Sunday, September 18, 2011

قصصنا المنسية 15

بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا الأفذاذ

جنوب هذا الموقع يوجد معسكر دور بو منصور
                 حارب الوالد، المبروك صالح زعطوط ، الذي كان شابا يافعا في عمر العشرينات سنا في معركة القرقف المشهورة يوم 1912/9/17م ، على الهضبة المطلة على مدينة درنة الجزء الشرقي مع شقيقه الكبير عمي الفقيه عبدالجليل ضمن جيش المحافظية الشعبي الذي يضم مجاهدين من جميع القبائل من الحرابي والعبيدات والمرابطين والدراونة مع قبيلة الحاسة تحت لواء واحد مما ظهرت اهزوجة أغنية شعبية  تمدح التلاحم والبطولات تقول (حاسة وحضور عليهم نور) وجنود الحامية العثمانية الأتراك قليلي العدد كان لهم الدور الكبير في الانضباط والتنظيم للقوات المهاجمة .
             الإنطلاق من دور بومنصور تحت القيادة الروحية  للسيد أحمد الشريف ، والقيادة الفعلية للقائد أنور باشا التركي المشهور بالحزم والعزم والشجاعة لإحتلال مدينة درنة وطرد الغزاة منها ، وعرف القائد الايطالي للحامية من جواسيسه المحليين بالإستعدادات الكبيرة للهجوم قبلها منذ فترة مما طلب النجدة العاجلة من رؤسائه باللاسلكي حتى لا يخسروا المعركة وتتم إبادتهم وتضيع مدينة درنة من أيديهم. 
                تقدمت القوات الوطنية الى مشارف درنة من دور بومنصور وواجهتها قوات الطليان المتحصنة في الخنادق كرباط على الطريق الوحيدة الجبلية التى تهبط إلى المدينة بسهولة من الشرق وبدأت المعركة الشرسة الدموية في الفجر على الهضبة وكان لدى جيش المحافظية عدة مدافع ميدان صغيرة أحدهما بقيادة حسن الطبجي الذي عرفته في كبره وهو يعمل عاملا في بلدية درنة بأجر زهيد بالكاد قادرا على العيش ، عندما يوما أشار الوالد عليه وهو يعمل في ترميم الطريق وراء المدحلة الكبيرة (الرولة) امام بيتنا في شارع رافع الانصاري ، قائلا سبحان الله مغير الأحوال ، هذا الرجل ذو السبعين عام بطل من أبطال معركة القرقف المفروض تكريمه وإعطاؤه مميزات وتقاعد جيد وراحة في كبره!
             وبالضحى كاد جيش المقاومة أن يخترق الحصار ويحقق النصر وفوجئ بقدوم النجدة العاجلة للعدو حيث وصلت عدة سفن إلى الميناءالقريب الذى يبعد حوالي 4 كم جنوب ميدان المعركة والتي شاهدوها قادمة بالنظر من بعيد تدخل للميناء مع الفجر تحمل آلاف الجنود الاريتريين الأحباش وضباطهم الايطاليين والعتاد والمدافع وبدأ الإنزال السريع في طابور طويل عريض بسرعة وعجلة صعودا في الجبل مع الطريق الترابي (عقبة حدوث) وهم يقودون الخيول والبغال  في جر المدافع وعربات العتاد والسلاح بحيث أفواج جنود المقدمة في المعركة تحارب والمؤخرة مثل الثعبان الطويل مازالت بالميناء لم تنتهي السفن بعد من التفريغ والإنزال .
            وتشبث جيش المقاومة المحافظية بالهجوم بعنف وشدة بدون جدوى ، حيث وصول النجدة الكبيرة فجأة للعدو الايطالي رفعت روحه المعنوية ولم يتراجع للوراء خطوة واحدة مهما قدم المحافظية من بطولات وتضحيات لدحر العدو الذي زادا قوة وعنادا لتحقيق النصر بأي ثمن كان على المقاومة.
             المناضل حسن الطبجي.... ( الطبجي ) كلمة تركية تعنى المدفعي.... الذي أشرت له بالسابق قام ببطولات خارقة وهو يقذف ويرمي العدو بالنيران في أماكن وتجمعات حساسة مما أربكته وظل حائرا حيث كان خبيرا في إستعمال المدفع بالسابق في الجيش العثماني وتوقفت المدافع عن الرماية لمسافة طويلة في المساء من الحرارة الشديدة نتيجة كثرة الاستعمال والرمي ونقص الذخيرة ، وكانت نكسة للمهاجمين فقد قوة النار التي أرعبت العدو وجعلته غير قادرا على التقدم للأمام .
              حدث الاضطراب لدى جيش المقاومة نظير النقص في الذخيرة وفقد الكثيرين من الشهداء والجرحى والمعاقين وبدأت العزائم تتراجع وتخور مما إضطر القائد أنور باشا إلى إعطاء أمر الانسحاب بالليل فى الظلام والتراجع بدلا من الإبادة للجميع تاركين وراءهم حوالي 840 شهيدا منهم العديد من الجنود العثمانيين في ساحة المعركة قتلى وجرحى ولم يتمكنوا من دفنهم ومن عشرات الجرحى تم نقل القليل لإسعافهم لضيق الوقت وعدم الرؤية الواضحة ، مستغلين  الظلام والانسحاب السريع .
               اليوم الثاني في الفجر عندما عم الضياء والنور ، قام جنود العدو بإعدام الجرحى الليبيين بدون أي واعز للضمير بدل الاهتمام والعلاج كما يجب للأسير بإطلاق الرصاص والقتل المتعمد بقصد من العدو الشامت الغاضب الحزين على فقد جنوده وخسائره الضخمة في الأرواح والمعدات... وقد بلغ تعداد القتلى والجرحى من الطرفين ما يناهز حوالي 3200  ومن ضمنهم حوالي 30 ضابطا إيطاليا  من مختلف الرتب... والتي وزارة الحرب الايطالية في روما كتمت الأسرار مدة طويلة عن الخسائر الضخمة ولم تعترف الا بالقليل حتى لا تعطي أهمية للمقاومة الليبية وشراستها أمام الشعب الايطالي حتى لا يثورون عليهم نظير الكذب والتزوير في الحقائق والتضخيم في البطولات   والفشل الذريع في القضاء على المقاومة .
                   لقد تحدث الوالد كثيرا في ساعات السمر والراحة عن المعركة المشهورة معركة القرقف التي حارب وشاهد المعجزات بأم العين والتي سجلت في تاريخ المقاومة الليبية بالمنطقة الشرقية من ضمن أهم المعارك التي حدثت بالمنطقة ، وأذكر يوما في نهاية الستينات حوالى الاصيل كنت راجعا بالوالد إلى مدينتنا درنة بعد زيارة إلى مدينة طبرق لبعض الشؤون ، ولما وصلنا إلى ميدان المعركة طلب مني أن أتوقف مما فعلت ونزل من السيارة ومشى خطوات عديدة بعض المسافة وجلس على جرف وادي بسيط يتطلع ويشاهد ولم يتحرك وكان مغطيا رأسه  بطرف الجرد العباءة مطرقا ساندا رأسه على العكاز ساهما في تفكير الذكريات المؤلمة الحزينة ، وكانت فرصة لي للتدخين حيث لا أستطيع أمامه نظير الإحترام .
                دخنت السيجارة الأولى ثم الثانية بشراهة متطلعا إلى الوالد الجالس الذي لم يتحرك مما خفت عليه ان يكون حدث له أمرا وأنا لا أعلم... حتى وصلت إلى جواره وسألته بلهفة مما رد على مبتسما بحزن وقال لقد كنت أعيش ذكريات المعركة الرهيبة والله العظيم يابني ، وأشار بعكازه إلى بعض الجداول الصخرية (السواقي) ، لقد شاهدتها مليئة بالدماء التي تنساب خلالها إلى الوادي من دم الشهداء والجرحى والأعداء ، مما تعجبت وذهلت!
               تم تكليفي من أمانة الزراعة في السبعينات من رئيس المشروع السيد بشير جودة رحمه الله تعالى والذي تربطني به معرفة ودية عندما كنت مقاولا ولدي شركة بمنطقة الفتائح لبناء 270 وحدة سكنية زراعية مع الطرق ، ببناء مسلة عالية وساحة عرض في أرض المعركة حتى تصبح شاهد عيان لكل من يمر على الطريق السريع وذكرى خالدة تمجد الأبطال الذين ضحوا بالروح والدم من أجل الوطن والتي ستظل ذكراها خالدة في تاريخ الجهاد الليبي المشرف لجميع الأجيال القادمة إلى ماشاء الله عز وجل.
              سمعت قصصا وحكايات كثيرة والتي كان يجود بها الوالد أو الوالدة والأخوال والمعارف للعائلة من كبار السن في بعض الأحيان أوقات السهر والسمر عن الأستعمار الأيطالي وحكمهم للوطن وعن المساوىء والحسنات عن المعارك والمناوشات التي حدثت والتي عاصروها ضد العدو وعن الجهاد في المنطقة الشرقية فى الجبل الأخضر والعمل السري وبالأخص وراء الخطوط في الحرب العالمية الثانية ، حيث في بدايات إستقلال ليبيا في الخمسينات والستينات لايوجد إذاعات وقنوات مرئية ولا إعلام جيد للمعرفة إلا من بعض اجهزة الراديو التي كانت ضنينة إلا لدى البعض الميسورين الأغنياء.
               وقتها كنت يافعا في السن صغيرا لم أعط حديث الوالدين وحكاياتهم الأهتمام الكافى بالتدوين لكثير من الاحداث والأسماء الجنود المجهولين من رفاقهم سنوات النضال والكفاح ضد المستعمر الايطالي وحرية الوطن....الذين توفوا وأصبحوا في ذمة الله تعالى ، طواهم الموت والنسيان ولم يذكرهم أي أحد ، الوالدين شهود عيان للبعض لتاريخ حدث وليس سمعا أو تحريف من بعض الأدعياء الذين يحبون لأمر أو آخر الفخر والمباهاة وحشر أنفسهم أو البعض من أسرهم أو بني عمومتهم من شرائح وقبائل حتى يظهرون بمظهر الأبطال .
                   وحدثنا عن دوره الهام والكبير الذي لا يستطيع المخاطرة فيه الا القلائل من ذوي الشجاعة والعزم فقد كان ساعيا لعدة مرات بين الأمير أدريس السنوسي زعيم الطريقة السنوسية الروحية وقائد المقاومة في المنطقة الشرقية المهاجر في مصر في نقل الرسائل السرية بالآوامر والتوجيهات للعمل الجهادي بالجبل ألأخضر بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار إلى درنة ضمن الحيطة والسرية مخاطرا بالحياة ، الذي لو تم القبض عليه الشنق في الحال ويسلمها إلى شبكة المقاومة السرية في درنة المناضل سليمان بن خيال والقاضي رافع قاطش قاضي مدينة درنة الشرعي الذي كان بصيرا أعمى والباشا على العبيدي الذي عن طريق أبناء عمومته العبيدات تصل إلى الدور وعمر المختار .
                كان الوالد يضع الرسائل حسب قوله وحديثه لنا في البلغة (حذاء محلي صناعة يدوية) يطوى الرسالة عدة طيات بحيث يصغر حجمها وتوضع بين طيات الجلد ويخيط عليها بحيث من الصعب أكتشافها في ذلك الوقت ، وليس مثل الآن بالأجهزة الحديثة يظهر كل شىء للعيان ،  وكان يمشي حافيا بعض الطريق يحمل البلغة محافظا عليها بيديه حتى لا تتمزق ويظهر الورق ، ووقت المرور الصعب على الحواجز يلبسها ويمشي بها حتى لا يلاحظ من أي أحد في العشرينات من القرن الماضى .
              كان معظم أبناء الشعب فقراء والكثيرون من رجال البادية يمشون حفاة بدون أحذية أو ( قبالات ،  أحذية صناعة محلية من الجلد والأرضية من مطاط اطارات السيارات الغليظ ، والسيدات يستعملن السباط والقبقاب والعجائز الرقعة ، طويلة الرقبة إلى الركبه ) وقد عشت وشاهدت بأم العين شخصيا على الطبيعة أيامها كم كانوا يقاسون في  الخمسينات عندما كنت صغيرا بالسن شظف العيش والحياة الصعبة ، وكان الجميع من أبناء الشعب سعداء فرحين بالإستقلال وحرية الوطن ، راضين بالنصيب ليست لديهم ضغوط نفسية ولا طموحات دنيوية شخصية من التكالب النهب والنهش والوصول للمراكز والجاه مثل الآن...  أهتمامهم على العمل بالعرق والرزق الحلال ضمن البراءة والطهارة بالنفوس.
                 رحم الله تعالى ذاك الوقت الجميل كم كنا سعداء ذوي صحة وعافية ، طعامنا من الأرض بدون أية مواد كيماويات وأسمدة صناعية ، اللحوم بدون أعلاف ومواد مركزة مما لها طعما لذيذا....  يعمل الأجداد والأباء البعض موظفين ضمن الدولة ، والآخرين في حرف عديدة يدوية والتجارة من بيع وشراء وتربية الحيوانات من أغنام وأبقار ودواجن ومعظمهم في فلاحة الأرض والزراعة بعرق الجبين من الفجر وطلوع الشمس إلى منتصف النهار الغداء والقيلولة بعض الوقت ، ثم إلى المساء والعشاء بعد صلاة المغرب مباشرة وبعض السمر والحكايات بعد العشاء على أضواء ونور الفنارات المزودة بالكيروسين والشمع أو ضياء القمر في ليالي الصيف المقمرة والنوم هادئي البال بدون إزعاج ولا ضجيج من أحد... رحم الله عز وجل ذاك الوقت الذي مضى ولن يرجع... والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع....

