Monday, December 31, 2012

شاهد على العصر 51



بسم الله الرحمن الرحيم 

شاهد على العصر 
51  
               

طلبت من النساء عدم الصراخ والعويل على المرحومة امى التى توفيت منذ وقت بسيط وأغلقت باب الحجرة والشموع  مضاءة  ووضعت المفتاح بالجيب حتى لا يدخل اى غريب لحجرتها فى ساعة الفوضى كما حدث من قبل لعميد العائلة الحاج المبروك والدى عندما أحضرنا جثمانه من القاهرة مصرً بالجو عن طريق بنغازي " رحمه الله عز وجل وغفر له بواسع الرحمة والمغفرة "
وجلست فى الصالون مع أخوتى نتدابر فى الامر وتوزيع المسئوليات حتى نضمن سير العزاء والعشرات من الجيران والحى يتوافدون الى البيت لتقديم العزاء لنا عندما انتشر خبر الوفاة بسرعة البرق فى المدينة والآخرين  ؟؟؟
لم أنام تلك الليلة ولم يغمض لى جفن حيث كنت شاردا حيث فقدت اعز شئ بالحياة الوالدة ذات الصدر الحنون فقد كانت تربطنى بها صلات روحية  كبيرة حيث كنت اصغر أبنائها وأحبهم لها لأننى طوال الوقت لم ارفض لها اى طلب والحمد لله تعالى ولست عاقا مثل الكثيرين ،،، وبعد النقاش فى  عدة امور خاصة بالعزاء مع أخوتى وزعنا العمل بحيث اهم شئ هو التحضير السليم حيث وفاتها المفاجئة  صدمة لنا غير متوقعة حدوثها بهذه السرعة والتى كانت بالسابق غير مريضة فقد كانت دائماً تدعو الرب الخالق وتقول " الله تعالى ان يجعلها من القوة الى الحفرة " حيث لا تريد ولا ترغب بان تعيش مريضة فترة من الزمن طريحة الفراش وتصبح عالة  تحتاج لمن يخدمها حتى تموت وتنتهى ،،،
تم الاتفاق حيث لدينا العشرات من شباب العائلة بالتكليف كل مجموعة بان تهتم بأشياء محددة ،،، اولا باخذ الامر بالوفاة من  المستشفى والتصديق عليه من وزارة الحكم المحلى البلدية حتى تستخرج شهادة رسمية والسماح بالدفن فى المقبرة ،، حتى لا يتم الرفض من الحارس ولا نستطيع الدفن لجثمان المرحومة بسهولة ،،، والمجموعة الثانية بالذهاب الى المقبرة والحفر وتجهيز القبر للدفن ،،، والمجموعة الثالثة لتجهيز المكان وترتيب السرادق لاستقبال المعزين  الذين سوف يكونون بالمئات وبالاخص من المناطق المجاورة والمدن الثانية والاهتمام بتقديم القهوة والشاى طوال الوقت ،،على مدار الساعة ،،،  والمجموعة الرابعة الاهتمام بالمشتريات وشراء كل ما يلزم لاعاشة المئات من الجنسين من الطعام والمجموعة الخامسة من النساء الاهتمام بالطبخ وتجهيز الطعام حتى ننهى ايام  العزاء على اكمل الوجه ،،،
حيث للأسف عاداتنا المحلية صعبة ،،، الفقد للعزيز المتوفى والصرف الكبير المغالى فى أمره حتى لا تصبح العائلة فى موقف محرج تلوكها الالسن انهم قصروا فى حق المتوفى ،، يهتمون بالمظاهر والراوي والقيل والقال ولا يهتمون بالجوهر وطلب الرحمة والدعاء للمرحومة او المرحوم  والتوقف عن العزاء بتاتا بعد 3 ايام حسب الشرع ،،؟؟
بل ايام العزاء وبالاخص اذا كان المراحيم وجهاء اما مالا ام سلطة وجاه ،،،  بعد العشاء السهرات تستغل كاجتماعات ولقاءات  وندوات والتعريف بصلة الرحم والقرابة للدم حيث الكثيرون من الشباب للعائلات الكبيرة لا يعرفون البعض للبعض وبالاخص لسكان المدن الاخرى او الذين يعيشون بالخارج ،،،  والربط لكثير من الاعمال حيث لا منتديات تجمع الجميع من  رجال وشباب او سيدات وفتيات الا فى حالات الوفاة  لاقربائهم عندها يحضرون حتى لا تحسب عليهم انهم تقاعسوا عن الحضور ،،، أليست بامر مؤسف ومأساة ؟؟؟
اليوم الثانى بالصباح واثناء تجهيز جثمان المرحومة " الغسالة " بتحميمها وإلباسها الكفن والتجهيز للدفن ،،، وصلت مجموعة من شباب اللجان الثورية الغوغاء العوام يسالون عنى وانه مطلوب حضورى للادارة حتى يتم الزحف والتأميم لجميع أموالى وممتلكاتى ،،،
ولم أتمالك أعصابى ولم اضبط النفس وانفجرت فيهم بالسباب والألفاظ القذرة ،، لهم ولعقيدهم المجنون غير مباليا بالعواقب الجسيمة وتمنيت اننى قمت بالتحرش بهم  وضربهم ام قتلهم حيث كانت فرصة ثمينة لاعطاء نظام المجنون درسا فى التعدى حيث جميع شباب العائلة موجودون بالساحة ينتظرون خروج الجثمان للدفن فى المقبرة ،،
ولم تكن من عادتى التهجم والسب والذم ولكن هؤلاء المغفلون العوام الجاهلون بالمشاعر حيث لا توجد فى انفسهم ذرات رحمة أغبياء لم يسألوا انفسهم المريضة كيف يطلبون من انسان فى ساعة الحزن والفقد للوالدة والتى لم تدفن وتدخل القبر بعد ،،، ويأتون لأمور دنيوية يطلبون الحضور الشخصى ولم يسألوا انفسهم المريضة لماذا تجمع الناس بالمئات فى الشارع ؟؟؟ ومن المتوفى ؟؟؟ 
وبعد السباب والتحدى لهم ولزعيمهم المجنون  القذافى علنا بالشارع امام نظر وسمع الجميع ،،،  خافوا على انفسهم ولم ينطقوا بكلمة واحدة وتراجعوا بهدوء بدون الرد  حتى لايتطور الامر الى معركة خاسرة لهم مع انهم يحملون أسلحة مسدسات للدفاع عن انفسهم فى حالة التعدى ،،، مع اننا كجمهور موجود فى الشارع ليس لدينا اى سلاح حيث محرم علينا اقتناؤه ،،، ولكن قلوبهم هواء ليست لديهم الشجاعة الكافية للتحدى لانهم عرفوا الحقيقة المرة وانهم اخطأوا فى الحضور حيث الوقت والمكان غير مناسب ؟؟؟
خرجوا أذلة حيث كانوا على خطا كبير قاتل ،، وبالنسبة لى شخصيا فقدت اعز شيئين لى فى الحياة الوالدة العزيزة التىى لم تدفن بعد ؟؟؟ وجميع ما املك من املاك وشركات من امثال هؤلاء الغوغاء الجاهلين الأغبياء الذين ساندوا الظالم القذافى ،، حيث لا يصح الا الصحيح مهما عصفت الزوابع والأعاصير وتقلب الانسان المؤمن الصادق مع الله عز وجل والنفس فى امور الحياة التى يوما افراح ويوما أتراح ،،، حيث فى نظرى كل من يساند ظالما عن قناعة وطيب خاطر يصبح ظالما مثله ،،، لا رحمة ولا شفقة  له مهما حاول من إبداء المعاذير وطلب الرحمة والشفقة عندما يتهاوى ويسقط ؟؟؟
تم دفن الوالدة فى موكب مهيب والجميع من العائلة والجيران يترحمون عليها ويدعون لها بالرحمة حيث كانت إنسانة فاضلة تحب وتخدم الجميع وتدعوا دائماً للتآلف والاحترام وبالاخص مع الجيران ،،، واستمر العزاء واثناء الاسبوع الاول من وفاة الوالدة اختلست بعض الوقت بعد العصر  وذهبت فى زيارة الى المكتب الرئيسى الادارة القريب من مكان العزاء ،،،  لأرى ماذا حدث  بأم العين بعد غيابى عنهم اسبوعا ،،؟؟
وكنت مرهقا متعبا  من الفقد وموت الوالدة  وعدم النوم الكافى وكثرة المعزين الذين لايرحمون ياتون بدون مواعيد ليلا نهارا يريدون تعزيتى شخصيا حتى يثبتون انهم حضروا المعزى مما شكل لى تعبا وإرهاقا غير محسوب حيث مضطرا طوال الوقت بان اكون موجودا جاهزا لقبول التعازى والمجاملة الفارغة لهؤلاء المعزين محافظا على العادات المحلية حتى لا تلوكونى الالسن بسلاطة اللسان ،،،اننى متكبر ومتعجرف ولا اقوم بالواجب ؟؟؟ 
اوقفت سبارتى المرسيدس فى الفناء امام باب المكتب الرئيسى وصعدت السلالم الى الدور الاول حيث مكتبى الخاص ،،، ووقف البعض من الموظفين من حضورى الغير متوقع ،،، وقاموا بالنهوض والتحية والتعزية ،،، احتراما وتقديرا  ولاحظت آخرين فى عيونهم الشماته غير مرحبين بحضورى وانما يجاملون غصبا عنهم ،،، ولم اهتم فهذه حالة الدنيا المستمرة الى ماشاء الله عز وجل مابين مادح وقادح وتاسفت من اعماق القلب ،،، لماذا هؤلاء الأغبياء يعاملوننى بجفاء وانا الذى عينتهم يوما من الايام  موظفين او عاملين بالمؤسسة ،،،
دخلت للمكتب وجلست على الكرسى الدوار متطلعا بذهول ودهشة عن التغيير الكبير الذى حدث خلال اسبوع فقط من الغياب والزحف والتأميم ،،، حيث صورتى الشخصية الكبيرة وصور الآيات القرانية المعلقة   أزيلت من على الجدار وجميع الملفات فى الدواليب والكتب فى الارفف الزجاجية   أخذت الى مكان اخر ،،، بحيث المكتب عاريا من اى بهجة وليس مثل السابق ،،، ووجدت رسالة معنونة باسمى وفتحتها باصابع مرتعشة وكانت فحواها انه تم تعينى فى المؤسسة كمستشار براتب مغرى فى ذاك الوقت ،، حيث لا يستطيعون إدارة دفة السفينة ويريدون الاستعانة بى لمرحلة وبعدها سوف يستغنون عن الخدمات ،،، 
ووافقت لا اريد ان اعادى الادارة الجديدة وقررت ان أتحمل العذاب والهوان لفترة بسيطة حتى اضمن وارتب كثيرا من الامور فى نصابها ،، واهمها التصديق والختم على قوائم المعدات والحسابات لأننى سوف احتاج لها يوما ما عندما اطالب الدولة بالمستحقات المؤممة  ،،، وتناولت الموضوع بمهارة مع رئيس اللجنة الشعبية السيد " ع م " الذى عينته بالسابق كمسؤول فى الشركة عن الادارة ،،، وكان  دقيقا وروتينيا فى العمل كل شئ محسوب وبالمراسلات كتابة وتواقيع ،،، وبالنسبة لى الله عز وجل يسامحه فقد كان صادقا فى معاملاته معى ،،،
رجع الخيال بى للوراء بعض الوقت وانا لا شعوريا ادور بالكرسى ببطء ،،، الى يوم تعينه بشركة المدائن للمقاولات المساهمة ،، حيث طلب منى اخوه النقيب فى الجيش وقتها  والذى كان من رجال الانقلاب الاسود " الثورة " وبعد مدة تدرج فى الرتب حتى وصل الى رتبة لواء " ا م " ،،، ان اوظفه معى حيث لديه مشاكل مع الشركة التى يعمل بها " الاعمال المدنية " وقبلت لانه صديقى فقد سبق وكنا طلبة ندرس بفصل واحد فى المدرسة  الثانوية فى نهاية  الخمسينات ،، مدرسة عزوز الثانوية ،،،
ضغطت زر الجرس طالبا على فنجان قهوة وتاخر حوالى النصف ساعة حتى  وصل النادل ووضعه أمامى بتآفف حيث لا يريد ان يخدمنى ولكنه غصبا عنه ضرورة من تلبية الامر ،،،وضحكت فى السر من داخل النفس والقلب ،،، كيف الحال تغير بدلا من ان اكون سيدا فى المؤسسة اصبح أجيرا مع الموظفين والعمال  ،،، أليست بامر مؤلم ومهانة ،،، ان اصبح فى هذه الحالة المؤسفة المخزية  حيث لا دخل لى ولم تكن قصورا من عندى وافلاس ولكن قوة قاهرة اكبر من مستوايا هى التى فرضت على الزحف والتأميم بالقهر والقوة " ياخذ منهم الله عز وجل الحق يوما من  الايام  " 
المهم قضيت بعض الوقت وهبطت الدرج وانا مهموم مغموم وخطوت عدة خطوات الى السيارة ووضعت المفتاح فى القفل لافتح الباب ،،، وفجأة ظهر من حيث لا أدرى حرسا من اللجان الثورية وقال بصوت امر هات مفتاح السيارة ؟؟ وقلت له لا حيث هذه سيارتى الخاصة ،،، وقال لا انها للشركة التى تم التاميم لها ؟؟؟ وقلت المؤسسة ملكى وليس لدى شركاء ؟؟ والسيارة ملكى ولن اسلم المفتاح ،،، وفجأة فتح السترة العسكرية التى كان يرتديها بسرعة  واخرج بندقية كلاشينكوف مطوية وفتح " الأخمص "  ووضع الفوهة مواجهة لبطنى محذرا  وقال لا تجعل اليوم اسود عليك وعلى ،، وسحب الأقسام ،، كآخر تحذير ،، وتطلعت للرجل  ووجدته أهبل لا يفهم يشتعل غضبا منى حيث لديه حقد على الأثرياء والملاك ،،
وتأكدت انه فى شخص او أشخاص آخرون دفعوه لهذا التصرف الأحمق كاهانة شخصية لى ،، وفكرت فى جزء من اللحظة والهمنى الله تعالى حسن البصيرة والعقل بان لا اوقاومه حيث لى فترة اسبوع وانا منهك من العزاء وقلة النوم ،، وممكن من المقاومة والعراك واصبعه على الزناد ان تنطلق الرصاصات وتصورنا فى مقتل او آخرين بالشارع ،،
ورفعت يدى بالمفتاح وقلت له تفضل خذه ؟؟ ليس خوفا ولا قلة شجاعة ولكن قمة الشجاعة الأدبية بحيث حكمت العقل والضمير ولم اترك أهبل يتحدانى وأضيع مقابل سيارة ،، وخطف المفتاح من يدى بسرعة  وتركنى أسير وتراجع للخلف وهو يبتسم منتصرا مزهوا بالنصر والنجاح وانه هزمنى ووضع البندقية تحت السترة وكان شيئا لم يحدث ؟؟
هذه الحادثة الصعبة المؤلمة بالنسبة لى استغرقت دقائق بسيطة ،،، ولكن بالنسبة لى كانها اسابيع وشهور عديدة ،،، عن كيف الانسان الحر الشريف يهان فى وطنه من عوام اراذل لا يفقهون  شيئا غير تلبية الأوامر والطاعة للمجنون القذافى وأعوان الشر والشرور عن طيب خاطر ويعتقدون انهم على الطريق السوى الصحيح ،، أليس بجهل وامر مؤسف ومأساة ؟؟؟
رجعت ماشيا على الأقدام الى بيت العزاء فى نفس الشارع والذى يبعد من بناية المكتب حوالى الميل طولا ،، وبالمنتصف شاهدت العمارات على الجانبين تتمايل ،، 
والواقع المرير ليست العمارات  التى تهتز وتتمايل ولكن انا الذى اتمايل من الصدمة ،،، وفجأة احد الأصدقاء السيد " م ج "  رحمه الله تعالى خبط بقوة على الكتف وانا اكاد اسقط من السير وقال ياحاج وحد الله تعالى ،، حيث رزق الدنيا فأنى ،، وانت الذى عملت هذا الرزق بامر الله تعالى وبعرق الجبين وبالحلال ،، مما رجعت الى صوت الحق والضمير  وشددت قواى وتمالكت رباطة الجاش والنفس  وقلت الحمد لله تعالى  على ما اعطى ووهب من خير او ضيق واوقات صعبة ،،، ولولا الخبطة القوية لكنت دخلت فى عالم اخر وأضيع دنيا وآخرة ،،،  
 ووصلت الى بيت العزاء وكان بالإمكان إرسال بعض الشباب لضرب ألجانى وتاديبه وأعطاؤه درسا قويا بان لا يتطاول على اسياده ،،، ولكن رفضت الفكرة بتاتا حيث العنف يولد العنف ولن يتوقف العراك والمناوشات حيث هذا التخطيط الذى يسعى له المجنون القذافى بان يتناوش الجميع من ابناء الشعب ويصبحون اعداء ليحققوا له الهدف الرئيسى  ويصبح هو المتفرج الوحيد على ما يحدث من متاهات ومهاترات حتى يستمر حكمه الى ماشاء الله عز وجل ،،،

