق طبول الحرب ويتطلب الامر التضحية والفداء وتحين الساعة المناسبة يظهرون فجأة على السطح بقوة ببطولات خارقة غير محسوبة ولا متوقعة ولا تصدق من أدعياء الوطنية المنافقين الكثيرين.

                   في منتصف السبعينات كانت الاعمال الكثيرة التجارية متوفرة والسوق رائجة في ليبيا من الاستيراد لجميع المواد للبناء والتشييد ، وكنت تاجرا ورجل أعمال كثير التنقل والسفر وحضور المعارض العالمية التجارية في اوروبا للإطلاع على الجديد في الأسواق حتى أكون سباقا في مدينتنا درنة بليبيا، وتصادفت الزيارة لمدينة بون عاصمة المانيا الغربية وقتها قبل هدم حائط سور برلين وتوحيد الغربية والشرقية معا في دولة واحدة والعاصمة برلين كما كانت من قبل أيام القياصرة والزعيم هتلر ، وكنت مدعوا لدى صديق عزيز منذ أيام الدراسة حيث يسبقني بعامين دراسيين ولدي به معرفة وثيقة من مدينة درنة،  السيد محمد الحصادي، الذي كان وقتها القنصل الليبي في السفارة .

              دعاني لتناول وجبة عشاء وخيرني بين ان تكون بالبيت وجبة ليبية من المكرونة (المبكبكة) أو العشاء في احد المطاعم بالمدينة... وإخترت البيت  لأنني مللت من تناول طعام المطاعم طوال الرحلة ، حيث عائلته تقضي الأجازة في زيارة إلى ليبيا للأهل واالأقارب وهو وحيدا وقتها.

                 وبينما كنت جالسا على الكرسي بالصالون مرتاحا وهو يغدو ويرجع من المطبخ للتأكد من الطبخ ويرتب الصحون والملاعق على الطاولة للعشاء، تناولنا الحديث والسمر ونحن نتحدث عن ليبيا وأحداثها المستمرة من التطبيل والتمثيل والنفاق ومآسيها التي بدأت تظهر على السطح بخفوت وحياء ولا من مهتم ويراجع ويسأل... وسألته سؤالا عفويا بدون أن ادري الخلفيات وراءه من أبعاد ، لماذا لم يأخذ أجازة ويسافر في صحبة العائلة؟ وكأنني فتحت جرحا بليغا لم يندمل ويشفى بعد... ورد علي وهو مطرق الرأس حزينا ، لأنه ممنوعا عليه الرجوع إلى ليبيا في الوقت الحاضر وسألته بإستغراب وتعجب... فكيف يكون ذلك  وأنت القنصل وتمثل ليبيا ولا تستطيع زيارة وطنك ؟

            رد علي بحرقة نظير تهوري وخطئي الكبير لأنني لم أكمل المشوار ووثقت في بعض رفاق السلاح والنتيجة الفشل وحدث الذي حدث والآن قنصلا في المنفى في إنتظار الأوامر وعن قريب سوف أكون على الرف متقاعدا لأن هذه الطغمة التي تحكم وفي السلطة  في الوقت الحالي  ليست مؤهلة لأي نوع من أنواع الحكم، فنحن نعرفهم جيدا أثناء العمل في المؤسسة العسكرية حيث كانوا جنودا وعساكر وضباطا صغار الرتب ونعرف عقلياتهم والنقص الرهيب بأنفسهم ، نكرات وجاهلون غير متعلمين وليست لهم ثقافة إجتماعية ولا حضارة غير العنصريات والحمية والعصبيات بحيث بالإلتفاف في مجموعات،  مغلقين يغطون بعضهم البعض .

                يخشى الواحد منهم البقاء لوحده نظير عدم الثقة في النفس والشعور بالنقص... يحبون البقاء جماعة للحماية والمنع من إكتشاف الغرباء لعقدهم النفسية العديدة، عاشوا حياة قاسية في الصحراء بدون نعيم ولا راحة التعب والحرمان من كثير من الأشياء الحياتية المطلوبة، والآن بالسلطة والجاه والغنى الرهيب...  بدؤا يتغيرون تغيرا كبيرا إلى الأسوء لأنهم حديثوا نعمة لا أساس ولا ركائز سياسية ولا نضال والوصول تدريجيا للسلطة حتى يشعرون بآلام وشعور الآخرين في الحكم والعدل والمساواة ، بل نتيجة مغامرة وعمالة ، قفزة حظ  أصبحوا السادة أصحاب القرار .

             تلك الليلة نظير الثقة العمياء بيننا، تحدث من أعماق النفس وشعوره بالإحباط والذنب أنه لم ينجح في الإطاحة بالقذافي وزمرته والقضاء عليهم بسهولة فقد كانوا وقتها في قبضته وكان بالإمكان القبض عليهم وتقديمهم  للعدالة بتهمة التمرد والانقلاب ضد الملك والنظام....

  حكى قصته المؤلمة وسبب الضيق والمعاناة النفسية بالصدر والتي أيامها تعتبر سرية في طي الكتمان حتى لا يحاسب ويعاقب وتتعرض عائلته في درنة إلى المضايقات الأمنية والتي للأسف أثبتت الأيام ان الخوف والرعب من وجود العيون الأمنية في كل مكان عبارة عن تمثيلية ومسرحية أعدت بإتقان من أساطين الشر حتى يصاب الجميع بالرعب والخوف ولا يستطيعون الرفض والتمرد على الوضع.... وقد عشت الهواجس مثل الآخرين سنوات عديدة من العمر في جهل بأمور عديدة حيث عيون القذافي في كل مكان تراقب وتحاسب، ولكن ليس إلى الحد السئ ان يخاف الاخ من اخوه كما تصورنا ونعتقد...

            القصة الحزينة حدثت في الاسبوع الأول من قيام الانقلاب في مدينة البيضاء ومجلس قيادة الثورة كان مجتمعا ليلا نهارا يتنقل من مكان إلى مكان درءا لأي خطر ومضاعفات ممكن ان تحدث ضد الثورة الوليدة والتى لم تثبت بعد....   وصديقي كان رائدا بالجيش آمرا لوحدة المدرعات في المنطقة وأصيب بالإحباط عند ظهور الاسماء التي قامت بالدور الرئيسي  بالتمرد والانقلاب، مما تهور وقام بزيارة سرية إلى السجن مع حراسه بدون أمر وقابل كبار الضباط القياديين المسجونين وطلب من أعلى رتبة أن يتولى الثورة المضادة ويصدر الامر بالانشقاق وهو وجنوده ينفذون الامر والقبض على مجلس قيادة الثورة المزعوم .

                ولم يهتم أي أحد من هؤلاء الضباط الكبار فالجميع لديهم المعلومات السرية أن آلِ الشلحي ورجال القصر وراء الانقلاب ولا يريدون التورط أو الإتهام بالثورة المضادة حيث الموضوع خطيرا في حالة الفشل كما يتراءى لهم الاعدام الفوري بالرصاص ، ولم يهتم أي أحد منهم ويهب لنجدة الملك والعرش وذكر عدة أسماء من السجناء ومن ضمنها صديقي العقيد المبروك بن طاهر من مدينتنا درنة .

                 لم يجد الإهتمام والنخوة ورجع إلى وحدته يبوء بالفشل على التهور وعدم التخطيط ووصلت المعلومة والأمر للقيادة من الوشاة بسرعة، ولم تكن قادرة على سجنه وأتهامه بالمؤامرة وقتها وصدرت الأوامر له بالذهاب فورا إلى بلدة إمساعد الحدودية مع مصر كآمر للشرطة لإبعاده عن الصورة والجنود فترة زمنية حتى تهدأ الأمور وتستقر الثورة وتثبت وعندها يتفرغون لأمثاله المشكوك في ولائهم... نفذ الأوامر الصادرة وإنتقل إلى الحدود مرغما غير قادرا على الرفض خوفا من القبض والمحاكمة الفورية والسجن المؤبد أم الإعدام بتهمة رفض الأمر العسكري الذي غير قابلا للرفض، وبقى في أمساعد مدة شهر وهو يترقب الأحداث يتألم من الذي حدث ومن مغامرته التي فشلت والصورة الجميلة الكبيرة التي إهتزت رأسا على عقب ، غير متوقع نكوص الضباط المساجين عن تولي الأمر .

