Monday, September 17, 2012

شاهد على العصر 10


                                                   بسم الله الرحمن الرحيم 
    
                                                     شاهد على العصر 

                                                           ( 10 ) 


بالليل حضرت العشاء مع البعض من إدارة التصدير للشركة وعلى رأسهم المدير السيد ساكالاريو  ونائبه صديقي السيد خرستو وإثنان آخرين السيد بدرو وآخر نسيت إسمه  ، وكان الحديث عن العقد الذي تم اليوم ووصول مندوب آل بوزيد المتأخر السيد نوري بن فايد ، والذي سبق ان بعثت الشركة لهم عدة برقيات  بالقدوم للتوقيع ، ولكن نظير التأخير وعدم الرد  إعتقدت الشركة أنهم لا يرغبون في التجديد مما لحسن الحظ  تم التوقيع معي ، وقد شكرت السيد المدير على مساندته لي وسوف بأذن الله تعالى أثبت له أنني قادر على تحمل المسؤوليات ولست بآفاق طامع لبعض المال وأتنازل عن العقد  كوخز إبرة  ورد مغلف عن حديث اليوم في مكتبه  عن حلف المندوب بالطلاق بشراسة لشرائي والتنازل ، حيث لا يعرف أن نائبه في صفي ، عين لي مما استغرب من الثقة الكبيرة لدي وأنا الصغير في السن قليل التجربة … 

زيادة في الحديث وذر الرماد في العيون حتى لا يتساءل يوما ويكتشف اللعبة ويرفض التجديد السنة القادمة ، قلت له  ان  سيرتي الذاتية حسنة مع الشركة  خلال معاملات حوالي العام ، مما تبسم المدير وقال ملاطفا: "سوف نساندك في حدود الصلاحيات الممنوحة لي ، طالما انت مثابر مجد تعمل بصدق" … وتناولنا عشاءا شهيا و كان الحديث معظم الوقت  عن الثراء الذي حل بليبيا إثر استكشاف النفط  و إن العالم الغرب والشرق لن يجعلنا نرتاح بدون قلاقل ، ضروري أن ننحاز في اللعبة والصراع الخفي لأحد المتنافسين الأقوياء ، حيث من الصعب البقاء على الحياد …  ثم إعتذر عن تكملة السهرة حيث ميعاد نومه حل حسب العادة ، ورحل وتركنا لتكملة السهرة في أحد علب الليل حيث نحن شباب!  نريد أن نمرح وهو عجوز في الستينات من العمر …

عرفت كثيراً من الأمور التي كانت خافية والصراع بين الشركات المتنافسة من اليونان وغيرهم من الدول المجاورة وبالأخص يوغوسلافيا وبلغاريا   على التصدير للخارج  وإحضار العملة الصعبة كدخل قومي لليونان ، والبواخر تعمل في النقل مما قطاع كبير من رجال الأعمال والبحارة  يستفيدون  من العمل وبالأخص مع ليبيا الجارة  القريبة لهم ، ورجعت من العشاء والسهرة حوالي الساعة الواحدة صباحا إلى الفندق …

بالصباح عند الساعة التاسعة كنت في عز النوم واستيقظت على صوت السيد أنجلو هاجيداكس يتحدث العربية بطلاقة بلكنة الخواجة وقال لقد تأخرت نحن نتظرك في الصالة وقلت له سوف أكون جاهزا خلال ربع الساعة ، وتحت مياه الدش الباردة القوية  التي تضرب  الجسم مثل السياط  أفقت من الكسل والتعب من السهر  ولبست بسرعة وهبطت بالمصعد إلى الصالة حيث السادة هاجيداكس وبن فايد ينتظرون وإنضمت لنا زوجة السيد أنجلو وإبنته المتزوجة حيث سلمت عليهم وأصبحنا خمسة أشخاص وقامت إبنته بالقيادة والسياحة إلى أماكن عديدة سياحية وبعدها الغداء الفاخر سمك و ثمار البحر في منطقة مارينا مشهورة   " تركو ليمانون " في أحد المرافئ في بيريوس على البحر وأمامنا عشرات القوارب واليخوت الراسية  ، ورجعت إلى الفندق قرب المساء وأنا مرهق ومتخم من الأكل والشرب …

استرحت قليلا في غفوة بسيطة حيث كنت مدعواً لمأدبة عشاء وسهرة من السيد خرستو نائب المدير وخطيبته لأتعرف عليها. أفقت من الغفوة البسيطة على رنين الهاتف المزعج بأنه سوف يكون في الفندق بعد قليل ونهضت متثاقلاً وحمام مياه  باردة مما استعدت النشاط من جديد وجهزت نفسي ونزلت  إلى  الصالة و بقيت  في الإنتظار عدة دقائق حتى وصلوا وتعرفت على الخطيبة وكانت خجولة وذهبنا إلى مطعم شعبي  في منطقة بلاكا المشهورة الجبلية بقرب المسرح القديم من العصر السابق " الأكروبوليس " وهي منطقة سياحية مشهورة  حيث العشاء على أنغام الموسيقى اليونانية والأغاني الحلوة من الفلكلور اليوناني الذي يشبه الكثير من العرب والسهرة بنفس المكان ومشاهدة برامج عروض جميلة  راقصة وكانت العادة بين الفصل والآخر استحسانا وتقديرا للمغنين والراقصين والراقصات تكسير أطباق الفخار العديدة مما أدهشني !

رجعت منتصف الليل وأنا مرهق وتعب  وبصعوبة أغالب النوم حتى لا أقع وودعت المضيف ورفيقته عندما نزلت من السيارة أمام الفندق وتمنيت لهما السعادة في الزواج القريب خلال شهر وقلت مداعبا لهما سوف أحضر الزفاف مع العائلة إذا أتيح لي الوقت ، وقالوا أهلا وسهلاً أنت مدعو من الآن !  استيقظت اليوم الثاني بنفس الطريقة من السيد أنجلو هاجيداكس والسيد نوري بن فايد والأم  والبنت وجولة أخرى  مثل الأمس طوال النهار وهم يحاولون قدر الإمكان بأن أكون سعيداً حتى أتنازل لهم عن العقد …

حجزت للسفر بالغد في اليوم الثالث بدون أن أعلمهم … وذهبت معهم في السياحة والزيارات لأماكن عديدة وكل اليوم في برامج ترفيهية ولم أدفع دراخمة واحدة حيث كل شىء مدفوع مسبقا وكأنني فى عهدة عطاء ، وعند المساء قبل الرجوع إلى الفندق في أحد المقاهي سألوني متى يتم الإتفاق وأتنازل ورددت عليهم وقلت لقد فكرت في الأمر ملياً ولا استطيع التنازل في الوقت الحاضر!  مما أثار غضبهم  من الخداع  والتأجيل وبدا السيد أنجلو يرتعد من الغيظ والغضب ورفع صوته وقال لن ندفع فواتير الفندق لمخادع!  وقلت له بقوة :"من المخادع  والطامع؟! أأنا أو أنتم يامصاصي الدماء ؟  هل تعتقدون أنني مغفل يسهل شراؤه بالمال؟ إنني أحذركم من التهديد أو القيام  بأي إزعاج  لي في اليونان ومصيركم أن نتلاقى في مدينة درنة وستعرفون من أنا ؟ وكان السيد نوري جالسا بهدوء يغلي من الموقف الصعب وكيف استدرجتهم وضحكت عليهم مرة أخرى ، وهو يبتسم من الغيظ ويكبح في جماح الآخر حتى لا يتمادى في الكلام والتهديد السخيف ، وقال له ألم أقل لك منذ أيام أنك تواجه خصما صعب المراس؟!

نهضت ودفعت الحساب وقلت لست بحاجة لكم وتركتهم حيارى وأخذت عربة أجرة للفندق وأخذت حقيبة السفر وبها بعض الحاجيات من الملابس التي إشتريتها للاستعمال وحقيبة اليد  ودفعت الفندق نقدا  وذهبت إلى عنوان صديقي خرستو لشرب القهوة وبعدها إلى فندق آخر زيادة في الإطمئنان حتى لا ألاحق …
 
اليوم الثاني ذهبت للمطار ،  ركبت الطائرة وأنا أكاد اسقط من الفرح على المبارزة وكشف النيات السيئة  ورجعت إلى مدينة بنغازي وقابلت صديقي مسؤول الأمن وحكيت له الذي حدث مما ضحك كثيراً على هؤلاء الأغبياء الذين لديهم الثراء ومايزالون يحاولون  الإحتكارات ، ونسوا أن العالم فى تقدم و أن العقلية تغيرت !

رجعت إلى مدينة درنة أقود سيارتي ، ورجع الجماعة من اليونان بعد فترة وبدأت المنافسة القوية والحرب الشديدة وخفضت الأسعار إلى ربح بسيط تافه لانه لدي وكالة بحرية وتوكيل وخرج آل بوزيد بعد فترة  ومعهم السيد نوري بن فايد من تجارة سوق الاسمنت للأبد ، ورجعت عرى الصداقة والإحترام والتقدير مع السيد نوري بن فايد مع الوقت  وأصبحنا أصدقاء وفي كثير من المرات عندما نتلاقى بالصدفة أو أشاهده مع ابن العم صهري الحاج محمد صديقه العزيز أثناء المرض وزيارته  ببيته في شارع رافع الأنصاري يلاقيني بالإبتسام وصفاء القلب والكرم ، والتقيت معه في لندن بعد سنين عديدة للفحص الطبي مع إبنه وصديقي السيد إبراهيم شقلوف حيث عزمتهم أكثر من مرة  على ولائم وقضينا مع بعض عدة أيام جميلة ، ثم زرته عدة زيارات في بيته \، حتى وافاه الأجل رحمه الله عز وجل …

تبقى الخصم العنيد في الميدان السيد أنجلو هاجيداكس  حيث لديه توكيل الشركة المنافسة " تيتان " ووكالة بحرية المناولة والتفريغ ، وحلت النكسة وخسارة الحرب سنة 1967 م وضاعت الضفة الغربية والقدس الشريف وغزة وأراض مصر شبه جزيرة سيناء   وخسرت الجيوش العربية مصر وسوريا والأردن خلال ساعات وأيام عديدة من الضربات الصاعقة والغارات المفاجئة ، وكانت ضربة في الصميم للرئيس عبدالناصر عن التهور والجعجعة وتحدي اسرائيل والغرب ووضع اللوم الكبير على حكومة  ليبيا ، أنها ساعدت الإنجليز وسمحت لطائراتهم لضرب مصر من الغرب من مطار العدم قرب مدينة طبرق  شرق مصر وكانت أكبر أكذوبة على ليبيا صدقتها الشعوب العربية الجاهلة لما يجري من أمور في الخفاء والخداع حيث دولة ليبيا الملكية  ساهمت منذ البدايات مصر الثورة بالدعم المالي القوي في السر وهي مازالت تحبو تريد النهوض  أكثر من أي  دولة عربية سواءا السعودية أو دول الخليج الغنية  ، والمحاضر عن الدفع موجودة ، والنتيجة الإتهامات المغلفة من خلال خطاباته الطويلة بالساعات والتي لا يمل ولا يكل فيها  من الحديث والتهييج بالخداع وكأنه أستاذ يشرح والبسطاء المغفلون يصفقون بدون معرفة ولا وعي حيث لا يوجد إعلام مثل الآن وتعليم ورقي …