                                                رجب المبروك زعطوط 

البقية فى الحلقات القادمة ،،،  


شاهد على العصر 50


بسم الله الرحمن الرحيم 

شاهد على العصر
 50
 


النصيحة الثالثة كانت من السيد فيكتور جبيلى من لبنان حيث معرفتى به قصة طويلة ،،، احببت ان اذكرها بالتفصيل للقارئ حتى يعرف مدى الأخوة والمحبة والتقدير لهذا الرجل " رحمه الله تعالى "  ،، فانا اعتبره أستاذا لى فى معرفة كثير من الامور التجارية عن طريق الحديث والسماع منه اثناء الأحاديث الشيقة فى الاجتماعات واللقاءات والمآدب وفى السفر والتنقل  حيث مارس الحياة السهلة الحلوة والصعبة القاسية  ولديه الكثير من التجارب والخبرات وكان فى فترة من الزمن استمرت اكثر من عقد مابين عام 1968 م وعام 1978 م يتردد دائماً على فى زيارات الى المكتب فى مدينة درنة ليبيا او نتقابل فى طرابلس ليبيا حيث لدى مكتب تجارى هناك وشراكة مع السيد نصوح وسعيد شحادة  الأخوة المقيمون فى طرابلس ،،،  او بيروت لبنان حيث كان مديرا للتصدير فى شركة ابناء شحادة للتجارة ،،
وكانت تربطنى به معزة خاصة واحترام وتقدير متبادل ،،،  مع الفارق الكبير فى السن حيث اكبر منى سنا بحوالى خمسة وعشرون سنة على اقل تقدير ،،،وسبب المعرفة انه يوما فى منتصف سنة النكسة عام 1967 م حضر الى ميناء درنة حوالى الضحى يسال عنى ليعرض على بعض المواد لشرائها وكنت يومها مستعجل للذهاب الى البيضاء حيث لدى مواعيد عمل لا استطيع التأخر عنها ،،، 
وقابلت الرجل بكل بشاشة وكان فى الستينات من العمر وأراد ان يتحدث فى العمل وقلت له انا أسف فى الوقت الحاضر ،، لا استطيع لأننى مرتبط فى مواعيد عمل ،، ولكن اذا احببت وانتظرتنى الى  الساعة السادسة مساءا سوف انتظرك فى المكتب حيث لدى الوقت للحديث بمهل بدل العجلة مما وافق ،،، انه سوف ياتى ،،،
تعطلت فى الرجوع من البيضاء  ووصلت متأخرا حوالى الربع ساعة عن الموعد ،،، ودخلت للمكتب مسرعا وشاهدته خارجا غاضبا من المكتب حيث لم يستقبله مدير المكتب السيد " م ب "  كما يجب وسلمت عليه وتاسفت عن التأخير وادخلته لمكتبى الخاص وطلبت له على مشروب بارد وقهوة ليرتاح وطيبت خاطره ،،، وعرفت سبب الغضب ان مدير المكتب تصرف معه بشذوذ وعدم اهتمام مما غضب وخرج ،،،
وبعد حديث طويل وعروض اشتريت منه كمية بسيطة من الأسمنت الابيض 200 طن حيث لبنان كانت مشهورة بصناعة الأسمنت الابيضً حيث لديها مصنع كبير للإنتاج ولا يوجد حول البحر الابيض المتوسط وقتها الا عدة مصانع فى ايطاليا وفرنسا وإسبانيا فقط مع لبنان ،، وغيرت مكان إقامته من الفندق الشعبى " العمامى "  امام البريد القديم الى الجناح الفخم رقم 12   المؤجر طوال السنة خاصتى بالضيوف الكبار فى الفندق الجبل الاخضر ودعوته لتناول طعام  العشاء فى المطعم بالفندق حيث تحت إدارة ايطالية والطباخ جيد  يقدم فى احسن الوجبات طوال الوقت ،،، وطلب استعانتى فى الحصول على عربة اجرة لتوصيله بالصباح الباكر الى بنغازى مما رتبت له عربة خاصة ودفعت ثمن الاجرة  ،،، مما فرح كثيرا على العناية والاهتمام الكبير ،،،
بعد بعض الوقت  قمت بزيارة الى بيروت لبنان لاول مرة ازورها وتطا اقدامى لها مع الرفيق عوض شنيب رحمه الله تعالى حيث وصلنا حوالى الثانية صباحا مع الفجر ،، وأقمنا بعد جهد جهيد فى فندق نابولى بالحمراء حيث معظم الفنادق محجوزة لانه موسم الصيف والجميع يرغبون فى الاصطياف فى لبنان بالجبل حيث الهواء عليل والطقس رائع جميل والسمو والحضارة والتعايش لجميع الأعراق فى ود واحترام  ضمن الاخلاق العالية وقتها ،،،حياك الله تعالى بالبنان ؟؟؟   
، واليوم الثانى حوالى الظهر اتصلت به وحدث التباس فى الاسم حيث بطاقة الشركة باسم نعيم شحادة المالك وكنت اعتقد انه اسمه ولكن تداركت الامر عندما سمعت صوته من الطرف الاخر عن طريق البدالة ،،، ووصل الى الفندق مع مالكى الشركة الأخوة السيد محمود واخوه ماجد ،،، ودعوة على الغذاء فى مطعم يلديزلار الفخم فى الروشة امام صخرة الانتحار ،،، واحاديث كثيرة ومنذ ذاك اليوم بدات العلاقة التجارية والشخصية تزداد قوة ومتانه  ،،،
وأتذكر فى احد الايام عندما كان فى زيارة عمل بدرنة ،،،  نصحنى نصيحة غالية بان احتاط حيث مر بتجربة التاميم فى الاسكندرية بمصر ايام حكم  الرئيس عبدالناصر وكيف ضاع كل التعب والجهد وعرق الجبين لسنيين بسهولة نظير شطحات عسكريين مجانين يعتقدون انهم بعملهم المشين ينهضون بالوطن والمواطنين ،،، والواقع المرير يعملون ضد الدين ،،،  ضد الارادة الالاهية فلا يستطيعون العدل والمساواة وجعل الجميع سواسية حيث الرب الخالق وزع الارزاق بقدر محسوب وخلق الاغنياء والفقراء ،،،
فالخير لا يدوم الى الأبد وطالما العسكر بالسلطة لن تنجح الدولة حيث عقلياتهم صعبة يعتقدون فى انفسهم انهم العارفون والفاهمون بكل شئ والواقع المرير لا شئ ،،، ولم أخذ بالنصيحة والشورى حيث وقتها لا يصدق اى انسان ومواطن ليبى  ان ماسى كبيرة وأحداث دموية رهيبة والدم الليبى للاحرار سوف يسفك ببساطة من اياد ليبية حاسدة حاقدة ،،، واوامر صارمة  من القذافى المخبول التافه ،،،،.بالاغتيالات بالخارج والداخل ،،، لضمان حكمه فى المستقبل  حسب مايمليه عليه عقله المريض  ومستشاروه الأشرار الذين لا يهمهم الوطن ولا المواطن طالما هم احياء يرفلون فى العز والجاه ،،، 
المشكلة الرهيبة اننا بالسابق كنا نعيش الحلم والوهم وان ليبيا واسعة وقليلة العدد وثروات كبيرة ونسينا الأجندات الخارجية والقوى الخفية العالمية التى تدعم فى افراد معينيين للوصول لراس السلطة والبقاء للحفاظ على مراكز النفوذ حتى لا يستولى عليها الآخرون والبقاء لخدمة الاخرين حيث ليبيا بها ثروات رهيبة ومواد خام لآلاف السنيين وموقع استراتيجى وبوابة افريقيا للدول المغلقة مع اوروبا ،،، لكل من يريد ان يتحكم ويستغل العبور والتجارة من افريقيا الى موانى اوروبا  وبالعكس ،،،
القذافى المريض ،،، خطط للخطوة الاخرى الشاذة وهو الزحف والتأميم الكامل للتجار والملاك والمقاولين ورجال الاعمال دفعة واحدة وبدا المخطط الجهنمى  بان على الجميع من شركات مقاولات فردية  قزمية ان تتحد مع بعض فى شركات قوية جماعية ،،، وللأسف بلعنا الطعم ولم نفكر تفكيرا جادا لماذا هذا الامر ؟؟؟  وماهى أبعاده  الخيرة او الشريرة وفكرنا فيها من جانب واحد الخير وللمصلحة العامة ،،، ولم نتطرق للوجه الشرير حيث نوايانا طيبة وتوجهاتنا خيرة لنا حب وولاء للوطن ،،،
وجمعت جميع شركائى بدون استثناء لاحد  وبعد مداولات عديدة جانبية  ولقاءات كثيرة فى مدينة درنة وصلنا الى صيغ مهمة وظهرت للنور " شركة المدائن للمقاولات المساهمة  " حسب القانون الذى صدر ،،، حيث فرض علينا بالاكراه ،،،، لا مشاريع توقع للشركات القزمية من قبل الدولة ،،،  الا للعامة وشركات المساهمة مما اضطررنا للعمل الجماعى غصبا عنا ،،، 
وذابت المؤسسة وسطها وتنازلت بكل رضى نفس عن الجهد والتعب  والاليات والمعدات التى تقدر بالملايين وقتها ،،، حتى اؤلف شركة كبيرة مساهمة  نستطيع بها مواجهة الكثيرين من العمالقة والشركات العالمية للبناء والتشييد حيث لدينا الرجال المهرة فى الادارة والخبرات وكثرة الاليات والمعدات وقوة الراسمال وامورا كثيرة من علاقات جيدة بالداخل والخارج مع رجال الاعمال والشركات ،،،، تضمن لنا النجاح ،،، 
واصبحت على راس الهرم المدير العام ورئيس مجلس الادارة لشركة كبيرة تضم رجالا يعتمد عليهم فى العمل والأوقات الحرجة والصعبة ،،،  بدون قبض ولا تعويض لاموالى بل تسجيل ارقام  قيودا دفترية بالحسابات انه لصالحى قرضا كذا كذا ؟؟؟ يوما سوف أقبضها وبدلا من ان اكون القائد بلا منازع أقرر متى اريد وارغب ؟؟؟ أعطى واهب لاى مواطن موادا او استعارة يد عاملة لانهى له بعض اعماله الخاصة ،،، اصبحت مقيدا من  شركاء كثيرين مساهمين احتاج الى الشرح والموافقة ،،،فى بعض الحالات حتى لا أوصم باننى ديكتاتور مستبد فى الآراء ،، غير مرن ولا قابل للنصح ،،، 
ومع جميع هذه المضايقات والعراقيل والصعاب التى لم اكن متعودا عليها فى الادارة بالسابق عندما كنت المالك الوحيد  بدون شركاء ،،،   لم اتوانى عن العمل بصدق وأمانة لمصلحة الجميع ،،، لاننى عارف ومؤمن عن يقين ان البقاء والربح الكبير فى التآلف والوحدة وان يد الله عز وجل مع الجماعة الصادقة ،، وبالتالى لم اقصر الى النهاية ،،،،
سارت الامور على الخير وكل يوم مزيدا من النجاح ومررنا بهدوء غير عادى حيث الاعمال بكثرة وقدمت الى مشروع رصف طريق من قرية ام الرزم الى راس التين ورسى المشروع على شركة المدائن وكانت فاتحة الخير ،،، واثناء التجهيز لاستلام الموقع والبدا فى التنفيذ حلت المصائب ،،، وخطب العقيد الأهوج خطاب زوارة المشهور بالنقاط الخمس واعلن ثورة داخل الانقلاب الاسود " الثورة  " ومسح جميع القوانين بخطبة مرتجلة وبجرة قلم واعلن طالبا من الرعاع والعوام من اللجان الثورية بان يزحفوا على الملاك والتجار ورجال الاعمال والمقاولين بدون اى استثناء لاحد ،،، ونهب وسرقة الأرزاق والأملاك والثروات فى وضح النهار ،،،
وهجم العاملون باحقاد وحسد على أرباب الاعمال وحدثت أحداثا سخيفة مؤلمة للكثيرين وسقط اللبعض موتى ومرضى نتيجة الصدمة التى لا تصدق فى الوطن ليبيا ،، وكان عندى العلم انه سوف تحدث مصائب اسبوعا قبل الحدث وقررت التصفية  والبيع لبعض الآلات ولكن للأسف تحصلت على عروض تافهة واسعارا رخيصة مما قررت عدم البيع ،،، 
قبل التاميم والزحف بيوم سرت الإشاعات فى المدينة وكنت يومها فى زيارة لبيت الوالدة واختى الأرملة التى تعيش معها ،، وتغذيت فى البيت وخرجت الى المكتب الرئيسى حيث طلبت من المحاسبين ان يأتوا لمراجعة وتدقيق الحسابات وشطب ديون كثيرة لصالحى لدى الغير والاقارب حتى لا يطالبونهم بعد التاميم يوما من الايام من دفتر الاستاذ العام ،،،
وكنت جالسا على المكتب منكبا على الدفاتر اراجع والسيجارة تلو الاخرى مشتعلة وحولى المحاسبون ومدير المكتب واقفون كحلقة على وانا أطالع واوقع على التى أريدها ان تحول الى دفتر اخر خاص بى انقله معى للبيت وفجأة دخلت زوجتى للمكتب وهى منزعجة وقالت الحق تعال بسرعة للبيت واول خاطرة خطرت بالبالونات  ان احد الأولاد الصغار أصيب بحادث حيث يجرون من بيت الوالدة للشارع بدون ان يعرفون والشارع مزدحم بالمرور والجميع يجرون من غير تحديد للسرعة ،،، وكانت اول مرة تدخل للمكتب فليس من عادتها القدوم والدخول وبالاخص انا مشغول ؟؟ وقلت لها بلهفة ماذا حدث ؟؟؟
وقالت الحق الوالدة مريضة ولم اتركها تكمل العبارة وتركت السيجارة بالطفاية مشتعلة واستأذنت من الجميع وقلت لهم تابعوا العمل وسوف ارجع بعد قليل ولم اعرف وقتها اننى لا ارجع الا بعد اسبوع ،،،
ذهبت قلقا الى بيت الوالدة حيث وجدتها ممدة بسريرها فى لحظاتها الاخيرة تودع ،،، وتحسست اصبع رجلها الشمال وكان باردا جداً وكانه فى ثلاجة " فريز " ولاحظت الانتفاخ فى البطن وعرفت انها النهاية وعبارة عن وقت ،،، وطلبت منا انها تريد الراحة ولا تريد اى دكتور لعلاجها وذلك كسوفا حتى لا يكشف عليها اى احد  حيث تعيش ضمن العادات القديمة الجميلة وليس مثل معظم سيدات وفتيات اليوم لا يعرفن الكسوف ولا الحشم ،،،
ولم ارتاح وبعثت على إحضار طبيب مصرى حيث جاء وكشف عليها وهى تمانع وأعطاها حقنة لترتاح ،،، ولزيادة التاكد احضرت الطبيب رئيس الاطباء بمستشفى الوحدة الدكتور سالم ساسى وقتها والذى كان مشهورا فى منطقتنا ونفس القصة كشف عليها وامر ببعض الدواء وأنها بحاجة للراحة ،، 
وطلبت من زوجتى بصوت عالى ان تخابر بالهاتف اختى المقيمة بطبرق ال بن خيال وان تقول لها بان تأتى بأسرع وقت لتشاهد الام ،، وان تبعث لاخوتى حتى يحضرون ويشاهدون الوالدة ،، وجاء أخوتى الحاج صالح وبعده الحاج حسن حيث تم الوداع لها ،، وادخلت السيدات الواحدة وراء الاخرى من العائلة والجارات حيث ودعتهم وطلبت السماح من الجميع وحضرن أخواتى وبدأت الام فى توزيع أقراطها واسورتها الذهبية على أخواتى وبنات العائلة وهى مسرورة وراضية وكانت من قبل غير مستعدة لاعطاء وتوزيع ذهبها تحت اى ظرف كان ؟؟؟
كانت تتحدث معنا وهى مسرورة راضية فرحة  وكانها تشاهد فى ملائكة محيطون بها نحن لا نعرف اى شئ عنها ،، وبدا الجيران يتوافدون ويجلسون فى الصالون مع أخوتى الحجاج  يتساءلون عن اخبار الوالدة وكيف حالها وهم متاسفون على مرضها يدعون الله عز وجل ان يعطيها الصحة والعافية وتنهض من مرضها ،،،
والساعة العاشرة ليلا توقف قلبها وتوفيت راضية مرضية " رحمها الله عز وجل " بعد ان وهبتنى ودعت لى  الدعاء الصالح عشرات المرات وطلبت منى العناية بالإخوات ووعدتها اننى سوف اعمل المستحيل على خدمتهن ورعايتهن طالما به عرق حياة ينبض ،،،
وضعت شمع أوقدته بجانب السريرًمن الجانبين وقرات على روحها سورة الفاتحة واخرجت الجميع من الغرفة حيث كانوا يبكون ومنعت الصريخ والعياط وطلبت من جميع السيدات ان يطلبن لها الرحمة وان لا يصرخن وأى واحدة تريد مخالفة الامر فلتذهب الى بيتها وتصرخ كما تشاء حيث لا اريد محاربة الرب تعالى بالصراخ وتطبيق امور الجاهلية الاولى ،،،  حيث الموت حق واحد اسماء الله الحسنى الحق ،،