              مرت به أياما وليالي سوداء في بلدة أمساعد الحدودية منتظرا الأخبار المزعجة،  يستقصي الأخبار عما يحدث من مهاترات ومؤامرات وتصفية حسابات للضباط الغير موالين ، والقيادة الجديدة التي خرجت عن الطور والعقل نتيجة النصر السريع السهل معتقدين أنهم الاوائل المنقذين وعلى الآخرين السماع والطاعة وتلبية الأمر مهما كانت لا تصلح وكأن الجماهير عساكر مجندين وليسوا مدنيين .

                 كان محمد صديقا ورفيقا للضابط موسى أحمد الحاسي من ضمن مجلس القيادة ووزيرا للداخلية ويعمل في صمت للقيام بثورة مضادة ، او كما تم الإدعاء عليه في محكمة صورية والسجن بالسجن المؤبد ، وقضى سنين عديدة بالسجن إلى ان تم إطلاق السراح والعفو عنه والتمليك (سوبر ماركت) كتعويض في أحسن منطقة بطرابلس حي الأندلس ثم مسرحية إغتياله خوفا من هربه للخارج أو البوح بحقائق ممكن تؤثر على الحكم لأنه يعلم أسرارا مهمة فهو الأساس في النجاح للإنقلاب عندما سيطر على المعسكر الرئيسي والقيادة للقوة المتحركة في بلدة قرنادة القريبة من شحات والبيضاء بقيادة السنوسي الفزاني التي كانت وقتها الدرع الواقي القوى للقصر ورجال الحكم ، تسليحها أكثر وأفضل من الجيش الليبي بالكثير من المعدات والعتاد والأسلحة ، ولو لم يتم السيطرة عليها فجأة نظير الخداع و الخيانات وأتيحت لها الفرص وقاومت الإنقلاب الأسود، لمصير ليبيا تغير للأفضل.

                صديقنا محمد بتصرفه ومغامرته نظير النخوة والحمية والسرعة في إتخاذ القرار، والتهور وعدم التخطيط السليم وتصرفات الوزير موسى أحمد صديقه ولم يكن لرجال الحكم الدليل والإثبات على التعاون تم الأمر بتعيين محمد في وزارة الخارجية وإرساله كقنصل يمثل الدولة الليبية في ألمانيا الإتحادية لإبعاده كليا عن الوطن فترة طويلة، والمشكلة التي حزت بالنفس كثيرا لديه أنه في الطريق من بلدة إمساعد إلى مطار بنغازي للسفر ضمن حراسة مشددة طلب زيارة والده المريض الذي يحتضر ورفض الطلب بالزيارة ومر على مدينة درنة والقلب داميا من سوء المعاملة والإهانة بحيث لم تتاح له الفرصة ويودع والده الوداع الأخير .

            سمعت القصة شخصيا تلك الليلة وتأثرت من الموقف الوطني والمغامرة والأخطاء العديدة وأن رجال الحكم أشباه رجال كان الله تعالى في عون ليبيا وعوننا حتى يتم الخلاص يوما منهم ونرتاح ، ومن كثرة الاعمال والرغبة في النجاح والإثراء لم أتعظ وأعطى الأمر أهمية كبيرة و أضع الخطط لإتقاء الشر يوما قبل ان يحدث وأعمل بعض الاستثمارات بالخارج تنفع يوما من الأيام وقت الضيق كما فعل البعض من الأذكياء المحظوظين ، وعندما رجعت إلى بنغازي من الرحلة كانت القصة ترن وتدور في الذهن راغبا في معرفة الحقيقة وهل حدثت فعلا ، أم عبارة عن كلام وهراء ومزايدات وطنية وقت السهر والسمر لا تخلو منه أية سهرة ليبية خاصة .

            وشاءت الصدف ودعاني المرحوم العقيد المبروك بن طاهر المتقاعد على وجبة عشاء في بيته ببنغازي في ضاحية الفويهات وكان وقتها مسؤولا والمدير العام في مشروع زراعي كبير (السهول الخضر) غربا من بنغازي إلى البريقة حسب ما عرفت وأثناء العشاء حكيت له الزيارة في ألمانيا وذكرت له القصة وماذا قال محمد...  ورد على باقتضاب وبألم وكأنه لا يريد الإسترسال في القصة والحديث، أن محمد صادقا في القول والفعل فقد زارنا في السجن وطلب المساندة ولكن كنا محبطين تقاسعنا عن النجدة و لم نوافق .

                بعد سنين سمعت أن القنصل محمد، زيادة في العقاب والإهانة،  تم نقله وإبعاده مرة أخرى من بون، العاصمة الألمانية، إلى الخرطوم السودان كقنصل حوالي السنتين وبعدها النقل إلى مدينة درنة موظفا في شركة طلميثة الملاحية إلى أن تقاعد بعامل السن .

               إنني أحي نوعية هؤلاء الرجال المنسيين الصامتين في الظلال الذين يتألمون في صمت عن أحداث مرت واصبحت في طوايا النسيان، والواقع هي شواهد وذكريات أليمة ستبقى تذكر بخيرها وشرها للذكرى ، أحببت تدوينها حتى لا تضيع وتنتسى مع مرور الزمن ، عن ماذا قدم رجال درنة من نضال وتضحيات  في سبيل ليبيا الوطن... والله الموفق .

             رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع... 

Thursday, July 30, 2015

قصصنا المنسية 32


 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين

             الكثير من الرجال ضحوا من أجل الوطن وقدموا الكثير من الجهد والعرق والدم في مناوشات ومعارك عديدة صغيرة والبعض فردية ضد المستعمرين الأجانب... أظهروا فيها البطولات، ولم تتاح لهم الشهادة والموت في ساحات المعارك وكتبت لهم الحياة لأمور غيبية يعلمها الله عزوجل ، والبعض إستشهد في ساحات الوغى والمعارك وذكرهم التاريخ بالذكرى الحسنة ، والبعض منسيين مهمشين في زوايا النسيان أبطالا مقبورين لم يتركوا أي أثر وراءهم حتى يدخلوا تاريخ الجهاد الوطني من أوسع أبوابه ، وظلوا جنودا مجهولين للبشر، لكن ذكراهم حية عند الخالق الرب الكريم .

             سمعت قصة وحادثة وقعت ولم تدون ويصبح لها الذكر من صديق عزيز السيد سيف النصر عبدالجليل الذي كان آخر وزير دفاع للمملكة الليبية وقت الإنقلاب الاسود المشئوم عام 1969 م الذي سرد لنا يوما في سهرة سمر في القاهرة ، مصر ، عن الأبطال المجهولين أنه سمع حكاية وقصة عن بطل مجهول لم يذكر في التاريخ من العجوز المسؤول في المقصف عن إعداد وجبات الفطور في الضحى وتقديم الشاي والقهوة للزوار خلال ساعات العمل في مدينة البيضاء... وفي ضحى يوم من أيام فصل الشتاء الباردة (البيضاء مشهورة  بالبرد القارس) وبينما كان يعد الفطور لمجموعة المكتب   حيث في ليبيا لايوجد لدينا النظام الطبقي ولا التفرقة مثل العديد من الدول العربية ... عامل المقصف والسائق والوزير كبير الشأن أم صغيرا، سواسية ساعات الراحة اصدقاءا يتسامرون مع بعض، سرد العجوز هذه القصة التي تدور احداثها   في الثلاثينات من القرن الماضي، عندما كان شابا صغير السن مجندا لدى الإيطاليين حسب قوله وخرج مع بقية الدورية بناءا على إخبارية من وشاة بأن قافلة صغيرة من عدة إبل في طريقها إلى أحد مواقع المقاومة والجهاد،  محملة بالذخيرة والسلاح... وكانت الدورية مكونة من ثلاثة سيارات وجنودا من المحليين والأحباش المرتزقة من إريتريا والضابط المسؤول ومعاونيه والسائقين الإيطاليين حيث في ذاك الوقت كان القليل من المحليين قادرين على قيادة السيارات .

              تحركت سيارات الدورية إلى مكان معين في أحد الأودية جنوب الجبل الأخضر على مشارف الصحراء وتم التمويه الجيد والإخفاء انتظارا لمرور القافلة حتى يتم القبض عليها وطوال الليل بدون راحة ولا نوم في الإنتظار للإنقضاض فجأة صامتين من غير أية أضواء ولا أصوات لخداع القادمين حتى يقعوا في الفخ بسهولة كما كان يعتقد الضابط المسؤول وهم قادمين حيث في هدوء الصحراء التام تسمع صدى الأصوات تتردد من بعيد ، وأنوار لهب النار تشاهد من مسافة عشرات الكيلومترات.