كانت مسرحية كبيرة نهايتها سوداء على العرب حيث لم يسمعوا لصوت العقل وإحتواء اسرائيل من البدايات  قبل أن تتنمر وتصبح قوية وسط المنطقة العربية نظير أخطاء قاتلة من الرئيس عبد الناصر والقيادة المصرية ، هم الذين عملوا من الحبة قبة نظير عدم الرؤيا الواضحة وصدقوا التطبيل والتزمير من أعوان السوء والمنافقين ، الذين همهم زيادة  الكيروسين على النار حتى تلتهب ولا تخمد أليست بمأساة ؟

النتيجة ضياع الرجال الجنود البواسل والمال والسلاح الذي كدس خلال سنين عديدة  من الاستيراد من روسيا الشيوعية التي لاتؤمن بالأديان السماوية وقتها ،  مما جعل أنوف العرب في الأرض غير قادرين على رفع الرؤوس وكان بالإمكان الوصول لحلول تشرف لو سمعوا لصوت العقل من الفقيد الراحل الرئيس بورقيبة رئيس جمهورية تونس وقتها…

 لقد نصح الكثير من الملوك والقادة العرب  باستعمال العقل وعدم التحدي لإسرائيل والغرب ولإفشاله والحط من شأنه لانه يقول الحق والصدق ، أطلق الإعلام المصري عليه أبواقه بشراسة ولقب بالخائن للقضية السامية  الفلسطينية والعميل للغرب  وهو بريء من التشويه والإعلام المضلل ، هذه مأساتنا نحن العرب لا نريد تحكيم العقل والضمير  والتخطيط السليم بدون إندفاع ولا غوغائية حتى ننجح …

المهم أصاب العهد الملكي الشلل ولم يهتم القادة وأولي الإمر بإتخاذ الإحتياطات الأمنية لبقاء العرش وبدأ الحراك السياسي يتبلور إلى تيارات ناصرية تؤمن بالقشور تريد الإنعتاق والحرية والتحرر من تبعية الغرب …

الوضع هادئ بالممملكة والأعمال مستمرة والحراك السياسي في الخفاء يتطور ويطبخ تحت السطح  ، والاستمرار في حركة البناء والتعمير مستمرة على قدم وساق في جميع أنحاء ليبيا بتعقل ضمن مخططات ودراسات والإدارة جيدة وتبشر بالخير والنهوض ببطء مستمر لأعلى وكل يوم للأحسن وكنت في حرب مستعرة مع السيد أنجلو هاجيداكس وأتيحت لي الفرصة يوماً في الصباح الباكر من يوم شتاء بارد ممطر  عندما دخلت إلى الميناء لأشاهد رسو أحد البواخر حيث رئيس الميناء المرشد في البحر على متنها  يحاول دخولها إلى الحوض والمرفا  ضد التيار والبحر الهائج  والأمواج العالية من غير أن تصطدم بالسفينة الغارقة بمدخل الميناء وكان الجو مكفهراً وملبداً بالغيوم كأننا بالظلام مع أن الساعة الثامنة بالصباح ولا أحد على الرصيف بل الجميع بعيدون في  المكاتب والمقهى خارج الميناء   يحتمون من هطول رذاذ  المطر المستمر حيث لا سفن على الرصيف راسية  تفرغ …

شاهدت السيد أنجلو هاجيداكس   جالسا في سيارته الصغيرة " الفولكس فاجن "  وراء المقود لوحده يراقب ، وراقبت حيث لا أحد يراني  حتى لا يصبح شاهداً ضدي يوما ، وبهدوء ومن غير أن يحس وضعت مقدمة سيارتي المرسيدس القوية خلف سيارته ودفعت بها  إلى حافة الرصيف حيث البحر العميق  وهو يصرخ بالداخل غير قادر على فتح الباب و الخروج حتى وصلت للحافة وتوقفت ورجعت بالسيارة  للخلف بسرعة عدة أمتار وحاذيته وأنزلت زجاج النافذة  وقلت له ، المنافسة الشريفة أقبلها ولكن ان تدس انفك في الشركات الأجنبية بمدينة البيضاء  التي أمثلها محاولاً الكيد وتقديم عروض اسعار رخيصة حتى ينقلبون علي وأخسر العقود معهم ،لا أقبلها !

اليوم درس بسيط حتى تعرف مع من تتعامل! ولسنا بأثينا في اليونان حتى تهدد ،  والمرة الثانية ألقيك في البحر لتموت وأتخلص منك وكان الرجل العجوز  يرتعد شبه مشلول وخفت أن يصاب بشلل نظير التصرف الخاطئ والتهور الذي قمت به وتندمت على الفعل اللعين ولكن حدث الذي حدث …

بالمساء عنفني الوالد حيث إشتكى له على التصرف ولامني لوماً شديدا على العنف ولم أعترف بل أصريت على عدم الإعتراف بالفعلة الخاطئة ، وأن الرجل مصاب بلوثة في العقل ويتخيل ، ومن ذاك اليوم والحادثة كانت من حسن حظ البعض حيث قام بمساندة بعض الليبيين ووضعهم في الصورة والمواجهة ضدي في السوق  وأصبح يحركهم بالخيوط من الوراء مثل السيد العوامي وشركة الاستثمار التي يملكها الشركاء الديباني والطرابلسي وكان يدعمهم من الوراء في استيراد الاسمنت والمناولة البحرية وقصص كثيرة حدثت في ميناء درنة البحري في السر والعلن  من التحديات والمنافسة التي معظمها غير شريفة بخبث وربحت الكثير منها وفشلت في البعض وهكذا معارك وحروب رجال الأعمال مكاسب وخسائر والبقاء للأصلح الذي يستطيع المقاومة والصمود وله نفس طويل … رحم الله تعالى الجميع بواسع رحمته فالآن جميعهم أموات ، وأنا باق بهذه الحياة أنتظر يوم الرحيل وأتذكر وأنا اسرد  الاحداث بصدق وضمير ….

حادثة بسيطة حدثت بالميناء أود سردها حيث كان صديقي مع فارق السن الكبير  السيد "ح ك  " وكان ذو فكاهة ونكته في المدينة حيث سريع البديهة ( رحمه الله تعالى بواسع رحمته ) وكان له مكتب بوسط المدينة في بداية  شارع إبراهيم الاسطى عمر ( وسع بالك ) لتسجيل الركاب المسافرين إلى أي مكان  في الغرب أو الشرق ويتقاضى عمولة لقاء العمل البسيط وقتها من سائقي سيارات الأجرة " الركوبة  " حيث لا وجود لحركة تجارية رائجة في الستينات وبالكاد يعيش من الدخل البسيط … كان يعز علي وله إحترام وتقدير خاص نظير سلاطة اللسان والذكاء الحاد وطلبت منه القدوم إلى الميناء والعمل المتصل في تاجير سيارات النقل الثقيل حيث الدخل الكبير وبالنسبة لي إنسان موثوق به استطيع الإعتماد عليه  ولا أتعب مع السائقين مما وافق عندما سنحت له الفرصة الذهبية  الكبيرة للعمل …
حضر إلى الميناء وإجتمعت مع السائقين وقدمته لهم  وطلبت منهم جميعا العمل معه لمن يريد العمل مع وكالتي البحرية في النقل ، ووافق الجميع إلا البعض  وساندته بقوة وفرضت وجوده وكان نعم الرجل المثابر الذي يعرف طريقة  التعامل مع هذه الشريحة الصعبة ومع الأيام ومرور الوقت أصبح مميزاً ومهما حاول البعض منافسته خسروا الجولات ضده نظير الدعم الكبير من طرفي …

كان يحب الفكاهة والدعابة وممثل كوميديا بالوراثة والسليقة يعمل أي شىء نادر ودعابة سمجة مع البعض الذين لا يعرفهم  ويقف مثل الصنم ولا يرف له جفن  ولديه قصص ونوادر كثيرة تداولت بالمدينة ،  وكان بالصيف أيام الحر القائظ والبحر هادئ مثل الحصير في الميناء والعمال التشاديون يعملون في المناولة وتفريغ السفن والشحن على سيارات النقل كان يأتي ويقلع جميع ملابسه بدون استحياء في الركن الأخير من الميناء ويقفز للبحر ويسبح ، والعمال يتوقفون عن العمل استحياءا ويضعون عماماتهم تغطية لعيونهم حتى لا يشاهدونه عاريا ، وطلبت منه أكثر من مرة أن يتوقف  حتى لايتعطل العمل بعض الوقت حيث في عز المشوار والرافعات ترفع وتفرغ  مما أخسر ولكن مازال مصرا …

كانت لديه نقطة ضعف يخاف ويرتعد كحالة نفسية من مشاهدة أي ثعبان ، وقد شاهدت الامر بنفسي في أحد الرحلات لقضاء عطلة نهاية  الاسبوع خارج المدينة على شواطىء البحر للراحة والسمر حيث يوما بعد السباحة في البحر استلقى في الظل ونام ووجدنا ثعبانا صغيرا قتلناه واحضره أحد الرفاق ووضعه على  بطنه وهو نائم بعمق وشاهدت بأم العين كيف كان لحم وعضلات بطنه تتحرك لا شعوريا ، وطلبت منهم رمي الثعبان الصغير بعيدا حتى لا يشاهده ويصرخ وممكن يمرض أو يصاب بسكتة قلبية ونكون نحن السبب …

طلبت منه أكثر من مرة التوقف ولم يهتم وكان لدي أحد العمال أسمر من منطقة تاورغاء سباحا ماهرا في الغوص وكانت عندما تسقط في بعض الحالات صناديق البضاعة في البحر كان يقفز ويغطس ويربطها في العمق ويرتفع إلى السطح ويبتعد ويطلب رفعها من جديد وطلبت منه يوما أن يقفز من الناحية الثانية للسفينة ويسبح تحت الميناء المعلقة على عواميد حديد ضخمة ، ونحن من رصيف الميناء سوف نجذب إهتمامه حتى لا يشاهده ويمسكه بعنف من مؤخرته ويتركه من غير أن يخرج رأسه للسطح حتى لا يراه وتضييع المفاجأة …

يوما جاء السيد ح ك وكالعادة قلع ملابسه جميعها وأصبح عريانا كما خلقه الخالق تعالى وقفز للبحر وأشرت للسباح ان ينفذ المهمة ، وأصبح البعض يتحدثون مع العريان وهو يسبح حتى يرفع رأسه ويركز علينا فوق الرصيف بدون أن يدري  وفجأة أطلق صرخة عالية مرعبة عندما قبض عليه التاورغي الأسمر من مؤخرته من قاع البحر وخرج بسرعة من البحر على السلم لأعلى وهو يلهث ويعتقد أن ذراع أخطبوط كبير حاول مسكه ولكن أنجاه الله عز وجل  وحرم من ذاك اليوم السباحة في المياه العميقة السوداء بالميناء واسترحت من دعاباته السمجة واستمر العمل بدون توقف … واعطيت هبة عشرة جنيهات للتاورغي الذي فرح كثيراً  فقد كان المبلغ يساوي عمل خمسة أيام في تعب وإرهاق وهو يرفع اكياس الاسمنت! 