                                                رجب المبروك زعطوط 


البقية فى الحلقات القادمة …

شاهد على العصر 49



بسم الله الرحمن الرحيم 

شاهد على العصر 
49



تلك الايام فى اواخر السبعينات كانت العهد الذهبى للتجار ورجال الاعمال فى ليبيا حيث المصارف مفتوحة أبوابها على مصراعيها وأى انسان يستطيع الحصول على قروض كبيرة بسرعة والتحويل للخارج سهل ،،،  وفتح الاعتمادات للتجار فى نفس اليوم يتم الاعتماد لها وتحويلها بالأرقام السرية للخارج بسهولة ،،، والموانى على طول ليبيا مرصوصة بالسفن المحملة بالبضائع من كل مكان من العالم ،،، والبعض يحتاج الى مدد طويلة فى الانتظار حتى يتم الرصف بالموانى ومناولة البضائع  والتفريغ ،،، فقد كانت ليبيا ورشة اعمال تدار على جميع المستويات ،،،  والبناء والتشييد فى كل مكان ،،، ولكن  ضرورى من النهاية ،، فدوام الحال محال ،،، لا  يدوم له نهاية ،، 
فقد كان الشرير يخطط وترك الشعب يعمل من اجل الربح ،،، غير مهتم بماذا يدور من سياسة وعبث من المجنون حيث يزرع فى رجاله وحواشيه فى اوساط نسيج الشعب الساذج الغير عارف باللعبة السياسية القذرة والمؤامرات القذره التى كانت تحاك فى الخفاء من غير ان يدرى ؟؟؟ فقد كان يجرب خطوة بخطوة ويصدر فى بعض القرارات الخاطئة ليعرف هل من مهتم حتى يرفض ويتحدى ويرفع صوته ولكن الشعب يعيش فى الوهم وسلبى غير مهتم ،،،
وعرف المجنون سر اللعبة عن طريق التجارب الشريرة ومستشارى الشر والشرورً ،،،ان الشعب يريد الحصول على المال السهل من مهايا ومرتبات ،،، ووضع مكيدة للملاك وأعطى الأوامر للمصارف بإعطاء قروض ضخمة بحجة التطوير العمرانى لكل من يريد ان يبنى عمارة ومساكن للإيجار ،،، وهرع الجميع  لعمل الخرائط وكثر العمل لدى قطاع المهندسين من تحديد القطع ورسم اللوحات  للعمارات والشقق بطرق اكثرها عقيمة من غير اى  ذوق جمالى المهم بسرعة لتقديمها للمصارف  للاستدانة  قبل ان يغلقون أبوابهم ويمتنعون عن التسليف ،،، وتم التوزيع لملايين الدينارات لابناء الشعب بدون أسئلة كثيرة بل عبارة عن رهن عقارى وخريطة للمبنى المقترح مما يتم القبول على الطلب بدون ممانعة كبيرة ،،، ويضعون المبلغ فى الحساب بسرعة على دفعات حتى يتم البناء والتشييد ،،،
مما فى فترة بسيطة اصبحت ليبيا ورشة عمل بناء وتشييد وكثر الاستيراد لمواد البناء وغصت الموانئ بكثرة السفن القادمة المحملة بمواد البناء وجاء مئات الآلاف من الفنيين والعمال من جميع أنحاء العالم للعمل والبناء وخلال فترة بسيطة  لا تتعدى العامين ظهرت طفرة عمرانية كبيرة وتوفرت المساكن للمحتاجين والفقراء بسرعة وعمل الجميع بكل الجهد والقوة ،،، وعندما تمت الصورة وانتهى عقيدنا المعقد من وضع خططه الخبيثة وثبت أعوانه بطرق شيطانية فى جميع مفاصل الدولة وبالاماكن الحساسة ،، ودس عيونه وجواسيسه ،،،
اشاع انه ضرورى من السداد للقروض وكشرت المصارف عن أنيابها وطالبت المدينين بأموالها ،،، وأقفلت باب التسليف للمبالغ الكبيرة كخطوة اولى  ،،،  وتم التاميم والسداد للقروض وتم الحساب باسعار مغرية مما تنازل الجميع عن طواعية عن املاكهم بسرعة حيث الأرقام عالية وقتها اكثر من معدلات السوق بحيث استفاد جميع الملاك المستفيدون من قانون التطوير العمرانى  وعملوا مبالغ وارباحا خيالية ،،،وتم تسديد القروض بالكامل وقبضوا مبالغ اخرى مما استراح الجميع ولم يفطنوا للعبة ولم يرفض اى احد بيع ملكه ويثور ويتحدى السلطة  مما عرف السر وان الجميع ماديون ،،،
نصحنى البعض من الأصدقاء الأجانب الذين كانوا يعملون معى وقتها او رجال اعمال  يترددون بين الفينة واخرى على لبعض الاعمال ،،، وكنا نتداول فى الحديث وكانوا يقولون فى حكم ونصائح ولكن كنا وقتها لا نريد ان نسمع ،،، حيث الجميع مستفيد بطريقة ام اخرى ،،، كل شئ موجود وجميع التسهيلات والخطابات الرنانة من عقيدنا المغرور وهو لابسا البدلة العسكرية ومزين جميع الصدر بالنياشين ،،، يخطب ويتوعد ونحن فى غينا لا نسمع بل نضحك على المخبول ونقول لن يستطيع العمل والوطن فيه رجال صعبى المراس  وقبائل  وشرائح بلا عدد ولن يستطيع الفرض حيث الوطن به عشرات القبائل والشرائح  له قانون عرفى لا يستطيع ان يتحدى ويضرب بالجميع عرض الحائط والا سوف يثور الشعب ؟؟؟ 
اول نصيحة كانت من موظف يعمل لدى فى مكتب طرابلس اسمه السيد " نديم فرنسيس " من بيروت لبنان ،،، حيث يوما كنا بميدان الشهداء فى طرابلس الغرب وشاهدنا مظاهرة كبيرة الحجم آتية بعرض شارع عمر المختار بها عشرات المئات ؟؟ قادمة للميدان وفى مقدمتها الشباب الثورى وهم يهتفون بقوة  بملئ الحناجر على الميكروفونات فى عبارات تافهة صاخبة  " فليسقط العدل والقانون " ولو لم اسمع باذانى واشاهد بعيونى المشاهد على الطبيعة كنت لا اصدق لو عرضت فى افلام مما سوف يلحقنى الشك وأقول ان الامر مصطنع بعض إيادى الخبث والشر  لعبت به ،، ودبلجة  الصور والموضوع  اعمال خداع ،،،،
هذه المظاهرة الضخمة بعد خطاب مدينة زوارة مباشرة  الذى اسقط فيه جميع القوانين حتى يستفرد بالقرار لوحده فقط ،،، والشعب الجاهل الساذج بلع الطعم وصفق للمعلم المجنون ،،، كانت مدبرة مسبقة مع اعوانه المجرمين بعد الخطاب مباشرة تظهر تؤيد المخبول مما الكثيرون يعتقدون ان المظاهرة الصاخبة جاءت عفوية نظير فهم ابناء الشعب للخطاب ونسوا وتناسوا ان كل شئ مرتب مسبقا وبالتالى تمثيلية محبوكة من أساطين وأساتذة الشر،،،
رجعنا الى المكتب وتحدثنا كثيرا وكان متاسفا على الوضع الذى يحدث  فى ليبيا الطاهرة الناشئة ،،،،  وقال ياحاج اسمع هذه النصيحة لو كنت مكانك لصفيت الامور وبعت كل شئ ،،، او رهنت الى المصارف جميع الأملاك حيث الدولار رخيص الان ،،،   وحولت جميع  أموالى للخارج واستثمرتها فى عقارات ،،،  لان الذى يحدث الان عبارة عن فوضى كبيرة وسوف تتغير الأحوال الى مصائب كثيرة فى المستقبل القريب ،،،  حيث لدى وساوس فقد مررت بهذه الحالة فى مصر ايام ثورة وفورة الرئيس عبدالناصر والتأميم للملاك والاستيلاء على الأراضى بمقولات تافهة ،،، ولى سابق تجربة  فهذه عقلية العسكر عقلية  شرسة غير طبيعية ينظرون باستعلاء للمدنيين انهم درجة متدنية ثانية ،،،  يعتقدون فى انفسهم انهم العارفون لكل الامور والسادة  !!! والكثيرون منهم صعاليك وحثالات المجتمع لا يعرفون كيف يسيرون امور دولة وشعب يريد السمو والتقدم  فقد تعودوا على اصدار الأوامر لمن اقل منهم رتبه وتلقى الأوامر من الذين اعلى منهم مرتبه بدون نقاش فى الامر ،،،
ولم اسمع نصيحة الرجل لأننى كنت أعيش فى وهم كبير وخيال لا استطيع ان اصدق ان ليبيا سوف يحدث بها زحف وتأميم حيث نحن شعب قليل العدد واراض واسعة وطقس مناسب معتدل وحبانا الله عز وجل بثروات طبيعية الكثير منها مازال فى باطن الارض لم يكتشف بعد ؟؟؟ 
نعيش فى بيئة قبلية وعشائر وشرائح ،،، العرف هو السائد ،،، والقانون فى المدن الكبيرة كان  سابقا والان اسقط والتغى عن قصد  وعمد ،، وكان اعتقادى وقتها انه لا شئ سوف يحدث مستقبلا من التعنت ،،حيث جميع الحسابات تقول لا لا ولكن فى ليبيا الوطن الجماهيرية الاولى والأخيرة كل شئ جائز ممكن حدوثه حيث لا معايير ولا موازين ولا أسس وأساسات ..
كنت أعيش الوهم وفى هذه الأحلام الوردية كنت افكر واقنع فى النفس والواقع المرير عندما حل كان شيئا اخر ،،، ووجدت الجميع يرتعدون وقلت للنفس أتساءل كم كنت سابقا متفائل ،، هل وصل بى الحال ان اصبح غبى ولا اعرف الحال وماذا سوف يحدث ونحن لدينا الأمثال الكثيرة وتجارب المسننين وخبرات الأوائل ويضحك علينا صعلوك حقير أليست بمأساة ؟؟؟