Saturday, September 17, 2011

قصصنا المنسية 14

 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين

              يوم 23 اكتوبر عام 1911م قصفت البوارج الحربية الايطالية مدينة درنة بوابل من القذائف النارية بغرض الاحتلال ، وقام جنود الحامية العثمانية القليلي العدد ، وآزرهم الكثيرون من الوطنيين، بالدفاع عن المدينة بالتمركز في خط المواجهة على الشاطئ المقابل للميناء الذي كان سابقا يبدأ من نهاية شارع رافع الانصاري إلى المستشفى القديم ، لمنع إنزال الجنود الغزاة على الأرض بطابور طويل ببنادقهم العتيقة الطويلة التركية الصنع، التي عفى عليها الزمن من القدم ذات الطلقة الواحدة والتي بحاجة إلى شحن بالبارود والرصاص بعد كل إطلاقة (بنادق بوصوانة) عديمة الفعالية والشأن.
                 أجدادي من ناحية الأب، صالح حسن زعطوط، ومن ناحية الأم،  مصطفى بن عطية (بورقيعة)، كانوا  من ضمن من لبى نداء الواجب، وتطوعوا في الخندق ليدافعوا ضد الأعداء حسب القدرات المتاحة... وعندما زاد الضغط عليهم من القذائف النارية من المدفعية الحديثة وقتها وسقط الكثيرون بإصابات بليغة ووجدوا ان المقاومة عقيمة حيث رصاصهم لا يصل للهدف تم إتخاذ القرار من المسؤول بالإستسلام ورفع العلم الأبيض بدلا من القتل وسقوط الضحايا بدون فائدة وهدم مركز المدينة القديمة بالقنابل، حماية للعائلات من الإبادة!
             توقفت المدافع عن الضرب والرماية وبدأت عملية التفاوض بين الطرفين على شروط الإستسلام وأصر القائد الايطالي على حضور قاضي المدينة الشرعي، الشيخ رويفع قاطش، الذي كان بصيرا أعمى ، وتحت الإصرار تم الإذعان ووافق القاضي على الذهاب وملاقاة قائد العدو لحقن الدماء ، وتم إصطحابه إلى الميناء وعلى احد القوارب التي تنتظر تم توصيله حتى صعد على السفينة وصافح القائد الايطالي ويده مغطاة بالجرد حتى لا تمس يده يد الغازي النصراني حسب رؤيته وإعتقاده في ذاك الوقت وقال كلمة مشهورة خالدة حتى اليوم تذكره بالخير مر عليها أكثر من قرن من الزمن ، (مرحباً بالقضاء والقدر)، ولما تم ترجمتها إلى الايطالية تبسم القائد الايطالي وقال نعم انه القدر أن نأتي إلى هنا غزاة فاتحين !!
             تم الاتفاق والتوقيع على الاستسلام والمنع للجنود الغزاة من الاستباحة للمدينة وإزعاج العائلات وبدأت الأفواج من الجنود تهبط إلى الشاطئ في سلام بدون مقاومة والسير في حقول شارع البحر في طوابير شاكية السلاح إلى وسط المدينة حيث قصر الحاكم والإدارة والمعسكر العثماني المهجور الذي تم الاخلاء له بسرعة.
                غادر الجنود الاتراك والوطنيين الليبيين من رجال المقاومة إلى مكان قريب على الهضبة في مكان حصين وسط الجبال جنوبا يبعد  حوالي 15 كم عن درنة، وأقاموا معسكرا للمقاومة ومنع العدو الغازي من التقدم للداخل أطلق عليه إسم (دور بومنصور) تيمنا بإسم القاضي منصور ، قاضي الجيش الإسلامي عندما إستسلمت ليبيا لجيوش الاسلام ، المدفون في مقبرة مسجد الصحابة في مدينة درنة .
             من اوائل الشهداء الضحايا يوم إحتلال مدينة درنة خالي الشاب، أحميدة مصطفى بن عطية (بورقيعة)، بشظية قنبلة وهو واقفا بجانب (التلسيس) كلمة تركية تعني برج اللاسلكي والتي كان الرماية والضرب بالقنابل مركزا عليه من البوارج حتى يتوقف عن الارسال وهو لا يعلم ولا يعرف وليست له دراية عسكرية بشؤون الحرب، مما تسبب في استشهاده .
                  الحكايات الكثيرة التي سمعتها في العديد من المرات عن الغزو وإنزال وهبوط الآلاف من الجنود الإيطاليين على الشاطئ واحتلال المدينة والعائلات التي تضررت في أعزائها الشهداء ، وعن البساطة والطيبة والنوايا الصادقة لدى المواطنين بدون خبث كما في يومنا الحاضر، وإحداها عن القاضي الشيخ رويفع قاطش في أحدى زيارات الوالد له صافحه وقبل يده بأحترام وقال له يقرئك السلام الأمير أدريس السنوسي وكان وقتها مريضا بالحمى ممدا بالفراش مما ظهرت الفرحة والسرور على وجهه محاولا النهوض بصعوبة ممسكا بيد الوالد بقوة محاولا تقبيلها ، والوالد يحاول سحبها خجلا وتقديرا وإحتراما للشيخ الجليل رافضا تقبيلها...  وقال الشيخ مسرورا أن اليد التي صافحت الأمير جديرة بالتقبيل تدل الكلمات على الحب والولاء والوفاء للعائلة السنوسية (حسب رواية الوالد لنا) والتي ضيعها أحفادها بإنزوائهم والتراجع في الخلف والبعد عن المقاومة والنضال ضد الطاغية القذافي وإستسلامهم للواقع لقاء حب الدنيا وعدم المخاطرة والتضحية مما ضاعت الأمجاد السابقة التي ضحى من أجلها الأجداد الأوائل .
                   كان الوالد المبروك مغامرا شجاعا  ولم يتوقف عن السفر والترحال والعمل الوطني وله قصص كثيرة وحكايات سوف تذكر بالتتابع مع الوقت في المدونات القادمة حسب السياق ... احداها كانت أثناء أواخر الحرب العالمية الثانية  عندما كان متخذا من التجارة البيع والشراء غطاءا ، وتمت الوشاية عليه وعلى رفاقه التجار الدراونة من واش من بنغازي إسمه ( صالح ....) حيث تم القبض عليهم من السلطات المصرية الهجانة السودانيين في منطقة الضبعة القريبة من السلوم على الحدود الغربية لمصر وهم على متن القطار في الطريق إلى مدينة طبرق (القصة مشهورة بقطار الذهب) وتم النقل إلى الاسكندرية وايداعهم في سجن الحدرة على ذمة التحقيق ضمن أسوء المعاملات من السجانين المصريين الذين ساموهم القهر والمهانة والتجويع المتعمد بقصد الإذلال وتقديم القليل من الطعام من فتات الخبز وصحون حساء العدس الفاسد الملئ بالسوس الذي بالكاد السجين يسد به الرمق للبقاء على قيد الحياة ... والإبتزاز والرشوة لأي طلب آخر وبالأخص الدواء للعلاج ، مما تأثرت النفسيات والروح المعنوية هبطت وتأثر السجناء ومرض البعض بأمراض خطيرة إستمرت في أجسادهم المنهكة حتى بعد الخروج وإطلاق السراح سنوات عديدة عانوا منها حتى توفاهم الله عز وجل .
                بعد جهد وجهود وعن طريق الوساطة من الأمير ادريس على أنهم رعايا ليبيين ومدير مكتبه المناضل السيد عمر فائق شنيب والذي أحد أقربائه الحاج اللواج شنيب كان سجينا معهم ضمن الرفاق ، تم الإفراج عليهم بعد عام ونصف من السجن والإعتقال بدون محاكمة عادلة ولا حكم بحجج الحرب ، وضاع كل الرأسمال من الذهب والبضائع الثمينة التي بحوزتهم في جيوب الضباط والجنود السارقين.
              وعن طريق الوساطة مرة أخرى من مكتب الامير ادريس تم الركوب لهم على متن القطار الذي تحت الادارة البريطانية المتجه إلى مدينة طبرق ليبيا بصفة عمالة والعمل في التزويد له بالفحم الحجري طوال الطريق حيث كان هناك نقص لليد العاملة نتيجة الحرب حتى الوصول إلى طبرق وهو يتوقف في كثير من الاحيان خوفا من الغارات الجوية لطائرات الالمان (الشتوكا) من القصف....  من مدينة طبرق مشيا على الأقدام حتى درنة مسافة 175 كم حيث لا مواصلات عامة ولا أي وسائل للنقل نتيجة اواخر نهاية الحرب العالمية الثانية ، ووصل إلى البيت بصعوبة مريضا صحيا ونفسيا من الإرهاق والمعاناة والبعد عن الوطن وكنت في ذاك الوقت أبلغ من العمر سنتين .
                الحوادث والمحن عديدة التي مر بها الوالد وستر الله تعالى وتمت نجاته في اللحظات الاخيرة حيث في أحد المرات عندما رجع من رحلة مصر تم القبض عليه مع بعض الآخرين في مداهمة لأحد المستودعات للجيش الايطالي (سوتو إستانسا)  للحصول على بعض المواد التموينية لعائلاتهم حيث جوعى ، وتم صفهم واقفين في طابور وظهورهم على الحائط إستعدادا لرميهم بالرصاص مواجهة ، وفي اللحظات الاخيرة مرت فرقة جنود ألمان وتم الخصام مع الإيطاليين على التصرف ومحاولة القتل العمد وتم النهر لهم والطرد واطلقوا سراح الليبيين مما تواروا بسرعة خوفا من رجوع الجنود الإيطاليين والانتقام .

