Saturday, October 20, 2012

شاهد على العصر 23



بسم الله الرحمن الرحيم

شاهد على العصر  
23


أثناء القيادة والسير سألت الراكب الأجنبي حبا في الإستطلاع عدة أسئلة للمعرفة ورد علي بأنه طالب جامعة كندي يدرس في التاريخ والآثار وكذلك صديقته الأمريكية لها نفس الإهتمام ولهم عدة أسابيع في ليبيا حيث وصلوا من الغرب عن طريق  تونس وزاروا آثار صبراته وطرابلس ولبدة ، وقامت الثورة فجأة وصعبت عليهم الأمور في الحركة والتقدم والتجوال بحرية نظير المنع من حراس بوابات الأمن الكثيرة ولا يرغبون في المخاطرة والمغامرة حيث ممكن يحدث أي شئ مسئ لهم وقرروا السفر إلى بنغازي وركوب الباخرة من هناك إلى إيطاليا، وقلت لهم أهلا وسهلاً ، بإذن الله تعالى سوف أضعكم أمام بوابة الميناء هناك مما إرتاحوا من العرض والرفقة  وشعروا بالأمن وبالإخص نحن رجال بالغون ومعنا شيخ  دين جليل الحاج عبدالرازق الحاسي 

بعد فترة أخرج الشيخ عبدالرازق الدف و البندير وبدا يمسح عليه بسرعة بمهارة وقوة حتى يولد الإحتكاك حرارة ويشد الجلد حيث لا نار للتسخين عليها ، ثم  بدا يطرق عليه طرقات خفيفة جميلة مما أصدر أصواتا رنانة لها طعم ديني خاص وبدا ينشد في المدائح والقصائد النبوية وجميعها لتمجيد الرب الخالق الواحد الأحد ولسيدنا النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، وطلب منا الترديد وراءه مما فعلنا وخلق لنا جوا روحيا مقدسا عظيما وأنا أردد وأقود السيارة بمهارة وسرعة عالية حتى أقطع الطريق والمسافة إلى بنغازي بسرعة في أقرب وقت ممكن.

الدف والتطبيل الجميل على البندير والقصائد الحلوة والمدائح الجميلة والأصوات الرخيمة خلقت لنا أجواءا روحية وأصبحنا مع النغم كالمريدين وردد معنا السواح الشباب الأناشيد والمدائح والقصائد حسب المتاح والقدرات متابعين الأصوات ولا يعرفون المعاني ولا المحتويات فترة طويلة من الوقت حتى وصلنا إلى بلدة سرت وعلى الطريق الرئيسي تزودت بالوقود وملأت خزان السيارة حيث لا أريد أن أخاطر بالسفر والمحطات القادمة ممكن أن تكون مغلقة ليس بها وقود نظير الظرف وبالتالي أضطر للوقوف في مهب الرياح أنتظر الفرج 

دخل الحاج عبدالرازق لشراء طعام من المطعم حيث كنا جياع ودخلت وراءه خلسة إلى المطبخ وكم راعني عندما شاهدت الأواني والطبيخ والقذارة في أبشع الصور مما إرتعبت وإشمأززت وتقززت كيف هذا الطعام يقدم للزبائن وليس به أي نوع من الشروط الصحية حتى تضمن نظافته وصلاحيته حيث أكوام الذباب والحشرات والغبار وقلت سبحانك رب العالمين تعطي وتهب الصحة والعافية لم تشاء من الغافلين 
وطلبت من الحاج عبدالرازق أن يتوقف عن الشراء والطلب ونخرج بسرعة وسوف نشتري من المحطة القادمة  طعاما جافا حيث ليست لدي الرغبة في الآكل لهذا  ولا اريد رفاقنا السواح أن يشاهدوا المنظر والقذارة حتى لا يصبح لديهم ذكريات سيئة عن  مشاهداتهم ، كيف يقدم الطعام للجياع على الطريق الصحراوي  في وطننا ليبيا ، حيث يوما سوف يكتبون مذكراتهم عن المأساة  مما وافق وركبنا السيارة وواصلت المسيرة إلى بنغازي بإذن الله عز وجل ونحن جياع .

إستمر الحاج عبدالرازق في الدف على البندير ومدح القصائد حتى وصلنا إلى الحد الفاصل بين ولايتي برقة وطرابلس  النصب الشاهق العالي وتوقفت بالمحطة وتزودت مرة اخرى بالوقود الذي يكفي ويزيد للوصول إلى مدينة بنغازي ، ثم توقفت بالساحة الكبيرة بجانب المحلات ومركز الشرطة وإشتريت أرغفة خبز كبيرة وعلب سردين وطماطم وبصل وعدة زجاجات مياه غازية ، وعمل الحاج لنا وجبة شهية من السندويتشات النظيفة وقدم لكل واحد منا واحدا كبيرا "جامبو"، ووضع البعض على الورق في حالة أي واحد يرغب المزيد وكان عشاءا جيدا وأكل الجميع بنهم وشربنا زجاجات المياه الغازية وإستلقيت على الظهر أشاهد في إرتفاع النصب وضخامته ، ومن خلال الحديث عرفت لماذا أقيم وتم تشييده في هذا المكان 

لقد عرفت القصة التاريخية التي لا يعرفها الكثيرون وهي أنه الحد الفاصل عندما تم تقسيم الإمبراطورية الرومانية بين الوارثين حيث تم الإتفاق بين الطرفين على القسمة بحيث يخرج عداء سريع من الغرب مرورا بأوروبا  وجبل طارق وشمال أفريقيا والعداء الأخر يخرج من القسطنطينة جنوبا إلى الشام وساحل البحر الابيض المتوسط ومكان اللقاء هو الحد الفاصل ، وفعلا بعد مضي من الوقت في الجري بسرعة كل عداء حسب جهده ، تقابل العداؤون في هذه النقطة وتم وضع الحدود وأصبحت دولتان الرومانية الغربية قيادتها وعاصمتها روما والشرقية قيادتها وعاصمتها القسطنطينية.

وجاء المجنون بعدها بسنوات وأمر بالإزالة للمعلم والنصب بحجة أنه يريد ويرغب في الوحدة للوطن وليس الفصل ونسى وتناسى أنه تاريخ مضى وسجل بمداد من الذهب  وأي إنسان يهدم ويدمر أي معلم ونصب تاريخي مهما كانت الأسباب للتغطية في نظري خطأ كبير حيث يصبح  الوطن بدون سمو وحضارة ماضية ولا حضارة معاصرة ولن يكون له مستقبل واعد لأجيال الغد القادمة عندما يطمس التاريخ ويزور من مجانين مثل مجنوننا القذافي لقاء أطروحات ومصالح خاصة تنتهي  مع الوقت وتذوب وتتلاشى.

حيث معظم تاريخنا الصحيح طمس وزور من قبل ملوك ورؤساء وكتاب غير صادقين ، وبالتالي ضاعت كثير من المعالم وتهدمت معظم  النصب التاريخية  بقصد أو بدون قصد والكثير بعوامل الزمن وتعرية الطبيعة أو قلع حجارتها من الغافلين الذين لا يعرفون قيمتها للبناء بها في بيوت أخرى نظير الجهل وهي كانت شواهد شامخة  دامغة على الأحداث السابقة وضاعت الهوية والأصالة ، لقاء الشطحات الخاطئة من مجانين متعصبين ذوي عنصريات جهوية وعصبيات لمناطقهم لا تمت للعلم والبحث الهادف السليم بأي وسيلة ووضع 

المفروض هو المتابعة الصادقة والصيانة اللازمة الدورية الدائمة لجميع المواقع الاثرية المهمة  حتى يتعلم الجميع أحداث الماضي الحقيقية بدون مغالاة ، ويعرفون أن ليبيا بها سمو وحضارات سابقة وليست معبرا للغزاة كما يتشدق الكثيرون من كتاب التاريخ الخاطئ مما ضيع الكثيرون من الباحثين في المتاهات حيث ليبيا بها حضارة منذ بداية الخليقة ولكن منسية مازالت تحت الأنقاض وإحداها الحضارة "الجرمانتية" بالجنوب التي تسبق الحضارة الفرعونية لكن لم يتم الحفر عليها والكشف بطرق علمية  حتى  تظهر للعالم وأهمها اكتشاف "كهف الإنسان الأول"  في الجبل الأخضر  مقابل البحر  على الطريق غرب ميناء رأس الهلال  وقبل الوصول إلى بلدة سوسة بحوالي 15 كم ، الذي يقال من العلماء أن عمره أكثر من مائة ألف عام نتيجة الحفريات والكشف المبدئي وغيره من عشرات بل مئات الأشياء حيث ليبيا عامرة بالتاريخ القديم والآثار تحتاج لمن يهتم ويبحث ويدرس بدقة ويراجع بالحق والصدق بإهتمام وتأني وصبر حتى يصل مع الأيام للهدف العلمي ويتحقق المطلوب. 

بعد الإستراحة حوالي الساعة بدأت الرحلة والمسيرة وبعد مرور بعض الوقت وإهتزاز السيارة  والشبع من الطعام  إستغرق الجميع في النوم وبدا البعض يشخرون بأصوات خفيفة وخفت أن أنام مثلهم وتصبح مصيبة خوفا من عمل حادث شنيع وبالأخص أنا أقود بسرعة عالية ، وطلبت منهم اليقظة ولكن بعد فترة غالبهم النعاس وناموا مرة أخرى  مما جننت وركزت على الطريق وضغطت على بدالة السيارة وزودت السرعة إلى المائتين كم بالساعة ، عسى أن يخافوا وينتبهوا ولكن لا أحد مهتما حيث نائمون .

وفجأة شاهدت شيئا مرميا على الأرض في منتصف الطريق يشبه إطار عجلة عربة شحن  أكيد سقط من إحدى الشاحنات المارة ، وفكرت في جزء من الثانية  لو حاولت إجتنابه والإبتعاد عنه إلى أحد الجانبين سوف تنقلب السيارة عدة مرات  نتيجة السرعة العالية وقررت المقامرة والمغامرة ودهسها بالمقدمة مواجهة والذي يحدث  يحدث حيث ليس لدي خيار وأنا أسير بهاته السرعة العالية ، إن كان الإطار والعجلة فاضية بدون ترس يصبح حظ من السماء ، وإن كانت العجلة كاملة وبها ترس الحديد عندها مصيبة من المصائب والسيارة سوف تتأثر ، ومسكت المقود بقوة وصرخت وناديت  عاليا طالبا النجاة من الله عز وجل.

ضغطت على الفرامل بقوة دفعة واحدة ورفعت الرجل لأترك المجال حتى تخفف السيارة السرعة وضغطت مرة اخرى وكانت الضربة والصوت العالي  حيث صدمت بعنف ومواجهة بالسيارة الجسم الملقى العجلة على الطريق وسمعت الخبطة العالية بصوت مدو كبير كالمدفع مما الجميع أفاقوا دفعة واحدة وإصيبوا بالذهول من تسارع الأحداث فجأة مرة واحدة ونادى وصاح  الحاج عبد الرازق مذعورا من الصدمة ، طالبا الرب الخالق على السلامة  والنجاة وأوقفت السيارة بعد حوالي المائة متر وركنت على الجانب الأيمن للطريق السريع وأضواء المصابيح تنير المكان وفتحت الباب  وحاولت النزول بصعوبة وأخيرا خرجت وبالكاد الركب قادرة على الحمل للجسم حيث الرعشة من أثار الدهشة والصدمة الغير متوقعة وكانت الطريق بها قطع كثيرة من العجلة  "الكاوتشوك"  البعض منها تشعل بوميض من النار كانها شموع موزعة على طول المسافة من مكان الضربة تضىء نظير الدهس بسرعة كبيرة والضغط على الإسفلت والإحتكاك الشديد وثقل  جسم السيارة هو الذي أفادنا في عدم الإنقلاب عدة مرات.
الأهم قبل المهم النية الصافية وترديد المدائح والقصائد والمدح لله عز وجل  الواحد القهار والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ورضاء الوالدين هو الذي أنجانا من المصائب والحادث وتأكدت تحت السيارة  إذا كان فيها أي قطعة من المطاط الملتهب خوفا من الإنفجار حيث خزان الوقود ممتلئ أكثر من الثلثين والحمد لله تعالى لم اجد إلا البعض حيث السيارة مصفحة من تحت ومددت يدي بالخطأ مما لذعتني السخونة وسحبتها بسرعة وأنا أتآلم ، وأحضرت عودا من الحطب على جانب الطريق ونمت على الأرض على الظهر  ومع  ضوء مصباح يدوي قلعت القطع الساخنة وتأكدت أنه لايوجد أي شئ ممكن يسبب لنا أي مشكلة واسترحنا بعض الوقت مزيدا للتأكد وحتى ترجع الأنفاس من الدهشة  والصدمة وحمدنا الله تعالى وواصلت المسيرة والجميع يقظ حيث طار النوم .