والنصيحة الثانية كانت من احد اليونانيين اللذين الان نسيت الاسم ،،، وعلى ما اعتقد اسمه الاول " خريستو " حيث كان لدى مجموعة من الفنيين اليونانيين  يعملون فى مشروع الفتائح كمقاولين من الباطن لتنفيذ مشروع طرق بيوت المزارع ،،،
وكان  السيد خريستو هو الترجمان مع المجموعة الذين معظمهم لا يتكلمون اللغة الانجليزية حتى نتفاهم معهم وهو يتكلم اللغة العربية بطلاقة جيدة حيث ولد فى الاسكندرية مصر واقام معظم شبابه هناك ،،، وكان يتردد على المكتب فى كثير من الحالات فى امور تخص المجموعة اليونانية من اعمال إقامات والتامين الاجتماعى وطريقة العمل والتفاهم مع المهندسين المشرفين من طرفى ومن الدولة جهاز التنمية الزراعية   ،،،
واحد الايام بالصيف فى شهر يوليو القائظ  رجعت متاخرا الى البيت لتناول وجبة الغذاء حوالى الساعة الثالثة ،،،  وكانت سيارته واقفة فى الظل فى الساحة امام المكتب وهو مستغرق فى النوم داخلها ينتظر فى فتح المكتب الذى يفتح ابوابه الساعة الرابعة مساءا الى الساعة الثامنة ،،
وكنت وقتها اعيش فى بناية امتلكها واستعمل فى الدور الاول وألثانى كمكتب وإدارة للمؤسسة ،،، والثالث والرابع واستراحة بأعلى " روف "  للسكن ،،،  وعندما اوقفت السيارة فى الموقف امام العمارة شاهدت سيارته وهو نائم بها ،، وطرقت على الزجاج لأعرف ما الموضوع من الانتظارً ،، ونهض من نوم القيلولة بسرعة وقال انه ينتظر فى المكتب حتى يفتح ليتم بعض الاعمال ولا يريد ان يذهب الى موقع العمل بالفتائح ويضيع الوقت منه فى الذهاب والرجوع ،،بل يفضل الانتظار ،،،،
وقلت له هل تغذيت وقال لا ،،، وقلت له اذا تفضل معى الى البيت  لتتغذى ،،، حيث الطباخ لديه الامر  بان يكون جاهزا طوال الوقت بالطعام لعدة ضيوف حيث زوارا كثيرون ياتون الى المكتب لقضاء بعض الاعمال ولا استطيع تركهم وقت الغذاء من غير دعوة وبالاخص القادمون من خارج المدينة ،،، او الأجانب رجال الاعمال ،،، 
ودخل الرجل الى الصالون لبعض الوقت حتى غسلت يدى وبعض دقائق مع العائلة  طالبا منهم تجهيز الطعام حيث لدى ضيف وبعدها الى غرفة السفرة وناديت على الضيف بان يغسل يديه فى الحمام القريب وياتى للأكل معى مما فعل ،،، ولا حظت يديه شكلهم رطب وليست يدان فنيا ام عامل قوية ،، 
وسألته ماخطبه وكيف أتى الى درنة ليبيا للعمل ،،، ورد الرجل على بصراحة ،، وقال ياحاج الذى أتى بى للعمل لديك كمترجم الاحتياج للعيش الشريف ولولا الاحتياج لن اعمل فى وظيفة أجير مهما كانت ولكن الظروف القاسية المعيشية فى أثينا باليونان ،،، والحياة الصعبة هى التى أجبرتنى على العمل ،، وحكى لى قصته الغريبة على مهل ونحن نتناول فى وجبة الغذاء وانه عاش حياة مدللة فى مصر حيث ولد بالإسكندرية ووالده من الأغنياء يملك مصانع وفدادين زراعية لكثير من المحاصيل ودرس فى احسن المدارس وتحصل على شهادات عالية ،،
وقام الانقلاب فى مصر سنة 1952 م بقيادة الرئيس نجيب وبعده الرئيسً عبدالناصر الذى أمم كل الشركات وطرد الأجانب من مصر وكان والده من ضمن الضحايا الذى ضاع كل شئ عنده ووصل الى اليونان ولم تستطيع العائلة العيش هناك حيث تعودوا على الحياة الشرقية والخدم والحشم  ،،
وباع والده بقية أملاكه الموجودة فى اليونان وانتقل الى " اديس أبابا الحبشة "  ليبدئ حياته من جديد واشترى كمية كبيرة من الاراضى حوالى  50 الف فدان من الاراضى البور بجانب النهر للاصلاح الزراعى وعمل مستعمرة زراعية على الطرق الحديثة وشغل فيها الاف العمال ،،، واستقر الحال وبدا الانتاج والحياة تصفى وبدا الحال يروق وتجوز فتاة لاحد رجال الاعمال الكبار بالحبشة ،،
ولكن الحياة لاتدوم على نفس المنوال ،،، ويوما قامت الثورة من الجيش بقيادة ضابط اثبتت الايام انه شيوعى  طاغ  "  ميريام "  ضد امبراطور الحبشة " هيلا سيلاسى "  الذى قتل شر قتلة ،،، وقامت المذابح ضد الوجود الأجنبى وبالاخص البيض وكانت عائلتهم احد الضحايا ،،، وتم التاميم مرة اخرى الاولى فى مصر والثانية فى الحبشة ،،،
ويوما من الايام حاصرت فرقة من الجيش المزرعة وبدأت فى القتل لكل من يعترض طريقهم من الجنس الابيض عشوائيا ،،، تشفيا وانتقاما عرقيا بدون أية  دواعى ،،، وكان هو وزوجته يمرون فى جولة بسيارة طاوية ذات دفع رباعى لتفقد بعض المحاصيل بالأرض وسمع اطلاق الرصاص الكثيف وهرب الى مكان نأئى غير معروف ،،، ؟؟؟
وبالليل تسلل الى البيت الرئيسى وكان الجنود قد عاثوا الفساد وفى حالة سكر شديد يغنون ويمرحون ،، وفى احد الغرف الخارجية كان ابوه وامه واخته مشدودون بالوثاق قتلى ،، وتقبل الصدمة القوية ولم يستطيع ان يقوم يدفنهم مما ودعهم وهرب حتى لا يشاهده الحراس السكارى ويقتلونهم بدم بارد وببرود اعصاب انتقاما من وجوده ،،،
وتسلل الى مكان السيارة حيث زوجته فى الانتظار ترتعد ولم ياخذ اى شئ معه وهرب الى الحدود مع السودان ،،، وقضى يومين بالطرق الفرعية الترابية محاولا تجنب مناطق البوابات من الجيش حتى وصل الحدود وعبر الى السودان وكانت نجاته مع زوجته احياءا  من جنود الأحباش معجزة كبيرة ولو قبض عليه لتم هتك عرضه امام عينيه والتمثيل به حتى يموتون من الخوف والفزع  من جنود أجلاف لديهم داخل انفسهم حب الانتقام من اى جنس ابيض ،،،
المهم بالحدود السودانية تم سلبه مرة اخرى وأخذوا منهم كل مايملكون ابتداءا من السيارة الى الى خاتم الزواج الذهبى منهم وتركوهم جوعى بدون أية عناية ،،، وعطف عليهم احد سائقى سيارات النقل الثقيل السودانيين بالصدفة   واوصلهم الى العاصمة الخرطوم فى رحلة مضنية وعذاب وقهر وجوع  استمر عدة ايام   وراسا الى السفارة اليونانية حيث حكى القصة الحزينة ،، واكرمتهم عدة ايام فى احد الفنادق حتى ارتاحوا من الصدمة والتعب وتم إعطاؤهم جوازات سفر جديدة وترحيلهم الى أثينا اليونان ،،، 
استمروا  عدة شهور وهم مرضى من الصدمة ولا يملكون اى شئ فقراء ،،، فقد  قتل والديه واخته وشاهدهم مقيدون على الكراسى موتى من الرصاص ،، ولم يستطيع ان يقوم باجراءات الدفن لهم وهرب خوفا على حياته  ،،، واصبح مع زوجته فى " أثينا " وحيدين بدون اقارب قريبين وعائلة وفقد جميع العائلة والراسمال ،،،
واضطر للعمل فى اى شئ حتى يستطيع ان يعيش بشرف ،،، وتقلب فى اعمال كثيرة وشاهد الغبن والذل وبعد ان كان يعيش فى العز والغناء والثروة ،،،،  الان موظف بسيط ترجمان أجير يعنمل فى مدينة درنة ليبيا  ،، وأطرق براسه وهو حزين  وشاهدت عدة دموع تسقط وهو يحاول التجلد ورباطة الجاش حتى لا يظهر لديه اى ضعف امامى وهو يحكى فى قصته المؤثرة ،، وطيبت خاطره محاولا عدم التركيز على وجهه منعا للإحراج ،، وحتى لا أبكى معه ؟؟؟ 
وقمت لغسل يدى والدخول للبيت لبضع الوقت ،،، وطلبت منه غسل يديه واللانتقال الى الصالون لشرب الشاى وأكل الفاكهة ولاترك له المجال ليبكى حتى يرتاح من الحمل الثقيل على كاهله من المأساة الحزينة التى وقعت له ،،،
رجعت الى الصالون بعد حوالى العشرة دقائق وكان جالسا  ساهما يدخن فقد كان وقتها التدخين غير ممنوع مثل الان وبعد تقديم  الشاى والفاكهة وحديث طويل ،،، نصحنى نصيحة مهمة  وقال ياحاج اهتم بنفسك ورتب امورك ؟؟؟ حيث لا اؤمن بوجود العسكر فى الحكم والسلطة ،،، ودائما فى اى دولة ومجتمع قامت به ثورة  من العسكر ،،، مع الوقت حادت عن مساراتها واصبحت لعنة ،،،،على مواطنيها ،،،
ولكن كنت وقتها لا اسمع ،،،؟؟ وغير مستعد للسماع  لاى كلام ونصح ،،، حيث كنت أعيش فى ألغى والجبروت والغرور وحب الوطن والولاء وانه لا يمكن ان تحدث فى ليبيا مثل هذه الاشياء الدموية المرعبة من ابنائه العسكر ،،، وللأسف بعدها بفترة بسيطة سنوات قليلة ضرب الفاس فى الراس بصور اخرى وماسى مرعبة ،،، واصبحت مثله لاجئا هاربا فى امريكا ،،