قصة اخرى مع السائق السيد " ح ق " وكانت سيارته للنقل الثقيل تحمل بالميناء تحت الرافعة التي تحمل من العنبر ( ألونش )  والعمال على ظهر السيارة يفرغون ، واحد العمال التشاديين يرصف  الأكياس والظاهر أن بها بعض الميل مما سوف تسقط بالطريق عندما تتحرك السيارة ببطء وبدلاً من سؤال العامل بلطف حتى يصلح الميل ، تمادى بعنف وقال له يا حمار مما زعل العامل ورد على السائق وقال  أنت الحمار ، وقفز من إرتفاع ثلاثة أمتار على  الأرضية الأسمنتية ببساطة وخفة وكانه بهلوان وكنت اشاهد  الموقف بالصدفة وجرى السائق وأحضر قضيباً  طويلا من الحديد يستعمل في الضرب والتأكد من سلامة الإطارات أو  الخلع لتغييرها بأخرى، وحاول ضرب التشادي الخفيف الوزن ولكن العامل اسرع منه ومسك القضيب من طرفه الأخر بقوة مما جعلت السائق وكان قوي البنية محاولا مسك القضيب بقوة حتى لا يتناوله العامل ويضربه به ، وتلك اللحظات الثمينة تدخلت بين الإثنين في المنتصف مواجها العامل التشادي طالبا منه ترك القضيب والسائق خلفي ممسكا بالقضيب حيث أربعة أياد تمسك بعنف وأنا بالمنتصف مما حز بالظهر وتألمت عدة شهور من الظهر ، وبكى العامل من القهر لأنني بالمنتصف إحتراما لي كصاحب الرزق والمعلم  وترك القضيب وأخذته من الإثنيين ورميته على الأرض بعيدا عن الأطراف المتعاركة وتوقف العمل في ثلاثة بواخر وقفز حوالي المائة عامل من التشاديين على الرصيف لمواجهة بقية السائقين الليبيين وبيد البعض أمواس حادة ( بوحلقة ) ولولا وجودي لحدثت معركة ومذبحة فقد كان معظم العمال التشاديين ثوارا جنودا مدربين على القتال في الجنوب ضد حكومتهم في ذاك الوقت في الحدود الفاصلة  على الجبال ، ياتون إلى ليبيا للعمل والاسترزاق ثم يغادرون ويأتي غيرهم حتى يتحصلوا على بعض المال للاستمرار في حربهم وثورتهم …
 
البقية فى الحلقة القادمة … 

                                  رجب المبروك زعطوط 
 
  

Saturday, September 15, 2012

شاهد على العصر 9


    بسم الله الرحمن الرحيم 

شاهد على العصر

 ( ٩ ) 



بالسابق و خلال أول زيارة لليونان لشركة هيراكليس ، الشركة العملاقة العامة لإنتاج الاسمنت ، كان في معيتي السيد ع. س.  وقاموا بوضع برنامج زيارات لعدة أيام ونحن مابين مكاتب الشركة وزيارة المصانع العديدة في مدينة فولوس وبيريوس وأماكن أخرى نسيت أسماءها مع طول الوقت وعدم تكرار الزيارات لها ، وحاولت الحصول على التوكيل ولكن لم أوفق  ، وحاولت مرارا في كل زيارة ولكن كانت توجد موانع خافية ، حتى وضعت عيونا لي وبذرت البذرة ورجعت إلى ليبيا وأنا متأكد ان العملية مسألة وقت ومهما طال الوقت سوف أنتصر بإذن الله عز وجل لأنني حاصل على  رضاء الله تعالى والوالدين يدعون لي بالربح والأجر طوال الوقت ….

يوماً عند الضحى رن جرس الهاتف وكان المتكلم من أثينا اليونان نائب المدير وقال كلمة واحدة أريدك ان تحضر غداً  ، وقلت له نعم إنتظرني في المطار وأقفلت السماعة وخلال ساعتين كنت أقود السيارة إلى مدينة بنغازي وأنا افكر ماذا سوف يحدث من أمور الآن ليس لى بها علم … 

وصلت إلى بنغازي حوالي الساعة الرابعة عصراً وذهبت رأسا إلى شركة نامتي السياحية حيث أعرف مدير المكتب السيد موصللي السوداني الجنسية الذي كنت أتعامل معه في شراء التذاكر وحجزت تذكرة درجة أولى على رحلة الغد إلى أثينا اليونان …
كان وقتها أيام العهد الملكي للمسافر الحق في شراء العملة بما قيمته ألف دولار أمريكي عن كل  سفرة مما يعد في ذاك الوقت مبلغا كبيراً … أما رجل الأعمال التاجر فله الحق في مبالغ كبيرة أكثر من عشرة أضعاف بالسنة  ولكن بشرط أن يقدم طلباً إلى بنك ليبيا المركزي ويتحصل على الموافقة  ، كذلك ضروري من الحصول على إذن تأشيرة خروج من إدارة الجوازات (  بالسابق أيام الولايات قبل الدمج يسمى البوليس الإتحادي )  حتى يتمكن المواطن  من السفر  للخارج وكانت التأشيرة تصدر  في نفس اليوم بدون أي تعطيل أو تأخير ( رحم الله تعالى أيام العهد الملكي السابق فقد كنا نعيش في الجنة ولم نعلم ! )
 
كنت وقتها دائماً جاهزا للسفر في أي لحظة حيث كنت أتحصل على إذن السفر من إدارة الجوازات لمدة ستة اشهر لعدة رحلات وكذلك التأشيرة اليونانية والإيطالية في نفس المعاملة أما ألمانيا فقد كان المواطن الليبي يدخلها بدون تأشيرات في أي وقت  ، وبالتالي لا أحتاج إلا لحجز تذكرة السفر مما فعلت  ، وذهبت إلى محل والد زوجتي أبن العم الحاج محمد الذي كان لديه ورشة ميكانيكا كبيرة وراء معمل شفيق لتصنيع الأردية الليبية النسائية ( حرامات ) بجانب فندق الخضار  لتصليح السيارات ، حيث المعمل كبير ومشهور جداً فهو الوحيد وقتها في السوق …

عندما دخلت الورشة وكانت التذكرة بالجيب واضحة وسلمت عليه سألني مستغرباً فقد كنت كثير السفر والترحال  ، إلى أين مسافر ؟ ورددت عليه بعفوية  وقلت إلى إيطاليا وكان القدر يتكلم على لساني ، ومازلت أتحدث معه حتى دخل علينا فجأة صديقه العزيز السيد نوري بن فائد رحمه الله تعالى الذي يكبرني على أقل تقدير عشرون عاماً في العمر ، وكان الشريك مع آل بوزيد والمنافس والخصم في تجارة الإسمنت والوكلاء لشركة هيراكليس لإنتاج الإسمنت طوال سنين عديدة في منطقة درنة ، ولا توجد إلا طائرة واحدة غداً إلى أثينا اليونان وأكيد سفره على متنها …

إذا وصل إلى الشركة قبلي فلن أفرح بالعقد مهما اعمل وشطارتي أن لا يشاهدني على متن الطائرة ، وكان ذكيا وشاهد التذكرة بارزة من جيب القميص وقال بلهجة استهزاء مع إبتسامة إلى أين مسافر يا سيد رجب وقلت له إلى إيطاليا روما  ، وتطلع إلى إبن عمي الذي أمن على الكلام بدون أن  يدري ، وقال إيطاليا مما إرتاح قليلاً وسألته وقلت يا سيد نوري وأنت ؟ ورد إلى اسطنبول تركيا !
 
شربنا الشاي معا وأحاديث جمة وتركتهم يتحدثون وذهبت إلى  بيت الحاج  صهري والعشاء والسهرة وأنا أفكر وأعصر في الفكر طوال الوقت ماذا أعمل حتى لا يراني على متن الطائرة غداً بإذن الله تعالى ، ووصلت الى حل… وغامرت وقامرت عسى أن أنجح …
بالصباح تعمدت التأخير في الوصول للمطار ولم أدخل الصالة بل ذهبت رأسا إلى مسؤول الأمن حيث تربطني به معرفة وقلت له أريد الركوب على الطائرة من غير أن  يراني السيد نوري بن فائد الراكب معنا لأنني أريد عمل مفاجأة له في مطار اليونان حيث لدي رهان كبير مع أحد الأصدقاء وكان الرجل يثق في كلامي ، وتطلع إلى قائمة بمكتبه وكان الإسم موجودا ضمن الركاب على الدرجة السياحية مما خدمني الحظ مرة أخرى ، وتبسم وقال لا مانع إنتظر في المكتب حتى السفر  وطلب من أحد العاملين وأعطاه التذكرة وجواز السفر  وقال أحضر بطاقة الصعود وأختم الجواز من مكتب بوليس المهاجرة ، ولم يكن معي حقيبة ملابس غير حقيبة اليد للمستندات ولو احتجت لملابس سوف أشتري من السوق هناك  مما سهل الأمر … و خلال دقائق كانت لدي بطاقة الصعود للطائرة الحمراء لركاب الدرجة الأولى  والختم بالخروج  وأنا جالس بالمكتب أشرب القهوة وأتحدث مع الرجل المسؤول ومرتاح من الأمر حيث الطائرة لا تقلع بدون أمر منه شخصيا …

نوديا على الركاب من  خلال الميكروفون لركوب الأتوبيسات والصعود للطائرة وإنتظرت وأنا اكاد أطير من الفرحة ، حتى الآن المخطط سليم ولم يراني الخصم بعد وعندما ركب الركاب جميعهم  أخذني شخصيا بسيارته داخل المطار حتى سلم الطائرة حيث صعدت وهو يبتسم مع وعد بأن  أحكي له عن الفكاهة عندما  أفاجئ الخصم بالحضور في أثينا عندما  أرجع من السفر … 

بالطائرة تكون مقاعد ركاب الدرجة الأولى بالمقدمة وتوجد ستارة  فاصلة بين الأولى والسياحية وركاب الدرجة الأولى يهبطون من سلم الباب الإمامي إلى سيارة أتوبيس صغيرة خاصة زيادة في التقدير والخدمات ، وركاب السياحية من الباب الخلفي للطائرة ، والرحلة قصيرة مدة ساعة فقط حيث وصلنا اليونان  وحطت الطائرة وكنت من أوائل الركاب  حيث العدد قليل ووصلت الصالة وختمت جواز السفر من إدارة الجوازات ومررت على الجمارك  بسرعة بدون تعطيل حيث ليست لدي حقيبة ملابس حتى أنتظر وصولها مع الجميع ، وخلال دقائق بسيطة كنت خارجا إلى الصالة الأمامية حيث صديقي نائب  مدير التصدير في الإنتظار وعندما شاهدني إبتسم وسلمت عليه ورأسا إلى السيارة بالخارج والمشوار لمقر الشركة …

قلت له أن السيد نوري ضمن الركاب ورد علي  بإقتضاب وعيونه تلمع بالإنتصار وقال لقد تأخر !  ووصلنا إلى مكتب الشركة الرئيسي للتصدير حيث إنتظرت بعض الوقت في الصالون لشرب فنجان قهوة وأنا غير مصدق الأمر ، كيف لم يلاحظ السيد نوري وجودي على الطائرة من ضمن الركاب ؟
 
بعد إنتظار بسيط دخلت على المدير العام للتصدير السيد ساكالاريو الذي نهض من مكتبه للاستقبال وتحدثنا قليلاً وكان الأمر مرتباً حيث آل بوزيد ممثلين في شريكهم السيد نوري تأخروا عن الميعاد فترة أسابيع ولا تستطيع الشركة الإنتظار حيث لها برامج … وساعدني الحظ ووصلت قبلهم وقال المدير لنائبه جهز العقد للسيد رجب بنفس شروط الوكلاء السابقين حتى أوقعه ، وخلال وقت قصير كان العقد جاهزا بإسمي لمراجعته ولم أصدق الأمر ووقعت بدون مراجعة دقيقة حيث لست بأشطر من الأخرين حيث جميع العقود متشابهة غير تغيير الإسم والكميات ومكان الدول ، وقدمته للمدير حيث وقع ، وتم التصديق والختم  وأخذت عدة نسخ ، ووضعت واحدة في ظرف وكتبت عليه إسم وعنوان أخي في درنة ليبيا ونسخة أخرى إلى المكتب وأرسلتهما بالبريد زيادة حرص في حالة الضياع أو السرقة من الجيب ، لا قدر الله تعالى حيث دائماً محتاطا أمنيا نظير القراءة  المستمرة للروايات البوليسية والمغامرات أيامها ( أرسين لوبين )  التي كنت مهووسا بها … وتركت نسخة معي ، ودعاني المدير على العشاء بالمساء إحتفالا من الشركة حسب العادة  وودعته وأخذت السيارة إلى فندق أمونيا لأخذ قسط من الراحة وأنا فرح سعيد فأخيرا تحقق الحلم وتحصلت على التوكيل الذي لا يقدر بمال حيث استطيع التحكم والإحتكار لسوق الإسمنت في مدينة درنة وأستطيع تلبية الطلب المتزايد من شركات المقاولات الأجنبية لتعمير مدينة البيضاء ….