                   وكان الوالد سريع الملاحظة وحفظ وجه العريف الالماني وتشاء الصدف بعد نهاية الحرب مباشرة ان شاهده مع فرقته التي أنقذته يوما من الاعدام على الحائط ، سجين حرب في معسكر (كاستيللو دي مسالسا) في درنة مما تعرف عليه ممتنا بالجميل وتولدت صداقة بينهم وطلب الإذن من سلطات المعسكر بضمانتهم بدعوتهم في بعض عطلات نهاية الاسبوع والأعياد على مآدب غداء عدة مرات في بيتنا في هضبة بومنصور، وقد شاهدت بأم العين شخصيا في حدود نهاية الأربعينات من القرن العشرين وعمري كان وقتها حوالي السبع سنوات بالكاد اتذكر وتتضح الصور ، الجنود الألمان الأسرى قبل اطلاق سراحهم والرجوع إلى المانيا ، العديد من المرات وهم جالسين على الارض القرفصاء (متربع أو ركبة ونصف) ويأكلون بأيديهم الطعام الدرناوي من وجبات الكسكسي والأرز (المبوخ) ولحم الضأن اللذيذ حيث وقتها لا نعرف إستعمال الملاعق والشوك والسكاكين اثناء تناول وجبات الطعام .
                تاريخ العائلة زعطوط مشرف قام العديد من رجالها بالتضحية والفداء عن إيمان وقناعة ضد المستعمرين الأجانب والحكام الطغاة أمثال الطاغية وغيره ، كل واحد منهم بطريقته الخاصة حسب الجهد والفهم والمعرفة ، الجد من ناحية الأم ، مصطفى بن عطية بورقيعة، حارب مع رفاقه المجاهدين في الخندق متصديا لجنود الطليان عند الأنزال من السفن الحربية وإستشهد خالي الشاب ، محمد من قذيفة قتلته في الحال وكان من أوائل الضحايا في أول يوم الغزو لمدينة درنة .
             والدي كان من ضمن المجاهدين في معركة القرقف الشهيرة والتي سوف تذكر في مدونات قادمة بالتفصيل ، والكثير من المغامرات في تسليم السلاح والمواد والرسائل ضمن شبكة العمل السري ضد العدو الايطالي إلى نهاية الحرب العالمية الثانية .
            عمي الفقيه عبدالجليل كان حافظا للقرآن الكريم والخريج في الشريعة الإسلامية من زوايا ومعاهد الجغبوب والكفرة وكان عضوا في الطريقة السنوسية يكن لها ولاءا وحبا وإحتراما خاصا بضمير وقضى بعض الوقت في معية سيدي أحمد الشريف الزعيم الروحي وقائد الجهاد الليبي في المنطقة الشرقية وحارب في معارك كثيرة ضد العدو الايطالي بدون عدد .
           أخي شقيقي الأكبر الحاج صالح تطوع في حرب فلسطين عام 1948 م ، وأولاد أخي الثاني الحاج حسن،، صلاح وفتح الله استغلوا فترة الزحام في توديع الحجاج المغادرين عام 1986 م ، وتم التسلل على الباخرة هاربين من ظلم القذافي من ميناء درنة إلى السعودية.
           وإستشهاد البعض من شباب العائلة في جبال اوراس من ضمن المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين والتي تمت التعزية رسميا من قبل وزارة الخارجية الجزائرية عندما تم الاستقلال للجزائر في بدايات الستينات إلى إبن عمي وجد اولادي، الحاج محمد زعطوط، النائب في برلمان مجلس النواب في العهد الملكي، والتحديات من طرفي والمعارضة على مدى طويل حوالي اربعة عقود من الكفاح المرير والنضال... والله الموفق .

               رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Friday, September 16, 2011

قصصنا المنسية 13

بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين

المجاهد البطل المرحوم  الحاج / المبروك صالح زعطوط
             عائلتنا لقبها زعطوط (بيت من بيوت قبيلة تواجير درنة) وعميدها الحاج المبروك زعطوط المجاهد الجندي المجهول الذي كان لا يحب الشهرة ولا الظهور في الأضواء ودوائر النور، كان دائما طوال حياته 1972/1892م... يعمل في الظلال ومن وراء الستار في صمت، والذي دائما يقول وينصحني أيام الصغر عندما نكون في جلسة سمر عائلية متسائلا له ببراءة وعفوية لماذا لم يكن من رجال الدولة والحكم ولديه المعرفة بالملك ادريس شخصيا وتربطه علاقة روحية أخوية مع آل بوسيف أخوال الملك ادريس والكثيرين من رجال السنوسية والقصر وله التقدير والاحترام نظير الكفاح والنضال .
                ويرد على قائلا يابني أي عمل أن لم يكن لوجه الله تعالى والوطن وبقلب طاهر ليس به خبث أو طمع فى جاه ومركز لن ينجح، لا اريد شهرة ولست بمنافق ووصولي وراضي بما قسمه المولي تعالى لي ولست محتاجا إلا للخالق الرازق ، العمل بالجهد والعرق والنضال الشريف هو العنوان والشاهد دنيا وآخرة ، مما كانت هذه العبارات والنصائح لها بالغ الأثر في نفسي وتعلمت الكثير من خلالها في مسيرة الحياة .
                الوالد المجاهد ضحى بالمال والجهد والوقت وتعرض للموت عدة مرات ولكن بحمد الله عز وجل نجى وكتبت له الحياة من جديد، وصمد أيام الإحتلال الإيطالي حيث حارب مع أخيه شقيقه الكبير الفقيه عبدالجليل الذي كان من أتباع الطريقة السنوسية وتخرج في الفقه وأصول الشريعة الإسلامية وحفظ القرآن الكريم وشروحه من منارات العلم والمعاهد الإسلامية التي تحت إدارة الطريقة السنوسية بالواحات، الجغبوب والكفرة...وكان في معية السيد أحمد الشريف كأحد الأخوان الفقهاء الحفاظ والجنود المتطوعين لحمايته في تنقلاته ومعاركه ضد الإيطاليين والإنجليز على الحدود الشرقية حتى تنازل عن الزعامة الروحية للطريقة السنوسية للأمير الشاب ادريس وغادر إلى اسطنبول بناءا على إستدعاء السلطان العثماني له بالقدوم .
                حارب الوالد الحاج المبروك مع رجال المقاومة السرية (المحافظية) لقب الثوار وقتها والمعسكر يلقب بكلمة (دور ) ولقرب بيت العائلة الذي كان محاذيا للسور الذي أقامه الإيطاليون وقتها على مدينة درنة من 3 جهات والرابعة كان الشاطىء والبحر حيث به الأسلاك الشائكة والعوائق لمسافة ، والسور لا يستطيع أي أحد المرور منه إلا ضمن أبواب معينة محروسة من جنود العدو وعليها حراسات قوية حتى لا يتسلل أي أحد من الوطنيين المحافظية إلى المدينة أو خارجها... ساعات الحظر من السادسة مساءا تغلق الأبواب حتى السادسة صباحا لتفتح من جديد للعبور مع التدقيق القوي فيحالات الاشتباه في أي أحد كان من السكان العابرين لمزارعهم القريبة او الرعي للأغنام والمسافرين.
                 السور الذى احيطت به مدينة درنة كاالسوار بحيث يمنع التسلل من المحافظية ودخول المدينة وشراء المواد الغذائية التموينية التي كانوا في أمس الحاجة لها للعيش ، والدواء لعلاج الجرحى الذين سقطوا في ساحات القتال والمعارك ، وكان السور الوحيد الذي بناه الطليان على مدينة درنة ، ولم يتم البناء لأي سور على مدن أخرى بالوطن منذ الاحتلال عام 1911م والخسارة والجلاء بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م ، حيث يعتبر تاجا من الذهب والجواهر تشع حبات لآلئه وجواهره على الرأس ببريق خاص ، يشرف المدينة وأهاليها طوال الوقت عبر الزمن ، وشهادة  تاريخية من العدو على الصمود والنضال .
              بيت العائلة في ناحية هضبة بومنصور بدرنة المشرف على نصف المدينة الشرقي والذي كانت به كهوف مستترة في باطن الأرض بها فتحات غير مرئية تم حفر ممرات سرية حتى تجاوزت السور وأصبحت ممرا للعبور صعب إكتشافها بدون وشاة أو مخبر جاسوس يعرفها معرفة جيدة. وكان الوالد أيام شبابه وصحته تاجرا بالسوق لديه دكان يبيع ويشتري فترة النهار ،  وبعض الليالي القاتمة يعبر السور إلى الدور القريب وبالأخص في الشتاء حيث الحرس يقبعون بالثكنات والغرف العالية التي بها فتحات ونوافذ من أعلى السور إتقاءا للأمطار والبرد مما لا يسمعون الأصوات نظير هدير الرياح وزمجرتها و يتم المرور بسهولة.
               وأيام الليالي المقمرة كان مع رفاقه يقضون الوقت الطويل في صبر وإنتظار وترقب الفرص حتى تتاح وتسنح و يعبرون في صمت فقد كان الحرس يسير على السور شاهرا السلاح بخطوات عسكرية من ركن إلى ركن حتى يتلاقون وجها لوجه ثم يسير كل واحد منهم عكس الإتجاه إلى النقطة الأخيرة ثم يرجعون كل إلى مكانه إلى الفجر حتى بزوغ الشمس والنور والضياء يعم المكان عندها يتوقفون حيث الرؤية واضحة لمسافات .
               رجال المقاومة السرية معرضين حياتهم للخطر الهلاك والموت في حالة الانتباه والقبض عليهم ، يتسللون الواحد وراء الآخر في صمت وسكون وهم يحملون السلاح والذخيرة والمواد التموينية المطلوبة لمناصرة المحافظية قبل بزوغ الفجر في الظلام ، ويقضى بعض الوقت في الدور خفية حتى لا يلاحظ وجوده على العلن الا من البعض ذوى الثقة خوفا من العيون والجواسيس الذين يتعاملون مع العدو، أو لا قدر الله تعالى أى محافظى ثائر يسقط رهينة لدى العدو أثناء المعارك أو بالصدفة، وتحت الترغيب والترهيب أو العذاب والجلد بالسياط ينطق بالأسماء المحلية، الوطنيين الذين يتعاونون مع الدور منعا من حدوث المصائب . ويوما من الأيام وشى بالوالد أحد الوشاة المحليين في المدينة للإيطاليين بأن الوالد لديه قطع سلاح (مسدسات) وذخائر بالبيت وكان أحد الليبيون "زبطية "(مجند في خدمة الإيطاليين) يسمع الواشي وهو في حضرة المسؤول يذكر اسم الوالد وصحي ضميره فقد كان الوالد محبوبا شعبيا محليا وعديلا لقريبه وأبن عمه الحاج عبدالرازق الحاسي الذي كان زوجا لخالتي ، مما بعث إبنه الصغير بسرعة للوالد بالسوق طالبا منه أن ينتظر قدومه بعد الظهر، مما فهم الوالد معنى الرسالة الخطيرة أنه سوف تتم المداهمة وتفتيش البيت.
                ترك المحل بالسوق مفتوحا مثل العادة ووضع العكاز على كرسيين بالأمام بحيث إشارة أن المحل مغلق وصاحبه غير موجود وذهب للبيت مسرعا خلال الأزقة الخلفية وعبر جبانة الصحابة القريبة من البيت لإختصار الطريق وهو شارد الذهن ... يفكر بقوة من أجل البقاء والحياة داعيا طالبا الله تعالى النجدة والإنقاذ كيف يستطيع أن ينظف البيت قبل وصول الجنود . ووصل للبيت ولم يكن لديه وقت طويل حتى يحفر أو يجد أي مخبأ أمين، وهداه الله تعالى بأن يضع المسدسات والذخيرة في كيس قماش كبير وربطه بإحكام وقوة ، ووضعتها أمي ( رحمها الله تعالى ) على ظهرها وكأنها تحمل طفلا رضيعا وأحكمت الحرام اللباس التقليدي الليبي برباط الحزام بقوة حتى لا ينزلق الكيس ويسقط أثناء المشي وتغطت بالجرد العباءة وهى تصطك وترتعش من شدة الخوف والرعب من المخاطرة والمجازفة بالحياة ، والذي لو حدث أي خطأ وقبض عليها فسوف تعدم بحبل المشنقة وتنتهي حياتها  للأبد .

              لحظة خروجها كان الجنود بالقرب من البيت وبعضهم على الباب وأفسحوا لها الطريق فقد كان الإحترام واجبا للنساء، ولو أي جندي من الدورية تجرأ ولمس الوليد على ظهرها بالشك أو بالصدفة للتفتيش فسيصطدم بحديد المسدسات والذخيرة ، وتبدأ المصيبة ولكن الله عز وجل ستر ، وخرجت بخطوات رتيبة وهي ترتعش حتى وصلت إلى مقبرة الصحابة ورأسا إلى البئر الذي كان بالمنتصف وتطلعت حواليها في جميع الاتجاهات خوفا من العيون المتلصصة وكان وقتها ساعة القيلولة والناس مرتاحين بعد تناول وجبة الغداء ونيام من حرارة طقس الظهر القائظة والمقبرة مهجورة ليس بها أي أحد ووقفت على البئر وأعطته بظهرها وأسقطت الجرد على الجانب وفتحت الحرام والحزام مما سقط كيس المسدسات والذخيرة في البئر بقوة وسمعت صوت الإرتطام بالماء مما إرتاحت ورجعت لها الحياة والهدوء ورجعت للبيت فرحة من غير أن يدري أي أحد أو يلاحظ .
                بالبيت قبض الجنود على الوالد وأصبح تحت الحراسة والمراقبة حتى لا يهرب أثناء التفتيش وإخوتي وأخواتي في هلع ورعب خائفين على مصير الوالد من العذاب والشنق ، وكنت وقتها لم أولد بعد ولكن سمعت عن المداهمة وقصص أخرى عشرات المرات أيام الصبا والشباب ، وتم التفتيش بدقة ولم يترك أي مكان أو فجوة حتى تمت مراجعتها عدة  مرات ، ولم يجدوا أي سلاح أو أي شىء غير قانوني ضارا ، وكان الزبطية الليبي ممسكا بسوطه في إنتظار الأوامر واقفا يغالب الإبتسامة سعيدا يضع أصابعه على شواربه وهو يفتل فيها بسرور أن الأزمة مرت على سلام نتيجة التحذير منه .
             الكابتن الإيطالي إستشاط غضبا من الوشاية والتهمة الكاذبة حيث الواشي ضيع عليه وجبة الغداء و نومة القيلولة والراحة وأمر بضربه 100 جلدة بالسوط على ظهره بدل المكافأة والذي كان موجودا في معيتهم حتى يتأكد مرة ثانية من صحة المعلومات ولا يتهم أي إنسان برئ بالباطل.
              هذه العادة أيامها أن لا يفتش أي بيت لمواطن محلي إلا بحضور الواشي وشيخ المنطقة وعمدة القبيلة التي ينتمي لها المتهم بحيث يصبحون شهودا على الجرم المشهود في حالة الوجود للممنوعات وقت المداهمة والتفتيش ، الذي عقابه الموت بالشنق في مدينة المرج بدون محاكمة، لو وجدت المسدسات والذخيرة بحوزته بالبيت حسب المعلومة .
             وقام الزبطية الليبي متشفيا مع بعض الجنود بربط الواشي في أحد الأشجار مقابل البيت وجلده بسرور وهو فرحا سعيدا حسب ماقاله والدي لنا عندما كبرت في حكاياته وقت السمر في بعض الليالي، عندما كان يحدثنا عن قصص الجهاد في الوطن العديدة وعن ما مر به من مصائب ومحن والتي بفضل الله تعالى ورضاة الوالدين نجى منها وعاش ، والله الموفق .

