Sunday, July 10, 2016

يوميات خاصة 10

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الأمل


                          الإنسان في جميع الأزمان، منذ اليوم الأول للخلق والحياة إلى يوم النهاية والموت، في أي زمن وعصر ومكان كان ، يعيش على أمل الحصول على أشياء معينة له الرغبة بامتلاكها والحصول عليها أو يريد أن يحققها نظير حبه لها من عشرات ومئات الأشياء التي تدور بالنفس والفكر طوال الوقت أثناء العيش والحياة والخيال يسرح بها  عائشا على الأمل ... ناسيا ومتناسيا أن الأمنيات لا تتحقق (حيث لا معجزات تحدث في هذا العصر)   بدون السعي والعمل من أجلها بجد وجهد وعرق حتى يصل إلى الهدف.. طبقا للقول المأثور (لولا الأمل لخاب العمل). والأمل له جوانب كثيرة وصور عديدة وأساسات للتحقيق أهمها العمل الجاد المتواصل بلا كلل مهما حدث  من صعوبات وحفر ومطبات في الطريق الطويل ، والصبر والتأني وعدم التسرع والإتقان حتى يتحقق ويفوز وينجح ويصل إلى الهدف ، نهاية المطاف...

                   نحن الآن في ليبيا، وطننا الغالي، نمر بحالات صعبة كثيرة ومحن قاسية، دم ومعاناة وضيق وبؤس جعلت الشعب يهوج ويموج في دوائر فارغة ليست لها أبواب سهلة للخروج والنجاة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكرامة والعزة ، وبتر الإرهاب في جميع صوره وأشكاله من تراب وساحات الوطن بأي تضحيات وثمن مهما كانت التضحيات، حتى تتوقف الجراح عن النزيف والألم يهدأ وينتهي بالعلاج الجاد ويتم الشفاء بإذن الله تعالى...ولم يصل عقلائه وحكمائه إلى حلول للمصائب العديدة والتي تزداد وتكثر كل يوم هما وشقاءا وبؤسا للمواطن والوطن ، هزت كرامتنا وقيمنا ومصداقيتنا وجعلتنا أضحوكة أمام الجميع من الأمم بالعالم ... لا أريد تعدادها وإحصاؤها حيث معروفة للجميع ولا داعي إلى  الترديد بذكرها مما يضيع جوهرها ومعانيها في خضم الأحداث المتواصلة والتي لم تتوقف إلى الآن....

                لو رجعت بنا الذاكرة سنينا للوراء، وذكرتنا بالأحداث المؤسفة والمخزية لأبناء الشعب وقتها وترددت في الأوساط أيام الاستقلال والعهد الملكي في الخمسينات والستينات من القرن العشرين الماضي، لأجدادنا وآبائنا، لا يصدقونها ولا يقبلها العقل وقتها أن تحدث هذه المآسي يوما في وطننا بهذا الشكل والصورة ، و لتم نعت قائلها بأنه مخبول  ومجنون  و يهذي بالشر والمساوئ والضرر...  حيث الفكر والعقل مهما كان ذكيا وملما وعالما و عارفا يعجز عن تصور الأحداث الأليمة التي سوف تقع، لأننا وقتها كنا شعبا طيبا طاهرا من الخبث والدسائس والطمع في جميع صوره وأشكاله القبيحة ، نختلف كل الإختلاف عن واقع اليوم  الذي نعيشه في عصر العولمة ... نحتاج إلى وقفة وتأمل و دراسة  للأوضاع السيئة بتأني وصبر لمعرفة حسناتها وسيئاتها ونتساءل ماذا عملنا من شرور حتى نعاقب عقابا عسيرا باللعنة الشريرة التي أوصلتنا لهذا الوضع المزري والحال ....