                                                         رجب المبروك زعطوط 

البقية فى الحلقات القادمة ،،،، 



Sunday, December 30, 2012

شاهد على العصر 48

بسم الله الرحمن الرحيم 



شاهد على العصر 

48


مارست الحياة التجارية والعمل بدون كلل وإستمريت للأمام ولم أتوقف عن البحث والسعي الحلال لأنني مؤمن أن الحياة فرص تحتاج إلى رواد أوائل يتقدمون طوال الوقت ولا يتراجعون وبالأخص النجاح مضمون في وطن يحتاج للنهوض والبناء والتشييد من الألف للياء ، لديه موارد جمة تريد من يستغلها بذكاء ، حيث ليبيا وقتها في الستينات وإلى الآن بعد مرور نصف قرن ونيف من الإستقلال ، مازلنا نتخبط ولم نصل إلى المستوى الذي نطمح له من رقي  ، حيث ليبيا مهما مرت عليها من كوارث ومحن ومصائب ، وإستنزاف لمواردها من حكام طغاة وأيادي الشر والشرور ، مازالت عذراء بكراً لم تلوث بعد إلا من القليل … حباها الله عز وجل بخيرات بلا عدد ولا حساب ، بها ثروات طبيعية  غير معروفة لم تكتشف بعد ولم تستخرج حتى الآن …