                  رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع....

Thursday, September 15, 2011

قصصنا المنسية 12

 بسم الله الرحمن الرحيم

 التهديد بالقتل

جنازة المرحوم ادريس العيساوي 
                  قام اللواء نوري الصديق في   اليوم الثاني بتأبين الفقيد العقيد الركن، ادريس العيساوي،  في حشود المعزين المشاركين في  الجنازة الكبيرة بالمقبرة وقت المواراة في الثرى  وكان الجثمان مسجى أمامه، مقسما يمينا بشرفه العسكري أمام الجميع أنه لن يهدأ ولن  يتوقف حتى يقدم القتلة للعدالة مهما كان الثمن والتضحيات... وكان للحادث المؤسف أبعادا كبيرة أخرى خطيرة لا يعرفها ولا يعلمها وغير ملما بها وتم إنذاره وتهديده بسرعة في الحال في نفس الليلة بالصمت والسكوت وعدم التدخل في الصراع السياسي في القصر ... واذا قام بأي نوع من المتابعة وإفشاء الاسرار، فسوف يكون مسيره العقاب العنيف والاغتيال والدفن بجوار القتيل، مما خاف من الوعيد والتهديد وصمت حتى وفاته بعد عقود عديدة من الحادثة الأليمة ووفاة الشهيد...للأسف!
               تابعت شخصيا الموضوع بشغف ولهفة حيث الإتهامات عديدة لكثير من الأطراف المتورطة ، محاولا معرفة وإستجلاء الحقيقة من الشاهد الأول الرئيسي الذي سمع الإعتراف الأخير من الشهيد الضحية وكان بودي تحديد ميعاد  ولقاء اللواء نوري الصديق شخصيا في كبره وتقاعده في طرابلس والحديث معه عن الموضوع الذي مر عليه زمن طويل، لأعرف رأيه وممكن سماع بعض الأسرار الخفية الخاصة بالموضوع .
                 كانت الظروف صعبة وقتها نتيجة الملاحقة والمراقبة لي من عيون الأمن لنظام القذافي ، عندما رجعت من الغربة بعد غياب طويل إثني عشرة عاما ونيف معارضا في الخارج ، وضاعت علي الفرصة للأبد عندما سمعت خبر وفاته وكم حزنت أنه لم تتاح لي الفرصة وجها لوجه وسؤاله شخصيا عن الحدث ، ولا أعرف إن أخذ السر معه للقبر، أم باح وصرح به لأحد أولاده وهو يحتضر، أو كتبه في مذكراته الشخصية إذا سطر الذكريات على ورق ولم تنشر بعد؟؟؟
               إغتيل الضابط أدريس العيساوي وكانت صدمة كبيرة ونكسة لعائلته وجميع محبيه من المدنيين والعسكريين  الذين عرفوه شخصيا ، وخدموا تحت إمرته لشهامته ورجولته، وكانت ايضاً صفعة كبيرة للمخابرات الأمريكية التي أيدته وراهنت عليه وخسرت الجولة الأولى في حلبة الصراع المستمرة لعديد الجولات بدون توقف ، مما دبرت حادثة سيارة شنيعة بعدها بفترة للبوصيري الشلحي الذي كان متهورا في القيادة بسرعة جنونية لسيارته الجاغوار في منطقة إجدابيا وهو راجعا من زيارة الملك في طبرق إلى طرابلس العاصمة ، وتوفي في الحادث الشنيع...  وكانت صفعة وردا لكل من ساند آلِ الشلحي وبالأخص القوى الخفية البريطانية وعملاؤهم بالقصر وتم أخذ الثأر للعيساوي الشهيد.
                للأسف القصة تكررت بسذاجة نظير الهيمنة والنفوذ الغير طبيعي على الملك ، وولي عمر الشلحي الأخ الأصغر بنفس الطريقة والرعاية مستشارا خاصا للملك، وكأن ليبيا عقرت عن إنجاب الرجال ولا يوجد بها كفاءات قادرة على المهام الكبيرة وتولي المناصب العالية الرفيعة بدون هذه العائلة ليتولى أفرادها الواحد وراء الآخر المناصب العالية المهمة كلما حدثت لهم مصيبة ونكسة نظير الطمع للحكم والسلطة والتحكم في الملك بقوى غير طبيعية .

             الملك كان زاهدا في الحكم كما يشاع وحاول أكثر من مرة التنحي والتقاعد وترك العرش لإبن آخيه ولي العهد الأمير الحسن الرضا نتيجة كبر السن ، لكن جموع الشعب والجماهير تأتيه في مظاهرات صاخبة باكية أمام القصر في طبرق طالبة العدول عنها بإيعاز من آل الشلحي وعملائهم الذين يوفرون  الإقامة في طبرق والمواصلات للقدوم من المدن الاخرى بالمجان ، كتغطية لإثبات حب وولاء جماهير الشعب للملك ادريس طالبين العدول والاستمرار في الحكم والعرش، حتى يستمرون في البقاء بالمناصب ونسج المخططات والحكم حيث الملك إدريس سندهم الوحيد للبقاء ، مما الملك يخرج إلى الشرفة ويشاهد الآلاف من المواطنيين باكين ، يتأثر ويتوقف ويعدل عن الاستقالة وتستمر المشاكل في التعقيد وتزداد بلا حلول جذرية.
                بدأ الصراع يزداد ويتأزم بين العائلات آل الشريف و آل الشلحي محليا من جديد تغذيه القوى الخفية من الطرفين البريطانيين والأمريكان (مع انهم حلفاء) للهيمنة على المملكة والدخل الخيالي وثروة النفط وأهمها الموقع الاستراتيجي للوطن على البحر الابيض المتوسط والقرب من اوروبا ، ومنع المد الناصري والشيوعي من إجتياح دول وشعوب شمال أفريقيا والقارة السمراء فترة الحرب الباردة بين النسر الأمريكان الغرب والدب الروسي الشرق .
            عائلة الشلحي المنكوبة تجاوزت حدودها نظير الطمع في السلطة والثروة للوطن وهي دخيلة بدون جذور عميقة نابعة في ليبيا ، الجد من أصول مغربية جزائرية وصل إلى ليبيا مريدا مع عميد الاسرة السنوسية الشيخ محمد علي السنوسي عند مروره على ليبيا في رحلته للحج مع بعض مريديه وأتباعه ، وبعد الرجوع من اداء الحج تم الاستقرار في ليبيا وبناء اول زاوية للطريقة السنوسية فى المدينة القديمة بمدينة البيضاء الجبل الأخضر .
           أغتيل عميدها أبراهيم الشلحي نظير الصراع الدائر وقتها على الحكم في القصر ، وبعده بسنوات لحقه إبنه الأكبر البوصيري في حادث سيارة مدبر والثاني عمر الشلحي المرشح لتولي المهام الصعبة ، لم يفرح في الاستمرار في المركز الرفيع المهم ، قضى عليه الإنقلاب سنة 1969م وأصبح مهاجرا طريدا بدون وطن بالغربة في سويسرا بعد عز وجاه بالوطن .
               والإبن الثالث الضابط العقيد الركن عبد العزيز برئاسة الأركان بالجيش دخل السجن فترة واطلق سراحه فيما بعد وظل سنوات عديدة سجينا في بيته تحت الاقامة الجبرية ممنوعا من الخروج ، مهمشا بدون ذكر ، حتى أصابه المرض من الهم والغم ، بعد العز والصولجان يصل لهذا الحال المؤسف من الضياع والهوان من قبل أوباش.
               إنها مآسى ومصائب حدثت وتوالت لم تأت  من فراغ، لها أسبابا قوية غيبية ، عين الله تعالى الساهرة تراقب تمهل ولا تهمل... "عشم" ليبيا الطاهرة الصابرة ليس سهلا ولا يمر مرور الكرام بدون دفع الثمن وتقديم الضحايا والدم، وأي إنسان ليس أصيلا جذوره نابعة من الوطن له مرجعية وصلات رحم ودم ، لا يستطيع الصمود والبقاء مهما سعى للحكم والسيطرة بالدسائس والإرهاب وإستغلال المؤسسة العسكرية الجيش وقوة السلاح ، في الوصول والبقاء والحكم بدون عدل وتقوى ، النهاية السقوط الموت والفناء لمن لا يعتبر ولا يتعظ ، ويلعب بالنار ومصائر المواطنين الأبرياء .
           حيث ليبيا مثل الرصاصة حارقة خارقة لمن أراد بها السوء من الإستغلال والنهب مهما تم من خداع تمثيل وتدجيل للبقاء في سدة الحكم بإستمرار له وقت معين محتوم في علم الغيب وينتهي الامر ، فلا يصح الا الصحيح ... والله الموفق .

             رجب المبروك زعطوط 

 البقية تتبع...