                         مهما حاولت المعرفة والفهم لم أصل بعد إلى حل وحلول شافية، مع أنني ملم بالكثير من الأحداث التي وقعت ، فقد كنت شابا في العشرينات من العمر أيام العهد الملكي الزاهرة وشاهدت بأم العين بعد ثورة الفاتح عام 1969م التطبيل والتدجيل والمسيرات الغوغائية، الفروق الرهيبة منذ حلول الشيطان الرجيم على كاهل الوطن والمواطن نتيجة المساندة والدعم من قوى الشر الخفية  في الظلام لتحقيق غاياتها ومصالحها بأن تستمر في الهيمنة نظير إكتشاف النفط والغاز والثراء الرهيب القادم لوطن لا يعرف شعبه ولا قادته أصحاب القرار كيف يعملون بجد و ضمير من أجله حتى ينهض ... بل ساعدوا وناصروا وأيدوا الشر في نسيج الوطن الطاهر عن طريق عملائهم  المحليين بالفساد والإفساد للذمم والنفوس بالمال السخي والمراكز والجاه والعمولات الباهظة في التحصيل على أي أمر مستورد نظير الدخل الكبير، ولا من يتساءل ويحاسب ويعاقب المجرمين ، حسب مخططاتهم التي وضعت وأصبحت الشعوب المقهورة قطع شطرنج يلعب بها ببساطة في الساحة الدولية ببراعة ومهارة وأولياء أمورنا ينفذونها بعلم أو بدون علم نظير الجهل وعدم التجربة السياسية في الحكم والديمقراطية .....

                 وشاهدت الكثير من المهازل والمخازي من التطبيل والتدجيل وعبادة الصنم القذافي والتمجيد له من الحواريين والأزلام المنافقين والجهلة من أبناء الشعب الذين يهتفون ويصفقون وللأسف يقودهم بعض أنصاف المتعلمين من اللجان الثورية خريجي المدرج الأخضر نظير النفاق والإسترزاق والوصول للمناصب والجاه الزائف.... مما أصابه الغرور وأصبح جاهلا طاغية يأمر وينهي ويغير في كثير من أمور الحياة السابقة السليمة ، المتعارف عليها منذ قديم الزمن من الموازين والمعايير أثناء حكمه وعهده الجماهيري الغوغائي مستندا على تعاليم الكتاب الأخضر وكأنه الدستور للحكم ، التافه في مصطلحاته ومعانيه، الصادر من عقله المريض ، والذي تم فرضه في التطبيق ضد إرادة الجميع من أبناء الشعب وكأنه الخليفة المهدي المنتظر ، لا إعتراض على تصرفاته من أي أحد مهما كان وضعه في الوطن الجريح...

                           وأعطاني الله تعالى طول العمر وعشت معظم أيامه بالوطن وبالغربة مهاجرا سنين .. ونلت العفو العام في خطاب يوم أصبح الصبح المشهور عام 1988 م، مع الآخرين للرجوع والإقامة بالوطن حتي يضمن عدم معارضتنا وشرنا... ورجعت مضحيا بالنفس عام 1990 م مغامرا بالحياة والنجاة بعد غربة إثني عشرة عاما ونيف حتي تأكدت من شره حيث يحتاج مرغما إلي المصالحات الوطنية مع المعارضين  حتي يرتاح ، ناسيا ومتناسيا أنه جردنا من كل شئ كنا نملكه بالزحف والتأميم من أوغاد عوام تافهين بدون أصالة ولا نسب في سبتمبر من عام 1978م ... وأنه مهما عمل وفعل وحاول لا يستطيع تجريدنا و أخذ أو معرفة ماذا يدور بنفوسنا من أفكار وأحاسيس وشعور بالكراهية العمياء له ولنظامه المستبد الفاسد مهما أراد وخطط من مخططات الشر ....