بها الطقس الجميل العليل طوال العام ، بها التاريخ القديم منذ الآف السنين وأطلال الأثار شواهد باقية على السمو والحضارة ،  والتاريخ الحديث من مآسي الحرب العالمية الثانية ، عندما تناحرت جيوش الحلفاء والمحور على من يكسب الحرب والنصر ، ونحن كليبيون ليس لنا لا ناقة ولا جمل في الصراع الدموي غير الخراب والدمار ، بها الصحراء والواحات  ، بها الغابات والشواطئ الجميلة التي تحتاج إلى مستثمرين …

لدينا العقول الخلاقة والنبوغ والذكاء الغير مصطنع  ، لدينا الشيوخ  الحكماء المستشارون الذين لو سمع الطغاة  الحكام القذافي المجنون  مشورتهم لكنا من الأوائل  في دول العالم الثالث ، لدينا الكفاءات  المتعلمون ذوي الشهادات العالية الغير مستغلون المهمشون من نظام الجهل  ، الذين يعملون في أوطان كثيرة بالعالم ونحن بحاجة ماسة لهم ، لدينا الشباب الحر المقاتل ذوي الدم الساخن الذين مستعدون للتضحية بالروح والدم  مقابل الشرف ،  الدين والعرض والوطن ، لدينا الموقع الجيد الإستراتيجي جنوب أوروبا ومفتاح بوابة  أفريقيا للدول المغلقة ، الذي يحتاج إلى عقول وإستثمارات  رهيبة مدروسة جيدا مما سوف تجعل ليبيا في أعلى القمم …

لا أريد أن أسترسل وأعدد وإلا سوف أحتاج إلى صفحات عديدة ، حيث الغرب والشرق ودول عربية  من إخوتنا منافسة لنا  ، لا تريدنا أن ننهض لأنهم يعرفون مسبقا مدى قدراتنا  ، وأننا إذا إرتحنا سياسيا وعشنا في ديمقراطية حقيقية وإنطلقنا لن نتوقف …

المهم كانت تربطني علاقات كثيرة مع بعض المسؤولين ذوي القرار وأذكر منهم السيد بشير جودة المدير العام لمشروع التنمية الزراعية بالمرج والذي أصبح بعدها وزيرا للزراعة "رحمه الله تعالى" وعرض علي مشروع بناء 272  بيت مزرعة في منطقة الفتائح حيث الشركة البلغارية تقاعست عن التنفيذ السريع مما سحب المشروع منها ، تأديبا لها …

طلبت منه منحي بعض الوقت للتفكير في الموضوع ،  وقمت بجلسة عمل مع فريقي بالمكتب وكان الحاج الفرجاني إمداوي موجودا مما تقبل الفكرة وشجعها على قبول العرض وأخذ المشروع بالتكليف بأمر مباشر من غير عطاء ولا مناقصة  ، مشاركة مع شركتهم الهندسية للمقاولات  وسيقوم  بالتمويل المبدئي  حتى ينهض المشروع ونتحصل على الدفعات الأولى ،  وهم يقومون بالإشراف من الألف إلى الياء  حيث ليس لدي الوقت الكافي للمتابعة اليومية لمشروع ضخم في ذاك الوقت … ودرست الموضوع  دراسة وافية حيث كان يعز علي معزة خاصة نظير الرفقة من الصغر أيام الدراسة ، ووافقت على المشروع وخرجت للنور " الشركة الهندسية وزعطوط " وذهبنا إلى مكتب المشروع الرئيسي في مدينة المرج للتنمية الزراعية مشروع الجبل الأخضر  ووقعت العقد لبناء البيوت بالمزارع المقترحة …

ذهبنا إلى بنغازي حيث قمنا بإتصالات عديدة مع بعض الشركات الأجنبية للعمل معنا متضامنين من الباطن لتنفيذ العقد  ، ووفقنا في أحد رجال الأعمال المقاولين اليغوسلاف السيد " رايا " ذو شركة مقاولات صغيرة بأنه مستعد للتنفيذ وإحضار اليد العاملة الفنية ، وبعد مداولات عديدة وأخذ ورد وصلنا إلى موافقة تضمن حقوق الطرفين  ، وقعنا العقد وبدا العمل الفعلي للمشروع معا …

لم أتوانى عن التمويل قدر الجهد وكانت لدي آلات جديدة في المخزن لم تستعمل بعد ، خلاطة كبيرة  مركزية إسمنتية وسياراتها عربات النقل العديدة الضخمة بالعجانات والمضخة الحديثة التي وقتها لم تستعمل بعد في منطقتنا والتي سبق وأن اشتريتها من معرض هانوفر في ألمانيا  ، وسلمت الآلات كبداية وإستفتاح للمشروع الجديد كرأسمال ،  مما كان دفعة قوية  للأمام  ، وأحضر المدير اليغوسلافي " رايا " مئات اليد العاملة الفنية من يغوسلاف وأتراك  ، وبنى معسكرا كبيرا من عدة مستودعات من الصفيح والزنك والخشب  للإقامة والسكن ومكاتب وتركيب الخلاطة المركزية وجميع معداتها لإدارة المشروع مما أصبح المكان بعد مدة بسيطة  مثل خلية النحل من كثرة العمالة  الأجنبية الفنية والليبيين المحلين الذين يترددون على الموقع وأكثرهم السائقون لتفريغ كميات الرمل والشرشور من كسارتي الموجودة في بلدة أم الرزم  ، وبدأ العمل في المشروع بجد وإهتمام …

لا يخلو أي  عمل من مشاكل وعقبات وكأن عينا حاقدة أصابتنا وبدأت أول المشاكل من الإغراءات القوية من شركة البناء المدنية العامة ومديرها الحاج محمد فالح عميد بلدية درنة السابق ،  الذي لم ينل النجاح وفشلت الشركة العامة بكل الإمكانيات المتاحة له من النظام ولم ينجح  ، وكيف تنجح أمام أعينه شركة خاصة ليست لها الحماية من النظام ويعجز هو مما بدأت المنافسة الغير شريفة ، وبدأ يستميل لجانبه مدير المشروع " رايا " لتنفيذ بعض الأعمال بشركته العامة مستغلا اليد العاملة الفنية وموقعنا وآلاتنا أمام ناظرينا مما بدأت المشاكل تتوالى وتتتابع ونحن حيارى ماذا نعمل لهذا المتسلط … غير التصدي والدفاع ، وكانت المعركة خاسرة لنا حيث لا نستطيع تحدي الدولة وهو موظف براتب شهري لا يهمه أي شئ في حالة الخسارة لأنها شركة عامة مملوكة للحكومة أما نحن فقد كنا قطاعا خاصا نريد أن نتم العقد في أحسن صورة وأقل وقت ممكن وغامرنا بكل مالدينا من إمكانيات حتى ننهي المشروع على خير وسلامة ،
حاولنا باللين إفهامه أن يتركنا في حالنا وبالعرف ولكن كان ضابطا عسكريا سابقا  جبارا متعاليا مستغلا الدولة كحماية ولولاها لا يستطيع تحدينا ولا تحريك شعرة من رؤوسنا  ، لو المنافسة شريفة ولكن الله تعالى الغالب  ، مما بعد مهاترات ومحاكم للشركة اليغوسلافية ممثلة في مديرها " رايا " تعطل مشروعنا عن التسليم في الموعد المحدد …

لكن بحمد الله تعالى وبالجهود المضنية والمثابرة  ضد جميع العواصف والرياح من الحاقدين الحاسدين  حيث " الشجرة لا يقطعها إلا العرف منها "  حسب أمثالنا الشعبية ، وتحديات الحاج محمد فالح كانت عقيمة  لم توقفنا عن المواصلة وإنهاء المشروع بسرعة ،  مع أنها كانت مؤثرة ولكن لا يصح إلا الصحيح والرب الخالق في الوجود والآن متوفي رحمه الله تعالى فهو الذي يأخذالحق …

حيث تم إنهاء المشروع وتسليمه إلى وزارة الزراعة الجهة المسؤولة ، أثناء الغياب والزحف والتأميم شهر سبتمبر  سنة 1978 م ولم نتحصل على بقية مستحقاتنا سنين عديدة ونحن صابرون ننتظر الدولة الظالمة للعهد السابق حيث تم الدفع لنا قبل الثورة المجيدة بأشهر ، وتم قفل جميع الحسابات العالقة مع الحاج الفرجاني الشريك في الشركة الهندسية وزعطوط  ، إلا في شهر سبتمبر 2010 م بعد أن قضينا أياما بائسة في ديون وإلتزامات وتم التحقيق نظير ضمانات لم نستطيع الوفاء بها في وقتها نظير الحاجة وعدم الدفع من الدولة…

دخلنا السجن لعدة أيام كنكاية نظير الخصومات والدس الخبيث وحدثت مآسي كثيرة كبيرة ولكن جميعها  مرت على خير وسلام وأنا شخصيا أخذت منها درسا كبيرا بأن أتقي الشبهات وإخوان السوء  ، حتى لا أصاب بضرر من عوام حاقدين  حاسدين أليست بأمر مؤسف ومأساة ؟؟؟ !

خلال تلك الفترة من منتصف السبعينات قمت بعمل كسارة جديدة حديثة في منطقة أم الرزم مع أخي الحاج حسن  الذي أحضر لي صديقه الحاج " ف م " للعمل معنا كشريك بالثلث  في الكسارة عندما تخلص ويرجع ثمنها إلى المؤسسة ، واكتشفت يوم جمعة بالصدفة عندما حضرت إلى الموقع قبل الصلاة  وهو يسرق مما طردته شر طردة ،  حيث لا أريد التعامل مع إنسان وضيع لص سارق يدعي   الطهارة وهو خبيث المعدن والأصل …إستغل الوضع القائم والإرهاب للشرفاء واستغل الموقف وجبروت اللجان الثورية وفتح فمه باشنع النعوت وصمتنا ليس خوفا منه  ، ولكن لا نريد أن ننزل ونهبط إلى مستواه الوضيع وتم قفل فمه ببعض التنازلات والمال لهذا الخسيس الذي عض اليد التي تحسن له قبل الزحف والتأميم والهجرة …

الأدهى من ذلك في أحد المؤتمرات الشعبية  عندما كنت غائباً عن الوطن ،  قام متحديا وسط الجماهير مطالبا بإدانتي كمجرم هارب سارق ،  و طلب بالقبض علي  وترجيعي من أمريكا ومحاكمتي أمام العلن بأنني مجرم دولي ضد النظام والعقيد القذافي  ، مستغلا الطفرة الثورية لفرد العضلات وهو صعلوك من الصعاليك  ، لا يستطيع هو ولا عقيده المريض المجنون ولجانه الثورية  بأن يأتون بي بدون رغبة مني حيث أعيش وسط دولة الحرية والقانون  أمريكا ! 