أحاديث كثيرة خلال الطريق ومعظمها عن الحادث والشكر للخالق على النجاة حتى وصلنا إلى مدينة بنغازي حيث بدأت المضايقات حيث في كل ركن شارع توجد دوريات شاهرة السلاح في الوجه لأي خطا ممكن يحدث ، مما أضطر للوقوف والرد على الأسئلة بأدب مما الحرس يفهم بإحترام ويفتح لنا الطريق بإحترام حتى وصلت إلى المدخل الرئيسي لميناء بنغازي حيث توقفت بجانب الدورية وأنزلت السائح ورفيقته وحقائبهما، وشكروني شكرًا جزيلاً على المعروف والتوصيل والطعام وأعطوني عناوينهم في كندا وأمريكا إذا أحببت التواصل والمراسلة وودعوا الشيخ عبد الرازق والسيد غازي وتركتهم في أمان بجانب حرس الدورية.

إستمريت في السير والسيد غازي يرشد في الطريق حتى وصلت إلى البيت الذي يقصده وتوقفت حتى نزل وضرب الجرس حتى فتح الباب وكانت فرحة بوصوله وحاول بقوة إستضافتنا ولكن إعتذرت وودعناه وذهبنا إلى بيت صهري إبن العم ووالد زوجتي وكان الطقس بديعا و كنت أستمع إلى أذان الفجر من الجوامع وهي تردد وتدعو النائمين للصلاة  ومازال الظلام قائم ، والشمس لم تظهر وتضئ الكون بعد. 

أخيرا وصلت إلى البيت وقضيت وقتا وأنا انتظر حتى فتح الباب من الحاجة وهي مذعورة من الطارق في الفجر حيث لا أمان بعد  زوار الليل والنهار الأمن في كثير من الأحيان يدقون الأبواب للقبض على البعض بحجة حماية الثورة "الإنقلاب الأسود"  وفرحت عندما سمعت صوتي وفتحت الباب بسرعة ودخلنا إلى الصالون بعد التحية والسلام وقامت مشكورة بتجهيز فراشين للنوم والراحة بناءا على طلبنا حيث لا نريد طعاما بل جياع للنوم ، وطلبت من الحاج عبد الرازق عدم الإزعاج إلى الظهر والغداء معا ، حيث سوف أوصله إلى بيته في بلدة توكرة القريبة شرقا من بنغازي حوالي 80كم فقط  في طريقي إلى مدينة درنة ، ووافق.

أثناء عز النوم حوالي الساعة التاسعة أيقظني وقال هيا للفطور والسفر ، ورددت عليه  وأنا أغالب في النعاس من التعب والإرهاق طوال الليل وأنا اقود صاحيا يقظ ، ياحاج ليس هذا الإتفاق بيننا ، سوف أوصلك لبيتك في بلدة توكرة بعد الغداء ورجعت للنوم وخلال بعض الوقت كنت نائما بعمق.

المهم قبل وجبة الغداء نهضت من النوم وحمام بارد مما إسترجعت النشاط وسألت على الحاج عبدالرازق وقالوا لقد سافر بعد الفطور  وسألتهم عسى ان يكون غير غاضب مني وكان الرد منهم أنه فرح وسعيد على الوصول إلى المنطقة الشرقية من طرابلس بعد غياب طويل  والنجاة من الحادث  
                                                        رجب المبروك زعطوط 

البقية في الحلقات القادمة 

Wednesday, October 17, 2012

شاهد على العصر 22


بسم الله الرحمن الرحيم

شاهد على العصر

22



وصلنا إلى طرابلس بسلامة وأمان وذهب الرفيق السيد غازي إلى عنوان أحد الأقارب للإقامة معه حتى يوم السفر إلى درنة والرجوع ،  وبالنسبة لي أقمت في فندق البحر الابيض الذي يعز علي وكان من ضمن سلسلة  فنادق " السيد ساسي "  رجل الأعمال الكبير الذي وقتها كانت لديه عدة فنادق كبيرة درجة أولى تشرف ليبيا ، وتحصلت على غرفة وأقمت بها ، وذهبت لزيارة إبن الخال  " م ب " المقيم هناك وكان عازبا وقتها حيث مطلقاً زوجته الألمانية ويعمل كأحد المدراء  ضمن شركة البريقة للوقود والغاز .

وقد فرح بي كثيرا وكان من ضمن ضيافته زوج خالتي الحاج عبد الرازق الحاسي وفي نفس الوقت زوج عمته ، من بلدة توكرة حيث قامت الثورة وهو في طرابلس ولم يستطيع الرجوع لبيته وقضى جميع الوقت مقيما معه وكان ابن الخال  " دون جوان  " يريد ويرغب أن يكون البيت فاضيا حتى يستطيع ان  يلبي نزواته الغرامية ووجود الحاج عبدالرازق الكبير في السن  والمتدين وشيخ الطريقة الأسمرية أو العيساوية في بلدة توكرة  مقيما معه طوال الوقت خلال تلك المدة أصبح حاجزا وعائقا كبيرا له وبالأخص  جميع الأعمال  معطلة والجميع في شبه أجازات مرضية وهو يريد السهر والسمر والمرح .

طلب مني أن أخذه معي عندما ارجع ووافقت على الطلب وأنا محرج حيث أنا شخصيا أدخن بنهم ولا أريد الإحراج معه حيث أحترمه كثيرا وأتعامل معه مثل الوالد وبيننا معزة خاصة وحب وإحترام متبادل ، وفي نفس الوقت الحاج طلب الرجوع معي ووافقت ، وقضيت عدة أيام مع أبناء شحادة السادة " نصوح وسعيد " وراجعت الأعمال بالمكتب وقام الجميع بدعوتي لحضور عدة مآدب للغذاء والعشاء وقضيت وقتا سعيدا متابعا الأخبار المتضاربة والتي جميعها تدل على الذبذبة في الحكم والسلطة حيث قرارات كثيرة تصدر من عقل مجنون وتلغى بسرعة وبساطة مما إستغل البعض من المنافقين الوضع وأصبحوا بالقمة وتحصلوا على كثير من الأموال وبالأخص من الأجانب المقيمين حيث بدأ الكثيرون في الرحيل عن الوطن طواعية وباعوا أملاكهم وشركاتهم ومحلاتهم بأسعار متدنية حيث لا أعمال ولا سوق رائج مثل السابق .

كانت فرصة للكثيرين من رجال الأعمال الليبيين المرموقين فقد إستفادوا ماديا برحيل اليهود عام 1967 م عام النكسة وخسارة الحرب وسيناء ومرتفعات الجولان في سوريا والضفة الغربية والقدس الشريف ،  بتأثير من حكومات إيطاليا وبريطانيا وقتها لدعم دولة إسرائيل وتكبير الحالة وزيادة الكراهية  والدس والفتن  وأن العرب وحوش وبلع الطعم البسطاء من الطرفين وقامت المظاهرات في ليبيا والتعدي في بعض الحالات على عائلات يهودية مسالمة  بطرق ومخططات مدروسة ودعم من قوى الشر من السفارات الأجنبية لخلق البلبلة وزيادة الكراهية لخلق الرعب للجالية حتى قادتهم ومرؤسيهم يطلبون السماح بحمايتهم وطلب الهجرة برغبتهم …

صورة  قديمة نادرة جداً لليهود في ليبيا 
خرج البعض من اليهود كبار السن وهم يبكون من الحزن والأسى حيث لا يريدون الرحيل والخروج من الوطن الذي عاشوا به منذ آلاف السنيين  ، ولا يعرفون وطنا آخر غيره  ولكن نتيجة الضرورة القصوى والسياسة الوسخة  والخوف على حياتهم خرجوا وفي نظري الشخصي كانت غلطة وخطا كبير السماح لهم بالهجرة والخروج الجماعي دفعة واحدة حيث هؤلاء مواطنون ليبيون ولا فرق بيننا إلا الدين ونحن كمسلمين نؤمن بسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وانه النبي الذي نزلت التوراة عليه بوحي من السماء من الله عز وجل .

كما نؤمن أيضاً بالتوراة و أنه كتاب مقدس تم ذكره عشرات المرات في القرآن الكريم العظيم ، وسيأتي اليوم الذي يعترف به الآخرون مستقبلا أن أجدادنا وساساتنا قد أخطأوو فالعالم الآن صغير في عصر العولمة ،  وعلينا قلب الصفحات السابقة والعيش في سلام وأمن وأمان مع جميع البشر وبالاخص مع الذين يوحدون ويؤمنون بوحدانية الله سبحانه وتعالى من اليهود والمسيحيين والمسلمين   …

علينا الحوار والحوار حتى نصل إلى حلول وتفاهم يرضى جميع الأطراف ونتعاون مع بعض للحد من الإرهاب والتطرف الديني لدى الجميع حتى ننعم بالسلام ونتقدم معا ونتعاون  في العلوم بشراكة حقيقية كما يحدث الآن في الدول الغربية المتقدمة ، ونحن لدينا الأوطان الواسعة والثروات الرهيبة التي تحتاج للإستكشاف والبحث عنها وإستخراجها والصرف السليم حتى نفوز وننجح بدل الصرف للبلاين من الأموال على السلاح  والجيوش والأمن ،  وأوطاننا بحاجة للإصلاح والبناء والتشييد والعيش جميعا في أمان ، بدلا من لغة الإرهاب والدم ، حيث العنف يولد العنف ولن نرتاح أبدا نحن العرب طالما نحن مرضى عقول .

كان عام النكسة وخسارة الحرب أثناء العدوان الإسرائيلي والحرب الخاطفة وخسارة ٣ جيوش عربية في وقت واحد ،  نتيجة الدراسات والتخطيط حتى لا ينجح العرب ويتقدمون للإمام ، وتوجيههم إلى العداء والحرب مع إسرائيل حتى تستنفذ جميع الطاقات والأموال ويجدها فرصة الملوك والحكام الطغاة  والعسكريون المغامرون للوصول للمقدمة ورأس السلطة بحجج وتهييج للجماهير وسيلة للحكم بالقوة وإستعمار الشعوب وعدم الحرية لمواطنيهم حتى تستنفذ الطاقات في الحروب المتتالية الخاسرة والناجحة من الطرفين إلى ماشاء الله عز وجل .