ذاك اليوم من  فرط الفرحة والسعادة والتعب والإرهاق لم أتناول وجبة الغداء بل دخلت للغرفة وأطفأت  جهاز التبريد  القوي حيث أخاف من  الأصابة من ضربة برد أثناء النوم ، ونمت بعمق ولم أصح إلا على رنين الهاتف المزعج بالغرفة المظلمة  الذي كان من نائب المدير الذي قال لي الموضوع وهو منزعج حتى أستطيع مساندته ولا اضعف  حتى لا يفقد وظيفته وقال انه يتكلم من هاتف عمومي بالشارع وحكى القصة بالتفصيل ، أن السيد نوري مقيم بنفس الفندق أمونيا وعندما وصل من المطار تغدى وإستراح والساعة الثالثة جاء إلى مكتبه  بالشركة حيث الشركة مواعيد عملها من الثامنة صباحا حتى الخامسة مساءا مع فترة غداء لمدة ساعة ،  ولم يهتم به مثل السابق حيث غضب وطلب مقابلة المدير العام الذي فوجئ من الزيارة وقال له بصراحة آسف لا أستطيع عمل أي شئ لك فقد تأخرت عن الميعاد ووقعت العقد مع السيد رجب زعطوط ، وجن جنون السيد نوري وقال هذا الخبيث ( يعنيني ) قد إستغفلني وضحك علي ولم اشاهده على الطائرة وكيف وصل ؟ وحاول إلغاء العقد ولكن المدير العام أصر أنه لا يستطيع الإلغاء تحت إي ظرف وإلا السيد رجب سوف يقاضي الشركة نظير العقد الموقع معه ويطلب مبلغا كبيراً في التعويض وجميعنا نفقد وظائفنا …

بعد أخذ ورد قال له المدير تصرف على هواك لا استطيع الإلغاء إلا إذا جاء السيد رجب وطلب رسميا الإلغاء طواعية من غير  إكراه بكتاب موقع منه ، عندها أحول الأمر للدائرة القانونية لتقرر في الموضوع  وأزكيكم قدر المستطاع ، مما حلف بالطلاق بأنه سوف يشتريني بالمال حتى أتنازل وطلب مهلة أيام وخرج وهو غاضب، ورديت ببساطة على نائب المدير وقلت له لا تخف ، فأنت  تتعامل مع رجل يحافظ على الوعد والعهد بالروح والدم ، ولست من الطامعين لقروش زهيدة وسوف ترى بعيونك ماذا سوف يحدث بالمستقبل القريب  …   وقررت المبارزة والصدام والمنافسة الشريفة بأدب وأخلاق عالية وأن لا أخطئ واسب نظير الغيظ  والغضب بل أتعامل بذكاء ، وهذا الذي فعلت مع الوقت والزمن وأثبت الفوز والنجاح مع الخصوم ومع الوقت أصبحنا من أعز الأصدقاء.
حاولت النوم منتظراً المساء ولم استطع من الأفكار المتشابكة فقد بدأت الحرب والصراع مع قوى قوية لديها النفوذ والمال الكثير وبإمكانها عمل الكثير ولكن ليست لديهم روح المغامرة والإقدام  والجرأة مما عرفت داخل النفس أنني الفائز باذن الله تعالى … 
تحقق الأمل بسرعة ورن الهاتف مرة أخرى بإزعاج وكان على الخط الخصم الثاني السيد أنجلو هاجيداكس اليوناني الليبي المقيم في درنة منذ الولادة ،  والوكيل لشركة تيتان المصنعة للاسمنت ،  وعرفت صوته ولكنة الخواجة لديه وبعد التحية قال انه مقيم 
 بنفس الفندق و يريد مقابلتي للتباحث في بعض الأعمال وقلت له لا مانع  وأين اللقاء ورد كما أرغب في أي غرفة وقلت له لا تتعب سوف أتي اليك ، لانه حسب العادات لدينا صعب طرد أي ضيف في حالة ما إشتد النقاش والخصام ، أما إذا كنت ضيفا عنده في غرفته أستطيع الترك والإنسحاب في حالة عدم الإعجاب والإرتياح في نقاش الأعمال ،
وأعطاني رقم جناحه في الدور السادس مما نهضت بعجلة من السرير وحمام بارد سريع لم يتعدى بضع دقائق وجهزت نفسي وكانت الساعة تشير للساعة السادسة والنصف ، ومازال على غياب الشمسً والليل حوالي الساعتين حيث عز الصيف وركبت المصعد للدور السادس وفتح الباب بعد قليل السيد انجلو وتم السلام والتحية وجلست على كرسي الصالون وأحضر لي شرابا باردا وطلب لي القهوة من خدمات الغرف وبدأ الحديث باللوم عن ما عملته من موضوع ضد آل بوزيد والسيد نوري بخصوص التوكيل وكلام دش كثير مع الترغيب والترهيب المبطن أنه سوف تحدث منافسات شديدة وحرب في الأسعار وتخسر الكثير ولدينا الفرص للإثراء وأن ليبيا قادمة على مشاريع كبيرة نظير تدفق النفط ، وقررت مجاراته ولعب لعبة القط والفأر حتى يعرف مع من يتعامل …  وطرق الباب وفتح وحضر السيد نوري محاولاً قدر الإمكان عدم الغضب تجاهي ونهضت وومددت له يدي بالسلام ولكن رفض وقال بغيظ لا أمد اليد لإنسان كاذب ( يعنيني )  فقد قلت بالأمس لي بأنك مسافر إلى روما إيطاليا ، والآن أنت بأثينا اليونان ، وقلت له باستهزاء لا تزعل ياسيد نوري مع الإحترام والتقدير للسن أنت شخصيا كاذب فقد قلت لي بالأمس أنك مسافر إلى اسطنبول تركيا ولهذا السبب واحدة بواحدة مما إبتسم من الغيظ للصراحة القوية وعدم الخجل من المواجهة وغير الحديث إلى مداهنة وتملق ، وحاول السيد أنجلو تخفيف الأمر وأن نجلس ونتحاور عسى أن نصل إلى حلول ، وزيادة في رمي الطعم ليبتلعوه بسرعة من غير تفكير قلت لهم أنا تاجر أبيع وأشتري وإذا لدي عرض مغري  ممكن أتنازل وأبيع العقد لكم حيث العملية عملية سعر وثمن ، وبدأت المزايدة وبدؤا بالقليل ثم الرفع وأنا ممانع حتى وصلوا لرقم كبير مغري  لا استطيع الإمتناع او اللعبة تنكشف وقلت لهم أعطوني بعض الوقت لأقرر ،  وفرحوا وعرفت الآن سر العصابة فالظاهر لدى الجميع في درنة أنهم   ألد الخصوم  والواقع شركاء في الإحتكار وقررت المغامرة والخداع بشرف ، عن طريق المنافسة وأعلمهم درسا أن لا يستهزئوا بي ، رغم  صغر سني و عدم تجربتي …

تمت دعوتي  للعشاء ولكن قلت لهم أنني  مرتبط وقال السيد أنجلو لا ترتبط طوال الغد سوف نقوم  بجولة  سياحية مع بعض  في أثينا حتى ترى جمالها وآثارها وقلت لا مانع غداً باذن الله تعالى … 
وطلبت الاستئذان حيث لدي ميعاد على العشاء والسهرة  ولزيادة الغيظ قلت لهم العشاء في ضيافة الشركة الليلة مما ابتسموا مجاملة وانا عارف بالحدس من داخل النفس لو بيدهم سيدنا عزرائيل لكانوا أطلقوه علي ، ولكن الرب القدير هو المسير والقادر…

 
البقية في الحلقات القادمة …  
                                                            رجب المبروك زعطوط   

Wednesday, September 12, 2012

شاهد على العصر 8


                           شاهد على العصر 

                          8




Port of Derna 
        استمريت في العمل التجاري  والاستيراد لمواد البناء وأقفلت المحل التجاري للسلع الغذائية نهائيا مع أن الوالد رغب أن يتولاه ولكن أشفقت عليه من العمل المرهق وهو على أبواب الثمانينات من العمر و أقنعته بترك محل الحدود والسكن في درنة والتقاعد والراحة حيث كان يقضي معظم الوقت في الجامع القريب "جامع الفتح" مع بعض الرفاق بغرفة صغيرة بجانب المئذنة  للسمر والحكايات و استرجاع الذكريات أوقات الضحى بالصباح حتى صلاة الظهر ومن صلاة العصر حتى صلاة المغرب ( رحمهم الله تعالى فالجميع موتى )  …

بعت  البضائع الموجودة به دفعة واحدة بثمن رخيص وقمت  بصيانة المحل وسلمته لصاحبه مع الشكر  ، وفتحت مكتب خاص لي في مبنى الوالد بجانب البيت مساحته كبيرة وقمت ببعض التقسيمات حتى أصبح عدة مكاتب وأثثته بأحسن الأثاث وقتها ووظفت  خمسة   موظفين بالمكتب وعلى رأسهم كمدير السيد محمد مصطفى بوشيحة الذي كان يعمل موظفاً  ببنك باركليز  وتم الإتفاق معه بأن يترك البنك ويعمل معي كموظف براتب مجزي وقتها والسيدان عبدالقادر سلطان  ، وجابر الهواري كملاحظين  في الميناء للبضائع المستوردة من الخارج مهمتهم الاستلام والتسليم وبالمساء يقدمون تقارير يومية للمدير حتى أضمن المتابعة ، والسيد مصطفى الشربيني محاسباً مصريا من المنصورة كمحاسب والسيد رمضان دوباج كفراش مسؤول  عن نظافة المكتب وتقديم المشروبات والقهوة والشاي للضيوف  ، وكانت المجموعة جيدة  والله تعالى يسامحهم على الرفقة والعشرة الطيبة خلال سنوات عديدة معا …