               أثناء الفجر وعندما بدأ ضياء النهار في البزوغ والوضوح شاهدوا ظلال القافلة تظهر وتسير ببطء إلى الكمين بدون ان يدروا ونظير الإستعجال واللهفة من قائد الدورية الايطالي بالمغامرة  والقنص وكأنه في رحلة صيد، ناسيا أنه يتعامل مع ثوار (محافظية) مقاتلين أشداء ، الحياة والموت عندهم سيان في سبيل الوطن، ولم يصبر ويتأنى حتى يصلوا ويباغتهم فجأة ويقبض عليهم... أمر الجميع بالركوب في السيارات للمباغتة والمطاردة حتى لا يهربوا إلى الجبال العالية ويتركوا الجمال محملة لوحدها سائبة في الوادي حيث شاهدهم بالمنظار قليلي العدد وبالإستطاعة السيطرة عليهم بسهولة والقبض عليهم أو القضاء عليهم .

               وتحركت السيارات ببطء نحوهم حيث الأرض وعرة شبه رملية والإطارات تغرس من السير بصعوبة تتحرك، وشاهدتها القافلة وكانوا عدة شباب يقودهم شيخ عجوز، شاهدوه من بعد وهو يشاور بيديه للشباب بقيادة الإبل إلى الخلف بسرعة والهرب حتى لا يقبض عليهم بسهولة .

                جلس القرفصاء ( نصف جلسة واضعا ركبه ونصف على الأرض )، وربط أكمام اليدين من ثوبه الفضفاضة وراء عنقه حتى لا تعيقه عن الحركة بسهولة ، ووجه بندقيته بإحكام تجاههم متحديا قدوم السيارات التي كانت تقترب... وصرخ في الوادي بصوت عالي مما رددت الجبال صدى الصوت بقوة (شتاوة) أهزوجة قتالية ليبية قائلا ( يا أمكوغط حن، عدوانك جن) وبدأ المعركة وأطلق الرصاصة الأولى فجأة أصابت سائق السيارة الأول في الرأس وقتلته مما توقفت السيارة ومنعت الأخريات من التقدم، ثم الطلقة الثانية أصابت وقتلت سائق السيارة الثانية عندما تجاوز الأولى الواقفة محاولا التقدم، والثالثة بنفس الكيفية فقد كان مقاتلا قناصا، كل طلقة بقتيل من الأعداء حيث ذو معرفة في فنون القتال والإختيار للأهداف حتى يعطل الركب والهجوم.

             غضب الضابط الإيطالي غضبا شديدا من الموقف الرهيب والحدث أن مقاوما عجوزا من البادية، يتحداهم لوحده ويقتل سائقي سيارات الدورية في دقائق سريعة وأزاح پقوة ورمى على الارض جثة السائق القتيل الراكب معه من على المقود بسرعة وغيظ، وحاول القيادة والهجوم ولكن العجوز لم يمهله وأطلق عليه الرصاص وقتله، مما توقفت السيارات في الوادي، نظير موت السائقين والضابط بسرعة وبقية المجندين يطلقون  الرصاص العشوائي بغزارة عسى ان تصيب إحداها العجوز المهاجم .

              وقفز العجوز وأطلق صرخة أخرى وقال ( ياناب هذا حق الشياب) وهرب في لحظات وذاب وتلاشى إلى عدم، وكأن الأرض إنشقت   وبلعته بدون أن يدروا ، في خضم الفوضى والدهشة من الذي حدث بسرعة، ولم يستطيعوا الإستمرار والمطاردة للعجوز والإبل، حيث لا أحدا يعرف قيادة السيارات وغير مهتمين بدون ضابط مسؤول يصدر الأوامر، ولا يريدون المغامرة والقتل من قناص ويطاردون ثائرا رغبته الشهادة والموت في الدفاع عن الوطن .

             هذه الحادثة البسيطة واحدة من عشرات المئات من الأحداث والمصادمات والمعارك الفردية والجماعية والتي قاوم فيها المجاهدون الليبيون طوال سنين الغزو الإيطالي المرير لأرض ليبيا، دفاعا عن الوطن والفداء والتضحية بالأرواح والدم نظير خلاص الوطن حتى إنتهاء الحرب العالمية الثانية بالنصر للحلفاء وطرد الإيطاليين الغزاة من ليبيا للأبد .
   
             إن قصة مثل هذا العجوز لدليل حي عن مدى الشجاعة والصمود بدون وجل ولا خوف من الأعداء ساعة التحدي والمواجهة...  صد تقدم الدورية في الوادي لوحده يغمره الإيمان بعدالة القضية التي يحارب من أجلها، بالروح والدم، ضد غزاة الوطن عن قناعة وتحدي، فأبناء الشعب الليبي ليسوا بجبناء ضعاف النفوس غير قادرين على القتال والتضحية، لديهم الصبر على تحمل المصائب والمصاعب وكأنهم غير قادرين على الرد والدفاع والهجوم ، وساعة الصفر والنفير والطلب للجهاد والتضحية بالنفوس أسودا أشاوس عندما يزيد الظلم والطغيان عن الحد، شجعانا لا يتوقفون عن النضال والمقاومة حتى يصلوا بقدرة الله عزوجل والتوفيق إلى الهدف والنصر، حسب مقولة شيخ الشهداء عمر المختار الخالدة "نحن شعب لا يستسلم،  ننتصر أو نموت"...  والله الموفق...                                                                                 

          رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع... 

Sunday, July 26, 2015

قصصنا المنسية 31

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحاجة صفية ( الولاء والوفاء )

               قصص وأحداث وحوادث فردية كثيرة وطنية لم تذكر ولم تروى ولم تدون كتابة على الورق حتى يعرفها معظم أبناء الشعب التي قام بها الكثيرون والكثيرات بصورة عفوية نظير الحب والولاء للوطن، عن وطنية نابعة من القلب، بغض النظر على النظام حيث الشعور القوي لدى الإنسان وقت الغيظ والغضب تجعله وحشا جريحا شرسا لا يتوقف بسهولة وبالأخص عندما يهان من الغير بقصد الاستهزاء والسخرية  من بعض الأجانب القادمين للعمل والإسترزاق بالوطن.

             تحز في النفس مشاهدة إخوتنا أبناء الوطن وهم يسمعون القذف والسب ولا يفهمون اللغة ولا الغمز ولا اللمز الذي يدور مما يبتسمون لهؤلاء الصعاليك وهم لا يعرفون ماذا يقولون عنهم من كلمات ومعاني قذرة تمس الكرامة والحياء، ولو يفهمون ويتكلمون اللغة بطلاقة لكان الرد صعبا مشادة قوية وضربا مبرحا حتى يتعلموا الدرس ولا يستهزؤن على الشعوب الأخرى لأي سبب كان إلا بالحق .

          قصص ونوادر كثيرة حدثت ، أحببت تجميعها وكتابتها ونشرها في المدونة حتى يعرف الكثيرون من أبناء الشعوب الأخرى بالعالم مدى حبنا نحن الليبيين الوطنيين من الجنسين للوطن ، وماذا قدمنا من تضحيات خلال الأوقات الصعبة، مثلا أثناء الحصار الإقتصادي الذي دام سنين عديدة على الوطن نظير قضية لوكربي المفتعلة  (سقوط الطائرة الامريكية) والشعب الليبي كان بريئا ومظلوما من الحدث ودفع وقدم الثمن الغالي نظير الاتهام الزائف من هيئة الأمم المتحدة لإبتزاز الطاغية القذافي أنه وراء الحدث.

                الشعب الليبي بسيط وقليل العدد والكثيرون يجهلون قدراته غير آبهين ناسين قيمته ومعتبرين أنه لا وزن له، يعتقدون أنه جاهل لا يفهم وهو عملاق كبير مكبل بالأغلال والقيود طوال عقود من الإرهاب نتيجة القتل والتعذيب لأتفه الأسباب... والقصة والحكاية حدثت في التسعينات من القرن العشرين الماضي أثناء الحصار الجوي المفروض على ليبيا والمنع للسفر بالطائرات للخارج أو القدوم، مما تسبب في الكثير من المعاناة والتعب للمسافرين الليبيين الابرياء نظير الحاجة للسفر .

               حدثت في مالطا حيث كانت الحاجة زوجتي وإبنتنا الصغيرة الطالبة ذات الثمان سنوات أثناء  العطلة الصيفية للمدرسة في امريكا في زيارة إلى ليبيا للأهل والأقارب وكانت الوسيلة الوحيدة للوصول السهل عبر مالطة بحرا بالسفن او بالبر عبر الحدود سواءا من تونس والجزائر ام مصر وغيرها الحدودية ، وكانت مالطة مركزا ومحطة عبور لجميع الأجانب العاملين في قطاع النفط والنهر الصناعي لجلب المياه في أنابيب ضخمة من الصحراء للمدن .