في نظري لن نتقدم طالما نحن نفكر بهذه العقليات الضحلة  من رواسب الماضي ، حيث في نظري عدونا الحقيقي ليس دولة إسرائيل ولا الغرب ولا الشرق ،  بل العدو الحقيقي هو  أنفسنا وجهلنا وتطرفنا ، فقد إستغلت القوى الخفية نظير مصالحها من الغرب والشرق مآسينا والتطرف لدينا ولدى اليهود  وخلقت الفتن ومولت الإرهاب ودست الفتن ،  ونحن كلا الطرفين بلعنا الطعم المغري وكرهنا بعضنا نظير التحديات الكاذبة وحب البقاء  نظير سياسات قذرة من قوى خفية وأصابع سوداء نظير المصالح المادية ولا يهم ضياع البشر من العرب واليهود في عمليات إنتحارية بين فترة وأخرى لزيادة جذوة النيران بأن تلتهب من جديد ولا تخمد ولا تنتهي طالما المخطط ماض للإمام ومتقدم ونحن الطرفين نقدم وندفع الثمن الغالي …

الحل في نظري بسيط للغاية بدأ به الشهيد الرئيس أنور السادات الذي إغتيل بتخطيط حتى لا يتم السلام الحقيقي بسرعة  ، وعلينا إتباع الخطوات ومد الآيادي بسلام عن قناعة والعمل معا بشراكة حقيقية وثقة عمياء لدى الأطراف  ،  فنحن أولاد عم تربطنا أخوة دم وعلينا وعليهم الفهم أن مصلحتنا معا ، وبالحوار المقنع العادل مع الوقت سوف نصل لحلول تشرف الطرفين بحيث لا كاسب ولا خاسر لأي طرف  ، وسوف يرجع الفلسطينيون المبعدون للعيش في أراضيهم في أرض فلسطين جنبا بجنب في سلام وأمن مع اليهود ، وجميع يهود العرب المبعدين سوف يرجعون إلى أوطانهم العربية الأصلية إذا أرادوا الرجوع ، وبالعمل معا بثقة عالية سوف نقلب جميع الموازين على رؤوس المتشددين ،  والشرق والغرب سوف يكونون لنا مساندين فنحن من جنس واحد ولدينا العقول والمواهب والثروات الخيالية والأراضي الواسعة الإستراتيجية في وسط الكرة الأرضية والعالم بحاجة لنا  ، فلماذا لا نغتنم الفرص للسمو والحضارة طالما نحن أحياء نرزق أن نزرع نبتة الخير ونرعاها لتكبر وتنمو حتى يأتي يوم الحصاد والجني والفرحة ، وحتى إن متنا نترك لأجيالنا القادمة الخير والسلام  .
كان العدد من المهاجرين اليهود عن طواعية من مدينة بنغازي بالشرق وطرابلس بالغرب يتراوح العدد من 18 ألفا إلى 22 ألفا حسب المعلومات المتوفرة والتي تحصلت عليها من البعض المراجعين  ، والآن يبلغون المائتي الف من أصول ليبية ويطالبون بالتعويض والرجوع ، فما هو الحل ؟؟؟؟

الحل هو الحوار الهادف بهدوء وبدون تشنج  من غير عنصريات ولا عصبيات فارغة ،  بل ننظر للأمور من زوايا أخرى لم يتبعها ساساتنا وحكامنا من قبل بالسابق ،  علينا إستخدام العقل والبدا في الحوار الهادف لخلق الثقة بين الأطراف حتى نستطيع فك جميع المشاكل العالقة مع الوقت ،، حيث الوقت هو الكفيل بدمل الجراح ان أحسنا العلاج .

وبعدها بعامين في بداية السبعينات  إستفاد هؤلاء رجال الأعمال والتجار المرموقين مرة آخرى من رحيل الإيطاليين من على تراب الوطن .حيث بطرق شريفة وغيرها فاسدة مسيئة تحصلوا على ثروات وأملاك وشركات كبيرة ووكالات تجارية مع الوقت أثمرت بقوة وأصبحوا من الرأسماليين يشار لهم بالبنان أنهم مشاهير ومحظوظين ،،، والواقع معظمهم بسطاء ساعدهم الحظ حتى وصلوا للقمم .

إنني متأكد ان الكثيرين من المتطرفين لا يستطيعون الفهم لما أعني وأقول ؟؟؟ فأنا عربي مسلم ليبي حتى النخاع يحز بالنفس مآل الآمة العربية وهي ترزح في الوحل غير قادرة على النهوض نظير الجهل وعدم التحدي بالعقل ، حيث معظم حكامنا ومسؤولينا يؤمنون بالسلام ويتعاملون مع اليهود بطرق شتى ضمن أطراف اخرى وواسطات  تمتص طاقاتنا وخيراتنا نحن معا ، والسؤال الصعب لماذا لا يتحلى هؤلاء بقوة الشخصيات بالحق ويفتحون باب الحوار راسا من غير وسطاء وعندها أنا متأكد انه مع الوقت سوف نصل إلى حلول مرضية فنحن وهم بشر وأولاد عم وكتابهم المقدس التوراة ورسولهم موسى عليه الصلاة والسلام نبي من أنبيائنا ،  ذكر  بنوا اسرائيل في القران الكريم عشرات المرات  ، ونحن كمسلمين عرب نؤمن ونقدس الكتب السماوية الثلاثة التوراة والإنجيل والقران الكريم التي أتت من السماء بوحي من الله عز وجل ،  والخلافات في التفسيرات والعمل شئ طبيعي يحتاج إلى فهم وعقل وعدم التطرف والقتل والإرهاب حيث ديننا بحثنا على السلام والأمن والأمان للجميع من البشر ضمن الآية الشريفة " لكم دينكم ولي دين "  
والارض للجميع وليست حكرا لاحد للعيش بأمان أمن وسلام .

من كثرة المشاغل ومتابعة أحداث الثورة ، يوم السفر نسيت الوعد بأن أرجع بزوج خالتي إلى الشرق بقصد وبدون قصد وخرجت من طرابلس متجها إلى بنغازي وتوقفت بالمحطة الاخيرة في ضاحية الفرناج للتزود بالوقود ، ووجدت إبن الخال ينتظر هناك ومعه الحاج عبد الرازق  وكانت مفاجأة لي وحاولت الإعتذار والتغطية وأنني نسيت  مما خففت من الحدة والغضب ووضع الحاج عبدالرازق متاعه القليل وكان معه دف مدور كبير " بندير " لإستعماله في قراءة  القصائد والصلوات على الرسول محمد عليه الصلاة والسلام والتمجيد للرب الواحد الأحد الخالق  ، على رنات ودقات الدف الذي يصدح ويجعل الإنسان المريد في الطريقة يسرح ويحلم أنه وصل روحيا إلى أعلى المراتب .

ودعت إبن الخال وركب الحاج عبدالرازق بالخلف وبجانبي السيد غازي وتوكلنا على الله عز وجل  الرحلة والسفرة إلى بنغازي وأنا شبه مكتئب أحترق في صمت حيث لا استطيع التدخين في حضرته طوال الطريق التي سوف تستغرق حوالي ١٠ ساعات قيادة إذا كل شئ مر   بسلام  ولا يحصل لنا أي عائق…

فتح الحوار الحاج عبدالرازق  وقال يا أبنانئ الرحلة طويلة وخذوا راحتكم  وعندكم الإذن والذي يريد ان  يدخن فليدخن وأعتبروني في مثل سنكم ولا تأخذكم أي كلفة معي مما إرتحنا وبدأنا في التدخين ونحن فرحى سعداء فالحاج ظريف وصريح ويحكي لنا عن مغامرات وقصص عفى عليها الزمن لقطع الطريق بدون أن نشعر بالملل وأنا اقود بسرعة عالية والعدادات أمامي يشير العقرب على أكثر من 160 كم في الساعة   ونحن لا نحس بالسرعة فالسيارة كانت جديدة ومريحة .
   
عند مرورنا بمنطقة الخمس حيث أطلال لبدة  التاريخية ليست ببعيد  ، شاهدنا أحد الشباب السياح ومعه صديقته رافعين أيديهم طالبين التوصيل ومررت أمامهم بسرعة وتوقفت لأخذهم معنا في الرحلة وقد فرحوا كثيرا عندما رجعت بالخلف لهم ولم اتوقع ان يكون معهم متاع ثقيل كثير من حقائب الظهر الممتلئة بالثياب وعلب الطعام المحفوظ وآلات التصوير واشياءا اخرى لا اعرفها وفتحت حقيبة السيارة الخلفية ومع حقائبنا امتلأت وبالكاد والدفع بالقوة مع الضغط حتى تمكنا من قفل الغطاء ونتيجة الثقل من الخلف مقدمة السيارة إرتفعت بعض الشئ عن الطريق ، وركب السائح على المقعد الخلفي بالمنتصف وصديقته بالطرف جانب الباب الشمال وبدأت الرحلة … والله الموفق.

                                                              رجب المبروك زعطوط

البقية فى الحلقات القادمة  


Monday, October 15, 2012

شاهد على العصر 21



                                                                                       شاهد على العصر   
                                                             الإنقلاب الاسود
                                                             21


              فجر 1 سبتمبر 1969م نهضت من النوم حوالي الساعة السابعة صباحا وأنا خالي البال عن مايحدث من أمر جليل بالوطن ولم أعرف ساعتها أنني سوف أعيش  واشاهد الإنقلاب الأسود " ثورة الفاتح " وأصبح شاهدا على قيامها ونهايتها بعد 42 عاما من الحكم اللعين حكم المجنون القذافي الذي أخرنا  وأخذ زهرة العمر ونحن نعاني القلق والضغط والمطاردات ومحاولات الإغتيال  والسجن والتحقيق مما أصبنا بالأمراض وعشنا ظروفا صعبة من جراء الإرهاب والزحف والتأميم   طوال هذا الوقت والزمن  ووصل بالوطن إلى التخلف والوراءً وضيع الثروات الخيالية في مشاريع جنونية وأهم الأمور ضياع وقتل عشرات الآلاف من الشهداء في حروب في أفريقيا حيث  لا ناقة ولا جمل ولا مصلحة للشعب الليبي فيها تحت أي ظرف  أيا كانت  .

يضاف إلى ذلك مساندة ومساعدة الإرهاب والقتل عن طريق العمد والقصد للليبيين  في سجن أبوسليم  وأماكن عديدة من الإستراحات والمعسكرات في الخفاء والأمر بإسقاط الطائرة الليبية للتخلص من البعض والظهور أمام العالم أنهم ضحايا الإرهاب كما يصوره له عقله المريض أنه حجة يتحجج بها وقتل الأجانب الغرباء الضحايا  في حوادث الطائرات المدنية مثل  قضية " لوكيربي الشهيرة "  وقضية الطائرة الفرنسية في صحراء النيجر وقضية  تفجير الملهى الليلي "  لا بيل "  في مدينة برلين بألمانيا ووضع قنبلة في احد المقاهي في شارع جوان رود بلندن لتصفيتنا وكنت يومها ووقتها مع الرفاق المناضل السيد جاب الله مطر والمناضل الصابر مجيد في المحل ، وأصابني هاجس قوي شديد بالمغادرة وأصريت على الجماعة بالخروج  وأنا لا أدري  ما السبب ولكن شيئا روحانيا كما اعتقد  يطلب مني بقوة الخروج والذهاب وخرجنا من المقهى على عجل وذهبنا لبيت الصابر للعشاء والسهرة في أمن وأمان وسمعنا بحادثة التفجير  في نشرة الأنباء المسائية في القناة الإخبارية وحمدنا الله كثيرا على النجاة فقد زرعت قنبلة من أحد العملاء الليبيين من اللجان الثورية الأدعياء لتصفيتنا والقضاء علينا أيام المطاردة ونحن بالغربة والهجرة نناضل الشيطان إبليس عليه اللعنة إلى يوم الدين ، وغيرها من مئات الاشياء المخيفة والمرعبة التي يندى الجبين من ذكرها   خلال 4 عقود ونيف من الحكم الأسود للشعب الليبي .