شركة زعطوط لبيع مواد البناء بدأت تشق الطريق للنجاح في السوق مع إبن العم ادريس المسؤول على البيع وكل يوم يقدم كشوفات بالبيع للمواد وأخذ إيصال الدفع للمبالغ المالية التي تودع يومياً في البنك حيث جميع عمليات الاستيراد للبضائع والمواد تتم عن طريق حساب شخصي واحد خاص بي وتحت توقيعي فقط حيث يستلم البواخر وتسجل القيمة الإجمالية وهو يسدد.  كان الإتفاق أن أية ديون بأمري الشخصي وتوقيعي التي لم تدفع من قبل الزبائن تسجل على حسابي الخاص آخر السنة ، كذلك المبالغ والديون بأمره مسؤول عنها ، وركزت على الاستيراد بطهارة ونقاء من غير أية عمولات كما يفعل الآخرون الآن ، وجميع مصاريف الرحلات والتنقل كانت من حسابي الخاص  ، خصما من حساب الوكالة البحرية الخاصة بي وليس لدي شركاء في أصل الشركة بل إتفاقات جانبية محدودة بأعمال جانبية والتي كانت أرباحها كبيرة تغطي  التعب  ، ولم احمل شركة زعطوط  لمواد البناء أية مصاريف لآخر لحظة في الشراكة حيث الخير العميم عم …

 أوصلت الزوجة إلى المستشفى عند الأصيل وهي تعاني من آلام المخاض ومعها أختي الكبيرة الحاجة خديجة لمساعدتها على الوضع ، وبالمساء مررت على المستشفى للإطمئنان ولكن لم يتم الوضع بعد وكانت عاداتنا من قبل أن لا يبقى الزوج في الإنتظار بالمستشفى بل يسمع الأخبار المفرحة أو الحزينة ، وذهبت للسهرة ولعب الورق والسمر  مع جماعة المغار الحاج صالح سرقيوة وغيره من الرفاق في بيت السيد إبراهيم ساسي ( رحمهم الله تعالى بواسع رحمته ) الذين يكبرونني سناً للسهر ولعب الورق وأنا فكري مشتت  على الزوجة التي تتألم …

 الساعة العاشرة مساءا من اليوم 30 أبريل عام 1966م  خرجت من السهرة ومررت على المستشفى وبصعوبة حتى دخلت من البوابة حيث لا زوار بالليل مهما كان الامر ،  ولولا المعرفة لم أدخل ومشيت على الأقدام  مشوارا طويلاً في الممرات تحت ظلال الأشجار العالية  حتى عنبر النساء  ذو الباب الخشبي الكبير المغلق وطرقت الباب عدة طرقات خفيفة حتى لا أزعج  النائمين وبعد فترة فتحت لي الباب إحدى الراهبات الإيطاليات (السوريلا) فقد كن وقتها هن الممرضات والمساعدات للأطباء  وطلبت منها ان تستدعي أختي  ، وبعد وقت قصير من الإنتظار أمام الباب ، جاءت أختي وهي فرحة وقالت بأن زوجة أخي صالح  قد أنجبت بنتاً و بأن زوجتي لم تنجب بعد. في الصباح الباكر يوم 1 مايو ذهبت مجدداً و تلقيت الخبر المفرح  و هي ميلاد بنتي الأولى  وشكرت أختي على البشارة  ورجعت للبيت فرحاً مسرورا بأنني أصبحت أبا وأبلغت الوالدان  مما فرحا و حمدوا الله هم  والأسرة جميعها على سلامة الأم والمولودة ودوت الزغاريد عالية …

عند الضحى ذهبت إلى المستشفى  للتحميد بالسلامة للزوجة والإطمئنان عليها وكانت أمي هناك جالسة على كرسي تدعوا الدعوات الصالحة  وتبارك فرحة مسرورة  وأختي الحاجة برفق وحنان ناولتني المولودة وأسميناها هدى وعندما رفعتها بين يدي لأقبلها شاهدت من خلال  زجاج النافذة الكبيرة ميناء درنة وهو مكتظ بالسفن بالحوض وبالخارج وعددتها وكانت 22 سفينة منها 3 على الرصيف تفرغ حمولاتها على ظهور عربات النقل الثقيل   والأخريات في الإنتظار وحمدت الله عز وجل على النعمة  والبركة و قلت في نفسي بأن هذه البنت مباركة فقد أتت و الخير معها!  لقد كانت معظم السفن إما ضمن وكالتي البحرية أو لشركات المقاولات التي كنت أمثلها و التي تعمل في مدينة البيضاء …

تم بناء سكن مريح واسع من عدة شقق والدور الأول سكن إخوتي الحاج صالح والحاج حسن كل في شقة خاصة به ، و إنتقلت من البيت الأول وسكنت بالدور الثاني وأمامي سكن الوالدين ومعهم أختي الكبيرة الحاجة  خديجة الأرملة مما إرتاح الجميع وأصبحنا جيران حيث استطيع السفر وأنا مرتاح البال على عائلتي من أي خوف وتعدي فقد كنت وقتها دائم الترحال إلى اليونان و إيطاليا وألمانيا ، لشراء المواد المطلوبة والبحث عن الجديد وزيارة المعارض والإشراف على الشحن حيث وقتها كنا نعاني الأمرين لا وجود  لإتصالات سريعة مثل الأن لهواتف نقالة ولا حاسوب وإنترنت تبحث فيه عن الجديد بل معظم العمل الزيارات الشخصية والعلاقات هي الأساس للعمل …

صيف عام 1966م إتصلت بي شركة إيطالية إسمها ريفيللي من  مدينة نابولي بإيطاليا عن طريق شركة سالكوست التي أتعامل معها حيث قد وقعت عقدا كبيرا وقتها لبناء 300 فيلا أرضية و 414 شقة سكنية في مدينة البيضاء التي كان العهد الملكي يخطط لجعلها العاصمة السياسية بدل طرابلس أو بنغازي كما ينص الدستور الملكي ، والتركيز شديد على التشييد والبناء لإستقبال الآلاف من الموظفين السكان ، وكانت فرصة كبيرة لمدينة درنة بأن تنهض وتتقدم ، حيث مدينة البيضاء غربها بمسافة قليلة حوالي 100 كم فقط …
اللقاء المفروض في معسكر شركة سالكوست المقام في رأس الهلال والرئيسي بالبيضاء على وجبة غداء عمل وفعلاً في الموعد المحدد كنت هناك وتبعني المندوب السيد ع س إلى هناك بدون دعوة مني ولم يحضر الإجتماع معي وبعد الغداء تلاشى وإعتقدت بأنه رحل إلى الميناء القريب أو إلى درنة  وتم الإتفاق بأن يأتي المدير ونائبه إلى المكتب في درنة لعمل العقد بنفس الشروط والسعر لشركة سالكوست الإيطالية التي تتعامل معي واللقاء بمدينة درنة قرب الميناء حيث يوجد مقهى شعبي يملكه السيد  خورشيد رحمه الله تعالى والذي كان يقدم الذ السندوتشات من التن والهريسة أو طبيخة الفاصوليا مع الكرشة اللذيذة الشهية حسب الطريقة الليبية وكنت معظم الوقت الساعة السادسة صباحا قبل دخول العمال والسائقين إلى الميناء للعمل أتناول الفطور عنده من طبيخة الكرشة التي تعز علي مع كوب كبير من الشاي الأحمر والحليب …
قمت بخطأ كبير فقد كان المفاوض طوال الوقت الذي يتحدث نائب المدير السيد كومو توماسو الذي عرفت بعدها أنه مدير الإدارة ومن مدينة  ساليرنو بالجنوب تحت مدينة  نابولي ،  حيث أخذته معي بالسيارة  التي أقودها وتركت المدير الفعلي للشركة الذي لديه القرار والتوقيع يقود السيارة خلفنا لوحده على أن يتبعنا …

نظير معرفتي الجيدة بالطريق وكنت اسوق أيامها بسرعة بجنون تأخرت السيارة الأخرى ووصلت للمكتب ولم يحضر مما شككت في الأمر وخفت ان يكون قد قام بحادث سير مؤلم ! 

ذهبنا إلى الميناء وشاهدت سيارة المدير واقفة بجانب المقهى والمدير والمندوب السيد ع س معه يتحدثون وتوقفت وإنضممت لهم وقال المدير بصراحة انه فكر في الأمر ولا يريد مشاكل للشركة ومستعد لكتابة العقد بشرط الشراكة مع المندوب السيد ع س وتطلعت للمندوب من المفاجأة وشاهدت عيونه تلمع بالفوز والنصر وعرفت أنني لو رفضت الشركة سوف تضيع من يدي ، وقلت مبتسماً لا مانع مما ذهلوا من سهولة الموافقة وعدم الممانعة والتردد ، وتم كتابة العقد والتوقيع عليه من جميعنا الشركاء الجدد  والشاهد نائب المدير والختم …

عرفت بعدها الأسباب التي وصل بها المندوب لاستدرار عطف المدير حيث يتكلم اللغة الإيطالية بطلاقة وتوقف بالطريق من غير أن أعلم وركب مع المدير  وواصل الرحلة إلى درنة وشكى له سوء الحال وأنني ضحكت عليه ولم ادخله شريكاً في عقد شركة سالكوست  والآن يعمل لدي أجيراً ، ولو لديه رخصة خاصة به سوف ينافسني ويرد الصاع صاعين لي مما تعاطف المدير معه ووعده بأن يساعده قدر الإمكان …

خططت أن المندوب لا يعتمد عليه ووضعته تحت المراقبة الدقيقة بدون أن يعلم وقلت له طالما أنت الان شريك بالنصف معي في عقد مناولة البضائع لشركة ريفيللى ، ليس لدي مانع ولكن تدفع حصتك عن مصاريف أي سفينة يتم تفريغها مما وافق ولم يفطن للصعوبات في التمويل المالي الضخم الذي نحتاج له للعمل حيث لا تعطيل لحظة فالعمال يتقاضون أجورهم يومياً نقدا والسائقون أسبوعيا أو عند الطلب …

وصلت الشحنة الأولى ثم الثانية ودفع نصيبه بصعوبة  ووصلت الثالثة وبدا يتملل حيث أفلس ولم يستطيع الدفع وتعمدت تأخير الفواتير والشركة ليست لديها سيولة للدفع ولو جزء بسيط ووصلت الشحنة الرابعة وأصبح شريكي مهموماً يعاني نقص السيولة وإضطررت للدفع والسداد  مع الضغط عليه لدفع نصيبه …
حدثت المعجزة التي كنت أتوقعها وأعمل لها بحكمة وتعقل على نار هادئة  فقد كنت يوما بالضحى ذاهبا إلى بنك باركليز للإيداع  وأوقفت السيارة بالميدان ومشيت عدة خطوات للباب وسمعت صوته يناديني لشرب فنجان قهوة معه في المقهى الكبير لصاحبه السيد اجويدة الشلوي رحمه الله تعالى ،  والمقهى الآن أزيل لتوسيع الميدان  والجامع العتيق وليس له أي أثر ، ورجعت له وقلت أنا مشغول عندي ميعاد بالمصرف وسوف أخرج بعد قليل وأنضم لك لشرب فنجان قهوة والحديث ووافق …