                  الجميع يتزاحمون على صعود الباخرة الليبية المتجهة إلى طرابلس العاصمة ، ويمرون بمعاناة ومضايقات بلا حدود نظير الجهل والخوف من تسرب البعض الضارين بالنظام والانتظار في الطابور الطويل للفحص وختم تذاكر الصعود بالساعات وكانت الحاجة تنتظر دورها لتسأل عن التذاكر والحجز من ليبيا من طرف والدها.

               أثناء تلك الفترة الطويلة في الوقوف في الشمس المحرقة ولا من مهتما بالوضع ، والفوضى عارمة والزحام من المسافرين الركاب يتدافعون على السلم مثل العادة الليبية  للجماهيرية الفوضى والهرج والمرج، حيث كل راكب يريد ويرغب ان يكون الأول في الصعود بدون ترتيب ونظام وإحترام الدور فى طوابير... وكانت فرقة أجانب كنديين من مهندسين وفنيين في قطاع النفط في الطابور الطويل يتسامرون يمزحون ويستهزئون على فوضى الليبيين ويقولون كلاما كثيرا بذيئا ونكتا قذرة تجعل الدم في عروق أي ليبي وطني فاهما اللغة والمعاني يغلي من الغيظ والغضب... كانت الحاجة وراءهم في الطابور مع إبنتنا الصغيرة بالكاد واقفة من التعب وطول الانتظار وتسمع النقد الجارح البذئ لبني الوطن والإستهزاء عليهم وهي تغلي من الغضب في صمت .

               قاومت الكثير ولم تتحمل السكوت والصمت وربتت على كتفيه  وتدخلت في الحديث بغضب وفوجىء الكندي بالرد الغاضب وتلعثم في الكلام ولم يعرف الرد المناسب عليها غير تمتمة كلمات غير مفهومة نظير المفاجأة ، لم يكن يدرى ويعتقد أن هذه السيدة الليبية الواقفة بجانبهم تتحدث جيدا اللغة الإنجليزية، و سمعته طوال الوقت وكيف كان يسخر ويستهزء على الليبيين العرب .

               حاول البعض من رفاقه التدخل في الأمر والإعتذار وأنه لا يقصد السباب لأنه مخمورا ونشوان ، ولكن الحاجة تمادت وقالت له بصرامة وكأنها محقق أمني ماهو عملك في ليبيا؟؟ ورد عليها مرتبكا وقال لها فني في شركة نفط ، وردت الحاجة هذا التعب والمعاناة لنا نحن الليبيون سببه أنتم الأجانب فقد صوتت دولتك كندا على الحصار الآثم بالموافقة في مجلس الأمن على الحظر الجوي وكبرت القصة وتباعد رفاقه عنه وبدؤا يغنون في أغنية شائعة في ذلك الوقت بينهم على وصول كائن من الأجرام السماوية إلى الأرض ليتجسس على البشر ومعنى الأغنية لرفيقهم ليحتاط فهذه السيدة ممكن تكون من اللجان الثورية الأمنية، وردت عليهم ساخرة مستهزءة وقالت آسفة الأغنية معروفة وأعرف ماذا تعنون وتقصدون مما زادوا ارتباكا ، وقالت: عليه الإعتذار وأن يحترم الشعب الليبي إذا أراد أن يسافر ويعمل فيها .

               وفي تلك الأثناء حضر الكثيرون من المسافرين وحراس أمن الباخرة لمساعدتها عندما عرفوا المشادة والقصة مهنئين لها على الموقف النبيل الذي يشرف أي مواطن ومواطنة ليبيين ويقولون لها (صحيتي ياأخت) وتمت معاونتها في حمل الحقائب ووسع لها الجميع الطريق حتى صعدت على الباخرة بدون تذاكر وتمت التوصية عليها وقادها أحد المسؤولين والعامل وراءهم يحمل في الحقائب ويفتح في الأبواب حتى الغرفة المطلوبة، وقال سيدتي تفضلي هذه من أحسن الغرف لدينا لترتاحن .

            دخلت الحاجة صفية وإبنتنا الصغيرة  وهي غير مصدقة كيف تمت الامور وفتحها الله عز وجل في وجهها بهذه المشادة مع الكندي الغير مقصودة والغير مرتبة والتي حدثت عفويا، و تجد نفسها من أوائل الركاب وبأحسن الغرف في الباخرة بعد الوقوف الطويل والإنتظار في الشمس اللاهبة والمعاناة والتعب نظير السفر الطويل عبر القارات من أمريكا إلى جزيرة مالطة مجانا بدون تذاكر .

               نهاية الأصيل تم الصعود للجميع وبدأت الباخرة مع حلول المغرب والظلام في الإقلاع ببطء من الميناء متجهة إلى طرابلس ليبيا وخرجت زوجتي وابنتي  وجلستا على كرسي طويل على الجسر تشاهدان الميناء بأنواره  المتلألئة وهو يتباعد رويدا رويدا وتستنشق  هواء البحر العليل عندما مر فجأة المسؤول المراجع وقال لها متسائلا هل تعشيت ياحاجة ؟ وردت بأنها لا تريد الزحام وسوف تنتظر حتى يخف ورفض وطلب منها ان تتبعه إلى المطعم وتبعته وأميمة بجوارها عبر الطرقات الخلفية في الباخرة وفتح أحد الأبواب المؤدية إلى صالة الطعام حيث البوفيه جاهزا من جميع أنواع الطعام الشهي  مما لذ وطاب للمسافرين وجبة العشاء ، واختارت طاولة لتناول الطعام ، وعبأت صحون الطعام الذي تحبه  وبدأت في الأكل اللذيذ إلى أن تم فتح الباب ودخل المسافرون بسرعة للعشاء ووجدوها أمامهم مع أبنتها تأكل في راحة مما تم الإستغراب من كثيرين ماهذه الشخصية التي تعامل بكل الإحترام والتقدير ... والبعض يتهامسون أنها من الأمن والمخابرات (واصلة) على الطريقة الليبية وهي براء من التساؤلات والإتهامات ولكن هذه عادة الليبيون البسطاء نظير الخوف والرعب من النظام القمعي كل شىء غير عادي يتم تأويله إلى العيون والجواسيس التابعة للأمن .

               تطلعت فى وجوه المسافرين الكثيرين ولم تشاهد الفني سبب المشادة ولا المجموعة الكندية في الصالة . وذهبت إلى الغرفة للنوم والراحة ، وبالصباح في صالة الطعام لوجبة الافطار وقبل ان تنتهي مر عليها احد افراد المجموعة الكندية يعتذر على سوء تصرف رفيقه ويطلب منها السماح له ، خوفا عليه من البلاغ للسلطات مما قالت لا مانع بشرط ان يتعلم الدرس ويحترم الآخرين مستقبلا ولا يستهزئ عليهم.

             وصلت الباخرة إلى ميناء طرابلس ورصفت على الرصيف حوالي الضحى ونزلت مع الركاب والجميع يساعدون فيها على حمل الحقائب ومرت على الجمارك للفحص ولم تفتح لها اية حقيبة حيث جماعة أمن الباخرة من بعيد شاهدتهم وهم يشيرون عليها لضابط الجمرك بعدم الإزعاج والتدقيق مما مرت بسلام ووجدت نفسها خارج الميناء أمام صالة الوصول ولم تكن سيارات أجرة متوفرة للنقل مما جماعة الأمن قاموا بمساعدتها وركبت حافلة النهر الصناعي مع المدراء والفنيين إلى موقع المركز الرئيسى وبعده بسيارة خاصة إلى المطار ولم يكن لديها حجزا على الطائرة ولاتوجد مقاعدا للحجز عندما سألت... مما أسقط في يدها ، ولكن سائق العربة الذي أوصلها كان يتمم الإجراءات لبعض المسافرين الأجانب وجدها حائرة، حجز لها مقعدين من مقاعد النهر الصناعي الموضوعة للطوارىء وأحضر لها بطاقات الصعود ودفعت له قيمتهما وهي شاكرة وممتنة وكانتا من أوائل الركاب على متنها، وصعد الركاب ووجدوها قبلهم جالسة ، وكل هذه المصادفات دليلا على حسن النية والحظ ووصلت إلى مطار بنينا بنغازي وكان والدها الحاج محمد في إنتظارها و فرحة بالوصول .