رجعت بالذاكرة لليوم الاول من الإنقلاب  الأسود حيث  الموسيقى العسكرية تصدح والشعب يستمع ولا يعرف ماذا يحدث والإحتمال الكبير ان الملك قد تنحى عن العرش أو توفي والشعب عاش في القلق يريد ان يعرف والكاذب والمنافق وجد سوقا كبيرة في إطلاق الشائعات وانه يعرف ، والموسيقى مازالت تدق دقات رتيبة وبعدها صمتت ونطق أحد المذيعين وقال البيان الأول وأن ثورة الشعب نجحت  والقوات المسلحة قبضت زمام الامور في ليبيا الوطن وبدأ يشرح بعض الأمور الهامة وصرخ معظم أبناء الشعب من الفرحة والسعادة بسماع الأنباء المدوية ، وبدأت التكهنات لمعرفة من وراء الثورة  من ضباط شباب ولا احد يعرف …

الساعة التاسعة صباحا كنت بالمكتب وشاهدت أثناء الدخول  الوالد  وهو واقف على رصيف الشارع أمامه متكئا على عكازه يشاهد المارة  متأثرا حزينا  من فرحة الشباب الغير فاهمين لما يدور من أحداث ممكن تكون وبالا على الجميع من غير أن يدرون ، حيث  الوالد من مريدي الطريقة السنوسية ومحبي الملك محمد ادريس السنوسي والوضع الملكي بالروح والجسد حتى النخاع ….


 حييته ولم يسمع  وينتبه حيث كان مهتماً بالأخبار الحزينة وغير مصدق أن الملك قد أبعد ببساطة عن العرش من قبل الجيش الذي ضحى من أجله الكثير عندما وضع لبنته وكيانه في الغربة وأسسه من لاشئ في الكيلو ٩ غرب القاهرة على الطريق الصحراوي  بدايات الحرب العالمية الثانية من رجال وشباب المغتربين الليبيين  بمساندة الدولة البريطانية وإنضمامه تحت لواء الجيش الثامن " الحلفاء "  ليحارب المستعمر الطليان "والمحور " من خلف الخطوط في أخطر العمليات الحربية من التسلل والتخريب والتدمير للمصالح الحيوية لجيوش المحور وأهمها مخازن التموين بالوقود للآليات من سيارات ودبابات وقطع الجسور لتأخير السير على الطرق .

الآن ضباطه الشباب يثورون عليه وينسون الماضي المرير بكل ببساطة  من غير وفاء .وأن العهد الملكي ينتهي بسرعة في لحظات  بإنقلاب أسود هباءا منثورا من غير مقاومة  ومساندة الملك في محنته من الذين حاربوا من أجله وضحوا بالعزيز والغالي حتى تم الإستقلال الذي كان يعد حلما قبلها ، والوطن ليبيا تصبح دولة ناشئة مستقلة  لها كيان بين الأمم وعلم يرفرف ويرحل منها المستعمر الإيطالي مهزوما غصبا عنه بعد إستعمار 34 سنة جميعها تعذيب وإرهاب وقتل لعشرات الألوف  والإبادة الجماعية في المعتقلات في البريقة ومرادة في حدود المنطقة الشرقية "برقة"

عشرات الأشياء من المكتسبات الوطنية والخطوات الراشدة للحكومة الناشئة  والتي كانت جليلة  تحت إشراف الملك سليل الأسرة الطاهرة  الذي كان  طوال الوقت يدعوا للخير والمصالحة الوطنية بين جميع فئات وشرائح الشعب ويعمل جاهدا لإسعاده ، حيث الدولة إلناشئة الجديدة فقيرة ، لم يستكشف ويستخرج النفط بعد! وخزائنها فارغة ليست لها أرصدة ولا ميزانيات ضخمة مثل الآن ، وكانت تعاني شظف العيش وبالكاد تعيش على المنح وتأجير القواعد العسكرية لبريطانيا قاعدة " العدم " بالشرق قرب مدينة طبرق ، ولأمريكا قاعدة " هويليس " فى الغرب بطرابلس العاصمة …

حيث وقتها لا أحد مهتم بها بل يطلق عليها كناية من البعض الغربيين أنها " صندوق من الرمال "  لا أمل فيها ولا نجاح  حيث شحيحة المياه للإنتاج والزراعة ، قليلة العدد  للسكان نظير الإبادة والأمراض ،  الجهل ضارب أطنابه إلا من القلائل الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة  ممن يحملون الشهادات العالية وقت الإستقلال في 24 ديسمبر من سنة 1951 م …

حضر الموظفون للمكتب حسب العادة  وكنا نسمع  الأناشيد والموسيقى العسكرية من الراديو حيث وقتها لا قنوات فضائية عاملة والحصول في مدينتنا درنة  على الإرسال لدولة مصر وإسرائيل واليونان وإيطاليا بعض الأحيان في ليالى الصيف الهادئة كان صعبا ولا نعرف إلا القليل فقد كنا مثل الأطرش في الزفة يمشي غير سامع مع الآخرين البسطاء الموسيقى والزغاريد بدون هدف  لا يعرف إلى أين يذهب … وطلبت منهم المغادرة مانحا لهم أجازة مفتوحة حتى تتجلى الامور وأمرت بإقفال المكتب إلى أجل غير معلوم .

ذهبت إلى المصنع حيث يعمل فيه مجموعة من العمال الطليان وطلبت منهم العمل وقفل الأبواب وشددت الحراسة حتى لا يقتحم من قبل غوغاء ساعة الفوضى والحمد لله عز وجل لم يحدث أي شئ من الفوضى والإقتحام ،  بل فرحة عارمة من نسبة كبيرة من الشعب بدون معرفة من يكون على راس السلطة  ، المهم زوال السلطة والنظام الملكي حيث الجميع مهيئون من خطابات الرئيس عبد الناصر الثورية التي تدعوا الجماهير إلى الوحدة العربية ومحاربة إسرائيل المغتصبة لأرض فلسطين العربية بالقوة سنة 1948 م …

إختلط الحابل بالنابل و غاب وتوارى رجال العهد السابق في بيوتهم ينتظرون ماذا سوف يحدث… وذهبت إلى فندق الجبل الأخضر وشاهدت الجموع الغفيرة من أبناء الشعب وهي تتجمع فرحة وترقص والبعض يخطب والجميع مؤيد الثورة غير عالما بأنها إنقلاب أسود و أنه  يوما ما سوف يدفعون الثمن الغالي من أعمارهم لقاء التشفي في الملك الطاهر الزاهد للحكم والملك  الذي يعرف طريق الله عز وجل وليس مثل  الشيطان إبليس القادم مرتديا أقنعة شتى زائفة ، والذي حتى تلك اللحظات  لم نكن نعرف بالضبط من هو  الزعيم رئيس الإنقلاب ؟؟  ومن جماعته ورفاقه؟؟؟  ومن وراءه من القوى الخفية والأيادى السوداء  الذين ساندوهم عن طريق  القوة  البندقية والعسكر حتى نؤيد ونفرح  ، أو  نتوقف ونعارض ، الأمر طالما الوضع ممكن السيطرة عليه بسهولة لو تحدى الشعب الإنقلابين بقوة في اليوم الأول  .

ذاك اليوم الأسود لم اعتقد ولم يخطر على البال  إنني أشاهد التغيير الكبير وأن الثورة التي يتشدقون بها لها أبعاد كبيرة سيئة سوف تكون وبالا على معظم الشعب الحر البرئ الذي يساق إلى الموت عن طواعية وهو لا يعرف المصير الأسود ولا يعلم … مثل دفع قطيع الغنم إلى الذبح في السلخانة وهو يجري طواعية للهدف  ، أليس بمأساة ؟؟؟ أنه شئ طبيعي وسنة الحياة وجزء منها أن يساق الخروف للذبح  لأنه خلق لهذا الأمر حتى تستمر الحياة.
ولكن ان تسرق دولة لها كيان علم وملك وحكومة معترف بها في الأمم المتحدة من لصوص تافهين ضباط شباب صغار بالسن قليلي التجربة والعلم نظير الإندفاع وتصديق التراهات والخطابات الثورية من راديو صوت العرب بالقاهرة في الخمسينات والستينات وحتى السبعينات والوحدة العربية الزائفة بدون علم ولا دراسات ووضع الأساسات السليمة  التي تحتاج إلى وقت طويل حتى تتحقق في وضح النهار والشعب يرقص موافق على الذبح طواعية من غير أن يدري  ؟؟   يعيش الخداع وهو مسلوب الإرادة ضمن مخططات ودراسات من أساطين وأساتذة الشر الذين يعرفون كيف يكيدون المكايد ويوجهون الجماهير ويخدعونهم خداعا تاما مثل السحر إلى مسارات تخدم مصالح القوى الخفية الأجنبية وهم فرحى بالنصر ، أليست بأمر مؤسف ومأساة ؟؟؟ 

إنني أنا شخصيا ، أتحمل بعض الأمر حيث  كنت غرا مخدوعا ضمن معظم أبناء الشعب وعشت فرحة التغيير وأنا ضمن الموافقين ولم أتعلم الدرس وأمامي البرهان السليم الوالد الله عز وجل يرحمه ويحسن له أحد الأبطال المجهولين الذي كان له الدور الكبير في الجهاد والعمل النضالي في السر حتى تحقق الإستقلال ولم استشر حتى اعرف مغبة الإندفاع فقد كنت اعتقد وقتها أن الوالد لا يعرف إلا القليل وأن العصر تغير محتاج إلى دماء جديدة شابة حتى تتحقق الآمال وتتخلص من الإستعمار والجهل ونتوحد كشعوب عربية مسلمة في بوتقة واحدة كما كنا بالماضي أيام العز والأمجاد .

لقد نسيت أن هؤلاء الزعماء الجدد الذين وصلوا للسلطة من الحضيض والصفر مغررين بالخداع والعمالة ،  مثل بعض الزعامات الآخرى من العرب وقتها يساقون للهدم والتدمير والذبح للآخرين من أبناء الشعب نظير الدفاع عن ثوراتهم المزعومة التي يساقون اليها من القوى الخفية العالمية ،  وهم يعتقدون أنهم على الحق وسائرون في الطريق الصحيح بكل الأسف ،  أليست بمأساة أن نساق نحن وراءهم في الخداع من عوام حاقدين  ونتورط بالمصائب مثلهم ونتأخر سنوات طويلة من أعمارنا ونتخلف للوراء طواعية عن جهل …

جلست ضمن العديد من الرفاق الشباب في مقهى شرفة الفندق  نحتفل بالحدث الجليل الذي يحدث وقتها وكبرت الحلقة مع مرور الوقت  والجميع متلهف لسماع الأخبار والتعليقات بلا حدود ويتكهنون والبعض يؤكد على صحة الأخبار وأن فلان وفلان من ضمن القائمين على الثورة ومع الوقت وطول الزمن معظم التكهنات هراء .