قضيت وقتا بالبنك  والأفكار تدور وأنا أحاول معرفة ماذا يريد؟ للرد عليه بدون أخطاء ممكن تحدث فهذا الإنسان مثل الزئبق لا يجب أن  يوثق به كثيراً … وبعد أن أكملت العمل خرجت للمقهى لمقابلته وكان ينتظر وجلست وطلبت  فنجان قهوة وسألته ببرود ماذا يريد ؟؟؟ وحكى لى قصة طويلة عن شركة ريفيللي وعن التعطيل للدفع وممكن تفلس الشركة ونضيع وراءها وأموالنا تذهب هباءا منثورا صعب استرجاعها وعرفت بالحدس من غير ان يقول  انه مفلس وبحاجة للمال ليدفع بعض الديون عليه ،  وقلت له بصراحة ماذا ترغب وتريد مني أن أفعل ؟

لمعت عيناه من الصراحة وقال العقد مع الشركة لا يستحمل شركاء  وأرغب ان تبيع حصتك لي ورددت عليه ببساطة وبرود وكم تعرض علي ؟ حتى أخرج وأتنازل لك ، وفكر قليلاً وذكر رقما تافها ولكن بمقاييس عقليته وإحتياجه يعتبر رقما مغرياً ، وقلت له دعني أفكر في الأمر  بعض الوقت لتأجيل الموضوع عدة أيام ،  ورد علي بسرعة وقال أعطنا عرضك وأنا الذي أتنازل وكنت بحاجة لسماعه وهو يطلب الرقم ، وقلت تتنازل عن العقد رسمياً وبشرط أن  تذهب لمدير الشركة وتقول له لقد تنازلت عن الشراكة وأنا أدفع لك الضعف لعرضك زائد جميع المصاريف التي دفعتها من قبل مما كاد يطير من الفرحة والسرور ووافق على الفور بدون أي ممانعة وأنا اكاد أطير من الفرحة وكتمت نفسي بصعوبة من إشعاره بالأمر حتى لا يغير رايه فاليوم يوم سعد ، كم أنا محظوظ حتى يصبح العقد ملكي ولا شريك …

 ذهبنا إلى مكتب المخلص القريب السيد ع  د ، وشرحنا له الموضوع وكتب عقد التنازل عن الشراكة  معي في عقد المناولة  بحيث أصبحت المالك الوحيد وتنازل رسميا عن الشركة ووقع أمام الشهود وأخرجت دفتر الصكوك من الجيب ووضعت الرقم المطلوب ووقعت وسلمت الصك له وقلت مبروك وأنا اكاد أطير من الفرحة فقد استرحت منه ومن معاملاته الغير شريفة …
فعلاً  أوفى بالوعد وبعد أيام أبلغ مدير الشركة بالتنازل ، الذي ذهل من الموضوع وقال له أنت  فقير عقل وفقير حال وجيب طوال العمر فقد فرضتك بالقوة على الرجل لقبولك في الشركة ولم يمانع ،  والآن أنت أهبل تبيع حصتك بقروش زهيدة ، تبيعنا نظير الطمع ، وعرف غلطته أخيراً وإنتقل بعائلته إلى بنغازي وعمل هناك في وكالة أبراهيم حسني بي براتب شهري  وكان يزورني عندما يأتي إلى درنة وأحتفي به و أدعوه على ولائم ، وزرته في بنغازي عندما سمعت بمرضه من داء السكر الذي جعل منه هيكلاً عظمياً وبعدها بفترة توفاه الله عز وجل ومن ناحيتي كان  صديقا عزيزا ورفيقاً ولكن تجاوز الحدود وحاول حشر نفسه كشريك بدون طلب ولا صراحة ،  حاول استغلال صغر السن وعدم الخبرة ،  ولكن  مهما عمل من أخطاء الله عز وجل يسامحه من القلب والضمير فقط أكلنا مع بعض عيشا وماءا وملح رحمه الله تعالى …

كثرت البواخر الصغيرة التي حمولاتها لا تتجاوز الف طن من المواد حيث الميناء ضحل و صغير مهدم وبه سفينة إيطالية حربية محملة بالذخائر غارقة بمدخل الميناء أثناء الحرب العالمية الثانية حيث أصابتها إحدى طائرات الحلفاء أثناء أحد الغارات أثناء التفريغ  مما أصبحت كابوسا للمدينة طوال سنيين عديدة  خوفا من الإنفجار إذا لا سمح الله تعالى وحدث إصطدام من أخرى أثناء الدخول أو الخروج بالممر الضيق لمدخل الحوض حتى تم إزالتها أواخر الستينات أثناء توسيع الميناء …
ميناء بنغازي عميق وكبير وواسع يستقبل البواخر الضخمة ذات الحمولات الكبيرة ولكن لبعد المسافة عن مدينة البيضاء النقل البرى يكلف الضعف مما جعل جميع الشركات تحبذ ميناء مدينة درنة الصغير وبعض الأحيان ميناء راس الهلال المهجور ، وزاد الطلب على شراء مواد البناء وبالأخص الاسمنت وكنت أحاول الحصول على موافقة شركة هيراكليس اليونانية لصناعة الاسمنت التي كل اسبوع استلم منها شحنة  ولكن بدون نتيجة تذكر ، ووصلت إلى فكرة جبارة ذكية وهي أن استميل لجانبي أحد الموظفين وأجعله عينا لي داخل الشركة حتى أعرف أولاً بأول ماذا يدور من مواضيع خاصة بالتصدير إلى ليبيا ، وصعب علي عرض رشوة لموظف ولكن نائب المدير للتصدير في بعض الأحيان أثناء المآدب أو السهرات في علب الليل كان يشكو من قلة الدخل والراتب مما وجدت الفرصة وكنت أصر على دفع فواتير العشاء والسهرة  كل الإصرار وأترك الفاتورة  بقصد مبيت وهو يأخذ الفاتورة من وراء الظهر ويصرف قيمتها اليوم الثاني من خزينة الشركة وكل من رافقني من الموظفين كنت أطبق في نفس الطريقة مما الجميع كانوا يجرون ورائي لخدمتي نظير الصرف الكبير في الليل والقبض اليوم الثاني لهم مبالغ كبيرة في نظرهم  وزهيدة في نظري حتى تمكنت مع الوقت من استمالتهم لجانبي ، وتجرأت على نائب مدير التصدير في أحد السهرات الصاخبة وقلت أنا مستعد الشراكة معك في العمولة إذا تمكنت وساعدتني في الحصول على العقد مما وافق بسرعة  وطلب مني أن أكون جاهز بالتأشيرة عندما يتصل بي لكي أحضر على الفور إلى أثينا ، اليونان ، بدون أي تعطيل ، و إتفقت معه على الأمر ، ورجعت إلى مدينتا درنة وقد زرعت البذرة منتظراً النمو والحصاد القريب …

                                                       رجب المبروك زعطوط 

البقية في الحلقات القادمة …

Monday, September 10, 2012

بشائر الخير


                                                      بسم الله الرحمن الرحيم


                                                              بشائر الخير




  يوم 2012/9/5 م  طالعتنا الأنباء  والأخبار من قنوات تلفزيونية وصحف وفيس بوك  وإذاعات  مختلفة عديدة  بالأنباء المفرحة السعيدة للشعب الليبي عن التسليم من دولة موريتانيا الإسلامية الصديقة ، للمجرم عبدالله السنوسي عديل وشريك المقبور القذافي في جميع الأعمال الإجرامية التي يندى لها جبين الإنسانية من هولها وفظاعتها ورعبها والطرق الخبيثة الشرسة في تطبيقها بدون أية رحمة ولا شفقة ، ضد جميع الأعراف والقوانين السماوية والأرضية ، وعلى راسها مذبحة سجن أبوسليم في طرابلس ، في منتصف التسعينات من القرن الماضي ، والذي حاول النظام السابق إغفال الموضوع والحدث المؤسف طي الكتمان والصمت  طوال سنيين عديدة بان لا يخرج للضوء ، وأسر الضحايا تعيش على الأمل طوال الوقت بأن أحبائهم أحياء  يرزقون مسجونون سوف يتم الإفراج عنهم يوما …
الإبادة لسجناء عزل محجوزين معظمهم مرضى ضمن الأسوار مثل الحيوانات ، لم تعطى لهم الفرص للدفاع عن النفس حيث سقط أكثر من 1400 شهيد في خلال وقت قصير رمياً بالرصاص بلا محاكمات  بدون وجه حق ولا ضمير   بل إبادة عن قصد مبيت وجنون عظمة بأن هؤلاء ليس لهم الحق في العيش والحياة  في المجتمع الجماهيري الفاشل على جميع المستويات …هؤلاء الفجرة نسوا المعاملة الشرسة والقهر والعذاب والظلم والقسوة والجبروت في أقسى وأبشع المعاملات في سجن أبوسليم ، حيث لا خروج إلا لسعيد الحظ والداخل مفقود غير معروف مصيره  ميت على عائلته الترحم عليه وقبول العزاء فيه وهو حي يرزق …
لا طعام كافي دسم لإشباع البطون  ، ولا دواء ومعالجة صحية للمرضى بل يتركونهم  عن قصد  يعانون ويقاسون الأوبئة والآلام الفظيعة  والأمراض تنهش حتى ينتهون مع الوقت ويموتون  ، لا بطاطين تحفظ أجسامهم المهترئة من برد الشتاء القاسي في الزنزانات الإسمنتية بدون  أي شىء من غير فرش ، وكان هؤلاء الرجال المساجين ليسوا بشرا مسلمين يوحدون بالله عز وجل  ، لهم الحق بالمعاملة الحسنة حسب القوانين  والأعراف لحقوق الإنسان وبالأخص هم أسرى سجناء غير قادرين على الحركة إلا ضمن تعاليم السجان ، أليس بأمر مؤسف ومأساة سوداء مظلمة سوف تذكر في تاريخ الوطن إلى ماشاء الله تعالى ؟؟

شاهدت المجرم في الإذاعة المرئية وهو يهبط من المروحية وعلى وجهه إبتسامة ماكرة خبيثة وكانه يقول للجماهير إنني لست خائفاً منكم!   و أحد الضباط كبار الرتب يساعده على النزول برفق   ، بدل ركله على قفاه بقوة كما كانوا يعاملون الأخرين ضحاياهم بقسوة  ،  وقلت للنفس سبحان الله عز  وجل قبل الثورة المجيدة والنصر ،  بالماضي هذا  المجرم كان  يصول و يجول مثل الأسد يزئر على ضحاياه الأبرياء الضعفاء  والآن ذليل سجين مثل الفأر في المصيدة يبتسم في ذهول لمشاهديه إستخفافا وتحديا لانه يعرف مصيره الملعون مسبقا …