لقد نسي أنني ثائر حر من أجل الجميع  ،  لا أبالي لهذه الحشرات والسرطانات الخبيثة ،  والآن توفي ومات منذ زمن طويل وبيني وبينه الله تعالى الذي يأخذ الحق ، أما عن حقي فلست بمسامح والله تعالى  العالم بما في القلب والضمير ، عسى أن تزيد في ميزان حسناتي حيث حقده وكرهه لي بدون سبب جوهري بل تغطية حتى لا أفضحه بأنه لص سارق ، هكذا صور له عقله المريض الهجوم هو أحسن وسيلة للدفاع …

المهم الكسارة إشتغلت بقوة وغطى إنتاجها معظم   المشاريع التي نفذتها ووعدت أخي بأن له النصف عندما يرجع الرأسمال وتم الزحف ولم يصلني بقية ثمنها ، وحتى لا تضيع قلت لأخي خذها ، ودافع عنها حتى لا يتم التأميم لها ،  ولكن لظروف لا أعلمها تم أخذها منه ببساطة عندما هاجرت والآن توفي منذ سنوات وورثته يطالبون  الدولة بسداد نصف الأموال  ، وأنا محتار هل أرضخ وأنسى القصة أم أدافع عن رزقي ورزق أولادي مع أن الورثة أبناء أخي ومن دمي ولحمي ولكن لا يشرفون يعيشون على الهامش وأنا لست مستعدا لأن أشفق عليهم فقد عملت الكثير لهم ولم يسمعوا نصحي وقولي وضيعوا لي أموالاً كثيرة نظير الضمانات لهم  ، مما أقفلت الأبواب وأنا حزين من تصرفاتهم الرعناء يتصرفون في أرزاقي أملاكي وكأنهم ورثتي يبيعون ويقبضون الأموال من غير أي خجل  من عمهم المالك الأصلي وهم يعرفون الأمر مستغلين القوانين الثورية الخاطئة ضدي ، وأنا حي أرزق أليست بأمر مؤسف ومأساة !  الله عز وجل يهديهم لطريق الخير…

إحدى الطلبيات الكثيرة التي وفقت فيها كانت إستيراد خلاطة أسفلت مركزية من شركة " ماريني " المشهورة بصناعة خلاطات الإسفلت وآلات الفرش " الفنشر " والرولات للدك والضغط سواءا التربة أم الإسفلت ، وتعرفت بأصحابها الأخوة  العجوز السيد "مارينو ماريني" وأخاه الأصغر منه بعدة سنوات السيد "روبرتو ماريني" على ما أعتقد … فقد مر وقت طويل على المعاملة  وشراء العديد من الآلات منهم  ، وأصبحت صديقا لهم …
يوما من الأيام حضر إلى مدينة درنة صهرهم الذي كان متزوجا إحدى بناتهم وكنت يومها مريضا بالفراش من الحمى وحضر لزيارتي وإشتريت منه الخلاطة الحديثة وقتها وكانت إنتاجيتها حوالي 180 طن بالساعة مما كانت وقتها تعتبر كآلة حديثة وحسب قولهم أنها أول آلة ذات إنتاجية كبيرة سوف  تدخل إلى أفريقيا إذا إشتريت وتعاقدت ،  وقلت لصهرهم غداً بإذن الله تعالى سوف أفتح الإعتماد وكانت بمبلغ كبير حوالي مليون دولار واصلة إلى ميناء درنة.

لم يصدق وقتها وإعتبرها هلوسة من الحمى ، فقد لاحظت علامات الشك لديه وفي عينيه ،   وقلت له الآن بالمساء وإذا إنتظرت غداً إلى الساعة العاشرة صباحا سوف أعطيك رقم الإعتماد ، مما قال سوف أنتظر… حتى لا تضيع الصفقة ، وإعتذرت له أنني مريض ولا أستطيع القيام بالواجب من الضيافة ولكن مدير المكتب سوف يهتم …

في اليوم الثاني تم فتح الإعتماد وأعطيته الرقم حسب الوعد والعهد مما كان سعيدا وفرحا أنني أوفيت بالعهد ومازلت مريضا بالفراش لم أقوم منه بعد … وترك لدي كتالوج عن آلات جديدة لطحن القمامة وتحويلها إلى سماد مما إهتممت بالأمر وقلت له أنني أريد مزيدا من الإيضاحات حول هذا الموضوع  ، وعملت جهدي حتى تحصلت على العقد بتنفيذ المشروع في مدينة درنة ليصبح أول مصنع يقام لحماية البيئة والنظافة …

كانت تجربة فريدة ، ولضمان الشركة كونت البلدية وفدا من عميد البلدية  السيد " بدر بوعزيزة " وقتها ومعه إثنان من المهندسين أحدهما المهندس المصري " نبيل خاطر "  وآخر من بولندا  والمسؤول المالي وقتها السيد "عبدالحميد بدر" وكنت معهم مندوبا حيث زرنا عدة دول بأوروبا "إيطاليا وسويسرا وبريطانيا " وشاهدنا عدة أماكن حيث القمامة يتم تجميعها في موقع واحد وبعدها يتم الفرز لكل شئ على حدة بحيث يذهب إلى المصانع المختلفة من حديد خردة وزجاج وبلاستيك وأشياءا أخرى  والورق للحرق وتوليد الكهرباء للمصنع حيث يحتاج إلى طاقة كهرباء عالية ، والمواد العضوية تصبح خلطة ويتم تجفيفها ثم تطحن في مطاحن خاصة ويتم تعبئتها كسماد عضوي  في أكياس من الورق بدون أية مواد كيماوية خطيرة ، وتوزع على المزارعين لخلطها مع التربة لتحسين المحاصيل  ، وكل شئ يتم  بسرعة أتوماتيكيا آليا  ، والعمالة عدد قليل للمتابعة …

كم سعد الوفد بالزيارة والحفاوة والكرم وكنت معهم في كل لحظة وخطوة  ، وعندما وصلوا إلى ليبيا ، تم الإعتماد المالي من قبل وزارة البلديات ، وتم الإستدعاء لصاحب الشركة وجاء العجوز السيد مارينو ماريني مع وفد من جماعته كمرافقين إلى مدينة درنة  وتم توقيع العقد ، ودفعت الضرائب عن تصديق العقد وكانت مبلغا كبيرا ولم أسعد بالحصول على العمولة والجهد والتعب طوال الوقت ولها قصة طويلة سوف يتم سردها عندما يأتي وقتها من ضمن المسيرة والهجرة ….

                  رجب المبروك زعطوط 

البقية في الحلقات القادمة …

  

Tuesday, December 25, 2012

شاهد على العصر 47




بسم الله الرحمن الرحيم


شاهد على العصر  
47



تحدثت طويلا مع السيد  فرانك في جوانب عديدة وعرفت  ان والدته تريد منه ان يدرس اللاهوت ويتخرج ويصبح قسيسا راهبا كاثوليكيا ودرس عدة سنوات ثم لم يعجبه الحال وترك المعهد وواصل دراسته في إدارة الاعمال ونجح  ، وتوظف لسنوات عديدة وإكتسب خبرات والآن يريد أن يتحرر ويعمل عمل حر ويجرب حظه عسى ان ينجح وشعرت بنبرات الصدق والتحدي في صوته وسألته عدة أسئلة  صعبه وأجاب عليها بكل  صراحة  مما اكبرت فيه الصدق  ومنها انه لا يملك اى شئ ، وان اخر دولار بحوزته دفعه في شراء التذكرة حتى وصل إلى جنيف سويسرا  لمقابلتي  وتدابرنا الامر وسألته كم من الرأسمال يحتاج كبداية …

بعد عدة حسابات لأرقام قال مائة الف دولار كبداية يستطيع فتح أبواب شركة تستطيع العمل وطلبت منه ان يكون المكتب في موقع  درجة أولى حيث العيون أول ما تقدر الشئ حيث العنوان والأثاث واللقاء بحبور وبشاشه  وجودة البضاعة والرخص والتسليم السريع هما الأساسات السليمة للعمل التجاري مما وافق على جميع الطلبات وقلت موافق على الأمر سأعطيك المبلغ الذي طلبته حتى تبدا الشركة مناصفة …

اليوم الثاني سافرنا معا إلى اليونان  وعرفته بالسيد ميخائييل القبرصي شريكي بالمكتب  واقمنا في فندق الهيلتون عدة أيام  على حسابي وأعطيته الصك بالمبلغ في المكتب بدون ان أخذ أي إيصال مما إستغرب في الامر !!! وقال لي الست بخائف ان أخذ المبلغ وأهرب ،  وكان ردي بسيط لست بخائف  ، ولست بساذج  ، لانك أولا ،   تعرف طريق  الله عز وجل ودرست اللاهوت لتصبح راهبا قسيسا  ، وثانيا لو حاولت الضحك علي فانا مستعد لدفع ضعف المبلغ حتى تدفع المبلغ الأساسي وجميع المصاريف وإلا سوف تعيش في رعب طوال حياتك  ، أما بالنسبة لي فهذا المبلغ يعتبر بسيطا لا يؤثر في أعمالي وبالتالي أنت الخاسر على  المدى البعيد . مما ضحك وقال لا تخاف أبدا فانت تتعامل مع إنسان  نظيف عفيف صادق …

 بعد أثينا اليونان قررت اصطحابه معي إلى ليبيا التي لم يسبق له زيارتها من قبل وتقديمه الى الاخوان حتى يتدرب على الحضور والقدوم بنفسه إلى الأوطان العربية ويتعلم طرق المعاملات السهلة والصعبة وكيف يستطيع الفوز في تحقيق التوريد بسهولة حيث ذاك الوقت كانت أسواق ليبيا مفتوحة على مصراعيها للتجارة والمقاولات والأجنبي له الحظوة والإمتيازات حيث المسؤولين الليبين لا يريدون المعاملة مع رجال الأعمال الليبين حتى لا يفشون أسرارهم وحرصهم على تقاضى عمولات كبيرة ولا تهمهم مصلحة الوطن …

أخذت له تأشيرة دخول بسهولة من القنصلية الليبية في أثينا وفي اليوم الثاني كنا على الطائرة إلى بنغازي ورحلة قصيرة حوالي الساعة وهبطنا في مطار بنينا بنغازي وخلال دقائق تمت جميع الإجراءات بسهولة  من ختم الجوازات والجمارك  بدون تفتيش حيث انا شخصيا معروف لا اتعامل فى الممنوعات أيا كانت  حفاظا على الأسم والسمعة ، وإستلمنا حقائبنا ، ووضعتها في حقيبة السيارة  الواقفة فى الموقف التى كان الغبار يلفها من كل جانب حيث لي مدة طويلة غائب عنها  ، وقدتها وتوكلنا على الله تعالى الى مدينة درنة وانا فرح مسرور انني عن قريب سوف اصل الى مدينتى واشاهد الأولاد والعائلة ،  واتابع أعمالي المتراكمة في المكتب والتي تحتاج بسرعة إلى مراجعتها قبل ان تزداد باكوام اخرى ويصبح صعب على المراجعة .

وصلنا إلى درنة وراسا إلى المكتب حيث احتفى بي الموظفين والعاملين بحضوري ورجوعي وقضيت بعض الوقت وشاهد شريكى الجديد مكتبى وكيف وضعى العام ،  وبعدها الى العمارة حيث اسكن فى اعلى دورين بها ، ولدى احد الشقق المفروشة بأفخر الأثاث استعمل فيها كاستراحة لكبار الزوار عندما ياتون لزيارتى فى بعض الاعمال حيث مدينتنا درنة وقتها مهمشة من النظام ولا يوجد بها فنادق جيدة ذات خمس نجوم بل بها فنادق شعبية لا تشرف بسمعة المدينة الخالدة المجاهدة .