رجعت للبيت حوالي العصر فقد صدرت الأوامر بعدم التجول في الشوارع عند المغرب وحلول الظلام ونزلت قوات كثيرة جنود  من المعسكر الذي بالمدينة  تلبي الأمر من قياداتها وهم لا يعرفون من هم حيث وقتها جنود الجيش تدربوا على إطاعة الأمر من الذين اعلى رتب منهم مهما كان الأمر صحيحا أو خطئا…

الغريب في الأمر أن الشعب تعاون بكل سهولة ولم يخرج معظمهم وكأن سحرا أسودا أعماهم عن الرؤية ولم يتساءل أي احد لماذا هذا الأمر وهم مؤيدون ولا معارضة ، بل طواعية لبوا النداء والأمر ، أليس بأمر مذهل أن يحدث بسهولة ؟؟؟ إنني لا اعرف …

الأسبوع الأول مر والشعب في جميع أنحاء ليبيا غير مصدق قيام الإنقلاب وأن العهد السابق سقط بسهولة من غير إطلاق رصاصة واحدة ترفض الأمر ، إلا احد ضباط  البوليس مع عساكره في المركز سلحهم بالبنادق التي في حوزته بالمركز  في منطقة  ببنغازي على ما أعتقد وأذكر  في منطقة القوارشة  رفض الإستسلام وتحدى الجيش حتى يأتيه أمر من قيادته العليا مما بسبب لهم  في مشكلة ولم يستطيعون عمل أي شئ وتحدى حتى جاءه الأمر من قائده الأعلى رتبة الذي كان نزيل السجن والتحفظ وقتها ، عندها لبى الأمر وإستسلم  ، لقد نسيت إسم هذا البطل ولا أذكره الآن فقد مرت حوالي  44 عاما على الموضوع …

حادثة قتل واحدة وجرح البعض آحدهم من " آل العقيلي "  من اخوتنا قبيلة الدرسة من منطقة " بطة " في الإذاعة عندما رفض الحراس دخول أفراد من الجيش بدون أوامر حفاظا على الإذاعة  وتم إطلاق الرصاص بين الطرفين حتى يتم إذاعة البيان الاول .

استمر الأمر بحظر التجوال ساريا لمدة الشهر الأول وكل يوم يذاع أمر واليوم الثاني  يلغى بكل البساطة ولم يتساءل أي أحد من الشعب لماذا هذا التخبط  ؟؟ الذي يدل على الجنون واللعب بعقول الشعب البرئ الساذج  الذي أعطاهم الحق بأنهم عديمي التجربة صغارا بالسن وسوف يتعلمون مع الوقت كيف يسوسون الوطن ، والواقع الذي اثبته التاريخ  على مدى 42 عاما من الحكم أن رئيسهم  الملازم معمر بومنيار القذافي مجنون عظمة ، مجنون بجميع المقاييس شيطان رجيم ، إبليس في صورة إنسان حقود حسود لبس أقنعة كثيرة في البدايات حتى خدع الجميع ، وكان المفروض إيداعه بمستشفى المجانين حتى يفيق من جنونه  أو يموت ونرتاح منه .

لولا مساندة الشعب لم يكن الإنقلاب لينجح  حيث وزعوا الجنود كحراس في الأسواق والشوارع الرئيسية بحجة الحفاظ على السكان بأن لا تحدث فوضى ولا تعدي على المحلات ولا سرقات وتركوهم بدون رعاية ولا توزيع  طعام ولا أي نوع من أنواع الرعاية ، والبعض سقط مريضا من الجوع والسهر طوال الوقت بدون أن يغفوا وينام ، ولولا الشعب المضياف الذي كل بيت أمامه جنود شاركوهم الطعام بالمتاح  طوال الوقت حتى  مر الأمر على سلام وتناقصت ساعات الحظر ثم إنتهت .

أذكر حكاية طريفة وقعت لي مع البعض من الجيران الذين الآن جميعهم توفوا وفي ذمة الله عز وجل  رحمهم الله تعالى بواسع رحمته ، فقد كان بيت الوالد الكبير يفتح على الشارع الرئيسي وله إمتداد بالطول كبير حتى يصل إلى زقاق بالخلف وكنت أسهر في الزقاق مع أبناء الجيران وأذكر منهم المراحيم ( بشير الهنيد والحاج فتح الله الطشاني وأخوه علي والسيد أوحيش الباح )  الذي كان أمام باب بيته يضع الحصير في الزقاق الضيق ويحضر عدة الشاي ونسهر ونسمر إلى بعد منتصف الليل في الجو والطقس الصافي ليالي الصيف شهر سبتمبر حيث لا عمل نمارسه فقد كنا في إجازة طوال الوقت ومسموح بعض الساعات بالنهار  للتجوال  في الفترة الأولى لشراء السلع الغذائية والمواد الأساسية للعيش ، وكان الحراس الجنود يمرون ذهابا وإيابا في الشارع وكنا نسمع  أصوات خطواتهم الرتيبة التي تدق من أحذيتهم التي بالمقدمة والمؤخرة بها قطع من الحديد حتى لا تذوب من الإستعمال المستمر أيامها بشارع الإسفلت الأمامي ولا يدخلون الأزقة حيث لا يعرفون متاهاتها و إلى أين توصل …

كنت عندما لا أحضر يصرون على الحضوروالسهر معهم غصبا عني كمودة وإحتراما منهم ولسماع القصص العديدة عن السفريات والمغامرات التي قمت بها ، مما تعبت من الحضور وخططت لوقف السهرات وتأجيلها لوقت قصير وكان معي مسدس ذو صوت عالي بدون رصاص قاتل  وعندما سمعت وقع الأقدام للحراس بالشارع الإمامي وبيننا وبينهم حوالي 100 متر في منعطف  الزقاق أخرجت المسدس وأطلقت في الجو الهادئ عدة إطلاقات ذات صوت عالي لشد إنتباه الحرس للقدوم والبحث عن من أطلق الرصاص .

قفز الجميع بسرعة وجروا بسرعة البرق إلى أبواب بيوتهم القريبة المفتوحة وبالنسبة لي قفزت على السور في لحظة وتواريت داخل البيت وراء النافذة لأشاهد ماذا يحدث ؟؟ والوحيد الذي تأخر  دقائق عن الدخول كان السيد " اوحيش الباح " الذي كان يضع في الحصير والعدة وكانون النار داخل البيت حتى لا يتركها بالشارع ، وجاء الحرس بسرعة وتم القبض عليه وكنت أسمع بوضوح جميع الحدث وطلب منهم بضع دقائق حتى يضع الأشياء داخل البيت وعندما إنتهى من الأمر دخل فجأة وقفل الباب ودق الحرس الباب ورد عليهم ألا تعرفون أنه أمر بالحظر وعدم التجوال ؟؟ مما ابتسموا من الدعابة وقالوا له لا تخرج مرة ثانية وإلا سوف نحبسك حتى الصباح .

دعابة أخرى فقد كنت أسهر بعض الاحيان مع الرفاق في فندق الجبل الأخضر بوسط المدينة وأرجع للبيت عند منتصف الليل مخالفا ساعات الحظر حيث معروف للجميع … و في  إحدى الليالي كان من ضمن المجموعة صديقي " الحاج محمد الكيش " مأمور الجمرك لميناء مدينة درنة وكان ضابطا ذو رتبة عالية بحرس الجمارك ، وكان قد شرب الكثير من المشروبات الكحولية  ليدفن همه وعدم رضاه على الثورة المشئومة وطلب مني توصيله لبيته ولم استطيع الرفض حيث بيته ليس في طريقى مما لا محالة سوف أقع في أحد مراكز التفتيش للجيش ، وتصبح مصيبة وبالأخص حالة سكر ولا أريد وأرغب أن يعرف الوالد الأمر وقلت للمأمور عندي جناح فاضي غير مشغول وبإمكانك المبيت والراحة حتى تفيق  بالصباح ولكن أصر على الذهاب معي وخاطرت وقبلت توصيله وبصعوبة ساندته حتى ركب السيارة في الميدان أمام الفندق وتحركت السيارة ووصلت للمنعطف الأول أمام مبنى المصرف التجاري وكان هناك بالصدفة دورية حرس لا أعرف من أين أتت وطلبوا مني التوقف وهم شاهري السلاح وتوقفت وبدأت الأسئلة ورددت عليهم بكل الأدب محاولا السماح لي بالسير ، وفجأة خرج المأمور من السيارة وصاح فيهم بلهجة الأمر وأنه ضابط ويحمل على كتفيه عدة مراسيم ملكية ، مما ذهلوا من التحدي وذكر الملك وأصروا على القبض علينا وأخذنا إلى المعسكر حتى يبت في الأمر من الآمر هناك ، وإستسلمت للأمر حيث لا استطيع عمل أي شئ …

في تلك اللحظات العصيبة وصل أحد ضباط الجيش المسؤولين على الدوريات والمناوبة تلك الليلة وكان صديقي وأعرفه معرفة جيدة الضابط النقيب على ما أعتقد " السيد الناجي الجدائمي " وسلم علي وأمر الجنود بترك سراحنا والذهاب ولكن طلبت منه أن يسير بالمقدمة حتى نصل إلى بيوتنا مما وافق وسار بسيارته الفولكس واجن الصغيرة واضعا رشاشته البريتا على المقعد بجانبه مستعد لضرب النار لأي أمر طارئ ،  وسار أمامنا وأنا أتبعه حتى بيت المأمور وتوقفت حتى نزل وساندته  وتأكدت أنه فتح الباب ودخل حيث عائلته في بنغازي وقتها وهو أعزب ، وسار أمامي النقيب الناجي مرة آخرى يفتح الطريق حتى وصلت لبيتي ودعوته للدخول ولكن رفض حيث لديه عمل ومناوبة على الدوريات تلك الليلة .

لا عمل بالمكتب والموظفون يحضرون كل يوم لعدة ساعات يتسامرون وكأنهم بنادي ثم يذهبون لقضاء حوائجهم الشخصية مثل العادة قبل أن تحل ساعات المنع والتجوال ، وبالليل السهر مع عدة مجموعات كل مرة أذهب إلى واحدة وأرجع على القدمين بدون سيارة مع الأزقة الضيقة التي ليست بها دوريات للمراجعة والمراقبة حتى أصل للبيت من الزقاق الخلفي.

كانت الأخبار متضاربة وأعلن إسم ضابط محبوب من الجميع كتغطية عدة أيام حتى ضمنوا النجاح للإنقلاب ثم أعلن إسم الملازم ذو النجمتين معمر بومنيار القذافي الذي رقي دفعة واحدة إلى رتبة عقيد  على أنه الرئيس لمجلس قيادة الثورة المكون من 12 عضوا عسكريا وليس منهم ضابط واحد من مدينة درنة مع أنه وقتها بالجيش الذي لا يتجاوز عشرة الآف مجند اكثر من مائة ضابط من جميع الرتب ، ولكن الرئيس  العقيد المعقد يعرف أنهم أذكياء ولن يتركوه يلعب كما يريد ويرغب في مصير الوطن  وهمشهم عن قصد وترك البعض من الرجال الحقيقيين في الثورة  في الصف الثاني أمثال الضباط إبريك الطشاني واحمد المقصبي وجبرين الحداد والناجي الجدائمي الذي بعدها كون فيلق قوة المغاوير " الصاعقة " عصب الجيش  ، وغيرهم من الضباط صغار الرتب أما العقداء والمقدمين ذوي الرتب العالية  فقد أدخلهم للسجن حتى يتم الفحص لهم وأنهم ليسوا بخطيرين على النظام الجديد قبل إطلاق السراح وإبعادهم عن الوطن بناءا على النصائح من مستشاري الشر السيد فتحي الديب المصري وغيره من المستشارين العسكريين  الذين بعثهم الرئيس عبدالناصر ليحاول إحتواء رجال الإنقلاب الأسود من الضياع حيث وجد الفرصة سانحة  لإبتلاعهم بسهولة وضم ليبيا للحصول على ثرواتها حتى يستمر في التجديف والكذب والخطابات بالساعات وهو لا يمل ولا يكل وكأنه استاذ ومعلم  يشرح الدروس للسذج  وهم يصفقون بحرارة تشجيعا لسيادة الرئيس الدكتاتور الذي زج بالكثيرين من أبناء الشعب المصري الأبرياء وبالأخص  من جماعة الإخوان المسلمين الذين يطالبون بالحكم بالشريعة الحقة والدين السليم بدون شوائب حيث الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان …

خلال الشهر الأول للثورة حدثت أشياءا كثيرة خاصة كانت لها أثار سيئة بالنسبة لي أولها ضياع وتعطيل شركات البناء والمقاولات الإيطالية بمدينة البيضاء التي العهد الملكي السابق كان مهتما بها ليجعلها العاصمة السياسية لليبيا في المستقبل وكانت الكثير من المشاريع تحت الإنشاء والتشييد والتعمير أو مخططاتها ورسوماتها تحت التجهيز لإعتمادها في سنوات قادمة ولكن الإنقلاب الأسود أوقف جميع البناء وأصبحت مدينة البيضاء العامرة بالسابق عدة سنوات من بداية الإنقلاب إطلالا خاوية ، حتى من الله عز وجل وتزوج العقيد المعقد السيدة صفية فركاش البرعصية القاطنة في درنة وتعمل ممرضة وأصول عائلتها من مدينة البيضاء  ، حيث ازدهرت مدينة البيضاء مرة ثانية بعدة مشاريع مما راجت التجارة فيها وكثر عدد السكان وفتحت الجامعة أبوابها للطلبة وأصبحت مدينة يقصدها الكثيرون للعمل بها .