إن الشعب الليبي لن يرحمه بذرة رحمة  واحدة على أفعاله الإجرامية المشينة  وسوف يحاكم محاكمة عادلة ويقول القضاء النزيه كلمته وحكمه على جرائمه ، وسوف يعاقب بالحق حتى يصبح عبرة لأي إنسان مستقبلاً حتى لا يستغل منصبه  الرفيع والسلطات الواسعة المطلقة بدون مراجعة ولا حساب من أي أحد في إيذاء المواطنين …
في نفس اليوم آخر النهار بالمساء  قرأت خبرا قصيراً في إذاعة برقة الحرة بأن مجلس أعيان مصراته قاموا بالعفو عن سكان بلدة تاورغاء المهجرين المبعدين عن بلدتهم نظير أعمالهم البربرية  الوحشية من البعض الثوريين المجانين الذين باعوا أرواحهم للشيطان الرجيم القذافي الطاغية  ضد إخوتهم المصراتيون أثناء القتال والمعارك الشرسة أيام الثورة المجيدة ، عن أعمالهم البشعة في حق إخوتهم عن هتك الأعراض للحرائر والقتل للذين حاولوا الهروب والإحتماء بهم  ، لم يراعوا النخوة  ولا حسن الضيافة ولا حماية المستجير الضعيف …
المجلس قام بالعفو  عن جميع أهالي تاورغاء  الأبرياء الفارين من الإنتقام  ، بأن لهم الحق بالرجوع والإقامة في بلدتهم ومنطقتهم ومساكنهم والعيش كرام بسلامة والتعويض عن الأضرارً ماعدا الذين أجرموا وتورطوا في القتل والهتك للأعراض والإغتصاب للحرائر  ، وقاموا بأعمال وحشية وإنتقام نظير أحقاد ورواسب بأنفسهم المريضة عن النقص والتهميش بأنهم نكرات لانهم ضعاف النفوس لا إيمان لهم  ، جرفهم تيار الشيطان الرجيم للشر والشرور و إعتقدوا أن الطاغية القذافي لن ينتهي  ، باق في الحكم والسلطة للأبد  ، حيث  من الضروري المتابعة وتقديمهم  للعدالة  ضمن محاكمات في العلن تبث في الإذاعات المرئية ليشاهدها الجميع  ، حتى تأخذ مجراها بالعدل والحق بدون عنف ولا تجني وتعذيب أثناء التحقيق   ، وأي متهم تثبت الإدانة عليه يعاقب بالحق  ويقتص منه في العلن حتى يصبح عبرة للآخرين بالمستقبل بأن لا يتمادوا  في الشر عندما تتاح لهم الفرص  ويصبحون في مراكز القوة والأمر …إن هذا الخبر إن كان حقا وصدقا  وليس دعابة  من مجلس أعيان مصراته  نتيجة القبض على المجرم عبدالله السنوسي له معايير كبيرة ومعاني لا تقدر بثمن  مهما شرحت  ، وقد سبق و أن كتبت عن الموضوع وقتها بالسابق ونشرته في هذه المدونة "البلوق"  تحت إسم خواطر  ، ويمكن للباحثين مراجعته  ، وكم  إتهمت من قبل البعض المغالين من مدينة مصراته  على التعاطف  وتحكيم العقل وطلب الحوار الهادف بدون تشنج ولا تطرف وتعصب  ، والعفو والتسامح  لأهالي تاورغاء  الأبرياء بدون تعميم للجميع نظير أخطاء وجرائم البعض من المتهورين الساقطين …
حيث لست من تاورغاء ولا أمت لهم بأي صلة دم ولا قرابة  ، فأنا ليبي أصيل من مدينة درنة ، المنطقة الشرقية ، برقة ، وأصول جدودي من تاجوراء منذ مئات السنين   ، وصلتي الحقيقية إنني مع الحق وصوت الضمير يطالب بعنف بالعون والمساندة لأي مظلوم  ضد الباطل والجبروت والغرور  ، حيث نحن أبناء وطن واحد وإخوة في الإسلام  ، وأي ظلم يسري عليهم ونسكت عنه  سوف يطالنا  يوما من آخرين جبابرة ولا نجد من يساندنا وندفع الثمن ، فقوتنا الحقيقية في التضامن والوحدة ومساندة الحق …
إن  أهالي تاورغاء أصولهم العرقية من أفريقيا من شرائح الطوارق والتبو جنوب ليبيا ،، ليبيون أحرار  لهم صلات كبيرة من مئات السنين عبر التاريخ  وجيران العمر مع إخوتهم المصراتيون  ، طالبا الله تعالى مسامحة المتعصبين الغلاة في حقي من اللوم  ،   لأنني أعرف مدى المأساة والجرح وقتها وأن ردودهم القاسية عبارة عن فورة غضب وأن الموضوع يحتاج إلى وقت طويل حتى تبرئ الجراح وتخمد نيران الغضب من النفوس وتهدأ  وعندها العقلاء سوف يصلون لحلول وتفاهم مع بعض  ، تشرف الطرفين وتحفظ ماء الوجوه وترجع الثقة ويعم السلام والأمن والأمان الجميع   ، مثل الخبر المفرح اليوم !
الحمد لله تعالى وصل حكماء وشيوخ مصراته للحل وعين العقل وفاجئونا بالعفو العام الغير متوقع منهم بسرعة حيث بالسابق كانوا متعصبين متطرفين يرفضون العفو والمصالحة الوطنية  ، والآن تغيروا ، حكموا العقل والضمير وتم التسامح والعفو   ، وهذا الأمر من شيم الكرام يدل على الأصالة والنخوة والقيم!  هذه  الأمور والأخبار المفرحة السعيدة تعبيراً عن الفرحة والقبض على المجرم عبدالله السنوسي  والمكافأة ،  العفو العام عن المهجرين المبعدين من بلدة تاورغاء الأبرياء …هذه المصالحة الوطنية لم تأت من فراغ وعدم  بسرعة من لا شئ  ، بل نتيجة جهود رجال شرفاء جنود مجهولين في الخفاء يعملون في صمت طوال شهور عديدة من الحدث والمأساة حتى من الله عز وجل بالنصر والنجاح وتم  ترجيع المجرم من دولة موريتانيا بالطرق القانونية السليمة وتم العفو العام على الأبرياء ،  والبدأ في فتح صفحات جديدة ومصالحة وطنية نابعة من القلوب والمشاعر  ، وليست نظير ذر الرماد في العيون والتغطية على أمور أخرى ، أو  مصالح لتمرير بعض الأشياء في الخفاء والصمت …
هنيئا لك  يا ليبيا بشبابك و برجالك و بشيوخك من الجنسين  ، فقد بدا النهوض والتقدم  لأعلى خطوة خطوة  ، قد بدا التحول الفعلي من الثورة الدموية الشرسة  لبناء الدولة على أسس راسخة من الديمقراطية ،  حيث  تجربتنا مريرة  فريدة وثورتنا مجيدة قدمنا فيها آلاف الشهداء قرابين على مذبح الحرية لقاء الخلاص من الطاغية وأعوانه الأشرار الذين أكلوا الأخضر واليابس ومرغوا إسم الوطن الطاهر في مزبلة الإرهاب …
قدمنا عشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين  ، تم الدمار والخراب للبنية التحتية نظير الحرب والمعارك والضرب الجوي القوي العنيف  المركز على أهداف حيوية من عشرات بل مئات الغارات طوال أشهر عديدة بالليل والنهار من قوات التحالف نظير خطط  مدروسة  ،  في العلن  حتى تشل رأس الأفعى عن بث السموم وقتل الأبرياء  ، والخفاء يعلمه الله عز وجل  ،  تدمير السلاح المكدس ببلايين الدينارات  ، حتى نبدأ في الإستيراد من جديد  ، وتعمل مصانع الغرب والشرق  وتضيع ثرواتنا هباءا منثورا ،  ويستفيد تجار الحروب والدم ،  وتسمن حسابات بعض المسؤولين الفاسدين المرتشين بالخارج لقاء العمولات الباهظة من طلبيات الإستيراد الغير مبرر ، ونحن لدينا السلاح الخفيف مكدس يحتاج إلى الجميع وترغيب الشعب والثوار على تسليمه للجهات المسؤولة ،  ونسى هؤلاء أن عين الله عز وجل ،  ساهرة سوف يدفعون الثمن يوما نظير أموال الحرام والزاقوم  ، والشعب بحاجة ماسة لكثير من الأمور الحيوية من صحة وتعليم وسكن وبنية تحتية بلا عدد …
 لكن أريد أن أقول عن قناعة أن الثورة إلاهية ساندتها القدرة الربانية حتى نجحت بالتصميم وعزيمة الرجال البواسل والإيمان بعدالة القضية ، و في سبيل الحرية والحفاظ  على الدين والأخلاق والقيم يهون الأمر الصعب من الفقد للأحبة الشهداء الذين بإذن الله تعالى أحياء يرزقون بالجنة  ،   وضياع المال  والسرقات ونهب الثروات من المحتالين الذين وجدوا الفرص سانحة وسط خضم الثورة والقتال وعدم المحاسبة …الحياة في نظري كرامة وقيم ونحن كشعب ليبي قدمنا ودفعنا الثمن وسوف تكون ثورتنا طريقا مميزاً  وتجربة فريدة عن التمرد والعنف ضد الظلم وطلب الحرية والإنعتاق ، لكل من يريد أن يتعلم من الشعوب العربية المقهورة التي تعاني  ظلم حكامها وجبروتهم وفساد أنظمتهم  الذين نسوا أو تناسوا العدل والمساواة و قول أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب الذي قال كلمات مأثورة خالدة منذ ألف وأربعمائة عام  ونيف  لن تمحى ولن تنتسى من الأذهان عبر التاريخ : " متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟" …

منذ فترة بسيطة لا تتعدى الشهرين تم تسليم المجرم البغدادي المحمودي رئيس الوزراء السابق من  دولة تونس الشقيقة ، الذي كان يتشدق ويضحك ويستهزئ أثناء الثورة المجيدة  في مكالمات هاتفية مسجلة  مع المجرم الطيب الصافي أحد رموز النظام الخطيرين والعضو باللجان الثورية  الذي كان بالسابق  يتلذذ وهو يعذب  السجناء الأحرار  في سجن  7 أبريل في بنغازي  وسجون طرابلس أيام  عز الطغوة للجان الثورية  أواخر السبعينات  ،  على الإيعاز لجنود الكتائب للنظام والمرتزقة  بهتك أعراض الحرائر الليبيات ونسى هؤلاء المجرمون الصعاليك أن لهم أمهات  وأخوات وزوجات وبنات  ، نسوا  أن لكل طاغ  وجبار مهما إرتفع وطار لأعلى له يوم ويسقط ويصبح أسير تتقاذفه الرياح  ،  لا يرتاح  ، ينتظر العقاب متى يحل ويطبق ، هؤلاء المغفلين بكل العلوم والمعرفة والفهم  أعماهم الغرور والشر والشرور ،  تحجرت قلوبهم ، ذاقوا الحرام الزاقوم حتى تمادوا في الظلم والجبروت ونسوا القدرة الإلاهية  ، كما تدين تدان  ، مهما طال الزمن …