                      وقضيت سنينا عديدة مقيما بالوطن منها سبعة سنوات جواز سفري الوطني محجوزا لدى الأمن الداخلي ممنوعا من السفر للخارج وغير قادر على الخروج من السجن الكبير وطننا ليبيا، وزيارة عائلتي بالخارج... و تم التحقيق معي عشرات المرات وإعتقلت عدة مرات وقضيت أياما صعبة وضغوطا شديدة لا يتصورها العقل وأنا أسيرا ضمن أربعة جدران عارية أعجز عن شرحها في الحجز... مما أصبت بعدة أمراض مزمنة مهما عالجت لم يتم الشفاء بعد أعاني منها حتى الآن ...وعشت من رجوعي إلى قيام الثورة تحت سيف الاٍرهاب عقدين من الزمن، متوقعا في أية لحظة الإتهام والقبض علي مرة أخرى من جديد ، والتحقيق الصعب  على أمور مضت، إسمي تردد فيها وأنا بريئا منها مظلوما بل إختلاق، والعذاب بالسجن مثل ما حدث للكثيرين غيري من المناضلين الأحرار أثناء التحقيق الصعب معهم من الأوباش الجلادين والضرب بالسياط، يريدون المعرفة لأي شئ حدث أو سوف يحدث ، بأي ثمن حتى يكونوا سباقين في توصيل المعلومات للطاغية ويتحصلون على مزايا وهبات على حساب آلام ودم الضحايا ...  وأنجاني الله تعالى ورضاء الوالدين من شرورهم وشر إبليس اللعين عدو البشر الصالحين ....

                 وحضرت وقت التمرد والثورة والتي كانت حلما من قبل لمدة أربعة عقود ونيف مضت من الحكم والقهر مما صعب تصديقها وتحقيقها نظير تغلغل اللجان العديدة والعملاء المنافقين الطابور الخامس الخلفي المدسوس في كل مكان في نسيج الوطن... مما يسهل له إكتشاف أي تمرد بسرعة وحصره في مكان واحد والقضاء عليه بيد من حديد بدون رحمة ولا شفقة على المتهمين حتى يصبحوا عبرة وعنوانا كبيرا لغيرهم الرافضين و المعارضين، مما يخافون من أن يحدث لهم نفس المصير و يستسلمون ... وعندما آن الأوان تحققت الثورة التي لا تخطر على البال ويعمل لها الحسابات الدقيقة والموانع والمصدات، أنها تقوم في جميع أنحاء الوطن مرة واحدة فجأة تنادى وتطالب بالخلاص ...  مما عجز عن الحركة والإلتفاف والقضاء عليها جميعها في وقت واحد مهما كانت لديه من قوات وجيش وأعوان ومرتزقة ومستشارين لتخطيط الشر وكبت الأحرار وصدهم ... معتقدا أنها سهلة مثل السابق، يستطيع قمعها مثل الثورات السابقة القزمية أو المفتعلة للبعض من الأحرار والتصفية في أوساط الجيش لتصفيات البعض من الضباط الشرفاء الرؤوس الوطنية، قبل أن تينع وتظهر على السطح ، ويصعب حصادها حسب رأيه الخاطئ...

                    تحققت الثورة بعزيمة الرجال نتيجة الأمل بالخلاص والحرية والتغيير إلى الأحسن، ومهما قاوم بعنف وشراسة لمدة ثمانية أشهر، خسر المعارك جميعها بالإرادة الشعبية وقوة العزيمة وتضحيات الشهداء والدم الذي أريق حتى تم دحره والقبض عليه وهلاكه والتخلص منه إلى الأبد!وللأسف الأمل والأماني بالتقدم والنهوض بعد النصر والفرحة لم تتحقق والأسباب عديدة ومعروفة للجميع أهمها البعد عن طريق الحق والصواب وتحكيم العقل في الحكم والطمع والنهب للمال العام في صور عديدة لدى معظم الجميع أدعياء الثورة أنهم ثوارا حقيقيين وهم مزيفين يعتقدون أنه لهم الحق في نهب   خيرات الوطن الكثيرة بدون وجه حق، ناسين أنفسهم و واقعهم  وحدودهم و أنهم غير مؤهلين للحكم... حيث لا تجارب لديهم ولا علم ولا مختارين و لا منتخبين من أغلبية الشعب بالأصوات وصناديق الإقتراع ، بل بقوة السلاح والخبث والدس والمؤامرات، فرضوا وجودهم في الساحة الفارغة سياسيا بدون أساسات لدستور وقانون يمنع التعدي والقفز على السلطة، من كل من هب ودب من صعاليك الزمن وحثالات المجتمع... 

                     وهذا هو سر البلاء الكبير نظير أمور عديدة شريرة من مهاترات ومؤامرات ودسائس البعض على الآخرين والتصفيات الجسدية للكثيرين من الرفاق نظير تصادم الأهواء والطمع وحب السلطة حيث المركز أصبح فارغا بدون زعيم منتخب من غالبية الشعب، يحكم بيد من حديد من أول يوم بعد النصر والفرحة الكبيرة بالخلاص ، حيث الشعب كان جاهزا لقياده بسهولة لأي شئ كان للمصلحة العامة الوطنية ، وأصحاب القرار ليست لهم التجربة للحكم السليم وقيادة السفينة إلى ميناء بر الأمان وسط العواصف المزمجرة ... مما حادت المسيرة عن الطريق السوي وتعثرت وأصبح الحر الوطني الشريف في مؤخرتها، يسير مع البقية في الهرج والمرج والفوضى العارمة ونحن جميعنا إخوة لنا وطن واحد  مستسلما للأمر الواقع على أمل الاصلاح، عسى يوما ان يصل وتتحقق الأمنيات... والتي مهما طال الوقت ومضى، لا معجزات قد تحدث من غير عمل جاد وكفاح ونضال، وسوف تتكرر المسرحيات الحية بصور عديدة أخرى وإخراج آخر وممثلين جدد من أشباه الرجال ويتم تغييرهم  يوما مرة ومرات بلا عدد وحسابات طالما نحن مسيرين ، قرارنا ليس بأيدينا، بل في يد الخصوم، حيث الحياة دورة تدور ولا تتوقف إلى ماشاء الله تعالى ...

                     ومهما حدثت من أمور شريرة وأخطاء قاتلة بالماضي والآن، وطننا ليبيا صابرة بخير تنتظر الفرج والذي مهما طال الوقت سوف يأتي ويحل، وستظل في خير إلى ماشاء الله تعالى ، فلطالما مر عليها من طغاة، هم وغم وغزاة ودم، ومظالم وملوك ورؤساء عبر التاريخ والزمن ومازالت قائمة  شامخة إلى ماشاء الله تعالى شابة فتية لم تعقم بعد، تنجب الأحرار من الجنسين للكفاح والنضال من أجل تحقيق الحق والعدل للجميع...

                     وهذه الأمور والأحداث المؤسفة والشريرة التي وقعت وحصلت والتي تحصل كل يوم يمر الآن في وقتنا الحاضر، مصيرها التوقف يوما ما ويحل السلام والأمن والأمان فما بعد الضيق إلا الفرج ... وسوف يأتي اليوم الجديد بالنهوض والتقدم، مهما طال أو قصر الوقت بإذن الله تعالى حيث دورة الحياة مستمرة تدور منذ الأزل لا تتوقف، والأمل موجود في رحمة الله الخالق عز وجل بالعون والنصر، وجميع هذه الأحداث المؤلمة والمؤسفة الحزينة الآن مع مرور الوقت والسنين سوف تصبح قصصا وحكايات منسية بادت وإنتهت بحكم التقدم والتطور... مرمية في براميل قمامة التاريخ للأبد لا تذكر إلا بالسب واللعن...

                      فسبحان الله تعالى الحي الْقَيُّوم الذي لا يموت ولا ينتهي من الوجود الوارث والباقي للأبد يمهل ولا يهمل عباده، الابرار المؤمنين الطاهرين بالمن عليهم بالعفو والمغفرة و المكافئات والجوائز الكثيرة ودخول الجنة الفيحاء، والأشرار لا ينساهم من الحساب العسير والعقاب دنيا وآخرة،  في جهنم ، إلى أن يشاء ... والله الموفق ...

 رجب المبروك زعطوط

No comments:

Post a Comment