Tuesday, September 6, 2011

قصصنا المنسية 11

بسم الله الرحمن الرحيم

 الإغتيال الثاني في المملكة


العقيد الركن ادريس العيساوي
               حدثت أحداث كثيرة سياسية خطيرة أثرت على مسيرة المملكة الفتية الناشئة والتي مع الوقت والصراعات العائلية المحلية والعالمية أنهتها وأزالتها من خريطة الوطن ليبيا إلى الآن ، وبدايات الانهيار منذ اليوم الأول لإكتشاف النفط والغاز بكميات كبيرة مما جعلت العيون الدولية والأطماع الخفية تتجه لها بقوة وتخطط للسيطرة عليها نظير قلة الشعب في المساحة الكبيرة الغير آهلة بالسكان ، والموقع الإستراتيجيي جنوب اوروبا وبوابة مهمة للعبور إلى دول افريقيا المغلقة بدون مواني مطلة على البحر مثل دول تشاد والنيجر وغيرها ، والثروات الرهيبة من النفط والغاز بباطن الأرض، ووجود الأطلال شامخة من بقايا الآثار للحضارات السابقة شواهد في أماكن كثيرة بالوطن التي معظمها لم تكتشف بعد مما كانت هذه العوامل العديدة أساسيات للهيمنة بسهولة .
                 وزادتها تدخل شركات النفط العملاقة العاملة في ليبيا في السياسة المحلية عن طريق عملائها المرتشين القطط السمان المعروفين والذين البعض منهم مايزالون إلى الآن على قيد الحياة (لا أريد الفضح ولا التشهير والله سبحانه وتعالى يوما يأخذ الحق)... الضغوط بطريقة او اخرى على تغيير الدستور وإلغاء نظام الولايات الإتحادي لثلاثة أقاليم،  ولايات (برقة و طرابلس وفزان) والاستبدال إلى مملكة متحدة حتى لا يتم الاصطدام بقوانين الولايات المختلفة في الاستكشاف مما سهل نهاية المملكة وضياعها للأبد.
                 حكايات قيلت كثيرة همسا في الخفاء ووراء الستار على زيارة الامير ولي العهد الحسن الرضا إلى أمريكا للتعريف به كملك المستقبل للأدارة الامريكية أيام حكم ولاية  الرئيس جون كنيدي، وكان من ضمن الوفد المرافق الضابط بالجيش العقيد الركن  أدريس العيساوي الذي أسرته من إخوان الطريقة الروحية السنوسية مؤيدا لعائلة الشريف الأصيلة خصوم آلِ الشلحي في السر.
              تردد في الأوساط الضيقة وفي الخفاء همسا أنه كان بطريقة أو أخرى متعاونا مع جهاز المخابرات المركزية الامريكية  (CIA)... وأنهم كانوا يعدونه لحكم ليبيا الفعلي مستقبلا عندما يتقاعد أويتنازل الملك ادريس عن العرش ويتولى ولي عهد المملكة الخجول رهيف الحس من الطيبة حميد الأخلاق والأدب، الغير قادر على الحكم كما أشيع عنه في ذاك الوقت في الأوساط من معظم رجال الدولة الذين عرفوه معرفة جيدة عن قرب .
              كانت المخابرات البريطانية تخطط لمصالح دولتها الاستعمارية بضمان بقاء السيد البوصيري الشلحي في منصب الحاكم الفعلي، متخذا من الملك وبعده ولي العهد غطاءا للحكم وكان الملك إدريس على علم بالصراع وماذا يحاك من دسائس في القصر ولا يريد هز المملكة و دمغ ملكه بسفك الدماء ومحاسبة وعقاب الكثيرين من الأطراف المتخاصمة على السلطة والثراء وآثر السلامة والتقاعد حيث كان رجلا مسالما تقيا غير مهتم  بالحكم .
             القوى الخفية الأمريكية الماسونية تعمل جاهدة في هدوء على عدة محاور وبدائل لتولي العقيد الركن، إدريس العيساوي، المهام الصعبة ويصبح الرجل الأول في السر والخفاء يقود الجيش ويتخذ من ولي العهد الملك المستقبل غطاءا للحكم الفعلي، أو غيره من العسكريين المرشحين ضمن القائمة الجاهزين للوثوب إلى المقدمة عندما يحين الوقت ، مما بطريقة أو أخرى ينتهي نفوذ آل الشلحي ومن ورائهم هيمنة ونفوذ بريطانيا من الوجود في ليبيا .
             تم تنبيه آلِ الشلحي بما يدور في الخفاء من سادتهم البريطانيين حتى لا يعم عليهم الفيضان فجأة وهم في غفلة ويجدون انفسهم مطرودين من القصر إلى غير رجعة للأبد ، وسارت الامور في منحنيات أخرى خطيرة خوفا من الضياع والمصير القادم بسرعة والذي على وشك الحدوث مما زادت لهيب النار ، وتقرر أن الهجوم أحسن وسيلة للدفاع ، ودبرت مكيدة للقضاء على رأس العملية المختار المنافس ، قبل ان تحدث.
             تم إغتيال أدريس العيساوي في بنغازي يوم 1962/12/9م  عندما أستدعى بحيلة ماكرة ليلا بالهاتف بالقدوم للمعسكر على عجل بسرعة الذي كان آمرا له حيث به مشكلة وتمرد تحتاج وجوده الشخصي ولا تتحمل الإرجاء حتى الصباح ، عندما كان مع أصدقائه في أحد المقاهي في ميدان الشجرة بنغازي كالعادة يسهر ويلعب الورق ، وقال لأصدقائه مودعا وهو يخرج أنه سوف لا يتعطل كثيرا ويرجع بسرعة لتكملة السهرة ولم يعلم وقتها الغيب، ان القدر ينسج له في الكفن والقتلة المجرمين في إنتظاره بالمرصاد للقضاء عليه.
              ذهب خالي البال لوحده بدون أي رفيق ولا حراسة وقاد سيارته حيث ذاك الوقت الأمن والأمان مستتب والمعسكر الذي يقصده على طريق بنينا المؤدي للمطار شبه مهجورة من حركة المرور لقلة السيارات ولا أضواء ونورا على الجانبين كما الآن ...  ووجد حاجزا بالطريق مما توقف ليستجلى الامر خالي البال لا يدري ماذا يحاك له وإقترب آحدهم وأطلق الرصاص عليه عدة عيارات مواجهة في الصدر والبطن وكان الشهيد شجاعا دافع عن نفسه بمسدسه والرد بإطلاق الرصاص مما كثرت الأصوات نتيجة تبادل إطلاق العيارات النارية المدوية في سكون الليل الهادئ وهرب الجناة خوفا من القبض عليهم أو الملاحقة .
              حضرت النجدة وتم نقل المصاب وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة ينزف الدماء ونقل إلى المستشفى الخاص داخل المعسكر البريطاني وكأن الامر مرتبا مسبقا بدلا من نقله إلى المستشفى العام الوطني داخل المدينة للعلاج ...  وطلب المصاب حضور قائد الجيش رئيس الأركان وقتها اللواء نوري الصديق الذي حضر على عجل وشاهد الشهيد في لحظاته الأخيرة وهو يصارع الموت ، وسمع الإعتراف والكلمات الأخيرة من كان القتلة وراء الرماية بالرصاص عليه قبل ان يودع الحياة ويموت متأثرا بالجراح .
              أثير همسا في الأوساط الضيقة عن طريق احد الممرضات البريطانيات كانت  شاهدة عيان للحدث داخل المستشفى وقتها صديقة أحد الضباط الشباب الليبيين بعد وفاته بفترة والتي إعترفت في أحد لحظات النشوة وصحوة الضمير بالحقيقة المرة ، أن الشهيد لم يعطى له الاهتمام الكافي بالعناية والعلاج كما يجب من الأطباء بالمعسكر، والذي كان من الممكن إنقاذ حياته ونجاته من الموت ، بل ترك عن قصد مبيت ينزف الدم حتى توفى (رحمه الله تعالى) والتي بعد فترة توارت ويقال أنه تمت مدة خدمتها في بنغازي ليبيا وتم نقلها إلى احد الدول في الكومنولث البريطاني منعا للمتابعة وتوثيق شهادتها رسميا للأيام ، والحقيقة يعلمها الله عز وجل... والله الموفق .

             رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع....