إنني سعيد بأن هؤلاء الأوباش المجرمون بدءوا يتساقطون الواحد وراء الآخر  ، يعانون في السجون الأسر والمهانة إبتداءا من سيف الإسلام نجل المقبور في بلدة الزنتان  الذي كان يهدد  أبناء الشعب الليبي بإصبعه  أيام سطوته وجبروته  ، حتى قطع الثوار أصابعه بتراً حتى يتعلم الدرس القاسي لأي ظالم جبار  بأن لا يهدد ولا يتوعد مستقبلاً  أبناء الشعب الأحرار   ، حيث  الوضيع سيف إبن المقبور  معمر  القذافي  لا يتقلد  أي وظيفة رسمية قيادية  ولا منصب  ، حتى يهدد ويتوعد الأحرار 
والبغدادي المحمودي رئيس الوزراء  المنافق المخادع الأملس مثل الحية الرقطاء المستكينة   الذي  كان يخدم  الجميع بدهاء مثل الخادم الأجير إبتداءا من  رئيسه وولي نعمته الظالم القذافي والعائلة والأولاد الطائشون الفجرة بنعم الله عز وجل  والحاشية لقاء البقاء بالمنصب والسلطة والنهب المنظم لأموال الشعب والتوزيع بأسماء الأقارب والأصدقاء الثقات وكان أموال المجتمع حلال له والطغمة الأشرار  ،   و بوزيد دوردة مدير  الأمن الخارجي سليط اللسان  الذي لا يمل ولا يكل عن الإدعاءات بأنه ثوري ،  قدم الكثير لمصلحة ليبيا الوطن  ، يتشدق و يدعي البطولات في جميع الجلسات والإجتماعات وولاؤه بدون حدود للمقبور  القذافى  ،  وهو أجوف لا يفهم الكثير ولكن كرسي السلطة والنفوذ خلقت له هالة  ، وهو لا يساوي شئ  ، ونسى أن كل من يساند ويؤيد ظالم جبار على فعل الشر والشرور وهو عارف ويعلم ويتحجج بالتبريرات التافهة التي لا تسمن ولا تغني من الجوع ،  مع الوقت  يصبح مثله ظالم   ، وعليه أن يتحمل الأوزار  ، حيث هؤلاء التعساء وباء وسرطانات خبيثة عاشت وتربت في بيئة قذرة وفساد على جميع المستويات حيث لا أمل في أي إصلاح عن قريب أو بالمستقبل ،  ضرورة من بترها بسرعة حتى مع مرور الوقت والزمن لا يستشرون في المفاصل بأوساط  الشعب البرئ البسيط ويفسدون البقية  …. والعشرات الآخرون  السجناء ضمن القوائم الطويلة في  سجون مدن ليبيا  والمتحفظ عليهم  ، بالغرب والشرق والجنوب ينتظرون المثول للعدالة والمحاكم  و ها قد حل الآن  عليهم  رئيسهم ضيفا المجرم عبدالله السنوسي ليشاركهم نفس المصيرالأسود عن ما قدمت أيديهم من شر و شرور …
عقبال الآخرين من رموز النظام السابق الذين يعيشون الآن بالغربة في أماكن كثيرة بالعالم  ، يتوارون في الخفاء  مثل الجرذان من مكان إلى مكان خوفاً من أحرار الوطن أن يردوهم قتلى أو يرجعون بهم إلى الوطن للمحاسبة ضمن القضاء والمعاقبة  ، مثل ماحدث  مع سيف والبغدادي  وعبد الله السنوسي ،   فيا قاتل الروح وين تروح دنيا  أو آخرة؟                       
إنني سعيد حيث مسيرة وعجلة الحياة دارت دورتها ورجعت للأصل والطغاة أشلاء  بالقبور مقبورين وعلى رأسهم الدجال ملك ملوك أفريقيا المغرور الذي تلبسه الشيطان الرجيم  و أصبح لا يرى إلا بعيونه  ، حقود حسود على أي مواطن ذو نعمة ،   تكال عليهم اللعنات كل يوم من الأبرياء المظلومين  ،  أو سجناء يعانون الخوف والرعب من العقاب الصارم القادم الذين ينتظرونه متى يحل بعد أن كانوا سادة مرفهين  ، أو فارين مطاردين يعيشون تحت الضغوط الكبيرة وضمن العلل والأمراض ينتظرون مصائرهم الغير معروفة متى تحين ساعاتهم ويتم القبض عليهم  والتسليم للقضاء مهما تواروا فالعالم الآن صغير ،  ولن يتخلصوا من عذاب الضمير و الدنيا  إلا بالرحيل والموت  ، وبعدها الله عز وجل صاحب القرار الأخير  الذي يعاقب أو يرحم …
دورة الحياة رجعت إلى أصلها بالحق والعدل ،  لتبعث الروح وتحيي الأمل  في المواطنين  المقهورين طوال السنين العجاف من حكم العسكر نظير الإنقلاب الاسود الذي دام  42 عاما جميعها تمثيل وتدجيل ورعب و إرهاب ، شاهد فيها الشعب الليبي الحر الويل والثبور من حاكم مجنون بدون أصل ولا فصل  ، والآن أزلامه ومنافقوه يخادعون  ، قفزوا إلى البحر عندما أيقنوا من غرق السفينة ونهاية النظام  يحاولون التملص من الماضي البغيض  وركوب الموجة الجديدة  بأقنعة  أخرى زائفة وخداع  على أكتاف الأبرياء البسطاء السذج من أبناء الشعب ونسوا أن هناك عيونا  ساهرة لن تسمح لهم  بأن  يصولوا ويجولوا على حساب الأبرياء من جديد ، فلسنا  بأغبياء سذج  لا نعرف الخداع ولا اللعبة الدولية  التي تحاك من قبل أيادي الشر و القوى الخفية  مثل يوم الإنقلاب الأسود سنة  1969م  حتى نخطئ من جديد ونصبح مثل قطيع الغنم نتبع …

إنني شخصيا لدي مبدأ عن قناعة ،  عاهدت الله تعالى  و النفس لن أحيد عنه طالما بي نفس و حياة ،  حيث ضيعت زهرة العمر في الكفاح  ومعارضة نظام المقبور ، لن أساند أو أؤيد أي إنسان للوصول لمراكز القرار وقد سبق له العمل في منصب قيادي بالنظام السابق مهما كانت الأسباب والتبريرات ، حيث ليست لدي القناعات  مع  أن الكثيرين أخوة وأصدقاء والبعض بيني وبينهم رفقة و ماء وملح …
لا يستطيع أي جاهل أو رمزاً من رموز المعارضة الأدعياء الآن  أن يفتح الملفات ويشوه الحقائق ويساوم ويدعي البطولات حيث أشياء كثيرة زيفت وضخمت بخداع متقن مدروس من أساطين وأساتذة الشر من كثرة الترديد في الإعلام والمحافل والجلسات   وصدقها أبناء الشعب الليبي وهي كذب وبهتان ، عبارة عن أمور بسيطة حدثت ومع مرور الزمن ضخموها وأصبحت حقا مكتسباً لأصحابها الأدعياء ،  حتى يزهون ويتعالون على الآخرين ،  والواقع المرير عبارة عن كذب وتشويه للحقائق ، الرب لن يغفر لهم وسوف يدفعون الثمن يوماً من الأيام عندما تتجلى الحقائق وتظهر للعيان …

فقد أتيحت لي الفرص وعاصرت وشاهدت وعرفت الكثير مما دار في الخفاء والظلال  ووراء الكواليس أيام بدايات المعارضة والنضال حتى من الله عز وجل  علينا بالنصر ، وإبتعدت عن الأضواء حيث الآن كثيرون أدعياء في حلبة السباق يحاولون الوصول إلى القمم  ، لا تهمهم الوسائل الخبيثة للوصول ، ولا الإعتراف بجميل الرجال الذين ساعدوهم وساندوهم في البدايات والوقت الصعب  ، ونسوا أنه لا يصح إلا الصحيح حيث الشعب الليبي  طاهر يحتاج إلى أولي أمر لديهم ضمائر حية  ، أقوياء أنقياء طاهرين ليسوا فاسدين سيرهم الشخصية نقية غير ملوثة بهتك الأعراض  الرفاق ،  لا يخافون لومة لائم عندما يحتاج الأمر إلى الصمود والتحدي …
لا أريد جاها ولا منصب … لا أريد شكرًا ولا مكافأة حيث عملي في صمت للوطن   والجزاء من الله عز  وجل  ، أمنيتي تقدم الوطن والإستقرار و النوم الهادئ بدون خوف ولا رعب من زوار الليل والنهار بدون ذنب  ، والتهم إنني مناضل من أجل الخلاص من الطاغية ونظام القهر والإرهاب   ، كما كنت بالسابق لا أنام مرتاحا قرير العين هادئ   ، أصحى بالليل عدة مرات خوفا و رعبا عندما أسمع طرقات قوية  أو رنين جرس البيت لضيف غير متوقع …
أريد أن أشاهد الإستقرار والسلام والأمن والأمان يعم أرجاء الوطن  ، أريد أن أشاهد كل مواطن ليبي سعيد فرح لديه دخل كبير حتى يستطيع مواجهة الحياة  ، حيث نحن كشعب ليبي لدينا الخيرات الكثيرة التي حبانا بها المولى تعالى نريد استغلالها فيما يعم على المواطن والوطن ولا ضياعها في مشاريع وهمية تتآكل وتضيع مع الوقت  ، ولا النهب والسرقات من المسؤولين وتسمين الحسابات بالخارج بالعمولات الضخمة لقاء تسهيل الصفقات والتعهدات بأموال الحرام والوطن يحتاج التشييد والتعمير والبناء حتى ينهض  ويتقدم وتصبح ليبيا من الأوائل  بين الأمم والشعوب المتقدمة ،  وليس مثل العهد السابق القهر والظلم والتركيز على الأمن والإرهاب العالمي ، وأموال تصرف في غير طاعة الله عز وجل ،  في شراء الذمم والفساد والإفساد ، لضمان بقاء حكم الطاغية الى ماشاء الله تعالى …
إنني أطالب رجال الوطن الوطنيون الحقيقيون الذين ضحوا سنين العمر في النضال والشباب المجاهد في الجبهات والمعارك الصادقين الأحرار   بأن لا يتراجعوا خطوات للوراء  عن مراكز السلطة وإصدار القرار وأن  يتقدموا للأمام ويتقلدوا الأمور والحكم والسلطة بالحق وضمن الطرق  الديمقراطية  ولا يتركوها لكل من هب ودب من الأدعياء أشباه الرجال  ، حتى لا تضيع الفرص و تندمون على التراجع والتخلي مع الأيام …
إنها نصيحة غالية نتيجة علاقات وسنين طويلة بالمعارضة والكفاح والسجن بالوطن والمنع من السفر للخارج للعلاج  وحجز جواز السفر عدة سنوات ومحاولات الإغتيال العديدة بالعالم  ، لقاء الرفض وضد الظلم  و نظام المقبور  ، يوما من الأيام سوف تعرفون مدى صحتها وأنها نابعة من القلب والضمير خوفاً على الوطن ومصير الأجيال القادمة  عندما يضرب الفاس الرأس ، وتتحسرون  ، لا تأخذكم النعرات  ، ولا الدهشة  ولا الخداع  ، من أدعياء  فلا يصح إلا الصحيح ،  فالقضية قضية وطن ومصير أجيال قادمة مطلوب منا الفهم والوعي والمراجعة بتمعن من  كل من يتشدق ويدعي البطولات والتدين   ،   عليكم بإتباع شرع الله عز وجل  ، والتمسك بالعروة الوثقى بطهارة وصدق  حتى يرضى عنا الخالق  تعالى ويوفقنا لطرق الخير ونضمن الفوز والنجاح  ، اللهم إنني بلغت !   اللهم إنني بلغت !  عسى أن  أجد آذاناً صاغية من أبناء الشعب حتى يحتاطون من البدايات  ولا يخدعون في رموز وأشباه رجال منافقون عطشى للسلطة تعطوهم الحبال طواعية  ،  ليشنقوا جميع من يتحداهم ويقول الحق والصدق ،  بدون ندم ولا وخز ضمير  لقاء البقاء بالسلطة  ، والأيام بيننا  ، اللهم إنني بلغت الرسالة ! والله الموفق…
                                                                  رجب المبروك زعطوط