أول المصائب لي كانت إفلاس جميع الشركات الإيطالية التي لدي عقود معها ولي مبالغ كبيرة لتحصيلها وقدمت الشكوى للمحاكم حتى وصلت إلى المحكمة العليا التي تغيرت وأصبحت محكمة الشعب  ولكن لا أذان تسمع ولم أتحصل على شئ وبعد خمس سنوات في المحاكم نظير ظروف سياسية أخرى حكمت محكمة الشعب  بإسقاط الدعاوى وأن الثورة غير مسؤولة وبالتالي ضياع كل شئ  فلا عدل في الدولة ولا قانون ولا دستور والشكوى لغير الله عز وجل مذلة مما سكت وصمت عن المطالبة حتى الآن بعد مرور 44 عاما ولكن الأجر حاصل ويوما بالآخرة حقوقي المغتصبة سوف تكون درر و جواهر وجوائز في ميزان الحسنات بإذن الله تعالى.

المصيبة الثانية ،  ضياع مصنع الرخام وكمياته وإسطول العربات الكبيرة والتي اكثر من عشرون شاحنة نقل ثقيل كانت بالمستودع في مقر الشركة بالبيضاء وضياع وسرقة أكثر من 800 إطار عجلات لعربات النقل الثقيل جديدة من المستودع برأس الهلال وكنت شريكا بالنصف  مع الإيطالي السيد رفائيللي روزاريو بورفيدو حيث زودته بالرأسمال لشرائها وعملنا غلطة كبيرة استغلها محامي النقض في إبطال القضية ، حيث صدر قانون يمنع عمل الشاحنات الخاصة  والسير بالليل من الساعة السادسة مساءا حتى السادسة صباحا منعا للضجيج والحوادث ، والمسموح للعمل شاحنات الشركات للعمل طوال الوقت حتى تنهى أعمال البناء والتشييد بسرعة وحتى لا نتعطل في النقل ولدينا عقود كبيرة لنقل المواد وبالأخص مادة الشرشور والرمل إضطررنا للتنازل عن الأسطول جميعه وسجلناه بإسم  شركة ريفيللي مع وجود مستندات تثبت الحق  ، ولم نعلم الغيب ولا المستقبل  إن الإنقلاب الأسود سوف يحدث بعد التسجيل بفترة ويتم الحجز للجميع بدون وجه حق ونحن أصحابها الأصليون ، أليست بأمر مؤسف ومأساة أكملتها غصبا عني؟؟؟

المصيبة الثالثة … أغراني شريكي الإيطالي في اليوم السابع للثورة وخفض اسعار حصته برقم رمزي مما اشتريت منه حصته مع وعد بأن ادفع له جميع ماله في مدينته " افيلينو " جنوب شرق مدينة ساليرنو ، ميعادا محددا قبل نهاية السنة 1969/12/31م  حتى يدفع ديونه مع البنك وإلا يخسر جميع أملاكه المرهونة  ووعدته والحمد لله تعالى في الوقت المحدد وصلت  واوفيت بالوعد ( قصة طويلة سوف يتم سردها في وقتها ) .

ضاع جميع الرأسمال في مدينة البيضاء وخسرت الكثير وكان مركزي المالي قبل الثورة والإنقلاب الأسود أكثر من مليون جنيه ليبي وقتها بحيث اعد من الأثرياء في مدينة درنة ( كيلو الذهب سعره بسعر أحسن بيت ممكن شراؤه بمبلغ 500 جنيه ) وخسرت معظم الرأسمال ولم يبقى لي إلا البيت الذي اسكنه مع العائلة  ومصنع البلاط والرخام وشركة زعطوط لبيع مواد البناء والوكالة البحرية لتفريغ  ومناولة السفن والشركة مع  السادة نصوح وسعيد شحادة في طرابلس  ، وعلي إلتزامات وديون كثيرة للمصرف والعائلة ومصاريف والتزامات شهرية  مثل رواتب للموظفين والخفراء والعمالة المطلوب سدادها وليس لدي أي دخل ولا سيولة حتى أوفي بالإلتزامات الثقيلة وقتها .

 عشت أياما وشهورا صعبة والجميع من العائلة والمعارف والأصدقاء بدأت نظرات التشفي والشك بأنني على حافة الإفلاس ، والوحيد الذي ساندني بقوة طوال الوقت كان الوالد الله يرحمه سندا قويا أعطاني  جميع السيولة التي يملكها عن طواعية بدون الطلب منه وكان يواسيني طوال الوقت ويقول لا تخاف ولا تحزن  المولى الله عز وجل موجود وأنت تعمل في الخير وطيب القلب وهذه الأمور الصعبة عبارة عن إمتحانات للتجربة هل سوف تصمد وتتحدى أو  تيأس وتسقط ، وكنت أجيبه قائلا أنا مقامر ومغامر بطهارة قلب وضمير وأعرف جيداً ماذا أعمل من خير والرب لن ينساني …

قررت السفر لمدة بسيطة حتى أغير الجو في الشهر الأول من الإنقلاب الأسود وذهبت لزيارة سريعة إلى طرابلس لزيارة المكتب هناك ورافقني السيد  غازي الشلماني مدير مكتب المحافظة لمراجعة حقوقه في طرابلس وسافرنا بالسيارة المرسيدس وكانت الطريق معظمها خالية إلا من بعض البوابات التي لا تعطيل فيها عبارة عن تسجيل بسيط …  والله الموفق.

                                                                     رجب المبروك زعطوط 

                                                             مدينة شتوت غارت ، ألمانيا يوم 2012/10/14م
  
البقية فى الحلقات القادمة …    
  

Saturday, October 13, 2012

شاهد على العصر 20


                                             بسم الله الرحمن الرحيم


                                                شاهد على العصر

                                                       20


Beirut in the 60s
               في أحد أيام  صيف عام 1967م بعد النكسة المؤثرة  وخسارة الحرب وأفول نجم الرئيس عبد الناصر ، نظير الأخطاء القاتلة والإعتماد على أعوان فاسدين منافقين كسروا له ظهره والنتيجة كانت الخسارة الأليمة وضياع الجنود البواسل في حرب خاسرة نتيجة الضربة المفاجئة الخاطفة القاصمة ، على المطارات الحربية المصرية وضرب الطائرات المقاتلة وهي جاثمة على الأرض وخسارة 3 جيوش عربية في فترة بسيطة من قبل دولة إسرائيل الصغيرة وقتها ، والتي كان القادة العرب يستهزئون بها ، وهي كانت تستعد وتجهز  نفسها للجولة والحرب في صمت لأنه بالنسبة لها كانت عملية حياة أو موت ، عملية بقاء ووجود في المنطقة ، أو الإزالة من الخارطة إلى ماشاء الله عز وجل .

 كنت في إحدى الرحلات بروما إيطاليا ، وتصادف في أحد الأيام  بالأصيل أنني كنت بالمقهى على الرصيف لفندق " ماسيمو دي آزاليو " المقيم به ، أتفرج على حركة السير للبشر ، وفجأة  بالصدفة شاهدت السيد " عوض صالح شنيب " رحمه الله عز وجل من مدينتي درنة وتربطنا بعائلة شنيب أواصر صداقة ومصاهرة ونسب وهو يمر من أمامي وغير منتبه لجلوسي وناديت إسمه مما إستغرب من الأمر وتطلع حواليه من ذا الذي يعرفه ويناديه في الغربة وشاورت له وتطلعت العيون وشاهدني وإبتسم ومددت له يدي بالمصافحة ودعوته لشرب فنجان قهوة مما لبى الدعوة وجلس .

تحدثنا في كثير من الأمور العامة والخاصة والتي إستغرقت عدة ساعات وبعدها دعوته للعشاء مما وافق وعرفت منه أنه يرغب في السفر إلى بيروت لبنان لإستيراد كمية من الساعات ماركة " جوفيال " من المنطقة الحرة  المطلوبة بكثرة لسوق مصر حيث ممنوع  إستيرادها رأسا نظير حصار الغرب وعدم وجود العملة الصعبة  ويتم وصولها عبر ليبيا حيث تصل إلى مدينة درنة وبعدها تهرب إلى هناك حيث الربح الكبير ودعاني لمرافقته في الرحلة لعدة أيام ، وكان لدي الوقت للسفر والترحال إلى أي مكان وبالأخص إلى مكان جديد لم تتاح لي الفرص  من قبل والذهاب إلى هناك للإستكشاف ووافقت على السفر والرفقة والمغامرة وزيارة بيروت لبنان .

منذ عدة أسابيع  عندما كنت في مدينة درنة في زيارة صباحية للميناء لمراجعة إحدى السفن وهي تفرغ البضائع معطيا التعليمات للمسؤول وكنت مستعجلاً ولدي ميعاد مهم بمدينة البيضاء لبحث بعض الأعمال المهمة ، زارني  السيد " فيكتور جبيلي " الوكيل لشركة أبناء نعيم شحادة للتجارة والتصدير في بيروت ، وقدم نفسه وتعارفنا و إعتذرت له حيث كنت مشغولاً وحددت له ميعادا بالمساء في المكتب على الساعة السادسة كي نتقابل ونتحدث في الأعمال و عن إمكانيات التعاون التجاري إذا كان هناك  نصيب .

تأخرت في البيضاء ورجعت إلى درنة وذهبت إلى المكتب وأنا متأخر حوالي النصف ساعة عن الميعاد وعلى الباب قابلت السيد " فيكتور جبيلي" وهو خارجا ويبدو عليه الإنزعاج  من مدير المكتب " م ب " وطيبت خاطره وأدخلته إلى مكتبي وعاملته كضيف بجميع الإحترام والتقدير ، وتحدثنا عن الكثير من المواد التي يمكن إستيرادها من لبنان وبالأخص الجير الذي يخلط مع الإسمنت ويستعمل في تغطية الحوائط ،  وكان مطلوبا بشدة وقتها للأسواق ، وإشتريت منه كمية بسيطة حوالي 200 طن من الإسمنت الأبيض كفتح باب للمعاملة التجارية ، وإرضاؤه حيث ضيع يوما كاملاً من الصباح إلى المساء في الإنتظار ، ووعد بأن يقوم بإرسالهم  في أقرب وقت والدفع ضد المستندات عندما تصل السفينة وترسى على الرصيف .