               حضرت إلى درنة وأقامت بالمزرعة فترة اسبوع ، وسافرت إلى بنغازي لزيارة بقية العائلة من الأخوات والأقارب ولم يكن لدي علم بالموضوع والمشادة كاملة غير رؤوس أقلام بدون الشرح الكامل حتى فوجئت يوما بالمزرعة حضور مدير الأمن الخارجي في منطقتنا درنة (العقيد فتحي خليل) حوالي الضحى وطلب مقابلة الحاجة للحديث معها في موضوع هام وخاص وكان الرد حاليا غير موجودة ، وأصر على رؤيتها لقفل الموضوع والملف حسب قوله وخفت عليها أن تكون متورطة في أي شىء أحضرته معها أو بالصدفة في حقائبها وبالأخص المناشير ومجلات المعارضة حيث كانت جريمة كبرى وقتها يحاسبون عليها بأقصى العقوبات .

             منع الإعلام الحر من التداول بأي صورة كانت للجماهير بالداخل المحرومين من المعرفة سنوات عديدة من المجلات والصحف والكتب المعادية في نظر المسؤولين ، وتتداول في السوق كتب وصحف النظام والمجلات المأجورة من عديد من الدول العربية وليس مثل الآن كل المعرفة متوفرة (بالنت والشبكات العنكبوتية والقنوات المرئية الفضائية) .

             وإضطررت للذهاب معه إلى بنغازي في سيارته وهو يقود مما إعتبرت الأمر هاما محاولا معرفة كل شىء حتى أستعد له وحاولت إستدراجه طوال الطريق لأعرف أي شئ عن الموضوع كرأس خيط حتى ترتاح النفس من التساؤلات العديدة ، ولكن بدون فائدة فقد كان خبيرا في الإستدراج والحيل حيث هو رئيس الدائرة والمدير...  ووصلنا إلى بنغازي و تمت المقابلة في بيت والدها في الحدائق بالفويهات وسمعنا قصة المشادة كاملة منها وشكرها على وطنيتها وموقفها وتصديها الجيد للأجانب، وأنا أسمع في الشكر والثناء سعيدا فرحا ان الأمور انتهت على الخير ، وطلب منا زيارة المدير للأمن في مقر الرئاسة للمنطقة الشرقية في منطقة الحدائق الفويهات، العميد عبد المولى العرفي ،  مما فعلنا للتأكيد على الموضوع وقفل الملف للأبد ، وتركت الحاجة في بنغازي لتكملة زياراتها ورجعت بالمساء مع العقيد فتحي إلى مدينة درنة وأنا سعيدا مزهوا على الموقف الوطني للحاجة وأن الأمور مرت بخير... والله الموفق...

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

قصصنا المنسية 30

بسم الله الرحمن الرحيم

 مدينة درنة الصحابة 5

               زاد الضغط على المدينة، لا أعمال ولا إستثمارات ولا حركة تجارية رائجة مما أصبحت مدينة درنة تحتضر، بالكاد ذلك الوقت تعيش وتتنفس شبه مهجورة من السكان إلا من القلائل المارين في الشوارع الضيقة... تحمل لقب شوارع بمقاييس ذاك الوقت وهي أزقة ضيقة (زنقة) ، معظم الدراونة خارج المدينة في طلب الرزق والموجودون قلة من الرجال والشباب وأكثرهم كبارا في السن عواجيز وأولاد صغار، ومعظم الشباب والرجال طلبة بالجامعات المحلية وبالخارج في طلب العلم، ومتطوعين طلبة بالكليات العسكرية من جيش وشرطة والكثيرون كانوا يعملون في الصحراء مع شركات النفط في وظائف عادية وكان إعتماد الدراونة على العمل في المدن الأخرى وبالخارج لإعالة عائلاتهم بالداخل، وتزداد رواجا وحركة فترات العيد والمناسبات والعطلات حيث معظم المهاجرين المقيمين في بنغازي والبيضاء و طبرق والبعض من طرابلس يأتون لزيارة الأهل ، وتمضية بعض الوقت .

           كانت حالة المدينة منذ عام 1956م إلى عام 1972م صعبة ومعاناة بالكاد تعيش ضمن الكفاف إلى أن بدأت طفرة غير عادية عشوائية بسيطة حوالي 5 سنوات من البناء والتعمير بعد الإنقلاب الأسود 1969م وغياب المملكة ولم تستمر طويلا حتى تم الزحف والتأميم عام 1978م وضاعت جميع الطموحات، وإنتكست المدينة مرة أخرى ودخلت ضمن سجل التهميش لسنوات عديدة ....

             مشاريع الإعمار والبناء وتشييد البيوت للسكن في جميع أنحاء ليبيا كان لغرض في نفس يعقوب من قبل القذافي، حتى يستجمع الأنفاس و يتحصل على الوقت لوضع وغرس أساسات الشر من معاونيه ورجاله الأوفياء الجهلة في مراكز حساسة ليقود الوطن حسب رؤياه وتطلعاته وكان التركيز على الجنوب الذي وقتها كان شبه منسيا، يعيش على الفتات، والثروة النفطية بدأت في الجريان والسيولة في أيدي الحكومة بقوة وظهرت بعض القبائل المغمورة والتي ليس لها ذكر ولا صوت أيام المملكة مهمشة تعيش وتنمو وتزدهر على السطح نظير بعض أبنائها الموالين للإنقلاب وهم غير مؤهلين للسلطة والحكم حيث لا علما ولا تجربة .

                 حدثت تجاوزات رهيبة أخطرها ملاحقة الطلبة المعارضين الأحرار الشرفاء والتشديد عليهم ومنع اللغات الأجنبية من التدريس بالمدارس والجامعات وحرمت أجيالا كثيرة من العلم والفهم ومعرفة ماذا يدور في العالم الخارجي من أمور، تحتاج إلى لغات أجنبية حتى يستطيعون الفهم والعمل ضمنهم بسهولة بدلا من الإحتياج إلى مترجمين مما يضيع الوقت والمال نظير عدم الرؤيا المستقبلية البعيدة والتعصب والجهل الشديد والنقص بالنفس بحيث لا يرغبون للآخرين بأن يكونوا أحسن مستوى علمي وفهما منهم .

                  حصلت مدينة درنة على نصيبها من الطفرة ، الفتات من البناء التقليدي للبيوت والشقق حيث اخوتنا   المهندسين المصريون (الجيل السابق)، الله عز وجل يسامحهم، خططوا لبناء المدن وبالأخص في المنطقة الشرقية وتم رسم الخرائط بنفس العقلية المصرية الضيقة في ذلك الوقت ، البناء الرأسي وليس الأفقي ونحن لدينا مساحات الأرض وقلة عدد السكان وعاداتنا تختلف كل الإختلاف في العيش سواءا الأفراح أم الأتراح ولدينا المال للتشييد والبناء فنحن كنا أثرياء مال ولكن فقراء عقول وخبرات وتجارب ، في ذاك الوقت،  حيث كنا نعيش في الأحلام الوردية وأمجاد الأوائل من الجدود من غير أن نعمل بجد ونصنع أمجادنا بأيدينا وقدراتنا .

             المشاكل عديدة ومنها العمالة المصرية الرخيصة، حيث كل من هب ودب وأتى إلى ليبيا من عامل عادي في وقت قصير، اكتسب الخبرة من التعامل مع  البسطاء الجاهلين وأصبح فنيا (معلما) حسب مايقولون وذلك في غياب الرقابة الصارمة حيث وقتها لم يكن  يوجد مهندسون ليبيون كما الآن بالعشرات ومعظمهم بحاجة إلى التقييم والتأهيل من جديد وإعطائهم دورات جديدة على الطرق الحديثة والبناء حسب متطلبات العصر، وليس الضخامة الزائدة عن اللزوم في حسابات البناء والتنفيذ لكميات الحديد والإسمنت وكأننا نريد العيش آلاف السنين .

            أبناء الشعب معظمهم ليس لهم دراية بالعمل والبناء، جهلة بالتشييد،  مما ضاعوا أمام نصائح الفنيين والذين هم أصلا لا يفهمون بل عمالا بسطاء،حيث البنائون المهرة لم يخرجوا مغتربين إلى أي مكان حيث الطلب عليهم شديد في مصر بأجور عالية .