Saturday, September 3, 2011

قصصنا المنسية 10

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الصراع السياسي 

              قدمت عائلة الشريف أفدح التضحيات وقتها نتيجة غضب الملك عليها والدس والوشايات وتزوير الحقائق من أعوان ومنافقي آل الشلحي المستشارين بالتأكيد له ان إغتيال الضحية كان مدبرا من كبار عائلة الشريف وليس عملية فردية قام بها القاتل ويتحمل نتائجها شخصيا.... وبناء عليه تم سحب وإزالة الحصانة الملكية عن الجميع والإقالة الجماعية من الوظائف الرئيسية بالدولة من مدنية وعسكرية والإبعاد والنفي مع العائلات إلى العقيلة ومرادة والواحات والحصر كمعتقلين في البيوت وعدم الخروج والاختلاط مع الآخرين من ابناء الشعب والمنع بالتنقل والسفر من مكان إلى آخر بدون  إذن من السلطات المحلية ، مما كانت نكسة ومصائب حلت بعائلة آل الشريف السنوسية وأصبح الجرح عميقا بين الإخوة وأولاد العم القريبين من نفس الدم يرجعون إلى جد واحد ، لن يلتئم بسرعة ، وعجل بإنتهاء المملكة ، وقدوم القذافي إلى سدة الحكم والإستيلاء على الوطن بسهولة .
                 كان خطئا كبيرا إرتكبه الملك إدريس مع أنه كان ذكيا وداهية بإبعاد عائلته التي لها هالة قدسية دينية خاصة لمساندته والظهور يدا واحدة متضامنين... كانت لهم الهيبة والإحترام لدى الرأي العام... ولا يستغل المنافقين في القصر والحكومة غضب الملك لمآربهم الخاصة للضغط والتشفي والقهر للعائلات المنكوبة من جميع الأقارب والأصهار والأصدقاء الذين يمتون للمغضوب عليهم بصلات، بحيث أصبح الملك وحيدا أسيرا في قصره لعائلة الشلحي غطاءا ، ووراء الستار يحكمون المملكة فعليا بإسمه.
               وزاد القهر والأخطاء القاتلة إستدعاء الأبن الأكبر للمرحوم إبراهيم ، الطالب البوصيري الشلحي من لندن والمتزوج إنجليزية وقلده منصبا كبيرا بالديوان الملكي خلفا لوالده المغدور به (وكان ممنوعا تقلد مناصب رفيعة قيادية بالدولة للمتزوجين بأجنبيات غير ليبيات الاصل) ولكن تنفيذا لرغبة الملك تم التجاوز ، وبدأ السوس ينخر في جسم المملكة وأصبح آل الشلحي الحكام الفعليين من وراء الستار للوطن العملاء لبريطانيا في السر وكانت نقمة ومأساة على الوطن والشعب الليبي منذ ذاك الوقت في الخمسينات من القرن العشرين الماضي ونحن الوطنيين المظلومين ندفع الثمن الغالي ونقدم الضحايا والتأخر والتقهقر إلى الوراء حتى الآن .
                 لقد ساعد على قيام الإنقلاب سنة 1969م الأطماع الخارجية الدولية في الثروة وطرد المد الناصري والشيوعي عن شمال افريقيا ، وزهد الملك نظير الفتن والمصائب والدس في القصر والتنازل عن العرش لولي العهد ضمن ترتيبات خاصة سرية بحيث يتم التتويج سلميا في الاسبوع الاول من شهر سبتمبر 1969 م وجميع الضباط الكبار بالجيش والمسؤولين ذوي القرار على علم بطريقة أو أخرى بالتغيير السياسي الذي سوف يحدث في المملكة.
                إستغلت القوى الخفية الدولية الماسونية وخططت ودعمت عميلها القذافي البديل للقفز بسرعة وخداع الجميع مستغلا الجيش والوصول للسلطة قبل الوقت المحدد بفترة أيام مما نجح الانقلاب في الساعات الاولى من قيامه والاعلان عنه في الراديو عبر الاذاعات العديدة والقناة المرئية الليبية التي مازالت حديثة وتبث الإرسال عدة ساعات كل يوم ، بدون أي نوع من أنواع المقاومة ، وتم القبض والسجن للجميع خلال ساعات وهم نائمين وعلى رأسهم ولي العهد الذي تحت ضغط الانقلابيين والتهديد بالقتل تنازل عن العرش طواعية وشاهدته شخصيا في القناة المرئية صورة وصوتا وقتها،  مما كانت صدمة كبيرة لجميع مؤيدي الملكية التنازل بسهولة بدون أية مقاومة تذكر!
                وصل الملازم القذافي لقمة الهرم والسلطة صغير السن، في السابعة والعشرين من العمر، نظير الخداع والمفاجأة للشعب الذي يريد ويحب التغيير والجاهز نفسيا ومعنويا من خلال خطب الرئيس عبدالناصر اللاهبة ضد المستعمرين بريطانيا وأمريكا على الوجود والقواعد العسكرية في ليبيا ضمن المعاهدات ، ومستغلا المؤامرات والدسائس في القصر بين العائلات ، والفراغ السياسي وعدم وجود أحزاب وكتل وكيانات سياسية تقود الوطن للأصلح والتي ألغيت بمراسيم ملكية بناءا على نصائح المستشارين البريطانيين بدايات استقلال ليبيا . وبالأخص عندما تفجرت ثروة النفط الخيالية ، وأصبحت ليبيا بين ليلة وضحاها من فقر مدقع  تحتاج للمعونات إلى أغنى دولة في شمال أفريقيا، يتهافت عليها الجميع .
             كانت المؤامرات والمغامرات في القصر تحاك في سرية تامة ولا تكاد تظهر لأبناء الشعب أخبارها الا القليل من الحديث أثناء لحظات النشوة من بعض المسؤولين وأصحاب القرار في الحكومة والذي تحصلت على الكثير من المعلومات المفيدة أثناء أقامتي لعدة شهور في القاهرة بمصر في معية ورفقة بعض رجال العهد السابق المسؤولين عام 1980م اللاجئين المقيمين والمهاجرين فى مصر وبعض الدول الآخرى من خلال المعرفة والصداقات والاجتماعات العديدة للمعارضة ضد النظام .
             كان البريطانيين وبعلم ومباركة الملك ادريس يعدون  البوصيري الشلحي عميد الأسرة بأن يكون الحاكم الفعلي لليبيا ،  وبعقلية ذاك الوقت البالية في الوحدة والمناصرة بين العائلات اللإلتحام بعلاقات الدم بالمصاهرة والزواج،  وتم طلب يد كريمة والي برقة السيد حسين مازق للزواج من عمر الشلحى أحد أخوة البوصيرى النافذ بالقصر والديوان ، لضمان تأييد ومساندة عائلة الشلحي من قبل قبيلة البراعصة التي لها الحظوة عند الملك ضمن علاقات خاصة روحية مع عميد الأسرة السنوسية الشيخ محمد بن علي السنوسي عند مروره  بليبيا قادما من الجزائر ذاهبا إلى الحج ، حيث آل الشلحي أصولهم جزائرية   ولم يكن لهم جذورا قبلية ولا عائلية في ليبيا ، وتم طلب الزواج من قبل الملك أدريس، والذي لم يستطيع الوالي وقتها الرفض لطلب الملك وهو يعلم أن الزواج غير عادل ووافق نظير إعتبارات سياسية واحتراما لطلب الملك.
               في ذلك الوقت كانت النعرة القبلية في قمتها بالمنطقة الشرقية وبالأخص أهل البادية الذين يؤمنون بالتلاحم والمناصرة برباط الدم والمصاهرة، متناسين ناسين أن هذه الأمور مع الزمن والتقدم والعلم وزيادة عدد السكان بدأت تتلاشى وأن القبائل في إضمحلال مع الوقت بحيث مستقبلا تصبح عبارة عن روابط أجتماعية وليست وحدات وكيانات سياسية لها التأثير في صنع القرار .
             وقام الملك بخطبة يد كريمة السيد الطاهر باكير القرمانلي، والي طرابلس في ذلك الوقت، كزوجة لولي العهد الحسن الرضا، ترضية لكي  يضمن ولاء الطرابلسيين كما كان يعتقد ويخطط رجال القصر بأن ملكة ليبيا المستقبل من الغرب، وهو أمر  لم يحدث نظير الإنقلاب وزوال الملكية من خريطة الوطن .
              المشكلة أن الدولة فى ذلك الوقت كانت تدار بالعقليات التى عفى عليها الزمن ولا تتماشى مع العصر والتقدم وحسب ما سمعت كثيرا أيام الشباب في العهد الملكي من أشخاص موثوق بهم معظمهم في ذمة الله تعالى (رحمهم الله تعالى) عندما تأتي للملك أي شكوى من أحد شيوخ القبائل أو المسؤولين الصادقين الوطنيين عما يدور بالمملكة من تجاوزات وأخطاءا فادحة للمتابعة قبل أن تسبب الأضرار بالمستقبل للوطن، وتصل إلى أسماع حلقة رجال القصر، بطريقة أو بأخرى، يتم الإبعاد والحصار له في السر من أياد الشر الخفية ، وجميع المصالح تتعطل حتى ينتهى مقدم الشكوى والنصح في صمت نظير الإبعاد المتعمد .
               الملك إدريس كان أسيرا ورهينا ضمن حلقات وجواسيس وعيون آل الشلحي والبريطانيين في القصر والإدارات وأوساط الجماهير ، ولا يستطيع عمل أي شىء فعليا ضدهم مع أنه داهية ليس سهلا كما يعتقد الجميع ، ولكن مسالما ليس بشرس ، لا يحب العنف والدم، ويقال أن التأثير الكبير والغريب والذي يشاع في الاوساط الشعبية في همس نتيجة أسرارا او قوى باطنية سحرية خاصة لها تأثيرا كبيرا عليه منذ بقاء أبراهيم الشلحي في خدمته المدة الطويلة والمتابع لجميع ما يحدث وحدث من أسرار وخفايا حتى يوم إغتياله ووفاته، والعالم بالأمور الله عز وجل ...  والله الموفق .