ثم دعوته على العشاء وغيرت مكان إقامته من فندق " العمامي" البسيط إلى فندق الجبل الأخضر المميز وقتها حيث به طاقم إيطالي للخدمات وكان المطعم يقدم  أشهى المأكولات  حيث لدي جناح محجوز طوال الشهر رقم 12 الذي مازلت أذكره لإستعماله وقتها للضيوف المميزين وحجزت له سيارة خاصة لتوصيله إلى مدينة بنغازي بالصباح الباكر مما إرتاح لحسن المعاملة  ، وودعته منتصف الليل وهو مسرور سعيد بالمعرفة .

المهم تم الإتفاق مع السيد " عوض شنيب " على السفر اليوم الثاني  بعد الظهر حيث لدي أعمال لأنهيها ، وتحصلنا على تذاكر  على متن الخطوط  الجوية الإيطالية "أليتاليا" المسافرة ليلاً على الساعة العاشرة ، ووصلنا إلى المطار قبل الإقلاع بفترة وجميع الإجراءات كانت سهلة وقتها وليست مثل الآن صعبة مما يجعل المسافر يتعب ويشمئز من إجراءات الأمن والتفتيش المستمر والأسئلة العقيمة من بعض رجال الأمن .

أقلعت الطائرة والرحلة إستمرت حوالي 3 ساعات بالجو وقدموا لنا وجبة عشاءا شهية ، وشرب صديقي بعض النبيذ ، ووصلنا إلى بيروت وكان الجو ساحرا بالصيف والنسمات خفيفة ،  وبعد إتمام جميع الإجراءات خرجنا وركبنا عربة أجرة وكانت الساعة حوالي الثانية صباحا ، وأصر صديقي على إستئجار شقة وذهبنا  لمشاهدة البعض وكنت كلما يسألني هل أعجبتني أقول له لا ، حيث أريد وأرغب في الأقامة بفندق نظير الأمن والخدمات بدلاً من شقة أضطر إلى العمل والجهد ولو لتجهيز فنجان قهوة .

كانت معظم الفنادق في بيروت محجوزة نظير المؤتمرات والسياحة وبالأخص من دول الخليج حيث لبنان وشعبه الماسة و جوهرة  من طينة أخرى وطبقة مميزة من العرب حيث الحضارة و السمو والتقدم ولكن أياد الشر والشرور القوى الخفية بعدها بسنوات عديدة عصفت به ودخل في حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس حتى لا ينهض ويتقدم .

أخيراً ختمنا الإقامة بعد جهد جهيد ونحن نبحث من فندق لآخر حتى تحصلنا مع الفجر على غرفة واحدة عبارة عن جناح كبيرة في فندق " نابلي " بمنطقة الحمراء في وسط بيروت ، وكنا مرهقين من التعب والسهر وشد الأعصاب والقلق في البحث عن مكان آمن نظيف للنوم والراحة ، ومنتصف النهار  أفقنا وجهزنا أنفسنا ، وبدأت في الإتصالات الهاتفية وطلبت رقم الشركة ورد علي عامل البدالة وسألني من أريد ؟؟؟ وذكرت له الإسم حسب الكارت الموجود معي والذي معنون بإسم صاحب الشركة " نعيم شحادة " وطلبته وكان الرد الله يرحمه وحدث إلتباس في الموضوع وإعتقدت أنه الذي قابلني في درنة منذ عدة أسابيع وصدمت من الرد وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !

أردت إنهاء المكللمة وفجأة سمعت الصوت المميز وكان السيد فيكتور حيث الكرت الذي أعطاه لي بإسم صاحب الشركة وليس بإسمه مما حدث الإلتباس والخلط لدي وقلت له عن الإسم  مما فرح وقال أين أنت ؟؟ وقلت له في بيروت في فندق نابلي بالحمراء ، وقال إنتظرني سوف آتي لك لنتغدى مع بعض ونتحدث .

خلال ساعة وصل إلى الفندق وفي معيته شابين من نفس العمر و كانا أخوة ، وقدمهما لنا بأنهم أصحاب الشركة السيد محمود شحاده المدير وأخوه السيد ماجد وتعرفنا على بعض وبعدها الدعوة لتناول وجبة الغداء مع إننا تناولنا فطورا متأخرا ولا نشعر بالجوع ، وأخذونا إلى مطعم فخم في منطقة الروشة على الكورنيش إسمه " يالديزلار " وهو مقابل الصخرة الكبيرة في البحر التى يقولون عنها صخرة الإنتحار ، حيث الكثيرون من التعساء رموا بأنفسهم منها إلى البحر وماتوا بغباء .



كان المطعم فخما والطعام جيدا وقدموا  لنا صحونا صغيرة تعدت المائة على الطاولة كمقدمة لفتح الشهية وكانت تجربة لي وأول مرة تحدث مما إستغربت من الموضوع ولم أعلق ، ثم الوجبة الرئيسية وكانت شواءا مما لذ وطاب من اللحم الشهي ، جعلتنا نأكل الكثير من غير أن ندري  وأثناء الحديث قال السيد فيكتور موجها الحديث لي بأنني محظوظ حيث تم اليوم شحن كمية الإسمنت الأبيض التي طلبتها مع كمية 500 طن جير للتاجر السيد نعمان سفراكس ، وتوقفت اللقمة بالحلق من المفاجأة  وخفت من الغصة وشربت كوبا من الماء بسرعة لتمرير اللقمة ، حيث السفينة سوف تصل لميناء درنة خلال 3 أيام قبل وصول الشحنات الأخرى خاصتي التي تحت الشحن من جزيرة صقلية " سيشيليا " مما سوف تعمل هزة في السوق وتجعلني ضيعت زمام المبادرة ويهبط السعر .

قررت المغامرة وبدأت أفكر كيف أستطيع الحصول على الشحنة أو تأخير ميعاد وصول السفينة  وإهتديت للحل ، وأثناء الحديث وقبل الإنتهاء من شرب القهوة والمغادرة لنوم القيلولة قدمت لهم عرضا مغريا صعبا رفضه ، وقلت لهم ، إذا تعطوني كمية الجير التي على السفينة الآن بحيث تصبح جميع الحمولة خاصتي والمناولة والتفريغ على إسم وكالتي البحرية سوف أشتري منكم حمولة 10 سفن مما كان وقع الطلبية مثل الصاعقة حيث لا زبون في ليبيا يستطيع المغامرة ويشتري الكمية دفعة واحدة .

ونسوا أنني كنت وكيلا موردا لعدة شركات إيطالية ضخمة لبناء مدينة البيضاء ، العاصمة الإدارية المستقبلية لليبيا ، وكان الأمر كبيرا لهم  ، أصبحوا بين نارين فقد قدمت لهم الطعم الشهي للموافقة والربح الكبير المستقبلي في المعاملات ، أو الرفض والمحافظة على الإسم والقيم التجارية ؟؟  وقلت لهم لا تعطوني جوابا الآن فكروا في الموضوع وبالمساء نلتقي للعشاء والسهرة ونهضت من على الطاولة وقلت لهم أوصلوني للفندق حيث أريد الراحة بعض الوقت ونوم القيلولة 

غيرت الفندق نابلي بناءا على طلب السيد فيكتور حيث يريدنا ان ننتقل  إلى فندق فخم على البحر قريبا من الشركة حتى أتواصل معهم وطلبت من رفيقي السيد عوض ان ياتي معي ولكنه حبذ الإقامة في الفندق  نابلي  لانه قريبا من  وسط المدينة بضاحية الحمراء حيث يستطيع التجوال ماشيا من غير ان يستعمل عربات أجرة لقضاء أعماله وودعته وإنتقلت مع الجماعة حيث تم الحجز ، ووصلت إلى الفندق وسجلت واخذت جناحا مطلا على البحر وعندما دخلت شاهدت المناظر الخلابة وكان الفندق بجوار الفندق المشهور سان جورج وفي نفس شهرته ولكن بمرور الزمن  نسيت الأسم . 

الساعة السادسة بعد نوم القيلولة والراحة لفترة بسيطة  وصل الجماعة إلى  الفندق ودعوتهم إلى   الجناح وبدأنا في الأحاديث والتي معظمها كانت عن كيفية العمل وتشجيع  الإستيراد من لبنان حيث لديهم مصانع عديدة وموادهم المنتجة مواصفاتها جيدة تضاهي الصناعات الاخرى في كثير من دول أوروبا ، وكان وقتها الصين لم تفتح أبوابها بعد المغلقة وترزح تحت الحكم الشيوعي بدون أي إنفتاح على الغرب خوفا من تغلغل الرأسمالية حسب ما يقولون وقتها ويروجون من دعايات .

بعد حديث طويل محاولين بلباقة ان لا اتشبث بالرأي وأترك هذه الشحنة لصاحبها التاجر الاخر وفتح صفحة جديدة لأعمال مستقبلية ولكن كنت صريحا معهم إنني لست بحاجة إلى لبنان  ولدي  عدة مصادر في إيطاليا تستطيع تلبية الطلبات العديدة ، وعندما شعروا باليأس وأنني غير متنازل عن العرض وافقوا على الامر … ونظمت لهم حفلة بسيطة إستمرت إلى منتصف الليل حيث تعشينا وسهرنا في نادي ليلي وشاهدنا عدة برامج فكاهية ، ورجعت إلى الفندق حوالي الواحدة صباحا وأنا مرهق من قوة التفكير والتركيز حتى لا اضيع حيث أنا اقارع  تجار ورجال أعمال أقوياء متخصصون لديهم الخبرات القوية ،  وبالأخص السيد فيكتور جبيلي الذي يتكلم عدة لغات ومارس العمل التجاري طوال سنوات وتعلم وتحصل على خبرات قوية من  خلال ممارسته البيع والشراءً  في الأسواق ، أما نحن فمازلنا صغارا بالسن تنقصنا التجارب  ولكن مع الوقت والممارسة سوف نتعلم الطرق الجديدة العصرية ونتغلب على الأساتذة لأنه لدينا العزيمة والجرأة وقوة الإرادة حيث نحن اصحاب الشركة ولسنا موظفين حتى نرجع للآخرين ونستشير مما في بعض الأوقات تضيع الصفقات نظير التعطيل والمشاورات .

اليوم الثاني تم إصدار التعليمات بالراديو القبطان بأن لا يسلم الاوراق والمستندات التي بحوزته كالسابق وأن  يحتفظ بها ويرجعها لهم عندما يرجع إلى لبنان ، وإن الشحنة كاملة بإسم شركة فلان والمناولة والتفريغ على إسم الوكالة الفلانية التي أنا صاحبها وليس لدي شركاء والحمد لله تعالى .

جميع الاوراق والمستندات الاصلية إستلمتها وتم الحجز على خطوط " ميدل إيست " الجوية اللبنانية اليوم الثالث وغادرت بيروت بعد الظهر ووصلت مطار بنينا بنغازي بالسلامة حيث لدي بعض الأعمال لانهيها وبعد العشاء غادرت إلى درنة ووصلت بعد منتصف الليل بساعة ومررت بجانب الميناء وشاهدت أضواء سفينة راسية وعرفت انها القادمة من لبنان .

الصباح الباكر كنت بالميناء وشاهدت  السيد ابوبكر قاطش وكيل التاجر السيد نعمان سفراكس المالك سابقا لشحنة الجير والتي بقدرة القادر تغيرت في منتصف الطريق وأصبحت مالكها حيث ساعدنا القدر والحظ وتمكنت من الحصول عليها ، فالحمد والثناء والشكر لك يا رب العالمين على التوفيق والفوز والنجاح .

تحدثت مع الوكيل وقال لي أن السفينة تحمل  500 طن جير لهم ، 200 طن إسمنت أبيض لي ولم أريد إحراجه و انه مخطأ ، وللتأكيد على صحة كلامه  اخرج من جيبه برقية وصلته عن طريق البريد بالموضوع وانا بالسر وداخل النفس  أتأسف على الغافل كيف تغيرت الصفقة منهم لي وأن التجارة لها قصص كثيرة ومكايد ومغامرات وأعمال شريفة وغير شريفة  وصراعات ودهاء ومكر لقاء النجاح والفوز والربح . 