              هذه حالة مدينة درنة بدون تخطيط كامل حديث بل انتشر البناء العشوائي، وأيامها كنت مقاول لبناء الطرق ولطالما حدثت مشاكل في التنفيذ حيث كنا نقول ونخاطب رسميا ضمن المراسلات الموثقة عمداء البلديات ونلفت انتباههم  في عديد من المناسبات إلى أن الشوارع ضيقة، عبارة عن  أزقة،   حيث عرضها في التفرعات بضعة أمتار وصعب دخول الآليات الثقيلة والعمل وسط السكان وحركة المرور، ولا يردون على مراسلاتنا ولا يهتمون بالمصلحة العامة ، وكنا نرغم من المسؤولين في الإدارات الحكومية الكثيرة على التقيد بالرسومات الخاطئة حتى لا يثبت العجز لديهم ومهما حاولنا الرفض والعناد وعدم التنفيذ ، جوبهنا بالتهديد وسحب العقود من التنفيذ وترسيتها على آخرين لا يهمهم صلاح المدينة، بل كم الإستفادة الشخصية من أموال حرام .

            تم  صرف الملايين خلال 42 عاما والمدينة لم تظهر بالمظهر الجميل اللآئق، مع ان مدينة درنة جميلة بطبيعتها ولها مميزات عديدة بحاجة للصقل وتحتاج إلى تغيير شامل، أو بناء مدينة جديدة في منطقة الظهر الأحمر حيث المساحات الشاسعة وتوفر المياه بغزارة من البحيرة الجوفية الكبيرة تحتها حسب تقارير الخبراء الجيولوجيين .

               نحتاج إلى بناء مدينة درنة الجديدة بحيث تصبح جوهرة يضرب بها المثل، ليس في ليبيا والوطن العربي فقط بل في جميع انحاء العالم، إذا أتيحت لنا الفرص وخرجنا من دوائر الدسائس والمكايد وأيادي الشر... فالنظرة ليست ربحا ماديا ولكن الوضع بصمات سوف نذكر بها أو ونخلد إلى الأبد لو تم التنفيذ كما يجب، فنحن أبناء المدينة (وأهل مكة أدرى بشعابها) .حيث تصوراتي وكلماتي ليست رجاءا لأي من المسؤولين الحاليين  أو القادمين مستقبلا... نريد ونرغب مساندة المدينة والمنطقة وإعمارها وفتح فرص عمل كبيرة لليد العاملة وشبابها وبناء المساكن اللائقة الحديثة مع جميع ملحقاتها من أعمال مدنية حتى يسعدوا في العيش الكريم.

               التشجيع على الزواج الجماعي حتى يكثر العدد، ولن نقف مكتوفي الأيدي كما كنا من قبل تحت أي ظرف ننتظر القرارات حتى تصلنا من أصحاب القرار من العاصمة طرابلس، ولكن حقنا كدراونة في ثروة بلادنا نظير دم شهدائنا ونظير تهميشنا طوال هذه السنين منذ الإستقلال، وسوف نأخذه بالحوار والنقاش والمنطق ضمن الدستور والقانون.

             إذا تطلب الأمر المتابعة الشديدة والمظاهرات والاعتصامات حتى نصل إلى الهدف الذي هو ليس طلبا شخصيا ولكن طلب الجماهير الدرناوية من جميع شرائح الوطن حتى ننهض من الكبوة والتهميش المفتعل بالقصد .

           لقد أثبت رجالنا وشبابنا قدراتهم في ميدان الحرب والنزال والقتال ضد الطاغية وشرفوا مدينة درنة أمنا، والآن نحن رجال الأعمال في السلم والسلام ذوي الخبرات والتجربة، جاء دورنا وسوف نثبت مدى قدراتنا في الإعمار والبناء والتشييد إذا أتيحت الفرص لأبناء المدينة الشرفاء الغيورين على مصلحتها حتى يعم الخير على الجميع في المنطقة ويتوقف القطط السمان وأشباه الرجال أدعياء الوطنية عن السلب والنهب... والله الموفق .

           رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Tuesday, July 14, 2015

قصصنا المنسية 29


 بسم الله الرحمن الرحيم

 مدينة درنة الصحابة 4

             تم دس الإشاعات المغرضة  والفتن بأن المدينة لا تحب المملكة ولا شخص الملك من أعوان وأياد الشر مما تقلصت الأعمال من الحكومات المتعاقبة ولم ينجز بها أي مشروع مهما كان، غير بعض الأعمال من صيانات بسيطة لا تغني ولا تسمن من الجوع خوفا من إغضاب القصر، والملك الزاهد في برجه العاجي سواءا يعرف أم لايعرف غير قادر على أي شىء للإصلاح، ولم يستطع الشعب المطالبة حيث الدولة فقيرة والخزانة ليست لديها الأموال لرصدها للمشاريع حتى تنهض وتتقدم .
           عشت تلك الأيام الصعبة حيث كان الوالد يذهب للسوق مثل العادة كل صباح ويرجع للغداء وبعد غفوة القيلولة البسيطة والوضوء وتأدية صلاة العصر بالجامع الكبير يذهب للمحل مرة أخرى ويبقى به إلى صلاة المغرب ويقفل المحل ويرجع للبيت وكنت بعد المدرسة كل يوم بعد العصر أذهب معه لأراجع بعض الدروس، والسوق خواء ليس به زبائن للشراء، حيث لا نقد ولا مال موجود ولا سيولة بالسوق ، ولا حركة تجارية مثل السابق... مما بدأ الوالد يمرض وتنتابه حالة كآبة وسرعة الغضب وعرفت السبب الرئيسي عندما كبرت أن المصاريف الحياتية زادت عن الحد ولا دخل يغطي حتى يحافظ على رأسماله، ويخاف في كبره أن تتلاشى ثروته السائلة ويضطر إلى بيع بعض من أملاكه بأسعار متدنية وبأبخس الأثمان ... وهي التي كان يحتفظ بها للزمن ولنا نحن الورثة   (حسب قوله لنا في بعض الأمسيات وقت السمر)، كان مستعدا للموت جوعا ولا يفرط فيها تحت أي ظرف ... هكذا كانت العقليات بالمدينة في ذلك الوقت ، يعتبرون البيع للأملاك الخاصة مهما كانت الأسباب ء عارا ما بعده عار !
             الإدارة البريطانية بخبثها وصبرها وتخطيطها الطويل الأجل وخبراتها السنين الطويلة في حكم الشعوب تعلمت وعرفت وخنقت المدينة ببطء مع مرور الوقت وضيعتها للأبد مما إضطر الكثيرين للمغادرة والهجرة والبقاء في المدن الثانية حيث زاد رواجها، مثل طبرق والبيضاء وكان التركيز على بنغازي والعاصمة طرابلس...   والبعض هاجر للخارج سواءا للدراسة وتحصيل العلم أو للعمل ، وزادت الأمور صعوبة وضيق عندما فتحت الجامعة أبوابها ببنغازي وإضطر معظم الآباء للتضحية لقاء تعليم أولادهم بالجامعة لبيع أملاكهم في مدينة درنة والعيش في بنغازي لقاء القرب وبالأخص البنات حتى يدرسن ويتحصلن على الشهادات العالية .
              والقلائل من ذوي العقول الذين يحبون العيش في درنة لا يحبذون المغادرة والهجرة ذوي النفسيات والثقة في تربية بناتهم سمحوا لهن بالإقامة في بيت الطالبات بحيث مع الوقت كل عائلة جذورها أصيلة بالمدينة لها جزء وفروع أسرية بخارجها ، أكثر من عددها بدرنة ، حتى أصبح الدراونة الذين يعيشون خارج المدينة، مع مرور الوقت يشكلون الأغلبية، فقد كانت هجرات جماعية مما مدينة درنة قدمت ودفعت الثمن الغالي لقاء الطموحات السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع .
            وزاد الطين بلة عدم وجود مطار للسفر مما يضطر المسافر الدرناوي للذهاب إلى بنغازي 300 كم والرجوع نفس المسافة حيث ضاع الكثير من الوقت والجهد في السفر وشراء التذاكر والبقاء فترة من الوقت حتى يسافر للخارج، والمصاريف والبعض منهم غير قادرين على الدفع ، يعيشون على الإقتراض والسلف. وإستراح الدراونة قليلا عندما بدأ العمل في مطار الأبرق وكان نهضة كبيرة للسفر إلى طرابلس والخارج أو القدوم .
              الميناء صغير وضحل إلى منتصف الستينات ، يعاني منذ أيام الحرب العالمية الثانية من وجود سفينة حربية غارقة تحت سطح البحر محملة بالقنابل والذخائر بمدخلها والجميع من الربابنة للسفن الصغيرة يخافون من الجرف والإصطدام بها خوفا من الإنفجار أو العطب والغرق ، سواء في الدخول أو في الخروج وبالأخص أيام الشتاء والعواصف ذات الأمواج العالية حيث الميناء ليست به الحمايات الكافية وقتها من تيارات البحر العديدة  ... والمشكلة أن  الميناء يزداد ضحالة كل سنة نظير عدم التنظيف والجرف والصيانة مما السفن ذات الغاطس الكبير لا تستطيع الدخول ، وربابنة السفن الصغيرة الذين يخاطرون في الدخول بصعوبة في فصول الشتاء والأمواج العالية عبارة عن سفن صغيرة أحمالها بسيطة ، بمقاييس اليوم تعتبر قوارب وزوارق وليست سفن .
            أثناء حرب فلسطين عام 1948م والنكسة الشنيعة للعرب جعلت الجميع من الشعب يصابون بالإحباط وزاد الغل والحقد على اليهود الليبيين المسالمين نظير التخطيط من أيادي الشر والقوى الخفية حتى تم الصدام والعنف من الغوغاء وتم طردهم من بيوتهم وأعمالهم وإضطروا للهجرة إلى فلسطين ولديهم أحقادا على العرب الليبيين نظير المعاملات الشائنة والسيئة،  التي لا يرضاها الرب ولا جميع الأعراف والقوانين.
                    هاجر اليهود الدراونة إلى مدينة بنغازي حيث أصبحت محطة تجميع لجميع يهود المنطقة الشرقية وزاد رواجها في الأعمال التجارية ثم نكسة حرب 1967م مما خاف العهد الملكي على اليهود المقيمين القلائل في بنغازي وطرابلس من غضب الشعب وتم الإتفاق مع زعمائهم على الهجرة خارج ليبيا بسلام وأمن وأمان خوفا على حياتهم، وتم التسهيل للسفر إلى إيطاليا بدون أي تعطيل ، وليس كما أشيع وقتها أنه تم الطرد من الوطن كدعاية وراحة لنفسيات المواطنين والأهالي الثائرين وطلب الهدوء حتى لا يتمادوا في الإضرابات وأعمال الشغب والعنف الغوغائي الذي يضر بمصلحة الوطن ، ويهزوا أركان العرش وتتعطل مصالح المستفيدين من القطط السمان عن القبض للعمولات الرهيبة من جراء بيع النفط بأبخس الأسعار وقتها .
                قام الإنقلاب الأسود بقيادة القذافي وظهر في البدايات للشعب أنه حمل وديع، ومع الوقت تحكم في جميع المقدرات وأصبح وحشا طاغية عانى منه الشعب الويلات لمدى 42 عاما، لم يسعد يوما ويرتاح رازحا تحت الشر والشرور والتمثيل والتدجيل والإرهاب والقتل... وكان لمدينة درنة نصيبها وقدرها المحتوم، فأول شهيد توفي منها ومات الضابط المرحوم عبدالحميد الماجري (الذي أعرفه معرفة شخصية فقد كان صديقا وإبن عم) من التعذيب والحرق للأماكن الحساسة في الجسم أوائل الشهور الأولى للإنقلاب الأسود نظير تصفيات وتطهير للضباط الأبرياء عن الجيش والسلطة .
               وحدثت حوادث عديدة من البدايات وتمرد وثار الشعب الأعزل في مدينة درنة الصامدة أياما عديدة متحديا قيادة الشر القذافي في أوائل السبعينات نتيجتها تم طرد كتيبة الجيش الليبي المقيمة في المعسكر من المدينة نظير الكرامة والشرف بسبب سوء التصرف والجهل من آمر المعسكر الموجود بحامية درنة.... مما كبرت القصة وتفاقمت وتلافاها  الطاغية بسرعة وبدهاء ومكر حتى لا تصبح القاضية لحكمه، ركع وطأطأ الرأس حتى قطع وأخمد فتيل الإشتعال من التفجير للقنابل الموقوته الجاهزة نظير الغضب الشعبي على العسكر.  وهدأ الشعب ورجع لسكينته مثل السابق وإنفرد بالمدينة وشفى غله والأحقاد الدفينة بتهميشها كما فعل القصر والإدارة البريطانية من قبل بنفس المخطط .
              حدثت القصة  في سوق الظلام بوسط المدينة عندما تمادى أحد الجنود وعاكس أحدى الفتيات الشابات وردت عليه بعنف وقسوة وصفعته على وجهه نتيجة فعلته وطلب منه صاحب المحل الخروج لحل المشكلة ولكن تمادى ورفض وإستعمل القوة وإستدعى أصحابه لمهاجمة البائع الذي طرده من المحل وتم الإعتداء عليه وضربه من المجموعة مما جيرانه كالوا الجنود ضربا مبرحا غير متوقع حتى يتعلموا الدرس حيث كانوا موجهين ومعبئين نفسيا أنهم  كعسكريين لهم الأولوية والآخرون المدنيين في المؤخرة .
             فر الجنود إلى المعسكر هاربين وبدلا من قول الصدق لمسؤوليهم عن الحادثة ، كذبوا بأن الأهالي يتآمرون على الثورة وهذه في نظر العسكريين المجانين خيانة عظمى وجريمة بشعة من التريث والتحقق من الأمر والصبر قام آمر الحامية نظير الطيش والجبروت بإصدار الأمر بالإستعداد والتعبئة لقمع الثورة المزيفة الكاذبة والتحرك لضرب المدنيين العزل في شوارع المدينة .
             تم حصار المدينة القديمة والسوق وإطلاق الرصاص العشوائي في الهواء لإخافة الجمهور وعندما قاوم البعض تم رميهم بالرصاص مواجهة وسقط الكثيرون جرحى والبعض قتلى، وتنادت المدينة وأقفل السوق أبوابه وعم الذعر السكان وإستمرت الحالة الصعبة في إستنفار لمدة أسبوع وتحدت المدينة الجيش وآمره المخبول، ولم يتجرأ جنود الدوريات المدججين بالسلاح على الدخول للشوارع الضيقة والأزقة وكل من يدخل صدفة بالخطأ يتم ضربه بقسوة من شباب وفتوات الحي وتجريده من السلاح...  وحاولت القيادة التهديد بالقوة ولكن الشعب لم يصغي للجعجعة ولم يتوقف عن المقاومة وأصر أن يرحل الجيش من المدينة وخاف العقيد من الأمر أن يستفحل وتبدأ المدن الأخرى المجاورة بالتمرد مساندة وتعاون لأخوتهم الدراونة في نضالهم من أجل حماية الشرف وعندها الثورة ونهاية الحكم ، وأذعن وطأطأ الرأس وتم الأمر بالإخلاء وهو حزينا بالداخل نظير الهزيمة.
              كنت شخصيا شاهد عيان واقفا أمام مكتبي في شارع رافع الأنصاري عند العصر، الشارع الوحيد الذي يؤدي إلى الغرب (إتجاه بنغازي)  و شاهدت طوابير سيارات النقل الثقيلة والشحن وهي تنقل  الكتيبة والجنود مستائين والبعض يبكون من الطرد والهزيمة، وكانت فرحة كبيرة للشعب فرض قراره بالرحيل والمغادرة لهؤلاء المجانين الذين نسوا أنهم ليبيين جنودا في خدمة الشعب وليس لمهاجمته وإطلاق الرصاص عليه . ( الجيش في أي مكان بالعالم لخدمة الشعب وعدم التعدي على الأبرياء والدفاع عنه والتصدي في حالة الغزو الخارجي والحفاظ على الوطن)... والله الموفق ....

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Tuesday, July 7, 2015

قصصنا المنسية 28

بسم الله الرحمن الرحيم

 3 مدينة درنة الصحابة



            مهما تحدثت عن مدينة درنة لن أوفيها حقها من التكريم والإجلال ، حيث هي مميزة وفريدة ، شعبها ذكي بالفطرة يحتاج الى المزيد من تشييد وإنشاء دور العلم الحديثة من معاهد وجامعات وإستقطاب أساتذة جيدين للتدريس ،
مهما كلف الامر من أموال للشباب من الجنسين،  حيث هم عماد المستقبل للوطن ليبيا وتجعل المدينة منارة علمية راسخة  يشع نورها على الجميع .

                   المدينة تحتاج الى عقول نيرة من بعض رجال الأعمال الذين عاشوا بالغربة فى الدول الغربية فترات زمنية طويلة ويعرفون الفرق بين المجتمعات وكيف يستثمرون الطبيعة الجميلة الخلابة ويحافظون على البيئة من التلوث العشوائي ، حيث الله عزوجل ، وهبنا الأفضال والنعم الكثيرة التي لو إستغلت الاستغلال الجيد نصبح فى المقدمة من الأوائل فى الشعوب ، إبتداءا من الموقع الجيد والطقس العليل للفصول الأربعة لحوض البحر الابيض المتوسط ، الذى كل فصل له جماله وحسنه ، لدينا تراث الحضارات السابقة على مدى الزمن أطلالها شواهد تحتاج الى الكشف والعناية حتى تظهر للعيان ...  لدينا ثروات من النفط والغاز وأخريات بلا عدد لم تكتشف بعد!