                 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Tuesday, August 30, 2011

قصصنا المنسية 9

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الإغتيال الاول في المملكة

               خلال عهد المملكة الليبية من 1951/12/24م  إلى 1969/9/1م  حدثت مآسي كثيرة وصراعات شديدة محلية ودولية بين الكبار  في الخفاء ، تنافسا على حكم المملكة الناشئة   والنتيجة المريرة أدت إلى الانقلاب ومجئ العسكريين والقذافي على رأس السلطة وزوال العهد الملكي من الوجود نظير الصراع المميت الشرس في صمت وتحت السطح بين عائلة الشريف السنوسية ، وعائلة الشلحي الطامعين في الحكم من وراء الستار وفي الخفاء متخذين من الملك إدريس وولي عهده  غطاءا وواجهة يعملون من ورائها لتحقيق مآربهم الخاصة ومصالح أسيادهم البريطانيين للهيمنة على ليبيا .
            عائلة الشريف لم تكن راضية عن الوضع ومحاولة إبعادهم عن القصر والحكم ، وتم الاتهام القوي في صمت لناظر الخاصة الديوان الملكي السيد ابراهيم الشلحي وصيف وحاجب الملك ادريس خلال مسيرة العمر والكفاح السياسي والذي كانت له حظوة خاصة كبيرة وتأثيرا غير عاديا عليه ، مما الشاب محي الدين الشريف اراد الخلاص منه بالإغتيال والقتل حتى يبعده من الصورة وترتاح العائلة السنوسية من كيده وشروره نظير الحجب والمنع المتكرر لرؤية وزيارة الملك قريبهم زيارات ودية للتشاور وما يحدث في الخفاء ووراء الستار من متاهات والاعيب مع الوقت ضارة بالعائلة المالكة مستقبلا .
                  رغم أفضال عائلة الشريف على المتهم ابراهيم الشلحي كبيرة ولكن السلطة تعمى البصر وتغلظ القلوب وتذهب بالعقول والغرور والتحكم بالمناصب الغير مؤهلين لها مصيبة ، حيث التوصية الأولى والضمانة والتقديم على أن ابراهيم الشلحي أمينا ووفيا للإلتحاق بخدمة الامير ادريس في البدايات كان السيد أحمد الشريف عميد الاسرة ، قبل تنازله عن زعامة الطريقة السنوسية للأمير الشاب وقتها ، وسفره إلى اسطانبول تركيا.
                 تم الإغتيال في وضح النهار في العلن في بنغازي ووقف القاتل شامخا بدون ان يهرب ويتوارى وسلم نفسه للبوليس طواعية بدون مقاومة معترفا بالجرم ، ودوت الأنباء بسرعة البرق في الأوساط المحلية بالمملكة والعالم مع أن الاعلام وقتها كان ضعيفا وليس مثل اليوم الحاضر، حيث تعتبر أول حالة إغتيال سياسي فى العلن في العهد الملكي الليبي.
                زاد اللهب ضراوة إصرار الملك على إحقاق الحق والعدل و تقديم القاتل للمحاكمة والقصاص حيث الجرم عن عمد وترصد وبقصد ليس له أي تجاوزات ولا إعفاءات ولا ظروف  ، والحكم بالشرع الإسلامي يكون القصاص والقتل... وتقاعس جميع المحامين وقتها عن الدفاع في المحكمة عن القاتل خوفا من إرهاب السلطة والانتقام .
               زادت المصائب صدور البعض من المراسيم الملكية من القصر بإيحاء من المستشارين المنافقين بإلغاء جميع الحصانات الملكية السابقة عن آلِ الشريف والنفي للكثيرين منهم عقابا وثأرا للضحية ، إلى مناطق بالصحراء والواحات والمنع من السفر والتنقل من مدينة إلى آخرى بدون ترخيص مسبق من السلطة المحلية بالمنطقة ، مما تم استغلالها وزادت الضغوط على بيت الشريف  وتولى المحامي سالم الأطرش من مدينة درنة القضية وقدم الدفاع القوي والأسباب الراسخة المؤكدة مع الشرح المستفيض لدوافع المتهم حتى قام بالقتل للضحية ، طالبا تخفيف الحكم  والذي رجال القصر لا يريدون فضحها أمام الرأي العام منعا من التداول وزيادة تساؤلات أبناء الشعب الوطنيين عما يجري من كيد ودسائس وصراع  على السلطة في الخفاء.
                 ( أتيحت لي الفرصة وعرفت المحامي سالم شخصيا فقد كان شقيقي الحاج حسن صديقا ومؤيدا له في حملاته في الانتخابات لمجلس النواب في منتصف الستينات وتردد على بيتنا كثيرا لزيارة الوالد للتشاور والدعم وله مواقف مشرفة وقصص فقد كان من أبناء العمومة ، جميعنا من  قبيلة واحدة - تواجير درنة - سوف تذكر في مدونة خاصة مستقبلا). 
              رجال القصر قاموا بالإستفزاز والتهديد المبطن للمحامي السيد سالم بالعديد من الوسائل والضغوط ، ولم تفلح مساعيهم حيث كان شجاعا قوى الشخصية على تحمل المسؤوليات الجسام مما تغير العرض إلى الإغراء بالمراكز والجاه في حالة التعاون...  ورفض الخنوع والتعاون ، وتم إبعاده عن القضية بحجج واهية وأسند الدفاع إلى محام آخر يدعى السيد (فهيم محمد الخير الشهيبي) الذي أكمل الدفاع رسميا في العلن وضمنيا بالتعاون مع المحامي سالم الأطرش، وتم الوصول من خلال البحث والتدقيق أن القاتل تحت السن القانونية حيث وقتها حسب القانون يلغى حكم الاعدام ويتغير إلى السجن المؤبد أو طويل الاجل .
             الخصوم آل الشلحي أولياء الدم تحت ظل ومباركة الملك أصروا على تنفيذ الحكم بالشنق مستغلين غضب الملك على عائلته، وصدر مرسوم ملكي من القصر بأبعاد ونفي المحامي فهيم محمد الخير بحجة أنه غير ليبي أصوله مصرية  كما حدث من قبل (لزعيم طرابلس الغرب السيد بشير السعداوي بحجة أنه يحمل جنسية وجواز سفر سعودي) بدون وجه حق طرد ونفي مواطن ليبي للخارج غير مرغوب في بقائه وكأن الوطن ملكا خاصا لآل الشلحي ، حكرا لهم يعملون فيه كما يشاؤون .
                  حاول شيخ الشهيبات عبد الله بوعوض الشهيبي مع وفد من القبيلة مقابلة الملك حيث ماطله أعوان الشلحي من الزيارة وبطريقة أو أخرى تحصل على المقابلة وتمت الزيارة للشيخ وبرفقته مرافقا واحدا فقط من الوفد للقبيلة السيد محمد على الشهيبي وسمع الملك الشكوى والإلتماس بالعفو وهو مطرق الرأس يسمع في صمت والذي يتحدث و يرد بعصبية وعدم رضاء أحد أبناء الشلحي الضحية بأسم الملك وبحضوره مما الملك لحسم  الموضوع وقفل الملف نهائيا قال آسف لقد صدر الامر والمرسوم ولا أستطيع التراجع ولا الإلغاء .
                  خرج الشيخ والمرافق بخفي حنين مستائين من الرفض وعدم العفو على المحامي ، وتم الإبعاد والطرد تحت الحراسة المشددة إلى أمساعد الحدود الشرقية ، والتأكد من  مغادرته للأراضي الليبية إلى مصر التي قضى بها وقتا طويلا سنين عديدة بالغربة حتى رجع من المنفى برفقة السيد صالح بويصيير الذي أصبح وزير الوحدة والخارجية بعد الأنقلاب ، وأستقبلهم الشعب أستقبال الأبطال المنصورين، وعرض عليه منصبا كبيرا في وزارة العدل ولكنه رفض العرض متعللا أنه يرغب في العمل الخاص .
             حاول الأستاذ صالح بويصير الذي كان من ضمن المغضوب عليهم من القصر، بذل  المستحيل لمنع تنفيذ الحكم بالشنق متضامنا مع الأخرين نظير الولاء لعائلة الشريف ، فقد كان شابا وقتها غيورا على مصلحة الوطن وكان عارفا بمدى تورط آل الشلحي الدخلاء في توجيه سياسات ليبيا لصالح بريطانيا، والذي بعد النطق بالحكم والتنفيذ بالشنق على المتهم ، عانى الويلات والضغوط الرهيبة والتهديدات من آل الشلحي وأعوانهم الجهلة المنافقين في المراكز القيادية والسلطة بالمملكة... وصدر الأمر بالقبض عليه وإيداعه في السجن للتحقيق عن تهم ملفقة وكان عارفا بالمصير الذي سوف يتعرض له من الهوان والتعذيب ، وهرب متسللا عبر الحدود الشرقية من أمساعد إلى مصر أيام الرئيس عبد الناصر  مرتديا لباس إمرأة حتى لا يقبض عليه!
              أصبح مهاجرا غريبا في وطن الغربة لاجئا سياسيا في مصر لسنوات عديدة معارضا لآل الشلحي محاولا فضحهم قدر الإمكان في الإعلام من راديو صوت العرب وبوقه الهادر أحمد سعيد والكتابة للمقالات العديدة في الصحف المصرية التي تخاطب الرأي العام بماذا يدور من دسائس في القصر في الخفاء وكان الأعلام المصري الهادر وقتها شوكة قوية في خصر جميع ملوك وحكام العرب .
               تم التكريم سنة 1969م بعد الانقلاب مباشرة بتعينه وزيرا للوحدة والخارجية في أول حكومة تقام ولم يمهله القدر كثيرا من الوقت والعيش وينعم بالحياة ، حيث توفي في حادث تفجير وسقوط الطائرة الليبية المنكوبة مع غيره من الضحايا الأبرياء ، التي أسقطتها إسرائيل عمدا في سيناء المصرية بحجة ان الطيار تجاوز الحدود وخط الحظر والمنع حسب الروايات الرسمية التي قيلت وأشيعت رسميا تبريرا للجريمة وقتها والتي للآن ونحن في عام 2011م لم يتم التعويض من إسرائيل لأسر الضحايا المنكوبين .
                 البعض من الرجال الموالين لآل الشريف الذين ساندوا قضية الامير وقام الحاج محمد الكاديكي بدور مهم  حيث كان مديرا لأحد الإدارات في حكومة الولاية في بنغازي.... وسافر إلى لبنان ليتحصل على شهادة من المعهد الذي كان يدرس فيه الامير القاتل أثناء أقامته هناك ، بأنه كان يعاني من أضطرابات نفسية أثناء الدراسة ، كتقديمها من ضمن الطعون حتى يتغير الحكم من الشنق إلى السجن المؤبد، ولم يكتب له النجاح وأصبح مغضوبا عليه مثل الآخرين.
                 الملك أصر على تنفيذ الحكم الذي صدر من محكمة بنغازى بالشنق وصدق ووقع الوثيقة بالأمر، مع أن الامير قريبه وأبن عمومة والملكة فاطمة عمته أخت والده وجميع المساعي والواسطات المحلية والعربية والدولية لم تشفع له حيث الملك رفض العفو بتاتا و تخفيف الحكم إلى مؤبد طويل الآجل.
                تم تنفيذ الحكم والشنق بسجن  بنغازي ، وللتشفي في عائلة الشريف تم عرض جثمان الأمير المتوفي في ساحة الجريمة لفترة زمنية عدة ساعات وتم الطلب من الجماهير الحضور والمشاهدة عن قرب تأكيدا على الشنق ، والترهيب ومنع قيام الإغتيالات المستقبلية للخصوم بالتصفية الجسدية وقام الفريق محمود بوقويطين قائد البوليس وقتها في الولاية (قوة دفاع برقة) صهر العائلة وزوج كريمة أبراهيم الشلحي المغتال، بمتابعة الأمور بعنف وقسوة على سيئ الحظ الضحايا المغضوب عليهم بناءا على تعليمات وأوامر الملك الشخصية التي يتابعها شبه يوميا... والله الموفق .

                   رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...