المهم رست السفينة ونزل منها المرشد رئيس الميناء الحاج سالم رقص وقال ان الشحنة بكاملها  ملك لي وكانت صدمة للوكيل ولم يعرف ماذا يقول وركب سيارته وغادر الميناء وهو يرغي ويزبد كيف وقع الخطأ ولم يعرف أنني بالأمس كنت  قادما من بيروت لبنان وأنني لعبت اللعبة بشطارة وتحصلت على الصفقة بمهارة ودهاء ومقامرة ، ولولا شدة العزم وإغراء شركة أبناء شحادة  بالصفقة الكبيرة لن يرضوا بالمخاطرة .

بدأنا في التفريغ وكان السوق بحاجة ماسة للسلعة وتحكمت في الزبائن ووصلت الشحنة الأولى من سيشيليا إيطاليا ثم الثانية وبعدها الثالثة وساعدني القدر والحظ وبعت جميع الكميات من الميناء ولم يدخل للمستودع ولا كيسا واحدا وحققت أرباحا جمة كبيرة حيث لا منافسة ، فانا الوحيد الذي لديه السلعة ووضعت الشروط وسعر البيع التى تناسبني ولم يستطيع أي زبون المعارضة نظير الحاجة .

تعددت الرحلات إلى بيروت  وكنت كل شهر اقوم بزيارة عمل  والشحن للجير والإسمنت الأبيض مستمر حمولة سفينة كل أسبوعين بحيث تم استئجار سفينة خاصة للعمل تحمل من لبنان وتفرغ في ميناء درنة وترجع مرة اخرى مما وفرنا فى مصاريف الشحن  .

الرحلات مستمرة حيث لبنان وقتها كما قلت جوهرة تتقدم كل يوم إلى الامام وتنهض واواخر الستينات جميع الصفقات تعقد فيها حيث نقطة عبور ولها طابع خاص حيث الماضي والحاضر القديم والجديد بها وشعبها مثقف فقد كانت وردة العرب التي تعطر في الأجواء الأخص وكانت جميع الزيارات في التعرف على بعض التجار ورجال الأعمال ووفقت في كثير من الصفقات وحققت أرباحا جمة وربطتني مع عائلة شحادة علاقات روحية وثيقة وصداقة كنت اعتقد أنهم أخوة من الدهر وليس من الظهر وقدمت لهم الكثير من العون والمساندة وبعد مرور سنوات عديدة تخالفنا على بعض الأمور المالية سوف يأتي ذكرها وسردها  في محلها .

من خلال زياراتي العديدة إلى بيروت لبنان عرفت من السيد محمود ان له أخوة يعملون في طرابلس مع احد رجال الأعمال الليبيين من "ال الدغيس " ولهم شراكة معه وغير مرتاحين  للمعاملة السيئة حيث يريدون فض الشركة والعمل لوحدهم وطلبوا المساعدة والمساندة في الكفالة لهم حيث في العهد الملكي السابق الأمور منظمة وبالأخص في العمالة الوافدة حيث العمل فى ليبيا له شروط وقوانين تضمن حق الجميع .

بطيبة قلب وضمير أردت مساعدتهم وقلت لا مانع ، عندما ينتهي العقد لهم سوف أقوم بالإجراءات القانونية  وكفالتهم حيث لا اريد ولا ارغب في التعدي والدخول في صراع مع الغير من رجال الاعمال الليبيين على أمور ممكن تكون غائبة عني وليست لدي جميع المعلومات واتورط في تحديات وصراع أنا في أشد الغنى عنها .

تأكدت بعد ان القيام  ببعض البحث البسيط من خلال العلاقات وكفلت الأخوة  السيد نصوح رحمه الله تعالى وأخوه سعيد وكان لدي مكتب مستأجر في عمارة السيد صلاح الدين طاطاناكي رحمه الله تعالى واعطيت لهم الحق باستعماله بدون ان ادخل في البداية  في أي نوع من الأعمال أو الشراكة والإبتزاز لعرق ومجهود الاخرين كما يحدث في الخليج الان حيث لا أؤمن بالإتجار في عرق الاخرين مهما كان السبب …

اذكر حكاية حدثت في أواخر العهد الملكي انه صدرت قوانين صعبة ومجحفة في حق الوافدين بحيث صعوبات جمه للتجديد للعمالة وكان لدي محاسب من طرفهم اسمه السيد عبد الكريم كوثراني ( لا أعرف الآن إن كان مازال على قيد الحياة فقد طالت المدة ، واذكر انه هاجر إلى استراليا ) وكان الرجل محاسبا قديرا دمث الأخلاق خدوم  أمين في قمة الإخلاص والوفاء مهما شكرت لن أوفيه الحق فقد كان إنسانا يشرف أي رجل اعمال بان يعمل لديه وأن يتخذه صديقاً .

تصادف أن إقامته إنتهت وأردت تجديدها ولكن تعطلت ثم رفضت من قبل احد المدراء بمكتب العمل الرئيسي في طرابلس ، وحاولت المستحيل ولكن الرفض البات إستمر وحدثت مشادة مع المدير الذي عاملني بجفاء وقسوة وحاول طردي ، وخرجت من المكتب وأنا اكاد انفجر من الغيظ والغضب كيف هذا المدير المتعجرف يتطاول علي وانا قد عاملته بكل أدب و إحترام! 

قررت أن أتحدى المدير!  فقد كان لي صديق قديم يكبرني في السن السيد " ص م "  واستشرته وقال احسن شئ ان تذهب إلى القصر  وتشتكي حتى يبتون في الأمر ، وخطر على البال سكرتير الملك الخاص وإبن عمته السيد ادريس بوسيف وكانت تربط والدي مع اسرة " ال بوسيف " صداقة وعلاقة روحية من أيام الجهاد والنضال ضد المستعمر الإيطالي من قبل ، وإسم الوالد والأسرة معروفين في القصر أنهم يساندون ومن مريدي الطريقة السنوسية التي على راسها شيخها وزعيمها  الملك محمد ادريس السنوسي.

طلبت من صديقي الذهاب للقصر وكانت أول مرة ألتجئ إلى الواسطة والشكوى من مسؤول ، وتوقفنا بالبوابة عدة دقائق حتى تم الإتصال الهاتفي ودخلنا بسرعة بمجرد ان ذكرت الاسم للسكرتير  وتم استقبالنا في صالون فخم وجاءت المرطبات بسرعة ثم جاء السيد " فتحي الخوجه " على ما اعتقد ان لم تخني الذاكرة وكان مسؤولا كبيرا بالقصر دمث الخلق نعم الرجل وسألني بكل الأدب  وحكيت له القصة بصدق وعن عجرفة المدير وطريقة معاملته الجافة ، وبالأخص أنا قادم من المنطقة الشرقية من 1350 كم لأنهي هذا الأمر ، وقال بأن السيد  إدريس الآن في مدينة طبرق مع الملك وأنه يحل محله في غيابه ،  لقد وصلت ورفع السماعة وطلب توصيل الخط بالمدير وخلال لحظات تم التوصيل وكان المدير على الخط يرتجف من القلق حيث مكالمة من القصر وقال له بلهجة الأمر معطيا إياه  درسا في المعاملة بأن يسوس أبناء الشعب بالأدب وبدون تكبر ويحاول المساعدة قدر الإمكان وكنت أستمع له وهو يرد ويقول نعم سيدي ،  وقال لي أذهب إليه وإذا حصل  أي تعطيل إتصل بي وأعطاني رقم هاتف مكتبه الخاص بالقصر ، وشكرته على الخدمة ورجعت إلى المدير ومازال على إنتهاء  الدوام نصف الساعة، ووجدته في الإنتظار على رأس السلم وهو يعتذر على الجفاء والقسوة وعطل جميع الموظفين في إنهاء المعاملة  وخلال ساعة كانت جميع الإجراءات إنتهت واستلمت البطاقة التي كانت حسب العادة تستغرق الشهر من المتابعة .

ودعنا كما إستقبلنا بكل الحفاوة وعرفت وتعلمت السر الكبير أن رجل الأعمال الناجح والتاجر  لا يستطيع النجاح في غابة الوحوش  الكاسرة إن لم يكن له سند كبير في الحكومة والسياسة حتى يستطيع أن يتغلب على جميع الصعاب ،  فمن غير صداقات ومعارف قوية يصبح بأخر الطابور تتقاذفه الرياح .

أواخر شهر يوليه عام 1969 م ، أخذت الزوجة معي في اول رحلة للخارج معا ومعنا الطفلة الاولى هدى وتركت الأبناء مصطفى وأميرة حيث كانوا صغارا في السن مع جدتهم في بنغازي لتعتني بهم وقضينا  حوالي 3 اسابيع في سياحة وإستجمام وزرنا روما إيطاليا وكنا في ضيافة صديقي السيد " قسطوني ناردكيا " التاجر الذي أتعامل معه في الإستيراد لمواد البناء  وأقمنا في استراحته " بيكولا كابري " القريبة من روما التي يستعملها لقضاء العطل ، وعرفته بالقنصل الليبي السيد عاشور بن خيال  الذي حضر مع زوجته عدة حفلات ومآدب في الاستراحة على شاطئ البحر في عطلة نهاية الأسبوع ،  وقبل السفر بيومين إلى بيروت لبنان قضيناهما في بيته في روما وكانت  زوجته السيدة شريفة صديقة زوجتي تعرفها من قبل مما قضين وقتا جميلا مع بعض .

بعدها السفر إلى بيروت لبنان وكان السيد محمود في الإنتظار بالمطار ورأسا إلى منطقة "عاليه "  بالجبل حيث الطقس معتدل وكان لنا حجز لجناح كبير في احد الفنادق الفخمة حيث قضينا وقتا جميلا  ، وتعرفت زوجتي بعائلة آل شحادة ووالدتهم السيدة أميرة التي أسميت إبنتي الثانية على إسمها تبركا بها حيث كانت سيدة فاضلة … 

كان أخوهم السيد نصوح مع عائلته ، والذي كانت كفالته وأخوه سعيد  في ليبيا على إسمي والذي أصبحنا شركاء في العمل في طرابلس في الإستيراد لمواد البناء عن طريق مكتبي ، موجودا في بيروت لتقضية إجازة الصيف مما كانت فرصة لإجتماع العائلات مع بعض وقام مشكورا بعمل برنامج سياحي لزيارة المعالم في لبنان أذكر منها زيارة مغارة " جعيتا " اما باقي الايام فلم اكن معهم حيث قضيتها في الذهاب للمكتب والبحث عن صفقات تجارية والإستيراد إلى ليبيا حيث السوق مزدهر .

رجعت إلى ليبيا عن طريق مدينة بنغازي في الأسبوع الأول من شهر اغسطس 1969 م وقضيت عدة أيام في بيت صهري ، وأخذت الأولاد من جدتهم ورجعت إلى درنة وكانت رحلة وإجازة جميلة ولم احسب أن أخر الشهر واليوم الأول من سبتمبر سوف يحل الإنقلاب الأسود وينتهي العهد الملكي الزاهر ويحل الشيطان إبليس القذافي على رأس السلطة وتفتح صفحات سوداء من الإرهاب والقتل والتعذيب لأبناء الشعب البرئ الطاهر الساذج لقاء مصالح للقوى الخفية والإيادي السوداء ويحل الظلام على الوطن بأقنعة زائفة أخرى . والله الموفق.

                                    رجب المبروك زعطوط 

                                 برلين المانيا 2012/10/12 م 
                     
    
البقية في الحلقات القادمة …