Sunday, November 4, 2012

شاهد على العصر 30


                                            بسم الله الرحمن الرحيم

                                                شاهد على العصر

                                                        30


المرحوم عبد السلام محمد زعطوط (يمين) مع الأستاذ رجب المبروك زعطوط (يسار) 
        سنة 1972م من ضمن السنوات الحزينة التي لها ذكريات خاصة في مخيلتي وذاكرتي حيث أنا إنسان مؤمن بالقضاء والقدر ، مسلم حتى النخاع ومؤمن بهدى الله تعالى وأن الإنسان مهما يعيش في هذه الدنيا الفانية له يوما ينتهي ويموت فيه وينتقل إلى جوار ربه تعالى أراد أم لا يريد ! وسعيد الحظ من فاز في الإمتحان وعمل صالحا أثناء حياته الدنيوية ، فالحياة الحقيقية هي الآخرة ، ولا يستطيع الإنسان معرفة الغيب ولكن توجد دلائل كثيرة وعلامات وإشارات في جميع الكتب السماوية وعلى ألسنة الرسل والأنبياء الذين ينطقون وحياً  أن حياة الآخرة هي حياة الخلود إلى ماشاء الله عز وجل .

من خلال الرحلات العديدة تعرفت بشركة إيطالية تعمل في مجال الكهرباء وتصنع المعدات المطلوبة وطلبت من صاحبها أن يرسل أحد مهندسيه لتقييم المشروع حتى نتعاون مع بعض في التوريد والإنجاز ، حيث رسى علي مشروع تمديد شبكة خطوط كهرباء في درنة وطبرق في 4 مواقع جديدة البناء والتشييد ، وكنت حديث العهد بالمهنة كمقاول ولا أعرف إلا القليل ، وطلبت قبلها من صديقي وإبن العم في القبيلة الحاج فرج تربح الذي يكبرني سنا بعقد من الزمن وله باع في المقاولات وبالأخص أعمال تمديد خطوط وشبكات الكهرباء أن يزودني بالأسعار وأرسلت له الكميات المطلوبة للعطاء للدراسة …

تأخر في الإرسال وقبل يوم فتح المظاريف إتصلت به هاتفيا حيث أملاني اسعار البنود الواحد وراء الآخر ، وبالليل جمعت الأسعار بمفردي بدون أي  معاونة من أحد ، مع أنه لدي مهندسون ولكن الكهرباء ليست من ضمن إختصاصاتهم ولا داعي لأن يعرفوا كل التفاصيل ، ورتبت العطاء ولخوفي من التورط والخسارة في حالة أن أخطأ صديقي  في أي تقدير ، زودت على الأسعار نسبة عالية كإحتياط ، وحددت الرقم النهائي ورتبت جميع المستندات بالتوقيع والأختام وأرفقت خطاب الضمان بالقيمة المطلوبة ووضعتها بظرف أصفر كبير ، وختمته  بالشمع الأحمر ، وذهبت قبل فتح المظاريف بوقت قليل إلى مؤسسة الإسكان للتقديم …

أذكر يومها أنني عندما كنت  في مدخل العمارة وبداية السلم تلأقيت مع الأخ العزيز الحاج الصابر مجيد الغيثي وكانت بيننا الصراحة التامة والود والثقة ، وسألني كم أسعارك وقلت له الحقيقة ورد علي وقال إن سعري الموجود في الظرف الذي معي عاليا جدا ومبروك مسبقا ، وأراد أن يرجع وقلت له لا أرجوك أن تقدم حتى تغطيني حيث ممكن لا يأتي أي أحد من المقاولين الذين سحبوا العطاء وبالتالي سوف يتأجل … وقال لي بأنه ليس لديه أي مانع …

صعدنا إلى مكتب المؤسسة مع بعض وأودعنا المظاريف في الصندوق المعد ، وإنتظرنا حتى الساعة الثانية عشرة حتى إجتمعت اللجنة وكان المتقدمون 3 أنا والأخ الصابر ومقاول آخر السيد خليل المقصبي على ما أذكر … وكنت أقل الأسعار وفزت بالعطاء بدون منازع مبدئيا حتى المراجعة من ديوان المحاسبة ليبت في الأمر  ، وكانت وقتها جميع العطاءات تدار بمصداقية وشرف ضمن الأخلاق والقيم ، وليس مثل الآن جميع العطاءات كثرت بها المنافسة والتحايل والغش ! 
طلبت من صديقي الإيطالي أن يبلغني عن موعد وصول المهندس حتى أقوم بالواجب واليوم الثاني وصلتني برقية من إيطاليا بأن المهندس سوف يصل في الميعاد كذا على متن الطائرة الليبية وحدد الوقت ، وكنت وقتها مشغولاً جداً بعدة مواضيع هامة ولا أستطيع السفر لإحضار مهندس من المطار حيث ليس عملي وأنا صاحب الشركة ، وطلبت من صهري أخ الحاجة " عبدالسلام " أن يستقبل المهندس بالمطار ويستأجر عربة أجرة لتوصله إلى درنة ، ورد علي بأنه بالغد قادم إلى درنة لتجديد جواز سفره حيث يريد الذهاب في عطلة وإستجمام إلى الخارج ، وسوف يذهب إلى المطار ويستقبله ويدعه في فندق ليرتاح وغدا سوف يحضره معه ، وإرتحت للفكرة ووافقت .

في اليوم الثاني تأخر عن المجىء وعند العصر دخل أحد رجال المرور إلى المكتب ومعه رخصة القيادة " لعبدالسلام " يسأل هل أنا أعرفه حيث من العائلة " زعطوط " وعندما شاهدت الرخصة شعرت بغصة وتقلص بالمعدة رعبا على الشاب نتيجة التأخير وماذا حدث !  و سألته وقال لي لقد تعرض لحادث في منطقة لملودة التي تبعد حوالي 60 كم غرب درنة وهو الآن بالمستشفى … وذهبت بسرعة إلى المستشفى ووجدته يئن على السرير من الألم بدون وعي حيث به كسر بأحد فقرات الرقبة ، وأبلغت العائلة في درنة ، ووالده في بنغازي بالهاتف حيث حضر مع زوجته الأم بسرعة في نفس الليلة …

بعد عديد من الإتصالات حضر أطباء من بنغازي لعلاجه وكانت الطامة الكبرى في نظري حيث قاموا بإجراء عملية دقيقة وهي ليست من إختصاصهم مما زاد الطين بلة ، وفقد جميع جسمه الإحساس إلا الرأس حيث يتكلم وليس به أي ألم ، فقد كان يودع قاب قوسين من النهاية ، ونحن لا نعرف…  نتفاءل بأنه سوف ينجى…


المرحوم عبد السلام محمد زعطوط 
كان له كناية مشهور بها منذ الصغر لقب " الديك " وبالمساء كنت في زيارته بالمستشفى والتحدث معه ومسامرته لوحدنا فقد إتفقنا ضمن العائلة على برنامج بأن لايترك لوحده وكل واحد منا طوال بقائه طريح الفراش أن يمضي معه بعض الوقت خوفا من أي مضاعفات وهو لوحده  ، ومسكت بدبوس وبدأت أوخس فيه من القدمين سائلا أياه هل يحس بأي شىء ولكن كان يقول لا !  وإستمريت بالوخز في كل جسمه حتى وصلت إلى صدره قرب الرقبة مما قال لي توقف حيث أحس بالألم وتوقفت وأنا قلبي يكاد ينفطر من الألم عليه وهو شاب في مقتبل العمر لم يتجاوز العشرين عاماً .

اليوم الثاني بالفجر توفي الشاب " عبدالسلام " وأصبح في ذمة الله تعالى ، وشاهدت والدي الحاج المبروك لأول مرة في حياتي وهو يبكي متأثرا على الشاب والدموع تغطي  لحيته من كثرة الحزن مع أنه صبور وليس من السهل سقوط الدموع من عينيه ، وتم الدفن في المقبرة الغربية في جنازة كبيرة مهيبة ، حيث نحن أسرة معروفة مشهورة في مدينة درنة ، لنا جذور أصيلة وقام الكثيرون من العائلة بأعمال مجيدة ونضال وطني بلا حدود إبتداءا من أيام العهد التركي إلى الغزو الإيطالي وجميع الأحداث التي مرت من الإستقلال حتى وقتها رجال الأسرة كان لهم الباع الكبير في أحداث المدينة  .

بدأت الأحزان تتوالى ، و أقيم العزاء بالبيت عندي حيث العادات الليبية وقتها قبيحة جدا ، من الندب والصراخ والبكاء وحل الشعر للنساء ووضع الرماد على الرأس دليل على الحزن مما كانوا وقتها يطبقون في عادات الجاهلية الأولى والحرب ضد الرب تعالى وهم يجهلون العمل الشائن وأن هذه الأعمال القبيحة من عمل الشيطان الرجيم ضد إرادة المولى عز وجل ، والمفروض الصبر والهدوء والدعاء الكثير بالمغفرة وطلب الرحمة للمرحوم وقراءة آيات القرآن الكريم العظيم ، عسى أن يغفر له ويرحمه الرب القادر ويدخله فسيح جناته .

جاء للعزاء الكثيرون والمهندس الإيطالي كسرت الترقوة بعظم كتفه وتم نقله إلى إيطاليا بسرعة من غير أن أدري فقد كان الهم مركز على العزاء في المرحوم ، وكان من ضمن المعزين قادما من طرابلس الحاج فرج تربح وأخوه الحاج عوض وقريبهم السيد عبدالجليل ، وآخر السهرة في أحد ليالي العزاء المستمرة لوقت طويل …

قلت له بحزن وتأثر ، تعاون معي ونفذ المشروع لشبكات الكهرباء الراسي علي فليس لي فيه نية وقد إستفتح بضحية ودم ووفاة الشاب المرحوم ، وأجاب بالإيجاب ولكن لايستطيع الإشراف الفعلي حيث لديه أعمال ويسكن في طرابلس ، ولكن سوف يضع أخوه الحاج عوض بدلا منه فى المتابعة حيث ساكن بالبيضاء قريبا من درنة وثانيا متقاعد وخالي عمل وسوف يكون تحت إشرافه الشخصي ، ومن طرابلس سوف يبعث أحد المهندسين الذي  يعرفه معرفة جيدا ، وسبق أن عمل معه في عدة مشاريع بالغرب ويعرف كفاءته السيد "جميل لويس سعد" المقيم حاليا بالقاهرة ليأتي إلى درنة مع جماعته وينفذ الأعمال المطلوبة ، وتم الإتفاق ليلتها على التعاون الكامل حيث العقد بإسمي وسوف أمول المشروع إلى النهاية  ومن جانبه التنفيذ والإشراف الفني الكامل حتى التسليم الإبتدائي والنهائي ، وكانت البداية بعدها بفترة وجيزة في ظهور شركة أنوار لأعمال الكهرباء للنور من العدم .

كانت الهزة الأولى لسنة 1972م وفاة الراحل الشاب عبدالسلام ، وبعدها بشهور بسيطة مرض الوالد من " البروتستاتا بالمثانة " وعانى الكثير حيث المرض سرطان خبيث مؤلم وفي نفس الوقت كان وقتها يعتبر عيبا الكشف على العورة مما زاد الهم والطين بلة ، وحاول الوالد الكثير عدم الكشف عليه حتى وصل إلى مرحلة صعبة وذهب بنفسه إلى مصر من غير أن يقول لنا كعائلة نظير الخجل ، وفقدنا الوالد فترة أسبوعين وبحثنا عنه في كل مكان ولم نجده وكان في آخر سنوات عمره يغيب بعض الأحيان لعدة أيام في زيارات لمعارفه وأصدقائه الكثيرين ولا يعرف الأمر إلا الوالدة وكنا نقلق لغيابه ولكن أصبحت عادة …

غاب الوالد ولم نهتم الأيام الأولى وبعدها واصلنا البحث وكانت الوالدة تعرف الموضوع فقد أبلغها أنه ذاهب إلى الإسكندرية للعلاج وسوف يرجع عن قريب  ، وبعد مضي الأسبوعين وصل وهو مريض مرهق نتيجة السفر والمعاناة للمرض ،  غير قادر على الحركة إلا بصعوبة ، ودخلت عليه في حجرته عندما أعلمت بوصوله وعندما شاهدته وسلمت عليه كم هالني وضعه الصحي فقد هبط بنسبة كبيرة وغابت الحيوية السابقة وأصبح شيخا هرما في فترة أسبوعين فقط  

كان شهر رمضان الكريم على الأبواب ، شهر الصيام والعبادة وفي العادة كنت أقضيه طوال السنوات الماضية معهم  جماعة ، ورفضت إقامة الوالد في بيته حتى لا نتعب حيث لدي أولاد صغار لا أستطيع الإقامة في بيته ، وأحضرت الجميع ، الوالدين وأختي الأرملة ،  للإقامة معي في البيت حيث السكن في فيلا فسيحة أرضية  بشارع طارق بن زياد في منطقة الجبيلة تسع الجميع وفي نفس الوقت تحت العين والملاحظة طوال الوقت والإهتمام بهم حيث كبار بالسن يحتاجون للخدمات …

كنت بطبعي منذ الشباب لا أحب الجلوس في الجلسات العائلية مع النساء والأولاد وتقضية الأمسيات في هرج ومرج وإزعاج وتبادل الحديث كما يحب الكثيرون "طق حنك" بل أسلم إذا كانت أية ضيفة من الأقارب موجودة وأحتفي بها وأتبادل الحديث لدقائق وأخرج إلى أي مكان وإذا كنت بالبيت لأي ظرف وبالأخص أيام الشتاء البرد والأمطار ،  أدخل للصالون مع الرجال حيث العادات لدينا والتي تربيت عليها الفصل بين الرجال والنساء ، وإذا لم يكن أي أحد موجود من المعارف أو الأصدقاء زوار كنت أتناول أي كتاب من المكتبة وأقرأ وأطالع ، حيث وقتها لا توجد أجهزة مرئية وقنوات عديدة للمتابعة وتقضية الوقت مثل الآن بالبيوت ، حيث لا يوجد إرسال للبث إلا من النادر أثناء فصل الصيف .

طوال شهر رمضان كنت كل يوم وليلة  بجانب الوالد وهو مستلقي جالس بالفراش أتحدث معه مجالسا له حتى أصلي صلاة العشاء ، ثم أستأذن منه حيث نساء العائلة وأخواتي يأتين لزيارته ومشاهدته والجلوس معه قبل أن تنتهي صلاة التراويح ويبدأ الزوار من الأقارب والأصدقاء في الحضور والزيارة …

كان إخوتي يأتون كل ليلة ويقضون الوقت إلى منتصف الليل في معيته وعندما أتأكد من وجودهم ، أذهب لتمضية السهرة مع جماعتي الأصدقاء إلى منتصف الليل في السهر والسمر ولعب الورق  وأرجع للبيت وأسهر مع الوالد إلى قرب الفجر لوحدنا ، وأتعلم منه الحكم والكثير من الأسرار والنصائح الغالية حيث هو لديه قناعة بأنه يحتضر في صمت وأنا لا أعرف … يريد مني الإنتباه والعلم والفهم حتى أعرف الأشياء وكيف أشق طريق الحياة والمستقبل بناءا على تجاربه وفراسته في مخالطة الرجال .

كان يقول لي ويدعوا الرب الخالق تعالى قائلاً يا إبني الله عز وجل  يسترك دنيا وآخرة ، أنت الذي لم ترضى أن تتركنا في بيتنا لوحدنا في موسم شهر رمضان ، وأحضرتنا معك ، وقمت أنت وزوجتك التي تعز عليه معزة خاصة من أدبها وكياستها وإحترامها للوالد والوالدة والعائلة التي هي أصلا عائلتها ، بجميع الخدمات وإستقبال الضيوف وزحمة العائلات والأولاد من الأقارب والمعارف والأصهار …

كان ردي أنت الوالد الكبير ونحن خدم مطيعين  عندك ، مما يبتسم راضيا ، ويقول قضي معي طوال الوقت ولا تسهر بالخارج حيث هذه السنة أنا معك ومن يعلم السنة القادمة هل سوف  أكون حيا أرزق موجودا أم لا ، وكنت أقول سلامتك وإن شاء الله عز وجل تسترجع صحتك وتبقى لنا عشرات السنين الأخرى ،  ولن أتركك لحظة واحدة طوال الوقت حتى لو خرجت لبعض الأعمال أو لشراء طلبات البيت أرجع بسرعة ، ولا أخرج من البيت بالليل حتى أتأكد أن أحد إخوتي موجودا للخدمة مما يرضى ويبتسم …

خلال شهر رمضان جهزت نفسي للسفر برا بالوالد إلى القاهرة للعلاج  ، وإشتريت سيارة مرسيدس جديدة وبعد العيد مباشرة ودع الجميع ووضعت له فراشا مريحا على الكرسي الخلفي مما إرتاح ، وسافر معي مدير المكتب " م ب " ، وقدت السيارة حتى وصلنا الحدود الشرقية ببلدة إمساعد التي قضى بها عدة سنوات يعمل في التجارة ولدينا محل وبيت كبير تنازل عليه لأخي الأكبر الحاج صالح ، ومعظم أهاليها الأصليون يعرفهم ويعرفونه جيدا وبالأخص  شيوخ البادية من قبائل القطعان وحبون ، مثل الشيخ موسى عبد الرحمن عمدة قبيلة القطعان ، والعمدة مكائيل الحبوني عمدة وشيخ قبيلة الحبون ، رحم الله تعالى الجميع .

الإجراءات بالحدود مرت سلسة ولم نتعطل مثل الآخرين نظير الشهرة والمعرفة ، ونفس القصة ببلدة السلوم المصرية وكل شىء مر بسهولة حتى وصلنا مدينة مرسى مطروح ومازال القليل ونصل إلى مدينة الإسكندرية ، وكان وقتها الطريق ضيقة مليئة بالحفر ، وحكام مصر يعيشون الحلم الوحدوي وطرد اليهود من فلسطين من غير أي إهتمام للمواطن المصري الكادح الفقير ولا للنهوض للبنية التحتية وإعمار مصر بالبناء والتشييد بل كل الطاقات والمال موجهة للعسكر إستعدادا للحرب ،  بناءا على التوجيه المبرمج من خطط ودراسات  القوى الخفية الخارجية والمحلية التي تريد وترغب دمار مصر والعرب  …

للأسف الرئيس عبدالناصر وبطانته وقعوا فى الشرك الرهيب ، وجميع الذي جمعوه خلال سنوات عديدة من دم الشعب الكادح  والتبرعات من الدول العربية والعالم بدلاً من الإستثمارالجيد في العلم وبناء الإنسان والإعمار والتشييد والسلام والرقي والسمو مثل الحضارات السابقة ، ضاع في التدخل في أمور لا تعنيهم ولا تخصهم مثل حرب اليمن ، ونكبة العدوان سنة 1967 م حيث في ساعات معدودة بحرب خاطفة من إسرائيل ، خسرت الحرب 3 دول عربية مصر سيناء وغزة  وسوريا الجولان حتى الآن ، والأردن الضفة الغربية ببساطة  ، أليست مأساة وعدم فكر وعقل وتعقل ؟؟  حيث حكم العسكر في مصر أفقرها وأرجعها للخلف عقودا عديدة ، وكثر الفساد والإفساد والرشوة وضاعت القيم والأخلاق لدى الشعب نظير الحاجة والفقر ،
أليست بأمر مؤسف ومأساة يحز في وجدان أي مواطن عربي مآل مصر التي هي الأساس والقلب النابض للوطن العربي من المحيط للخليج  ، بأن تتراجع وتصبح في الحضيض والمؤخرة ، نظير تسلط العسكر والحلم بالأمجاد؟؟؟

                                                                 رجب المبروك زعطوط

Saturday, November 3, 2012

شاهد على العصر 29


                                         بسم الله الرحمن الرحيم

                                            شاهد على العصر

                                                   29


واحة الجغبوب 
                   إنتهىت  مأدبة الغداء على الخير والسلامة وكان السيد مأمون الكزبري سعيدا جدا على الحديث الشيق والنقاش الهادف الذي تبادلناه معا بصدق ضمن حدود التقدير والإحترام ، وكأنه أزاح عن قلبه وأكتافه ثقلا كبيرا نظير صراحته الفائقة والحديث والنصائح الثمينة لنا كشباب صغير في السن لنا مستقبل باهر في ليبيا ولبنان ، عن مادار في الخفاء ووراء الستار من نوادر وأسرار ، حتى نتعلم الدرس مستقبلا ولا ننخدع بسرعة وسهولة ، وأن الذي يقال في العلن للجماهير من أي مسؤول وراؤه الكثير من الأسرار الخفية عن الصراعات بين القوى العديدة التي تهتم لوجودها ومصالحها ولا يهمها مصلحة الوطن ،  وإنما يتخذونها ستارا زائفا وغطاءا للمغفلين البسطاء السذج من أبناء الشعب … حيث السياسة قذرة بجميع الصور ومعادلة صعبة وليس كل مدع سياسة  ناجح فيها ، إلا المنافق ذو الوجوه العديدة والأقنعة الزائفة حتى يستطيع السباحة في الأمواج العالية والزوابع ويصل إلى الشاطىء بر النجاة …

ودعنا مضيفنا على الباب الرئيسي الخارجي بكل الحفاوة والتقدير وشد على يدي بحرارة وقال لي بصراحة يوفقك الله تعالى يا إبني … وفعلا أثبت الزمان على مدى السنين 4 عقود ونيف  صدق كلامه وتوقعاته ونبوئته عن العسكر وحكمهم في ليبيا الظالم على الشعب الليبي الصابر ، ولكن لا يوجد من يسمع ويتعظ وقتها  ، وأي كلمة أوهمسة تصل إلى الآذان الخطأ نتيجتها القبض والتحقيق العسير والتعذيب الشديد والرمي بالسجون بدون مدد وسعيد الحظ من تتم نجاته ولا يشنق ولا يعدم حيث بعد مدة الحكم الإرهابي الطويلة   دفعنا وقدمنا الغوالي الشهداء والدم الزكي عسى أن نصل ونحقق دولة الحق والعدل يوما من الأيام …

كان السيد محمود حزيناً  لأنني أحرجته أمام نسيبهم ، ولكن طيبت خاطره بالإعتذار وشرحت له أن القصد شريف وإننا إستفدنا  بنصائح جيدة من رجل عظيم مثله ، مما إرتاح وتبسم ضاحكا ، ورجعنا إلى الدار البيضاء وقد أنهى أعماله بالمغرب وبعدها قررنا الذهاب إلى الجزائر للزيارة في طريق العودة وإشترينا التذاكر اليوم الثاني ،  وركبنا الطائرة ووصلنا لمطار الجزائر ، وشعرت بالفارق الكبير بين مملكة المغرب وشعبها اللطيف  ودولة الجزائر وشعبها الجاف ، وواجهتنا صعوبة كبيرة في التخاطب والحديث مع إخوتنا المغاربة والجزائريين حيث لغتهم العربية الدارجة المحلية وقتها ركيكة صعب فهم اللهجة عندما يتحدثون بسرعة وقتها ، حيث الجميع يتحدثون اللغة الفرنسية بطلاقة وكأننا بفرنسا ونحن لا نعرفها مما أصبحنا غرباء في أرضنا العربية ، أليس بأمر مؤسف ؟؟

الإجراءات كانت سريعة في المطار ولا تعطيل لنا كعرب حيث أحمل جواز سفر ليبي والسيد محمود جواز سفر لبناني وركبنا عربة أجرة من المطار إلى داخل العاصمة ، وحدثت لنا نادرة حيث كنت أتحدث بصعوبة مع السائق وسألنا السائق وهو يقود بسرعة بمهارة وسألنا من أين نحن ؟؟ وقلت له أنا من ليبيا وهذا الأخ رفيقي من مصر كمزحة ودعابة ، وفجأة ضغط على الفرامل وتوقف بجانب الطريق وقال لا أريد حمل أي مصري في عربتي! مما ذهلنا من التصرف الشاذ ، هل يعقل هذا الأمر أن يحدث ونحن جميعا عرب من أمة واحدة ؟؟

لم يرتاح ويهدأ السائق ويستمر في القيادة إلى الداخل حتى قلت له بأنني أمزح وهذا جواز سفري الليبي وشاهد جواز سفر السيد محمود اللبناني ، ولم أعرف السر عن كراهيتهم لإخوتنا المصريين مع أن مصر كانت السباقة لهم في الدعم القوي لثورة المليون شهيد حتى إنتصرت وخرجت فرنسا ، وسألت السائق ولكن لم يعلق على السؤال بل إستمر صامتاً ، وأخذت عبرة من وقتها أن هذا الشعب جاف لا يمزح …

داخل العاصمة الجزائر حاولنا المستحيل للحصول على فندق لنرتاح ولكن لم نجد وزرنا معظم الفنادق الغالية والرخيصة ولكن للأسف الجميع مشغول ولم نخرج خارج العاصمة للمدن الثانية القريبة ، حيث كانت مؤتمرات وندوات كثيرة  منها مؤتمر الصيادلة العرب ، ووضعنا حقائبنا كأمانة في أحد الفنادق المعروفة وتجولنا على القدمين في وسط المدينة وتغدينا في أحد المطاعم ، وبعدها قررنا الذهاب إلى المطار والسفر إلى طرابلس ليبيا على متن أي خطوط … وأخذنا حقائبنا من الفندق ووصلنا للمطار والساعة تشير للخامسة …

من حسن الحظ كانت توجد رحلة واحدة الساعة الثامنة مساءا وحجزنا عليها وإنتظرنا في صالة العبور عدة ساعات وعندما حل الميعاد تأخرت ساعتين أخرتين وإضطررنا للإنتظار وكنا في غاية الإرهاق ولكن ما باليد حيلة ، وأخيرا صعدنا الطائرة ورحلة إستغرقت حوالي الساعتين ووصلنا إلى مطار طرابلس منتصف الليل حيث كان الطقس معتدلاً .  
        
نفس المشكلة واجهتنا حيث لا توجد فنادق بالمرة وتعبنا من البحث وأخيرا السيد محمود إقترح أن نذهب ونبحث عن بيوت إخوته في الفرناج بدلاً من المبيت في الشارع ، وكان لا يعرف العنوان بالضبط ولكن من خلال زياراته السابقة قال بالقرب منهم توجد محطة وقود مما أصبح من السهل العثور عليهم والوقت حوالي الساعة الثانية صباحا .

أخيرا وصلنا إلى محطة الوقود بالفرناج ، وسألنا البعض من العاملين حيث أشار أحدهم على أنه يوجد أخوة سوريون مقيمون بالقرب ، وأشار على الجهة والمكان مما سائق عربة الأجرة عرف العنوان ونقلنا إلى هناك وكانت مفاجأة أن ندق على بيوتهم في ساعة متأخرة من الليل  ، وفتح الباب السيد نصوح رحمه الله تعالى وهو مستغرب من الطارق المزعج  في جوف الليل ، عسى أن يكون خيرا ، وعندما سمع صوت أخيه وشاهده قام بضمه بالأحضان وعرفني عليه وأنزلنا الحقائب ودفعت للسائق أجرته ودخلنا البيت .

قام بالواجب في الضيافة وهو سعيد بوصولنا قائلا لأخيه محمود معاتبا من العيب أن تبحث أو تقيم في فندق وبيوت إخوتك الأشقاء هنا !  قلنا له بأننا مرهقون و محتاجون للنوم ، ولا نريد أي طعام يقدم لنا … وبالصباح إن شاء الله تعالى ، سوف نتحدث مما فهم وتم تجهيز الفراشين بالغرفة الخارجية بسرعة ونمنا بعمق ، والشخير يعبق بقوة في المكان ولكن نظير الإرهاق والتعب إستغرقت في النوم إلى الظهر ولم أسمع الأصوات .

الظهر كان الغداء الفخم جاهز وقابلت أخوه سعيد لأول مرة وتعرفت عليه عن قرب فقد كنت بالماضي أتعامل معهم على الهاتف ، وقضيت وقتا جميلا وتحدثنا في الكثير عن الأعمال في ليبيا وكانت فاتحة خير للأعمال المستقبلية مع بعضنا البعض كشركاء …

المهم ودعتهم بعد يومين وطلبت من السيد محمود أن يأتي معي إلى مدينة درنة للزيارة ولكن إعتذر حيث له مدة طويلة عن مكتب بيروت وفهمت الموقف ولم أصر … وأجل الزيارة مرة أخرى حيث سوف يأتي من بيروت رأسا ، عن طريق مدينة بنغازي …

رجعت إلى مدينة درنة وطعم حلاوة الرحلة بالقلب حيث زرت فيها عدة دول حول البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا مما عرفت الكثير عن هذه الأوطان ووصلت إلى قناعة أنه بالسفر والعلاقات الجيدة ممكن للتاجر الذكي أن يعمل الكثير ، وإذا وفقه الله تعالى وساعده الحظ يصبح من كبار رجال الأعمال بسرعة حيث الأرض عذراء بكر والسوق بحاجة إلى آلاف الأشياء سواءا للبيع والتسويق أو للشراء والإستيراد .

نظير التجوال الكثير والإستيراد المنظم لكثير من المواد وفقني الله عز وجل في المساعدين الأعوان حيث كانوا شبابا رجال يعتمد عليهم  في كل خطوة تطلب منهم أمناء إبتداء من إبن العم إدريس الشريك في شركة مواد البناء ، والسيد ماريو نوفاكو الإيطالي مدير مصنع البلاط والرخام  ، وطاقم المكتب من المدير حتى الفراش ، كانوا أعوانا مخلصين يعملون بجد وجهد وشرف مما مع الوقت نجحت ، فلهم الشكر والتقدير .

معظم السفريات كانت للخارج ولكن لم أنسى الداخل وكلما تسنح الفرص للتجوال في رحلات لبعض المناطق النائية أذهب ضمن المجموعة في أيام العطل والأعياد ، وإحدى الرحلات الداخلية كانت الزيارة الأولى لواحة الجغبوب في  الجنوب الشرقي الليبي على الحدود مع جمهورية مصر ، تبعد عن مدينة طبرق جنوبا 255 كم
كان بالرحلة معي الرفاق ،  الدليل الحاج محمد الهنيد الأستاذ الفاضل والحاج عوض تربح ، والحاج صالح بودربالة الصديق والأخ ، والأستاذ الفاضل أحمد الغيزواني ، المهتم بالتاريخ  ، وكنت أصغرهم سنا وكان لدي سيارة مرسيدس جديدة بالمخزن أحببت أن تكون مباركة في الرحلة إلى الواحة حيث في نظر الجميع واحة مقدسة بها رفاة المصلح الكبير ومؤسس الطريقة السنوسية السيد " محمد بن علي السنوسي " جد الملك إدريس الأول والأخير .

الساعة الثالثة بعد الظهر تحركنا من مدينة درنة إلى مدينة طبرق القريبة المسافة 175كم وإشترينا جميع اللوازم من الطعام واللحم الطازج والفاكهة التي تكفى المجموعة لمدة يومين وعند الخروج من طبرق عبأت خزان الوقود بالسيارة وزيادة في الإحتياط عبأت قالون بلاستيك 10 لترات لأنه أول مرة لي للذهاب والزيارة للمنطقة .

توكلنا على الله تعالى وقدت السيارة في طريق صحراوية إسفلتية ضيقة لم يعمل لها صيانة بعد منذ فترة طويلة وبها الحفر العديدة والرمال على الجوانب في أكثر من مكان نتيجة هبوب الرياح العاصفة والتي تحتاج إلى سائق ماهر حتى لا يغوص فيها وممكن أن يتعرض إلى حادث نتيجة السرعة وكنت حذرا في القيادة حتى أعرف الطريق جيدا في رحلة الرجوع ، والرفاق الكرام في أحاديث جيدة كل واحد منهم يقص علينا قصص وحكايات ونوادر نظير التجارب السابقة مما أثرت الكثير لدي من المعلومات العامة الجيدة …


وصلنا للواحة وتوقفنا أمام الإستراحة للضيوف من عهد الملك السابق ، وتأكدت من عداد السيارة وكان يشير إلى 255 كم من محطة الوقود بطبرق ، وكان بالإستراحة وفد من المدرسين من طبرق والقرى حولها حتى قرية إمساعد الحدودية ، لحظة وصولنا كانوا يتناولون العشاء ودخلنا وقاموا للسلام علينا حيث الأستاذ محمد الهنيد يعرفهم جيدا ، وأصروا على أن نشاركهم العشاء مما فعلنا ، وقام جماعتنا بعمل عشاء آخر للجميع وجلسنا في حلقة كبيرة نتحدث عن الواحة والمؤسس للطريقة والتمجيد ووضع هالات كثيرة عن أعمال المصلح وكراماته الكثيرة مما كان له أحسن الأثر في النفوس المتعطشة للمعرفة .

العشاء الثاني حضر مع الجميع بعض الشيوخ القائمين على المسجد الذي به الضريح وطالت السهرة إلى قرب الفجر حيث الطقس صحراوي جاف ولا يشعر الإنسان بالتعب من السهر والسمر ، وحدثت مطبات كثيرة من الأستاذ محمد الهنيد حيث كان لدي بالسيارة جهاز مثل العصا طوله حوالي القدم  يدوي عندما يفتح الغطاء من مقدمته تظهر منه 2 أسنان متحركة سالب وموجب بقوة فولت كهرباء عالية  عندما تلامس جسم أي إنسان أو حيوان تجعله يتحرك و" ينط " غصبا عنه ، حيث يستعمل الجهاز عند التحميل والشحن للأبقار عندما تتوقف وتجلس ولا تريد أن تنهض ، يتم الوخز لها مما تنهض وتجري غصبا عنها من اللذع ! 

أخذ الأستاذ محمد الجهاز وكل من يريد أن يذهب للنوم من جماعتنا الرفاق أو ينعس كان يوخزه مما الجميع سهر حتى لا يطالهم الوخز ، وأخير قرب الفجر لم أستطيع المقاومة وتسللت إلى الحمام وبعدها دخلت أول غرفة ونمت على أحد الأسرة نوما عميق ولم أستيقظ إلا على وخزة من الأستاذ الساعة السادسة صباحا طالبا مني النهوض والإفطار معهم ، ونهضت بصعوبة ولم أستيقظ ويرجع لي كامل الوعي والنشاط إلا بعد  حمام بارد .

بعد الفطور والأحاديث الكثيرة وحوالي الساعة العاشرة ذهبنا إلى الجامع حيث صلينا ركعتين لله عز وجل تباركا بالحضور للجامع طالبين من الله تعالى أن يوفقنا إلى طرق الخير وأن يمتعنا بالصحة والعافية ، وشعرنا فيه بسكينة غير عادية غمرت أرواحنا بالهدوء الغير طبيعي وبروحانية خاصة وبعدها زرنا ضريح الشيخ محمد بن على السنوسي وقرأنا الفاتحة على روحه الطاهرة ، وتجولنا في الجامع وكان غاية في الإبداع في البناء البسيط الصحراوي وكان به مكتبة قيمة بها الآلاف من المجلدات تحوي نفائس من المخطوطات والكتب القيمة ، التي ضاعت بعدها بسنين حيث أمر الطاغية بهدم المسجد والضريح وإخراج الرفاة من القبر ولم يعرف إلى الآن أين الدفن أم الرمي في البحر ؟؟ أليس هذا العمل البربري الإجرامي والنبش للقبر من عمل شيطان رجيم بحيث يتعدى على الحرمات حتى الموتى بالقبور !!!

المهم إنتظرنا بالجامع حتى رفع الأذان لصلاة الجمعة وحضرنا الخطبة من الإمام الحاج الشيخ "نصيب " الأب القيم على الجامع وكلها تدعوا للخير والمحبة والمصالحة الوطنية ضمن الهدى والإيمان والأخوة الصادقة ، وصلينا صلاة الجمعة وبعد الإنتهاء من الصلاة قام مناد يدعوا الجميع ممن حضروا الصلاة إلى مأدبة غداء على شرف الوافدين الزوار نحن والمدرسين …

دخلنا الى غرفة كبيرة ملحقة بفناء الجامع عالية الجدران سقفها من أعمدة النخيل المتلاصقة وعليها الطين والجريد بطريقة فنية جميلة حيث بالواحة الصحراوية الأمطار خفيفة بالكاد تهطل خلال فصل الشتاء ، وكان العدد كبيرا حوالى 200 رجل ، والعجيب عندما تم التقديم للطعام في أواني كبيرة من الخشب " قصعة " كل واحدة يحملها 2 من الرجال مملوءة  بقليل من الأرز المطبوخ …

تم تقديم عدد 4 قصعات كبيرة للجميع والعادة الضيوف أول الذين يأكلون وكل 8 ضيوف جالسين حول قصعة على الأرض ، ويمر 2 من المضيفين بقدر كبير مملوء بقطع لحم الضأن الكبيرة ويقدمون 8 قطع كبيرة ، طالبين من الجميع عدم رمي العظام بالقصاع بل بالخارج وكل مرة يشبع ضيف ويقف ليغسل يديه ، يدخل مكانه شخص آخر ونفس الطريقة تتكرر حتى تناول الطعام الشهي آخر شخص من الحاضرين …وكم عجبت من الطريقة الجميلة التعاونية في الأكل الجماعي والإحترام الزائد عن اللزوم للضيف حيث هذه العادة مستمرة حتى اليوم في نجوع البادية ، وإستغربت بشدة من أن الطعام القليل في نظري عندما تم تقديمه ، كفى الجميع وزاد حيث لا شك فيه بركة كبيرة من الله تعالى وأن المكان طاهر ومقدس …

بعد الغداء الحديث الشيق وشرب الدور الأول من الشاي الأخضر ثم الدور الثاني وقام الشيخ ودعى لنا بالخير والسلامة وختمها بقراءة الفاتحة والجميع يسمع وينصت في هدوء ووقار للشيخ الجليل حيث إنتهاء الجلسة ، وقمنا وصافحنا الشيخ المضيف وغادرنا المكان ، وكان أحد الأساتذة ناظر المدرسة بالواحة الذي نسيت إسمه الآن وعلى ما أعتقد السيد " الصافي " أخذنا في زيارة لبحيرة " الملفا " القريبة من الواحة في سيارته البيجو حيث سيارتي لا تستطيع الدخول حيث الطريق رملية متحجرة صعبة …

قضينا وقتا جميلا حيث لعبنا كرة القدم وقام البعض منا بالسباحة في البحيرة المالحة وقمت بجولة سياحية على الأقدام وشاهدت بعض الكهوف والبعض منها بها موميات من العصر الفرعوني حسب كلام الحاج محمد الهنيد الرائد والدليل الخبير في الإستكشافات جافة من آلاف السنين وعندما يمسها ويلمسها الإنسان الغير خبير  تتساقط رماد .

قبل المغرب أشعلوا نارا كبيرة من أعواد القصب الكثيرة الجافة لطهي طعام العشاء وإستعمال الدخان لطرد آلاف حشرات البعوض الطائرة التي تجمعت حولنا تحاول لدغنا وتعبنا من الهش لها وطردها ، وبعد العشاء السريع الشهي من المكرونة الحارة اللذيذة " المبكبكة " على الطريقة الليبية رجعنا وكنا مرهقين على الآخر وكنت بالسيارة شبه نائم أتمايل من الإهتزاز فقد غلبني النعاس ولم أستطع المقاومة حتى وصلنا الإستراحة حوالي الساعة العاشرة بالليل وأنا أحلم بالقفز على السرير والنوم للصباح من التعب .

أمام الإستراحة بدأت الكارثة بالنسبة لي فقد كان الإتفاق على النوم والرجوع يوم السبت براحة إلى مدينتنا درنة ، ولكن تغير الإتفاق على سبيل أن نستغل الليل والطراوة ونرجع ، وكنت مرهقا جدا ، وليست عندي ثقة في أي أحد أن يقود السيارة ، ومن الغضب والغيظ طار النعاس وإستيقظت الحواس وقلت لهم موافق جهزوا أنفسكم ودخلت للداخل حيث الحمام وغسلت وجهي جيدا بالماء البارد وأخذت حاجياتي من الغرفة وخلال ربع الساعة كنت في السيارة أنتظر  ركوبهم .

بدأت أقود في طريق العودة بسرعة معتدلة حوالي 140 كم بالساعة وبعد مضي الساعة الأولى شعرت بالصمت وعدم الكلام والحديث وتطلعت وكان الجماعة نائمون مما زاد الغيظ والغضب وأيقظتهم ولكن بعد قليل نفس القصة النوم من جديد وضاعفت السرعة إلى 200 كم بالساعة ولكن ولا مهتم وحكمت الأمر لله عز وجل وقدت طوال الطريق وأنا بين الفينة وأخرى أزعج فيهم بعمل دعابات وضغط على الفرامل والتوقف فجأة مما جعلتهم مذعورين يقظين حتى وصلنا إلى مدينة طبرق حوالي الساعة الثانية صباحا ، حيث توقفت أمام محطة الوقود وطرقت الباب حتى صحى العامل وزودنا بالوقود وهو شبه نائم .

بعد الخروج من طبرق بربع الساعة نام الجميع مرة أخرى وقررت عمل دعابة ومزحة قوية وإنتظرت حتى وصلت إلى منخفض قرية عين الغزالة حيث الطريق تهبط إلى أسفل ولم أضغط على الفرامل حتى لا يستيقظ أحدا من أي هزة وتركت السيارة تجرى من غير ضغط على البنزين حتى توقفت نهائيا على جانب الطريق ، وأطفأت المحرك والأنوار وصرخت صرخة عالية وسكتت وأنا أكاد أنفجر من الضحك عليهم ماذا سوف يعملون…

قام الحاج عوض ومد يده بقوة وخبط الزجاج الأمامي للسيارة والأستاذ الهنيد كان بالمنتصف على الكرسي الخلفي مادا يديه الإثنتين على الجانبين يتأكد من وجود جيرانه ويقول سليمة سليمة والحمد لله تعالى حيث كان يعتقد بأنني قمت بحادث والسيارة إنقلبت رأسا على عقب والسيد صالح بودربالة يقول لا حول  ولا قوة إلا بالله تعالى والأستاذ أحمد الغيزواني جمد من هول المفاجأة ولم ينطق بكلمة ، وخرجت من السيارة من كثرة الضحك على الموقف .

عند هذه الدعابة والمزحة الثقيلة إستيقظ الجميع حتى وصلنا إلى مدينة درنة وكلهم يتحدثون على الموقف وأنه إنتهى على الخير وكان دعابة وطرفة ذكرها بعضنا سنين طويلة والآن من هؤلاء الرفاق 3 في ذمة الله تعالى توفوا وآخرهم الأستاذ الغيزواني ، وأنا والأستاذ محمد الهنيد مازلنا على قيد الحياة . ننتظر في أدوارنا في المحطة حتى يأتي القطار ونرحل عن هذه الدنيا الفانية حيث لا طعم فيها فقد تغيرت جميع المعايير السابقة من كرم وقيم وأخلاق وأصبحت السلطة والمادة ، وإتباع غوايات الشيطان والشر والحرام هو الأساس .
                                                   رجب المبروك زعطوط
البقية فى الحلقات القادمة …

Friday, November 2, 2012

شاهد على العصر 28


                                           بسم الله الرحمن الرحيم
                                             شاهد على العصر
                                                     28


Tangiers, Morocco 
               قضيت أياما وأوقاتا جميلة في السفر طوال الوقت بحيث تعودت على الحركة ولا أستطيع المكوث في مكان واحد لمدة طويلة وكان الهم دائما في السفريات العديدة البحث عن فرص الأعمال والتجارة للكسب الحلال وإفادة الوطن بإستيراد المواد الجيدة ضمن المواصفات العالمية المعترف بها ، وليس كما يفعل الكثيرون من التجاوزات والغش لقاء مكاسبهم المادية مما مع الوقت وطول المدة تظهر العيوب وتخلف الدمار والمآسي 

 كنت أخلط العمل مع الزيارات العديدة للمصانع ومقابلة رجال الأعمال والحديث معهم في مواضيع عديدة ، كما يقول المثل العامي " زيارة ونيارة " مما إستفدت الكثير من خلال العلاقات والسفريات واللقاءات المهمة مع كثيرين من الصفوة  من دول عديدة .

تعلمت الكثير من جامعة الحياة بحيث إكتسبت خبرات كثيرة تعادل وأحسن بكثير من عدة شهادات جامعية عالية " دكتوراه "  حيث ليبيا ناشئة عذراء بكر تحتاج إلى عقول ورواد أوائل رجال أعمال ذوي جرأة ومغامرة ، تحتاج كما يقولون "من الإبرة حتى الصاروخ " للتشييد والإعمار ، إبتداءا من التعليم الراقي ضمن خطط ودراسات حديثة من النشأ صغار السن الأطفال في أول المراحل "الروضة " وبقية المراحل الدراسية إلى الكبار في المعاهد والجامعات ، ضمن الدراسات العصرية وليست ضمن العقلية السابقة  العقيمة التي هي قمة التعجيز للطالب ولم تتطور مع العصر حتى تنهض وتصبح في المقدمة 

الإهتمام والتركيز على قطاع الصحة حيث هي الأساس لنمو أي شعب سليم البنية والعقل حتى يستطيع أن يفكر ويبدع ، والعمل الجاد على تحقيق وإنهاء البنية التحتية والبناء العصري من مشاريع عديدة وتوفير السكن الملائم حسب العصر وليس ضمن البناء بالعقليات المتخلفة من مستشارين ومهندسين من دول عربية مجاورة متخلفة والتي للأسف إستمرت حتى الآن ، لم يتطوروا مع الزمن وعصر العولمة .

إن ليبيا بها المال الكثير حيث حبانا الله عز وجل بدخل كبير من النفط والشعب قليل العدد ، والمفروض في وقت قليل أن ننهض ونتقدم مثل بقية دول العالم  بالسابق وفي فترة وجيزة نهضت من العدم وأصبحت تنافس الآخرين الأوائل من الدول الغربية ،  الكثير من دول أسيا  حيث لدينا العقول والموهبة الخلاقة والجرأة وحب المغامرة إذا أتيحت الفرص بشرف وليس بالواسطة للأقارب والمعارف كما حدث بالعهد السابق حتى نستطيع أن نقارع الأمم المتقدمة ، بالذكاء والعلم والفهم  ، حيث شباب ليبيا من الجنسين مشهورين بالذكاء قادرين على الإستيعاب بسرعة والإبداع والنبوغ بالفطرة .

لكن نظير الغباء وشهوة السلطة والتحكم من القذافي وأعوانه من الزبانية والجهل الكبير بأبسط الأمور في الإدارة ونسوا وتناسوا أن الأمن والأمان والسلام أساسه العدل والمساواة بين جميع أفراد الشعب وليس القوة والإرهاب 

فتح باب المنافسة والتجارة الحرة وعدم الإحتكار للدولة لأي مرفق وسلعة مهما كانت الأسباب  والتشجيع لكل مواطن أن يبدع ويعمل بالجهد والعرق بجوائز كبرى ، وليس دفع رواتب زهيدة للجميع حتى يصبحون كسالى ضمن بطالة مقنعة وأقنعة واهية لا يريدون العمل ولا التعب ، نظير مخططات بعيدة الأمد لدمار العقل من قوى خفية لاتريد الخير ولا النهضة والتقدم  للوطن ، حيث أنا متأكد أن أبناء الشعب الليبي من الجنسين قادرون على التحديات إذا أتيحت لهم الفرص بحرية حيث عن وقت قريب سوف يكونون بالمقدمة والقمة .

في إحدى الزيارات لبيروت كنت متعباً ومرهقاً من كثرة السفر والأعمال ، إقترح علي أخي وصديقي السيد محمود شحادة أن أرافقه في رحلة يخطط لها لزيارة المغرب الأقصى حيث  يريد زيارة أخيه بمدينة طنجة بالمغرب عن قريب حيث أخوه السيد عثمان مديرا لمصنع أقمشة ، ملك لأبيهم الراحل مع شركاء مغاربة ، وكانت فرصة كبيرة لي أن أزور مملكة المغرب ، حيث لم أزرها من قبل   ووافقت على الرفقة والسفر .

في اليوم الموعود كنت في بيروت وسافرنا في رحلة طويلة بدأت بأثينا اليونان حيث لدي أعمال مع شركة هيراكليس مصنع الإسمنت أتممتها بسرعة وبعدها إلى روما إيطاليا حيث قضينا يومين في عمل مع شركة إيطالية يملكها الصديق "قسطوني ناردكيا " وبعدها الأجازة حيث لا لقاءات عمل ، وسافرنا معا إلى العاصمة مدريد أسبانيا وكانت أول مرة أطأ فيها  قدمي وأقمنا في فندق فخم ، وحدثت لي نادرة فيه حيث كنت أسمع شخير رفيقي من الغرفة الثانية وحوالي الساعة الثالثة صباحا سمعت قرع الجرس وبعده الخبط على الباب بقوة وفتحت الباب ووجدت أحد النزلاء هائجا من الصوت حيث سبب له الإزعاج ولا يستطيع النوم براحة وهو مرهق من رحلة طويلة .

وعندما سمع الشخير بالغرفة الأخرى  مستمر إعتذر لي عن الإزعاج وهو خجل آسف وبدأ يقرع الجرس ويخبط على الباب الثانى  بدون جدوى ، مما إبتسم ودخل حجرته وإتصل بالهاتف بموظف الإستقبال ليغير له الحجرة حيث غير قادر على الراحة والنوم من الشخير ذو الصوت العالي الذي على مأعتقد يأتي لغرفته من فتحات المكيف ، ودخلت لغرفتي وحاولت النوم ، ولا أدري ماذا حدث من بعدي 

على مائدة الفطور أعلمت السيد محمود بالأمر ، وقال البارحة نمت بعمق ولم أسمع شيئا مما إستغربت من الأمر ، كيف ينام بهذه الكيفية والعمق  ممكن الدخول عليه وسرقته ببساطة من أي لص يدخل من شرفات الغرف المجاورة .

قمنا بزيارة  بعض المعالم في مدريد وتم الحجز للطائرة اليوم الرابع من الوصول وسافرنا إلى مدينة طنجة الهادئة ووصلنا مطارها الصغير وقتها وكان الطقس عاصف برياح ساخنة " قبلي " تهب من الجنوب حيث الصحراء ، وكان أخوه السيد عثمان في الإنتظار بالمطار حيث قدمني له وتعرفت به ، وركبنا سيارته للذهاب للمدينة ، وأصريت على الإقامة بفندق حيث لا أريد الإزعاج لأي أحد وبالأخص السيد عثمان كان عريسا في شهر العسل ، ونزلت في فندق " الريف " القريب بالجوار من بيته حيث يقيم ، وأما السيد محمود فقد أقام مع أخيه حيث لديه الكثير من الأحاديث الخاصة بخصوص العائلة والأعمال ، حيث السيد محمود رفيقي هو المدير العام  لشركة أبناء نعيم شحادة .

اليوم الثاني تعرفت على العروس زوجة السيد عثمان وكانت من عائلة " الكزبري " من العوائل المشهورة بالشام وكانت شابة لطيفة ذات أدب وحشمة وقامت مشكورة وعملت لنا مائدة غداء فخمة فيها كل مالذ وطاب من أشهى الطعام الشامي ، وقضينا أياما جميلة حلوة جميعها أجازة بالنسبة لي ، وأيام عطلة نهاية الأسبوع قضيناها على أحد الشواطىء للإصطياف وكان البحر هادئا ممتاز وقضيناه  في سباحة وعوم في البحر الأبيض المتوسط  ، ولدي صور كثيرة عن الذكريات عن الرحلة للمغرب والجلسات المريحة في بعض المطاعم وتدخين النارجيلة والسمر والسهر 

قضينا أسبوعا مر بسرعة ونحن لا ندري وقررنا السفر إلى الدار البيضاء حيث السيد محمود يريد لقاء شريكهم المغربي هناك لبحث بعض الأعمال ، وسافرنا بالقطار لنشاهد المغرب من الشمال إلى الجنوب الغربي حيث الرحلة طويلة تستغرق ساعات عديدة ، والقطار عتيق بصعوبة يسير وينفث في أنفاسه ولكن كنا شباب في عمر الزهور موفوري الصحة لا نحس بأي تعب أو إرهاق من السفر .

وصلنا إلى الدار البيضاء وأقمنا في فندق "مرحبا " حيث كان وقتها جديدا مشهورا ، وزرته بعد عقدين من الزمن وكم تأسفت وحزنت فبدلا من خمس نجوم أصبح ثلاث نجوم ، حيث نحن العرب ننهض ولا نستمر ونتقدم  بل نتراجع مع الزمن أليس بأمرمؤسف ومأساة ؟؟؟ أن تحدث هذه الأمور دائما ببساطة ولا نعالج العيوب بصرامة حتى ننهض 

تمت الإتصالات مع محمود ودعانا شريكه على وجبة عشاء في بيته الكبير وكان التعارف والعشاء الجيد والسهر ، وخصص شريكه لنا سيارة كبيرة أمريكية الصنع يسوقها رجل أسمر عملاق يلبس طربوشاً أحمراً مما كان في  نظري مميزً أينما ذهب … لا يمكن للإنسان أن يخطئه من بعيد

قررنا السفر إلى الرباط لزيارة القنصلية الليبية وأخذ تأشيرة دخول للسيد محمود لزيارة  ليبيا ليمر على إخوته السيد نصوح وسعيد  ،  ولدينا دعوة على مأدبة غداء من طرف السيد " مأمون الكزبري " عم زوجة السيد عثمان ،  الذي كان أول  رئيس الوزراء للدولة السورية عندما تم الإنقلاب والفصل مع مصر ، ونهاية الجمهورية العربية المتحدة إلى الأبد التي من أول يوم  لم تقام على أساس سليم ،  نظير الأخطاء الكثيرة من الطرفين والعنجهية لحكام مصر بأنهم الأوائل والأساتذة في كل شىء نظير الطبقية والتعجرف والمغالاة ، ولم يفهموا ويعرفوا العقلية السورية الصعبة والسهلة إذا عرف الإنسان كيف يتعامل معها  ، أنهم يتعاملون مع رجال دهاة لديهم خبرات سياسية كبيرة ذوي رجولة وكرم ونخوة لا يرضون بالذل  ولا أن يكونوا تبعاً لآخرين إلا بالحق وعلى قدم المساواة .

في يوم  قائض وصلنا للقنصلية الليبية وكان من حسن الحظ القنصل الليببي أحد المعارف من مدينتي درنة من عائلة " الجدائمي " مما إستقبلنا الإستقبال الجيد بالصالون الرئيسي ومنح السيد محمود التأشيرة خلال دقائق من غير دفع رسوم ، مما إنبهر من المعاملة الطيبة ، وأصر على دعوتنا للغداء ولكن قلنا له بأننا كنا مدعوين  في نادي ضباط سلاح الطيران من قبل السيد مأمون الكزبري ، حتى وافق على أن يتركنا نذهب 

ذهبنا إلى بهو نادي ضباط الطيران في الميعاد المحدد حيث تلاقينا في البهو مع المضيف وقدمني له السيد محمود بأنني صديقه من درنة ليبيا ، حيث تعرفت به وشد على يدي بحرارة وبعدها سار بنا الخدم إلى جلسة شاعرية في الهواء الطلق بالحديقة في موقع جميل مثل الخميلة تحفها الأشجار والورود والأزهار من الجوانب الثلاث مغطى مثل سقف الخيمة  بدون جوانب لمنع التعرض لأشعة الشمس والساقية تجري فيه من 3 جهات والمدخل هو الرابع ، والصوت الجميل لخرير المياه وهي تجري في القناة إلى ما لا نهاية وترجع ،
وجلسنا على طاولة كبيرة وكان معي عدة صحف ومجلات وضعتها على الكرسي بجانبي الأيمن والسيد محمود كان جالسا على الجانب الأيسر وأمامي مباشرة كان السيد مأمون جالسا  ، وبدأت الحكايات العامة عن كثير من الأشياء معظمها بينهم خاصة .

لقد أوصاني السيد محمود بعد قبول الدعوة على الغداء بأن لا أتجاوز الحدود وأنفعل لأي ظرف يحدث ، حيث يعرفني جيدا أنني في بعض الحالات لا أبالي وأتحدى كلام الخطأ بالمنطق ووعدته بأنني سوف أصمت وأسمع مالذي يقال بدون أي تعليق يذكر 

قدم لنا الطعام من اشهى المأكولات مما لذ وطاب ، وكان السيد مأمون من كياسته وتواضعه  يقطع في قطع اللحم الكبيرة من لحم الضأن الشهي إلى صغيرة ويضعها في صحوننا يريدنا أن نأكل المزيد مما أخجلنا بكرمه ولم نحرجه ، وبعد الأكل وغسل الأيادي ورفع الصحون قدمت لنا الفاكهة والحلويات والشاي والقهوة 

أثناء الحديث تطلع السيد مأمون إلى الصحف التي وضعتها على الكرسي بجانبي حيث كانت العناوين الرئيسية زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى ليبيا  ، والضجة الإعلامية الضخمة ، وتبسم ضاحكا وقال أنتم أيها الليبيون مهما عملتم من أفراح  في الإستقبال  لن تستطيعوا عمل الإستقبال كما عمل الشعب السوري للزعيم المخادع  ، مما حزت في نفسي وبدأت أسخن لأرد عليه حسب المستطاع فقد كنت وقتها شابا غريرا لايفهم الكثير في السياسة مخدر في حفلة العرس والزفة مثل " حصان العربة " مؤمن وعن قناعة أن الرئيس عبد الناصر صادق  والأخطاء  والنفاق من الآخرين أعوانه .

بدأ يتكلم كثيرا ويشرح لنا في أمور خفية حدثت في ذلك الوقت وكانت من الأسرار وقتها عن مدى التطبيل والتهويل الإعلأمي المصري الكاذب الذي دمر الأمة العربية في العمق ، ومازلنا ندفع في الثمن الغالي حتى اليوم نظير الأخطاء القاتلة التي حدثت من هؤلاء الطغاة 

رددت عليه وسألته لماذا لم تنصحوه حتى يعتدل ؟؟ وقال من الصعب تغيير هؤلاء العسكر فعقلياتهم مريضة يعتقدون أنهم من طينة أخرى سامية ، أحسن بكثير من المدنيين فقد تربوا على إطاعة الأوامر وتنفيذها حرفيا وعدم الإعتراض على  قادتهم مهما كان الأمر ، وحاول السيد محمود أن يوقفني عن الجدال ، وضغط برجله على رجلي من تحت الطاولة حتى لا أنسى نفسي وأتمادى في الرد والكلام ، ولكن قلت له بغيظ وغضب بأدب لا تضرب رجلي مما أحرجته وقال السيد مأمون بلطف دعه يتكلم بما في قلبه فأنا أعرف حمية الشباب المخدوع ، فقد مررت بالتجربة أيام الصغر .

قلت له ياسيد مأمون سيادتكم يوما كنتم على رأس الإنفصال ولو لم تقم بدور كبير فعال  فيه لن يختارك الإنقلابيون بحيث تصبح أول  رئيس وزراء ! وضحك كثيرا وقال يا إبني هذه المصيبة  حيث الكثيرون مغررون ولا يفهمون الواقع المرير الذي عشناه … وبودي أن أحكي لكم قصة بسيطة تعتبر من الأسرار وقتها… ولماذا قلت أن الرئيس عبدالناصر دجال مخادع  يستغل في العواطف الشعبية الوطنية لأبناء الشعوب العربية الأبرياء .

أول زيارة للرئيس عبدالناصر لدمشق سوريا أيام الوحدة ، إستقبلته جموع الشعب السوري بالفرح والسرور والزغاريد ومن كثرة الفرح والسعادة هجمت الجماهير بدون وعي  وحملت سيارة الرئيس ومن معه بدل أن تمشي على عجلاتها مما هذا الوضع لم يحدث لأي رئيس حتى الآن بالعالم ، حتى قصر " النزهة " وبعدها ظهر الرئيس من أحد الشرفات مواجها  جموع الجماهير التي تهتف ، وبدأ يخطب في خطبة طويلة بدون ملل ولا كلل  ، هيجت الجميع  وهم يهتفون بقوة في كل مقطع يتوقف فيه ويرقصون من الفرح والسعادة على الإنجازات العظيمة التي أقيمت في فترة وجيزة من الوقت مما أذهلت الكثيرين من الرفاق 


جمال عبد الناصر و صلاح الدين البيطار
كان بجانبه رئيس الوزراء السيد "صلاح الدين البيطار" الذي أغتيل بعدها بسنوات في باريس فرنسا من ضمن تصفية الحسابات ، وإعترى الحماس حيث الأرقام والإنجازات التي يقول فيها الرئيس لم تمر عليه ولا يعرف عنها أي شىء وهو يعتبر الرجل الثاني في سلسلة القيادة ، وقال للرئيس عبد الناصر في نشوة حماسية ، هنيئا لك ياسيادة الرئيس 

مسك الرئيس عبدالناصر مكبر الصوت " الميكروفون " وغطاه بيده حتى لا يسمع صوته للجماهير عبره ، وإلتفت نحوه وقال "ده كلام للشعب حتى يفرح ويرقص" ، مما سقط  الصنم العملاق عبدالناصر وتهشم في عينيه فجأة وعرف الحقيقة المرة وأن الرئيس دجال يكذب ولا يقول في الحقائق ، وحلف بالطلاق أن لايرافق الدجال  الطاغية ، وترك الشرفة والحفلة ورجع إلى بيته آسفا حزينا  ، من عظم المسؤوليات الضخمة الملقاة على أعتاقهم كيف تتبخر في لحظات وتظهر الحقائق الناصعة  فجأة على السطح !

كان المفروض بعد الخطاب تناول وجبة الغداء الرسمية معا وأن يترك رئيس الوزراء قبل النهاية وهو يسب وغاضب ، إنتبهت لها العيون وبدأت الأفواه من الكثيرين تتساءل  ، وأسقط في يد المنافقين الدجالين من حاشية عبدالناصر ولم يستطيعون عمل أي شىء عنيف تجاه رئيس الوزراء حيث في بلده سوريا الإقليم الشمالي ، ولو كان في مصر لذاب من وقتها في السجن والتحقيق ، كيف يخرج ويترك الرئيس عبدالناصر عرضة للتساؤل ؟؟ وصارت هزة كبيرة في الخفاء وصدر مرسوم جمهوري بالمساء بعزل رئيس الوزراء ووضعه مع عائلته تحت الإقامة الجبرية ومنع أي إتصال معه مع أي كان وقطعت عنه الإتصالات حتى مرت الأزمة على خير وسلام ولم يخرج من الإقامة الجبرية حتى هدأت المسألة وتم العفو 

هذا هو الرئيس عبدالناصر الدجال الذي الآن أنتم أيها الليبيون الغافلون له تطبلون وترقصون ، يوما ستدفعون الثمن الغالي لقاء تبنيه وهيمنته على القذافي ومجلس قيادة الثورة الضباط الصغار بالسن الذين ليس لهم الدهاء السياسي ولا الخبرات ولا التجارب لسنيين بل بضربة حظ بين يوم وليلة من ذوي رتب صغيرة يصبحون قادة وأبطال ، كان الله في عونكم ويوما سوف تعرفون صدق الكلام عندما يضرب الفأس الرأس 

صعقت من الكلام وصمتت ولم أعلق على الموضوع وأمسكت اللسان عن القول وقتها ولمدى سنين عديدة بعدها حيث هذا السر كبير ، مثل لقمة بطاطس ساخنة كبيرة صعب إبتلاعها وهضمها دفعة واحدة ، لو بحت بماذا سمعت أيام العهد السابق عهد الطاغية ، لتعرضت للتحقيق والقيل والقال والتعذيب  وأصبحت أشلاءا  بالقبر ، حيث المشكلة الرئيسية معظم الجميع يعيشون في ضلال الإعلام الكاذب المبرمج من قوى خفية حتى ندمر أنفسنا بأنفسنا نظير الجبروت والإرهاب وعدم الحريات والديمقراطية من طغاة حكام 

من يصدق وقتها ؟؟ حيث معظم الجميع يعتقدون أنه منزل طاهر مستعدون لعبادته "سبحان الله تعالى " أليس هذا بخطأ قاتل وقعنا فيه نظير الجهل وضعف القلوب المؤمنة وعدم الخبرة ، والدليل على ذلك مآل الأمة العربية الآن نتيجة ثورات العسكر في  ستة عقود ونيف مضت من حكم عقليات متخلفة جاهلة ، أين أصبحنا؟؟

إنني لست متجنيا على الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله عز وجل ، إن كان صادقا ومغررا به سوف ينال الدرجات العالية عند الخالق الواحد الأحد ، وإن كان جبارا طاغية سوف يدفع الثمن الغالي إلى ما لانهاية ، وقصصت الحادثة كما سمعتها وذلك لأخذ عبر قوية حتى لا نندفع مستقبلا في تأييد أي عسكري مغامر مقامر يتولى مقاليد الحكم والسلطة فجأة عن طريق القوة ، حيث المطلوب الحذر الشديد وعدم التأييد بسرعة حتى نتأكد ، فالجميع في نظري حسب محك السنين والخبرات التي إكتسبتها في نصف قرن مضى ، جميع الحكام العسكريين الذين وصلوا للسلطة عن طريق القوة ، طغاة من نفس القالب !

 الأحلام كبيرة وبدل الوحدة العربية والرقي ، الآن  مستعمرة وممزقة إلى دويلات قزمية وطوائف وشرائح وشيع من المحيط إلى الخليج العربي  ، تركوا طريق الحق طريق الله عز وجل ينتظرون في الخلاص والمهدي المنتظر ! الذي في نظري لن يأتي بسهولة … حتى يهتدون ويعرفون طريق الهداية " الخلاص والإخلاص " .

الخلاص ، من شرور وحب النفس والذات ، الخلاص من الشوائب الدنيوية المادية والإيمان النابع من القلب والضمير بعظمة الواحد الأحد الله عز وجل وإتباع القرآن المنزل وحيا من السماء ، وليس صادرا من عقول البشر من الغرب مهما وصلوا من علم ومعرفة دائما خطاؤون ، توجد فراغات تحتاج إلى تعديل مع الزمن .

الإخلاص في العمل والإتقان في أي موقع كان والصدق في العهد والوعد ، الإحترام والتعاون الصادق مع جميع الأديان بدون عقد ، منع الإرهاب ومحاربته من أي موقع بقوة ، العيش في سلام وأمن وأمان مع جميع البشر ، أية مشاكل وقضايا مهما كانت صعبة وطرقها مسدودة مغلقة ، بالحوار والثقة والصدق ممكن الوصول إلى حلول ترضى جميع الأطراف ، بحيث لا غالب ولا مغلوب حتى يتم النجاح والفوز دنيا وآخرة .
                                                           رجب المبروك زعطوط
                                                              2012/10/30م  
البقية في الحلقات القادمة