قضى شريكى الجديد حوالى الاسبوع فى راحة واستجمام  وفى نفس الوقت كل يوم معى فى المكتب حتى يعرف بعض الاشياء المحلية وكيف تدار الاعمال بالعقلية العربية التى تعتمد على طرق كثيرة اهمها الاستقلالية وعدم العمل الجماعى وبالتالى معظم  جميع الاعمال قزمية  تعتبر فى نظر الغرب عقيمة ،،، وكنت اقدم فيه على انه صاحب شركة أمريكية اسمها الريف تعمل فى مجالات عديدة للتصدير من امريكا  ،،، وكان اختيار الاسم اول حرف من أسمى " ر "  وبالمنتصف " اى  " باللغة الانجليزية يعطى دلالة العالمية وحرف " ف "  اول حرف من اسم شريكي الجديد ، RIF international marketing co .وكان وقتها معظم رجال الأعمال والتجار طيبون ذوي قلوب نظيفة  لا يعرفون الخبث بعد ،  وليس  مثل معظم  تجار ورجال الاعمال اليوم من الاجيال الجديدة  فى  هذا العصر الذى نعيشه الان ،،، الذين يعتمدون على المصلحة وكيف يتوصلون للربح باى طريقة مهما كانت الوسيلة غير شريفة المهم الوصول للغاية وعقد الصفقة .

قدمت شريكى الجديد فرانك الى السيد الصابر مجيد صديقى وآخى من الدهر ،، وقلت له الحقيقة وأنها شركة جديدة ولتشجيعنا طلب على طلبية استيراد مستودعات ضخمة " عنابر " بقيمة كبيرة تعدت وقتها مليون دولار ولم نسجل الشركة بعد فى امريكا ،،، وكانت الطلبية دفعة قوية للشركة الجديدة ،، وسافر فرانك الى امريكا  وقام بإتمام اجراءات الشركة حسب المطلوب وآجر مكتبا فى بناية " سيقرام " فى جادة  بارك أفينيو فى احسن شوارع نيويورك التجارية فى الدور رقم 18 وكان مكتبا جميلا عندما زرته ذهلت من حسنه وكيف يستطيع الانسان المشاهدة من جميع الجوانب الزجاجية الغليظة المغطاة بستائر تتحرك كهربائيا بالضغط على الأزرار ،،، مما كانت وقتها فى منتصف السبعينات تعتبر اشياءا متقدمة  حديثة غريبة لم تدخل الاسواق العربية بعد…

قام الشريك بزيارات عديدة إلى ليبيا وقام بعمل صداقات  مع الكثيرين من الليبين رجال الاعمال والمسئولين فى طرابلس وبنغازى وشق طريقه بسرعة فى الأوساط التجارية ،، وجاءنى يوما يريد استشاراتى قبل ان يدخل فى اعمال مريبة ،، حيث طلب منه شراء كميات كبيرة من الاسلحة عن طريق اللواء احمد المقصبى الذى كان يومها عقيدا بالجيش والمسؤول عن التعبئة والتسليح للجيش الليبي …

قضى عدة ايام معى فى درنة للاستشارة فى هذا الموضوع المغرى والذى حسب قوله وقتها انه قادرا عليه ولديه المصادر للتزويد لمثل هذه الاشياء ،،، وكان ردى ان لا يعمل فى هذا المجال تحت اى ظرف لان اعتقادى يومها ان النظام ظالم وفاسد ،،،وان هذا السلاح يوما سوف يوجه الى صدور الاحرار عندما تقوم أية انتفاضة ولا اريد ان أغطس فى أموال الدم حتى لا يتسخ الرزق الحلال بالأوساخ والقذارة …

كانت غلطة المفروض ان اتركه يعمل حتى اعرف المصادر والكميات وأين التخزين وأمورا كثيرة … حيث إخوتنا الليبيون يخافون مع العمل مع ليبين أصليين تهمهم مصلحة الوطن وتقدمه ورفعته ويتعاملون مع أجانب بصراحة وحرية كثيرة لقاء العمولات الضخمة  لتسمين حساباتهم بالخارج ،،، وينسون انه لا سرية مهما كانت فكل الامور مفضوحة للكثيرين من الجهات الدولية التى تتابع فى مثل هذه الامور بدقة ،،، مما استغل البعض من الليبين الامر مع أجانب لا يفهمون التجارة على أصولها بل  تجار الشنطة حسب التعبير الليبى الشعبى الذين تعلمون من ليبيا الاعمال الكبيرة والصنعة نظير الاموال الطائلة التى تصرف بسخاء و غباء  بالملايين على اعمال الفساد والإفساد والارهاب وشراء الذمم للسلاطين فى افريقيا السوداء  والحكام والرؤساء  فى دول عديدة من العالم ،،، للسكوت عنهم وسترهم عن اعمالهم الإجرامية ضد الانسانية ،،، وقتلهم للابرياء علانية فى وضح النهار ،، ولا من يسال ولا من مجيب ؟؟؟ 
هؤلاء الاجانب الصعاليك لا يمتون للوطن باى صلة ولا تهمهم مصلحته باى صورة  ،،، وحقق شركاؤهم الليبيون ثروات رهيبة من دم ابناء الشعب الليبى معظمها ضاع فى تسمين الحسابات بالخارج والصرف فى غير طاعة الله تعالى على الفجور والعاهرات وتموين الإرهابيين عن طمع واغراء  بمزيد من الاعمال الاخرى فى التوريد باوامر من القذافى شخصيا عن طريق قادة اللجان الثورية لقتل ومطاردة الاحرار الليبين المعارضين لنظام الفساد والافساد ودمغ ليبيا بصفة الارهاب العالمى،،،
لقد مررت بفترات رهيبة وضغوط نفسية نظير المعرفة الخطيرة واصابنى المرض نتيجة الكتمان والسرية حيث صادفنى الحظ  خلال مسيرة نصف قرن بالحياة العملية ،،، واطلعت على اسرار عديدة بالصدفة  ،،، وكنت دائماً بالخفاء ووراء الستار وليس فى الواجهة حسب نصيحة الوالد رحمه الله تعالى عندما قال لى فى الصغر ينصحنى " لا تكن راسا يابنى فالراس دائماً كثير العلل  "  وكنت يومها صغيرا بالسن ولم اعرف قصده ومع الوقت والشرح عرفت السر الكبير وراء النصيحة وماذا يقصد بالضبط حيث لا يريدنى ان اكون ظاهرا فى الصورة والواجهة رئيسا او قائدا بل فى الخفاء والسر ،،، حسب تعبيره " شيخ مشايخ "  الذى يساند الرئيس والصف الناجح للوصول للسلطة وبالتالى جميع اموره تمضى بسلاسة حتى لا أصاب من اوباش وتلوكنى الالسن من العوام  الجاهلين حيث لا يرضى العباد الا الله عز وجل الخالق  الجواد ،،،
فقد تعلمت منذ اليوم الاول للانقلاب الاسود ثورة الفاتح كما يدعون ،،،  انها مسرحية كبيرة ولا اريد ان اكون ممثلا فيها بل ضمن الجمهور مشاهدا لها ،، ولم أتدخل فى اى موضوع غير مستحسن  مستهجن لخدمة النظام مقابل حظوة ومال وجاه ومركز ،،، مع انه عرضت على أمورا كثيرة وكان بالإمكان الاستغلال لها  ولكن حسب مبادئى واخلاقياتى كانت لدى عليها تساؤلات كثيرة  انها خطا ولا اريد يوما من الايام  ان تدمغنى باى شائعة خاطئة تضر بسمعتى وسمعة العائلة التى قضيت سنين عديدة فى البناء والتشييد لها  ،،،  
لانها راسمالى الوحيد الذى مستعد للموت دونها من ان تلطخ من حساد حاقدين اوباش  ،،، لان ليبيا ليس بها اسرار خافية حيث معظم الجميع طويلى اللسان سذج بقصد وبدون قصد وبالتالى سهل استدراجهم للثرثرة من اساتذه مدربين فى الأمن والمخابرات  من غير ان يعلمون وبالتالى يضرون الاخرين عفويا  بدون قصد ،،،
 أليست بامر مؤسف ومأساة ،،، ان يشوه البعض الشرفاء من وشاة جهلاء ؟؟؟ مع علمى اليقين انه لا يصح الا الصحيح ،، ولكن امتثالا لحديث رسول الله تعالى نبينا المصطفى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام  " اتقاء الشبهات والابتعاد عنها  " حتى لا يلاك الانسان الشريف من حثالات ؟؟؟
استمريت مع السيد فرانك دروهان فى الدعم المالى والمعنوى للشركة  والمشورة الى ان تم الزحف والتأميم وهاجرت الى امريكا وبدلا من ان استمر فى الشركة التى بنيتها بالجهد والمال والدعم  حتى أعيش ،،، حيث لا دخل لى بالخارج ،،،  ولكن أبدى شكوكه وانه ملاحق من الأمن فى ليبيا نظير شراكتى معه حيث كنت مطلوبا من النظام حيا ام ميتا ،،،  مما اضطررت ان أتنازل برضاء نفس لحمايته من غير اى إكراه وتحصلت على راسمالى فقط على دفعات وضاع جميع الجهد والتعب نظير الضغوط من النظام والخوف من المجهول ،،،
وتم الزحف على معدات شركة الريف فى غيابه من الجيش بطرق غير شرعية  بربرية عندما كان ينفذ فى مشروع بناء ثلاجات كبيرة فى احد المشاريع الزراعية فى منطقة السرير بالصحراء وضاع كل شئ لانه لم يستلم اى مستندات حتى يطالب يوما من الايام بالمستحقات خاصتنا ،،، التى ضاعت هباءا منثورا ،،، 
نتيجة التاميم والزحف ضاعت على مسائل وأمورا  كثيرة وشركات جمه وأموال وعلاقات تجارية   بلا عدد منها على سبيل المثال شركة الغزال مع السيد ميخائييل بسوماس  فى اثينا اليونان وشركة الريف مع السيد فرانك دروهان فى نيويورك امريكا والعشرات من غيرها ،،، وتساؤلاتى فى بعض الاحيان ،، لو لم ياتى هذا الشيطان القذافى ابليس اللعين عليه اللعنة الى يوم الدين ويؤمم التجار ورجال الاعمال ،،، ولو سخر الله تعالى واستمريت الى الان بعد مرور عقود طويلة ،، ولم يتم الزحف والتاميم ،،، كيف سوف يكون الحال ؟؟؟ اننى لا اعرف ؟؟؟ 
اليست بامر مؤسف ومأساة فقد كنت دائماً سباقا رائدا  لأشياء وشركات عظيمة ناجحة حيث شركائى السابقين من لا شئ من الصفر بعد عقود ،،، اصبحوا من اصحاب الملايين  ،، وانا " اعوذ بالله تعالى من كلمة انا وحب الذات " بالنهاية لا استفيد منها وانا المؤسس والمحرك الاساسى والرائد ،،، فسبحانك رب العالمين ؟؟؟ انت العارف بالحال وانت المعين ،،،حيث لا اعتراض لحكم الله تعالى والقدر فانا انسان بشر مخلوق مهما حاولت ان اعرف ؟؟؟ لا اعرف الا القليل ؟؟ ،، استنادا لقول الله تعالى فى كتابه الكريم ،، القران العظيم ،، بسم الله الرحمن الرحيم  " عسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم "  وانا راض بما قسم الله العاطى الكريم من ارزاق  ،،، والحمد لله تعالى على الصحة والعافية وانه اطال العمر حتى اشاهد بام العين كيف كانت النهاية السوداء للظالمين ،، الحياة مستمرة والتاريخ لا يرحم وكما يدين الانسان الاخرين بالسوء يدان ،،، والله الموفق …

                         رجب المبروك زعطوط 

البقية فى الحلقات القادمة ،،،