           المدينة تحتاج إلى ثورة بناء وتشييد ومهندسين أكفاء إهتمامهم الاول على بناء الوطن على أحسن المعايير العلمية الحديثة المتطورة ، حيث الكثيرون لدينا لديهم الشهادات العالية ولكن كأنها حبر على ورق حيث لا يعرفون الإبداع ولا يحسنون  غير التقليد... ورأي الشخصي ان  جميع الشهادات ايام العهد الجماهيري في ليبيا بحاجة إلى مراجعة وإمتحانات صعبة لمعرفة الأكفاء ، والتأهيل من جديد للمتأخرين حتى يواكبوا المسيرة ...

            مدينة درنة مرت عليها أحداث جسام  وخراب ودمار ، إبتداء من الغزو الإيطالي أكتوبر عام 1911م وما دارت من معارك كبيرة عديدة حولها ،،، وكيف أحاطها الغزاة بسور شاهق حتى لا يتسرب لدخولها خلسة (المحافظية) الثوار لقتل الجنود وتخريب المنشئات، ولا يستطيع أهلها الخروج منها الا ضمن بوابات التفتيش منعا للدعم بالمواد الضرورية من لباس وطعام وسلاح وأدوية للثوار .

            السور الوحيد الذي بناه المستعمرون حول مدينة درنة فقط من جميع مدن ليبيا شاهدا عيان مازالت بعض آثاره للآن، تاج على رأس مدينة درنة تجعل جميع ساكنيها وأهاليها يشعرون بالفخر والزهو  كيف كان المستعمرون الطليان يخافونها ويخشونها ويحسبون لها ألف حساب...

             مرت الحرب العالمية الثانية والكر والفر والصراع الرهيب بين قوات الحلفاء والمحور، الذي كل طرف يريد الفوز والنصر وأهالي المدينة البسطاء قدموا الكثير من الضحايا نظير الغارات الجوية وتساقط القنابل على الرؤوس، وزرع الألغام المعادية في الأراضي والحقول لمنع تقدم الجيوش وعشرات الأحداث والوفيات وهتك الأعراض من الجنود المارين والراحلين والخوف الشديد والرعب، مما هبطت الروح المعنوية وزادت الامراض البدنية والنفسية والأهالي لا ناقة لهم ولا جمل غير الصبر وإنتظار الفرج حتى إنتهت الغمة وخرج الغزاة الى غير رجعة بالخسارة والخزي والعار ستظل الأجيال الحاضرة والقادمة تذكرها الى ماشاء الله عز وجل .

           إنتهت الحرب بسلام وبدأ الشعب يلملم جراحه  ويسعى للبناء والتشييد والعيش السعيد ، وجاءت الإدارة البريطانية وحكمت بمعايير الإستعمار ومصلحة بريطانيا هي الأساس والقانون وقاسى الشعب الليبي الفقير الويلات نظير الفتات وإضطر المسؤولون وصناع القرار إلى توقيع عقود معاهدات وتأجير القواعد العسكرية لتغطية الميزانية العامة لدفع الإلتزامات الكثيرة من مرتبات وأجور حتى تستمر الدولة في العمل وتنجح .

             قامت جمعية عمر المختار بإحياء الشعور الوطني بالكثير من المظاهرات والدعم لقضايا العرب الرئيسية وعلى رأسها قضية فلسطين والاستيطان الصهيوني ، وكيفية منع الأحزاب من الادارة البريطانية والأطياف السياسية من العمل وتثقيف الجماهير وتوعيتهم سياسيا حتى يستطيعون ممارسة الديموقراطية الحقة مع المسيرة والمستقبل في إتخاذ القرار السياسي الذي يهم الشعب والوطن عام 1946م ...

قصص طويلة تحتاج الى مجلدات عديدة للشرح وكيف تم الإستقلال ، ومساعي رجال وزعماء درنة أمثال السادة عمر فائق شنيب، والسيد عبدالرازق شقلوف، والسيد إبراهيم الأسطى عمر، وغيرهم بالعشرات ممن عملوا بالجهد والعرق حتى إستقلت ليبيا بفارق صوت واحد، ممثل دولة هاييتي
 ( أميل سان لاو ) الذي رفع يده بالموافقة ضد تعليمات حكومته والآخرين في الأمم المتحدة وصوت لصالح إستقلال ليبيا .

                  أحداث عديدة ومواقف رجولية صامدة فى مساندة القضايا العربية مثل أحداث فلسطين ومؤازرة الثورة الجزائرية، أيام حرب التحرير،  وكم من ضحايا استشهدوا و ضحوا بأرواحهم لقاء حلم وحدة العرب، وكان كثيرون من أبناء درنة لهم الباع الأكبر في التأثير على صناع القرار بالأخذ بها وصياغتها ، وإصدار مراسيم ملكية بحيث تصبح قوانين نافذة المفعول في المملكة .

            العقاب الكبير تم توجيهه للمدينة بعنف التي تدفع  الثمن الغالي له حتى الآن مع مرور حوالي 70 عاما عليه عندما ثار الشعب بعنف احتجاجا على أحداث حرب بورسعيد المصرية عام 1956 م العدوان الثلاثي ( بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ) وكنت صغير السن شاهد عيان حيث الاضطرابات الشعبية والمظاهرات والتعديات على الجنود والمدنيين الانجليز وعائلاتهم من الغاضبين مما الشوارع أصبحت عدة ايام ساحات قتال ، والرفض البات من العمال للعمل في المعسكرات وعدم البيع للسلع للإنجليز في المدينة، نظير الخطابات الرنانة للرئيس عبد الناصر والتهيج المستمر من بوق إذاعة صوت العرب ومذيعها أحمد سعيد الذي معظم الخطابات والبيانات كانت ضخمة كاذبة زورا وبهتانا دعايات وخداع لشحذ الهمم إستغلال البسطاء الذين يحبون القومية العربية الناصرية بدون فهم عميق .

            تمادى أهالي وسكان درنة في التحدي للقصر والإنجليز وكانوا على خطأ قاتل ضد مصلحة المدينة حيث جرفهم التيار من غير تفكير ولا رؤيا للمستقبل واضحة، مما الإدارة البريطانية المعروفة بالصبر والخبث تضحك فى الوجه وتطعن فى الظهر بموافقة وعلم بعض رجال القصر الفاسدين العملاء تم القرار ووضع مخطط رهيب على خنق مدينة درنة ببطء وجعلها تفلس وتركع حتى تنتهى مع الوقت ويضطر شبابها ورجال الأعمال الطموحين للهجرة منها للعمل لقاء لقمة العيش الكريم بشرف .

             أفرغت المدينة بطرق خفية ومكائد سرية ،،، يعجز عن أيتانها الشيطان الرجيم وأول هذه المكائد السرية ، خروج والإنسحاب للجيش البريطاني مع عائلاتهم من مدينة درنة وسلمت المعسكرات والمباني الفارغة إلى الحكومة الوطنية حيث استعملت بعضها للجيش الليبي الوليد، ومخازن للمواد الغذائية والبعض مدارس وغيرها من الإدارات العامة.

                 خرجت القوات البريطانية مع عائلاتهم المدنية إلى مدن طبرق المجاورة وبنغازي ، مما عم الكساد الحاد بعد فترة بسيطة المدينة الزاهرة من قبل ، والأسواق أصبحت خواءا فارغة من البيع والشراء وأضطر رجال الأعمال عن التوقف عن البناء للبيوت والشقق السكنية حيث لا مستأجرين جدد يشغلونها مما أصبحت خاوية .
              توقف معظم النشاط الفلاحي عن الزراعة وبالأخص زراعة وإنتاج الخضروات التي كانت عائلات كثيرة تعيش من الدخل في بيعها للجيش البريطاني ، و تعطل الحرفيون والعمالة عن العمل ،مما إضطر الكثيرون إلى الهجرة للبحث عن مصادر الرزق لإعاشة عائلاتهم حيث لا دخل ولا أعمال ولا أي نوع من أنواع التأمينات الضمانية وقتها تدفع شهريا حتى تجعلهم قادرين على مجابهة الحياة ، والله الموفق .
            رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع ...