Tuesday, September 6, 2011

قصصنا المنسية 11

بسم الله الرحمن الرحيم

 الإغتيال الثاني في المملكة


العقيد الركن ادريس العيساوي
               حدثت أحداث كثيرة سياسية خطيرة أثرت على مسيرة المملكة الفتية الناشئة والتي مع الوقت والصراعات العائلية المحلية والعالمية أنهتها وأزالتها من خريطة الوطن ليبيا إلى الآن ، وبدايات الانهيار منذ اليوم الأول لإكتشاف النفط والغاز بكميات كبيرة مما جعلت العيون الدولية والأطماع الخفية تتجه لها بقوة وتخطط للسيطرة عليها نظير قلة الشعب في المساحة الكبيرة الغير آهلة بالسكان ، والموقع الإستراتيجيي جنوب اوروبا وبوابة مهمة للعبور إلى دول افريقيا المغلقة بدون مواني مطلة على البحر مثل دول تشاد والنيجر وغيرها ، والثروات الرهيبة من النفط والغاز بباطن الأرض، ووجود الأطلال شامخة من بقايا الآثار للحضارات السابقة شواهد في أماكن كثيرة بالوطن التي معظمها لم تكتشف بعد مما كانت هذه العوامل العديدة أساسيات للهيمنة بسهولة .
                 وزادتها تدخل شركات النفط العملاقة العاملة في ليبيا في السياسة المحلية عن طريق عملائها المرتشين القطط السمان المعروفين والذين البعض منهم مايزالون إلى الآن على قيد الحياة (لا أريد الفضح ولا التشهير والله سبحانه وتعالى يوما يأخذ الحق)... الضغوط بطريقة او اخرى على تغيير الدستور وإلغاء نظام الولايات الإتحادي لثلاثة أقاليم،  ولايات (برقة و طرابلس وفزان) والاستبدال إلى مملكة متحدة حتى لا يتم الاصطدام بقوانين الولايات المختلفة في الاستكشاف مما سهل نهاية المملكة وضياعها للأبد.
                 حكايات قيلت كثيرة همسا في الخفاء ووراء الستار على زيارة الامير ولي العهد الحسن الرضا إلى أمريكا للتعريف به كملك المستقبل للأدارة الامريكية أيام حكم ولاية  الرئيس جون كنيدي، وكان من ضمن الوفد المرافق الضابط بالجيش العقيد الركن  أدريس العيساوي الذي أسرته من إخوان الطريقة الروحية السنوسية مؤيدا لعائلة الشريف الأصيلة خصوم آلِ الشلحي في السر.
              تردد في الأوساط الضيقة وفي الخفاء همسا أنه كان بطريقة أو أخرى متعاونا مع جهاز المخابرات المركزية الامريكية  (CIA)... وأنهم كانوا يعدونه لحكم ليبيا الفعلي مستقبلا عندما يتقاعد أويتنازل الملك ادريس عن العرش ويتولى ولي عهد المملكة الخجول رهيف الحس من الطيبة حميد الأخلاق والأدب، الغير قادر على الحكم كما أشيع عنه في ذاك الوقت في الأوساط من معظم رجال الدولة الذين عرفوه معرفة جيدة عن قرب .
              كانت المخابرات البريطانية تخطط لمصالح دولتها الاستعمارية بضمان بقاء السيد البوصيري الشلحي في منصب الحاكم الفعلي، متخذا من الملك وبعده ولي العهد غطاءا للحكم وكان الملك إدريس على علم بالصراع وماذا يحاك من دسائس في القصر ولا يريد هز المملكة و دمغ ملكه بسفك الدماء ومحاسبة وعقاب الكثيرين من الأطراف المتخاصمة على السلطة والثراء وآثر السلامة والتقاعد حيث كان رجلا مسالما تقيا غير مهتم  بالحكم .
             القوى الخفية الأمريكية الماسونية تعمل جاهدة في هدوء على عدة محاور وبدائل لتولي العقيد الركن، إدريس العيساوي، المهام الصعبة ويصبح الرجل الأول في السر والخفاء يقود الجيش ويتخذ من ولي العهد الملك المستقبل غطاءا للحكم الفعلي، أو غيره من العسكريين المرشحين ضمن القائمة الجاهزين للوثوب إلى المقدمة عندما يحين الوقت ، مما بطريقة أو أخرى ينتهي نفوذ آل الشلحي ومن ورائهم هيمنة ونفوذ بريطانيا من الوجود في ليبيا .
             تم تنبيه آلِ الشلحي بما يدور في الخفاء من سادتهم البريطانيين حتى لا يعم عليهم الفيضان فجأة وهم في غفلة ويجدون انفسهم مطرودين من القصر إلى غير رجعة للأبد ، وسارت الامور في منحنيات أخرى خطيرة خوفا من الضياع والمصير القادم بسرعة والذي على وشك الحدوث مما زادت لهيب النار ، وتقرر أن الهجوم أحسن وسيلة للدفاع ، ودبرت مكيدة للقضاء على رأس العملية المختار المنافس ، قبل ان تحدث.
             تم إغتيال أدريس العيساوي في بنغازي يوم 1962/12/9م  عندما أستدعى بحيلة ماكرة ليلا بالهاتف بالقدوم للمعسكر على عجل بسرعة الذي كان آمرا له حيث به مشكلة وتمرد تحتاج وجوده الشخصي ولا تتحمل الإرجاء حتى الصباح ، عندما كان مع أصدقائه في أحد المقاهي في ميدان الشجرة بنغازي كالعادة يسهر ويلعب الورق ، وقال لأصدقائه مودعا وهو يخرج أنه سوف لا يتعطل كثيرا ويرجع بسرعة لتكملة السهرة ولم يعلم وقتها الغيب، ان القدر ينسج له في الكفن والقتلة المجرمين في إنتظاره بالمرصاد للقضاء عليه.
              ذهب خالي البال لوحده بدون أي رفيق ولا حراسة وقاد سيارته حيث ذاك الوقت الأمن والأمان مستتب والمعسكر الذي يقصده على طريق بنينا المؤدي للمطار شبه مهجورة من حركة المرور لقلة السيارات ولا أضواء ونورا على الجانبين كما الآن ...  ووجد حاجزا بالطريق مما توقف ليستجلى الامر خالي البال لا يدري ماذا يحاك له وإقترب آحدهم وأطلق الرصاص عليه عدة عيارات مواجهة في الصدر والبطن وكان الشهيد شجاعا دافع عن نفسه بمسدسه والرد بإطلاق الرصاص مما كثرت الأصوات نتيجة تبادل إطلاق العيارات النارية المدوية في سكون الليل الهادئ وهرب الجناة خوفا من القبض عليهم أو الملاحقة .
              حضرت النجدة وتم نقل المصاب وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة ينزف الدماء ونقل إلى المستشفى الخاص داخل المعسكر البريطاني وكأن الامر مرتبا مسبقا بدلا من نقله إلى المستشفى العام الوطني داخل المدينة للعلاج ...  وطلب المصاب حضور قائد الجيش رئيس الأركان وقتها اللواء نوري الصديق الذي حضر على عجل وشاهد الشهيد في لحظاته الأخيرة وهو يصارع الموت ، وسمع الإعتراف والكلمات الأخيرة من كان القتلة وراء الرماية بالرصاص عليه قبل ان يودع الحياة ويموت متأثرا بالجراح .
              أثير همسا في الأوساط الضيقة عن طريق احد الممرضات البريطانيات كانت  شاهدة عيان للحدث داخل المستشفى وقتها صديقة أحد الضباط الشباب الليبيين بعد وفاته بفترة والتي إعترفت في أحد لحظات النشوة وصحوة الضمير بالحقيقة المرة ، أن الشهيد لم يعطى له الاهتمام الكافي بالعناية والعلاج كما يجب من الأطباء بالمعسكر، والذي كان من الممكن إنقاذ حياته ونجاته من الموت ، بل ترك عن قصد مبيت ينزف الدم حتى توفى (رحمه الله تعالى) والتي بعد فترة توارت ويقال أنه تمت مدة خدمتها في بنغازي ليبيا وتم نقلها إلى احد الدول في الكومنولث البريطاني منعا للمتابعة وتوثيق شهادتها رسميا للأيام ، والحقيقة يعلمها الله عز وجل... والله الموفق .

             رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع....

Saturday, September 3, 2011

قصصنا المنسية 10

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الصراع السياسي 

              قدمت عائلة الشريف أفدح التضحيات وقتها نتيجة غضب الملك عليها والدس والوشايات وتزوير الحقائق من أعوان ومنافقي آل الشلحي المستشارين بالتأكيد له ان إغتيال الضحية كان مدبرا من كبار عائلة الشريف وليس عملية فردية قام بها القاتل ويتحمل نتائجها شخصيا.... وبناء عليه تم سحب وإزالة الحصانة الملكية عن الجميع والإقالة الجماعية من الوظائف الرئيسية بالدولة من مدنية وعسكرية والإبعاد والنفي مع العائلات إلى العقيلة ومرادة والواحات والحصر كمعتقلين في البيوت وعدم الخروج والاختلاط مع الآخرين من ابناء الشعب والمنع بالتنقل والسفر من مكان إلى آخر بدون  إذن من السلطات المحلية ، مما كانت نكسة ومصائب حلت بعائلة آل الشريف السنوسية وأصبح الجرح عميقا بين الإخوة وأولاد العم القريبين من نفس الدم يرجعون إلى جد واحد ، لن يلتئم بسرعة ، وعجل بإنتهاء المملكة ، وقدوم القذافي إلى سدة الحكم والإستيلاء على الوطن بسهولة .
                 كان خطئا كبيرا إرتكبه الملك إدريس مع أنه كان ذكيا وداهية بإبعاد عائلته التي لها هالة قدسية دينية خاصة لمساندته والظهور يدا واحدة متضامنين... كانت لهم الهيبة والإحترام لدى الرأي العام... ولا يستغل المنافقين في القصر والحكومة غضب الملك لمآربهم الخاصة للضغط والتشفي والقهر للعائلات المنكوبة من جميع الأقارب والأصهار والأصدقاء الذين يمتون للمغضوب عليهم بصلات، بحيث أصبح الملك وحيدا أسيرا في قصره لعائلة الشلحي غطاءا ، ووراء الستار يحكمون المملكة فعليا بإسمه.
               وزاد القهر والأخطاء القاتلة إستدعاء الأبن الأكبر للمرحوم إبراهيم ، الطالب البوصيري الشلحي من لندن والمتزوج إنجليزية وقلده منصبا كبيرا بالديوان الملكي خلفا لوالده المغدور به (وكان ممنوعا تقلد مناصب رفيعة قيادية بالدولة للمتزوجين بأجنبيات غير ليبيات الاصل) ولكن تنفيذا لرغبة الملك تم التجاوز ، وبدأ السوس ينخر في جسم المملكة وأصبح آل الشلحي الحكام الفعليين من وراء الستار للوطن العملاء لبريطانيا في السر وكانت نقمة ومأساة على الوطن والشعب الليبي منذ ذاك الوقت في الخمسينات من القرن العشرين الماضي ونحن الوطنيين المظلومين ندفع الثمن الغالي ونقدم الضحايا والتأخر والتقهقر إلى الوراء حتى الآن .
                 لقد ساعد على قيام الإنقلاب سنة 1969م الأطماع الخارجية الدولية في الثروة وطرد المد الناصري والشيوعي عن شمال افريقيا ، وزهد الملك نظير الفتن والمصائب والدس في القصر والتنازل عن العرش لولي العهد ضمن ترتيبات خاصة سرية بحيث يتم التتويج سلميا في الاسبوع الاول من شهر سبتمبر 1969 م وجميع الضباط الكبار بالجيش والمسؤولين ذوي القرار على علم بطريقة أو أخرى بالتغيير السياسي الذي سوف يحدث في المملكة.
                إستغلت القوى الخفية الدولية الماسونية وخططت ودعمت عميلها القذافي البديل للقفز بسرعة وخداع الجميع مستغلا الجيش والوصول للسلطة قبل الوقت المحدد بفترة أيام مما نجح الانقلاب في الساعات الاولى من قيامه والاعلان عنه في الراديو عبر الاذاعات العديدة والقناة المرئية الليبية التي مازالت حديثة وتبث الإرسال عدة ساعات كل يوم ، بدون أي نوع من أنواع المقاومة ، وتم القبض والسجن للجميع خلال ساعات وهم نائمين وعلى رأسهم ولي العهد الذي تحت ضغط الانقلابيين والتهديد بالقتل تنازل عن العرش طواعية وشاهدته شخصيا في القناة المرئية صورة وصوتا وقتها،  مما كانت صدمة كبيرة لجميع مؤيدي الملكية التنازل بسهولة بدون أية مقاومة تذكر!
                وصل الملازم القذافي لقمة الهرم والسلطة صغير السن، في السابعة والعشرين من العمر، نظير الخداع والمفاجأة للشعب الذي يريد ويحب التغيير والجاهز نفسيا ومعنويا من خلال خطب الرئيس عبدالناصر اللاهبة ضد المستعمرين بريطانيا وأمريكا على الوجود والقواعد العسكرية في ليبيا ضمن المعاهدات ، ومستغلا المؤامرات والدسائس في القصر بين العائلات ، والفراغ السياسي وعدم وجود أحزاب وكتل وكيانات سياسية تقود الوطن للأصلح والتي ألغيت بمراسيم ملكية بناءا على نصائح المستشارين البريطانيين بدايات استقلال ليبيا . وبالأخص عندما تفجرت ثروة النفط الخيالية ، وأصبحت ليبيا بين ليلة وضحاها من فقر مدقع  تحتاج للمعونات إلى أغنى دولة في شمال أفريقيا، يتهافت عليها الجميع .
             كانت المؤامرات والمغامرات في القصر تحاك في سرية تامة ولا تكاد تظهر لأبناء الشعب أخبارها الا القليل من الحديث أثناء لحظات النشوة من بعض المسؤولين وأصحاب القرار في الحكومة والذي تحصلت على الكثير من المعلومات المفيدة أثناء أقامتي لعدة شهور في القاهرة بمصر في معية ورفقة بعض رجال العهد السابق المسؤولين عام 1980م اللاجئين المقيمين والمهاجرين فى مصر وبعض الدول الآخرى من خلال المعرفة والصداقات والاجتماعات العديدة للمعارضة ضد النظام .
             كان البريطانيين وبعلم ومباركة الملك ادريس يعدون  البوصيري الشلحي عميد الأسرة بأن يكون الحاكم الفعلي لليبيا ،  وبعقلية ذاك الوقت البالية في الوحدة والمناصرة بين العائلات اللإلتحام بعلاقات الدم بالمصاهرة والزواج،  وتم طلب يد كريمة والي برقة السيد حسين مازق للزواج من عمر الشلحى أحد أخوة البوصيرى النافذ بالقصر والديوان ، لضمان تأييد ومساندة عائلة الشلحي من قبل قبيلة البراعصة التي لها الحظوة عند الملك ضمن علاقات خاصة روحية مع عميد الأسرة السنوسية الشيخ محمد بن علي السنوسي عند مروره  بليبيا قادما من الجزائر ذاهبا إلى الحج ، حيث آل الشلحي أصولهم جزائرية   ولم يكن لهم جذورا قبلية ولا عائلية في ليبيا ، وتم طلب الزواج من قبل الملك أدريس، والذي لم يستطيع الوالي وقتها الرفض لطلب الملك وهو يعلم أن الزواج غير عادل ووافق نظير إعتبارات سياسية واحتراما لطلب الملك.
               في ذلك الوقت كانت النعرة القبلية في قمتها بالمنطقة الشرقية وبالأخص أهل البادية الذين يؤمنون بالتلاحم والمناصرة برباط الدم والمصاهرة، متناسين ناسين أن هذه الأمور مع الزمن والتقدم والعلم وزيادة عدد السكان بدأت تتلاشى وأن القبائل في إضمحلال مع الوقت بحيث مستقبلا تصبح عبارة عن روابط أجتماعية وليست وحدات وكيانات سياسية لها التأثير في صنع القرار .
             وقام الملك بخطبة يد كريمة السيد الطاهر باكير القرمانلي، والي طرابلس في ذلك الوقت، كزوجة لولي العهد الحسن الرضا، ترضية لكي  يضمن ولاء الطرابلسيين كما كان يعتقد ويخطط رجال القصر بأن ملكة ليبيا المستقبل من الغرب، وهو أمر  لم يحدث نظير الإنقلاب وزوال الملكية من خريطة الوطن .
              المشكلة أن الدولة فى ذلك الوقت كانت تدار بالعقليات التى عفى عليها الزمن ولا تتماشى مع العصر والتقدم وحسب ما سمعت كثيرا أيام الشباب في العهد الملكي من أشخاص موثوق بهم معظمهم في ذمة الله تعالى (رحمهم الله تعالى) عندما تأتي للملك أي شكوى من أحد شيوخ القبائل أو المسؤولين الصادقين الوطنيين عما يدور بالمملكة من تجاوزات وأخطاءا فادحة للمتابعة قبل أن تسبب الأضرار بالمستقبل للوطن، وتصل إلى أسماع حلقة رجال القصر، بطريقة أو بأخرى، يتم الإبعاد والحصار له في السر من أياد الشر الخفية ، وجميع المصالح تتعطل حتى ينتهى مقدم الشكوى والنصح في صمت نظير الإبعاد المتعمد .
               الملك إدريس كان أسيرا ورهينا ضمن حلقات وجواسيس وعيون آل الشلحي والبريطانيين في القصر والإدارات وأوساط الجماهير ، ولا يستطيع عمل أي شىء فعليا ضدهم مع أنه داهية ليس سهلا كما يعتقد الجميع ، ولكن مسالما ليس بشرس ، لا يحب العنف والدم، ويقال أن التأثير الكبير والغريب والذي يشاع في الاوساط الشعبية في همس نتيجة أسرارا او قوى باطنية سحرية خاصة لها تأثيرا كبيرا عليه منذ بقاء أبراهيم الشلحي في خدمته المدة الطويلة والمتابع لجميع ما يحدث وحدث من أسرار وخفايا حتى يوم إغتياله ووفاته، والعالم بالأمور الله عز وجل ...  والله الموفق .

                 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Tuesday, August 30, 2011

قصصنا المنسية 9

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الإغتيال الاول في المملكة

               خلال عهد المملكة الليبية من 1951/12/24م  إلى 1969/9/1م  حدثت مآسي كثيرة وصراعات شديدة محلية ودولية بين الكبار  في الخفاء ، تنافسا على حكم المملكة الناشئة   والنتيجة المريرة أدت إلى الانقلاب ومجئ العسكريين والقذافي على رأس السلطة وزوال العهد الملكي من الوجود نظير الصراع المميت الشرس في صمت وتحت السطح بين عائلة الشريف السنوسية ، وعائلة الشلحي الطامعين في الحكم من وراء الستار وفي الخفاء متخذين من الملك إدريس وولي عهده  غطاءا وواجهة يعملون من ورائها لتحقيق مآربهم الخاصة ومصالح أسيادهم البريطانيين للهيمنة على ليبيا .
            عائلة الشريف لم تكن راضية عن الوضع ومحاولة إبعادهم عن القصر والحكم ، وتم الاتهام القوي في صمت لناظر الخاصة الديوان الملكي السيد ابراهيم الشلحي وصيف وحاجب الملك ادريس خلال مسيرة العمر والكفاح السياسي والذي كانت له حظوة خاصة كبيرة وتأثيرا غير عاديا عليه ، مما الشاب محي الدين الشريف اراد الخلاص منه بالإغتيال والقتل حتى يبعده من الصورة وترتاح العائلة السنوسية من كيده وشروره نظير الحجب والمنع المتكرر لرؤية وزيارة الملك قريبهم زيارات ودية للتشاور وما يحدث في الخفاء ووراء الستار من متاهات والاعيب مع الوقت ضارة بالعائلة المالكة مستقبلا .
                  رغم أفضال عائلة الشريف على المتهم ابراهيم الشلحي كبيرة ولكن السلطة تعمى البصر وتغلظ القلوب وتذهب بالعقول والغرور والتحكم بالمناصب الغير مؤهلين لها مصيبة ، حيث التوصية الأولى والضمانة والتقديم على أن ابراهيم الشلحي أمينا ووفيا للإلتحاق بخدمة الامير ادريس في البدايات كان السيد أحمد الشريف عميد الاسرة ، قبل تنازله عن زعامة الطريقة السنوسية للأمير الشاب وقتها ، وسفره إلى اسطانبول تركيا.
                 تم الإغتيال في وضح النهار في العلن في بنغازي ووقف القاتل شامخا بدون ان يهرب ويتوارى وسلم نفسه للبوليس طواعية بدون مقاومة معترفا بالجرم ، ودوت الأنباء بسرعة البرق في الأوساط المحلية بالمملكة والعالم مع أن الاعلام وقتها كان ضعيفا وليس مثل اليوم الحاضر، حيث تعتبر أول حالة إغتيال سياسي فى العلن في العهد الملكي الليبي.
                زاد اللهب ضراوة إصرار الملك على إحقاق الحق والعدل و تقديم القاتل للمحاكمة والقصاص حيث الجرم عن عمد وترصد وبقصد ليس له أي تجاوزات ولا إعفاءات ولا ظروف  ، والحكم بالشرع الإسلامي يكون القصاص والقتل... وتقاعس جميع المحامين وقتها عن الدفاع في المحكمة عن القاتل خوفا من إرهاب السلطة والانتقام .
               زادت المصائب صدور البعض من المراسيم الملكية من القصر بإيحاء من المستشارين المنافقين بإلغاء جميع الحصانات الملكية السابقة عن آلِ الشريف والنفي للكثيرين منهم عقابا وثأرا للضحية ، إلى مناطق بالصحراء والواحات والمنع من السفر والتنقل من مدينة إلى آخرى بدون ترخيص مسبق من السلطة المحلية بالمنطقة ، مما تم استغلالها وزادت الضغوط على بيت الشريف  وتولى المحامي سالم الأطرش من مدينة درنة القضية وقدم الدفاع القوي والأسباب الراسخة المؤكدة مع الشرح المستفيض لدوافع المتهم حتى قام بالقتل للضحية ، طالبا تخفيف الحكم  والذي رجال القصر لا يريدون فضحها أمام الرأي العام منعا من التداول وزيادة تساؤلات أبناء الشعب الوطنيين عما يجري من كيد ودسائس وصراع  على السلطة في الخفاء.
                 ( أتيحت لي الفرصة وعرفت المحامي سالم شخصيا فقد كان شقيقي الحاج حسن صديقا ومؤيدا له في حملاته في الانتخابات لمجلس النواب في منتصف الستينات وتردد على بيتنا كثيرا لزيارة الوالد للتشاور والدعم وله مواقف مشرفة وقصص فقد كان من أبناء العمومة ، جميعنا من  قبيلة واحدة - تواجير درنة - سوف تذكر في مدونة خاصة مستقبلا). 
              رجال القصر قاموا بالإستفزاز والتهديد المبطن للمحامي السيد سالم بالعديد من الوسائل والضغوط ، ولم تفلح مساعيهم حيث كان شجاعا قوى الشخصية على تحمل المسؤوليات الجسام مما تغير العرض إلى الإغراء بالمراكز والجاه في حالة التعاون...  ورفض الخنوع والتعاون ، وتم إبعاده عن القضية بحجج واهية وأسند الدفاع إلى محام آخر يدعى السيد (فهيم محمد الخير الشهيبي) الذي أكمل الدفاع رسميا في العلن وضمنيا بالتعاون مع المحامي سالم الأطرش، وتم الوصول من خلال البحث والتدقيق أن القاتل تحت السن القانونية حيث وقتها حسب القانون يلغى حكم الاعدام ويتغير إلى السجن المؤبد أو طويل الاجل .
             الخصوم آل الشلحي أولياء الدم تحت ظل ومباركة الملك أصروا على تنفيذ الحكم بالشنق مستغلين غضب الملك على عائلته، وصدر مرسوم ملكي من القصر بأبعاد ونفي المحامي فهيم محمد الخير بحجة أنه غير ليبي أصوله مصرية  كما حدث من قبل (لزعيم طرابلس الغرب السيد بشير السعداوي بحجة أنه يحمل جنسية وجواز سفر سعودي) بدون وجه حق طرد ونفي مواطن ليبي للخارج غير مرغوب في بقائه وكأن الوطن ملكا خاصا لآل الشلحي ، حكرا لهم يعملون فيه كما يشاؤون .
                  حاول شيخ الشهيبات عبد الله بوعوض الشهيبي مع وفد من القبيلة مقابلة الملك حيث ماطله أعوان الشلحي من الزيارة وبطريقة أو أخرى تحصل على المقابلة وتمت الزيارة للشيخ وبرفقته مرافقا واحدا فقط من الوفد للقبيلة السيد محمد على الشهيبي وسمع الملك الشكوى والإلتماس بالعفو وهو مطرق الرأس يسمع في صمت والذي يتحدث و يرد بعصبية وعدم رضاء أحد أبناء الشلحي الضحية بأسم الملك وبحضوره مما الملك لحسم  الموضوع وقفل الملف نهائيا قال آسف لقد صدر الامر والمرسوم ولا أستطيع التراجع ولا الإلغاء .
                  خرج الشيخ والمرافق بخفي حنين مستائين من الرفض وعدم العفو على المحامي ، وتم الإبعاد والطرد تحت الحراسة المشددة إلى أمساعد الحدود الشرقية ، والتأكد من  مغادرته للأراضي الليبية إلى مصر التي قضى بها وقتا طويلا سنين عديدة بالغربة حتى رجع من المنفى برفقة السيد صالح بويصيير الذي أصبح وزير الوحدة والخارجية بعد الأنقلاب ، وأستقبلهم الشعب أستقبال الأبطال المنصورين، وعرض عليه منصبا كبيرا في وزارة العدل ولكنه رفض العرض متعللا أنه يرغب في العمل الخاص .
             حاول الأستاذ صالح بويصير الذي كان من ضمن المغضوب عليهم من القصر، بذل  المستحيل لمنع تنفيذ الحكم بالشنق متضامنا مع الأخرين نظير الولاء لعائلة الشريف ، فقد كان شابا وقتها غيورا على مصلحة الوطن وكان عارفا بمدى تورط آل الشلحي الدخلاء في توجيه سياسات ليبيا لصالح بريطانيا، والذي بعد النطق بالحكم والتنفيذ بالشنق على المتهم ، عانى الويلات والضغوط الرهيبة والتهديدات من آل الشلحي وأعوانهم الجهلة المنافقين في المراكز القيادية والسلطة بالمملكة... وصدر الأمر بالقبض عليه وإيداعه في السجن للتحقيق عن تهم ملفقة وكان عارفا بالمصير الذي سوف يتعرض له من الهوان والتعذيب ، وهرب متسللا عبر الحدود الشرقية من أمساعد إلى مصر أيام الرئيس عبد الناصر  مرتديا لباس إمرأة حتى لا يقبض عليه!
              أصبح مهاجرا غريبا في وطن الغربة لاجئا سياسيا في مصر لسنوات عديدة معارضا لآل الشلحي محاولا فضحهم قدر الإمكان في الإعلام من راديو صوت العرب وبوقه الهادر أحمد سعيد والكتابة للمقالات العديدة في الصحف المصرية التي تخاطب الرأي العام بماذا يدور من دسائس في القصر في الخفاء وكان الأعلام المصري الهادر وقتها شوكة قوية في خصر جميع ملوك وحكام العرب .
               تم التكريم سنة 1969م بعد الانقلاب مباشرة بتعينه وزيرا للوحدة والخارجية في أول حكومة تقام ولم يمهله القدر كثيرا من الوقت والعيش وينعم بالحياة ، حيث توفي في حادث تفجير وسقوط الطائرة الليبية المنكوبة مع غيره من الضحايا الأبرياء ، التي أسقطتها إسرائيل عمدا في سيناء المصرية بحجة ان الطيار تجاوز الحدود وخط الحظر والمنع حسب الروايات الرسمية التي قيلت وأشيعت رسميا تبريرا للجريمة وقتها والتي للآن ونحن في عام 2011م لم يتم التعويض من إسرائيل لأسر الضحايا المنكوبين .
                 البعض من الرجال الموالين لآل الشريف الذين ساندوا قضية الامير وقام الحاج محمد الكاديكي بدور مهم  حيث كان مديرا لأحد الإدارات في حكومة الولاية في بنغازي.... وسافر إلى لبنان ليتحصل على شهادة من المعهد الذي كان يدرس فيه الامير القاتل أثناء أقامته هناك ، بأنه كان يعاني من أضطرابات نفسية أثناء الدراسة ، كتقديمها من ضمن الطعون حتى يتغير الحكم من الشنق إلى السجن المؤبد، ولم يكتب له النجاح وأصبح مغضوبا عليه مثل الآخرين.
                 الملك أصر على تنفيذ الحكم الذي صدر من محكمة بنغازى بالشنق وصدق ووقع الوثيقة بالأمر، مع أن الامير قريبه وأبن عمومة والملكة فاطمة عمته أخت والده وجميع المساعي والواسطات المحلية والعربية والدولية لم تشفع له حيث الملك رفض العفو بتاتا و تخفيف الحكم إلى مؤبد طويل الآجل.
                تم تنفيذ الحكم والشنق بسجن  بنغازي ، وللتشفي في عائلة الشريف تم عرض جثمان الأمير المتوفي في ساحة الجريمة لفترة زمنية عدة ساعات وتم الطلب من الجماهير الحضور والمشاهدة عن قرب تأكيدا على الشنق ، والترهيب ومنع قيام الإغتيالات المستقبلية للخصوم بالتصفية الجسدية وقام الفريق محمود بوقويطين قائد البوليس وقتها في الولاية (قوة دفاع برقة) صهر العائلة وزوج كريمة أبراهيم الشلحي المغتال، بمتابعة الأمور بعنف وقسوة على سيئ الحظ الضحايا المغضوب عليهم بناءا على تعليمات وأوامر الملك الشخصية التي يتابعها شبه يوميا... والله الموفق .

                   رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Saturday, August 27, 2011

قصصنا المنسية 8

بسم الله الرحمن الرحيم

 المناضل فتح الله الأشقر



المناضل فتح الله الاشقر الأول على اليمين مع الملك ادريس السنوسي 
              عرفت المناضل في أواخر الستينات في مدينة درنة، وكان نعم الرفيق فى اللقاءات العديدة أثناء تقضية الأوقات الجميلة في السمر والسهرات التي كانت شبه يومية لفترة طويلة ، كنا نقضي معظمها في أطراف مدينة درنة على شاطئ البحر الغربي على مسافة عدة كيلومترات ، حيث المكان الآن موقع المحطة البخارية الكبيرة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه العذبة ، والتي كانت وقتها أرضا مهجورة ليس بها أي بناء ولا حياة .
              المناضل كان مديد القامة نحيف الجسم قويا لديه قوة العزم والجرأة وحب المغامرة ، وكان مشهورا في مدينتنا درنة بكناية وإسم (البرافانقو) لطوله وحبه وولعه بقيادة السيارات الامريكية كبيرة الحجم في شوارع المدينة وأزقتها الضيقة... وكانت له مواقف بطولية في التضحية والمناصرة في قضية ثورة الجزائر الشعبية وكان له الفضل الكبير في توصيل قوافل السيارات النقل الثقيل عبر مجاهل الصحراء الليبية عشرات المرات التي تعتبر وقتها صعبة جداً حيث لا خرائط ولا أجهزة واتصالات مثل الآن ، ولا حركة مرور كبيرة حيث النفط لم يكتشف بعد بكميات كبيرة مما الصحراء كانت شبه خالية من السكان او العاملين في الإستكشاف للنفط والسير مئات الكيلومترات في جبال وتلال رملية بدون معالم ، والوصول إلى احد الواحات للراحة والتزود بالمياه العذبة للشرب والحياة.
                 كانت للمناضل فتح الله معرفة ودراية جيدة بطرق ودروب الصحراء الرملية التي كانت تتغير من هبوب العواصف والرياح القوية مما تضيع المعالم وتتشعب الإتجهات وتختلط مع بعض ولا يعرف المسافر الطريق الصحيح إلا بصعوبة ...  والكثيرون من سئ الحظ ماتوا في متاهات من العطش نظير الخطأ فى تحديد الطرق والوصول ، والمناضل له خبرة كبيرة في الفلك فى تحديد الاتجاه المطلوب والسير على هدى نجوم الليل طوال الوقت ويصل إلى المواقع المطلوبة والطرق ضمن خط السير الآمن بدقة نظير الخبرة والتجربة .
               شاهدت الكثير من المرات طابور سيارات النقل الثقيل المرسيدس وهي متجهة إلى الشرق أو راجعة إلى الغرب محملة بالعتاد الاسلحة والذخيرة مساندة مصر أيام عهد الرئيس عبدالناصر وهي تعبر شارع رافع الانصاري في درنة الذي كان بيتنا يطل عليه وكان الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بالطريق الساحلي المؤدي للشرق أو للغرب حيث وقتها ايام العهد الملكي لم تكن الطرق العديدة متوفرة مثل الآن والمرور سهل مع الطرق الجنوبية الصحراوية والتي تختصر الكثير من المسافة والوقت من طبرق إلى إجدابيا .
              كان رتل سيارات النقل الثقيل يمر كالعادة  مع ظلام الليل عندما يكون معظم السكان نياما ولا تشاهد من العيون الفضولية وبالأخص الدراونة ، الذين من حدة الذكاء وقوة الملاحظة لا يفوتهم اي شئ ببساطة من غير تعليق وتحليل ، ومع الوقت وتداول القصص عرفت ان الشاحنات ملك شركة (ساسكو ) التي مالكها الامير السيد عبدالله عابد السنوسي الذي تبرع بالنقل دعما للثورة الجزائرية والتي إستمرت طوال سنوات النضال حتى تم إستقلال الجزائر .
                كان فتح الله الدليل للركب طوال الوقت في المقدمة يقود السيارة الطاوية (لاند روفر) لوحده مسلحا بعدة قطع من السلاح جاهزا للدفاع عن القافلة في أي لحظة خطر ، فقد كان حريصا جدا من الخيانة والغدر من عملاء فرنسا وعيونهم المدسوسة في أوساط الشعب تراقب الطرق والمعونات ، حتى يصل بالقافلة إلى بلدة إمساعد الحدودية مما يتوقف والقافلة تتجه إلى مصر مع دليل آخر ويرجع لقضاء عدة أيام مع أسرته في درنة حتى الوقت المعلوم لرجوع القافلة محملة بالعتاد السلاح والذخائر والمواد الأخرى المطلوبة التي  يحتاج لها الثوار في جبهات القتال .
               وتبدأ الرحلة من جديد من درنة وهو الدليل بالمقدمة  يذلل في الصعوبات ويقدم الأذونات والتصاريح بالسير المرخص للبوليس في البوابات العديدة في الطريق حتى لا يتم التأخير نظير الاشتباه وبالأخص نقل السلاح حتى الوصول إلى معسكر الثوار في مدخل مدينة بنغازي منطقة ( اللثامة  في السبخة) على شاطئ البحر للراحة وقضاء بعض الوقت في التجهيز لعبور الصحراء ضمن الخطر الشديد ، سواءا من الصحراء نفسها من معاناتها ومتاهاتها ، أو المداهمة من أي عدوان وكمين من عملاء فرنسا أو غارات جوية تدمر الركب وتمنع وصول الإمدادات للثوار.
                التركيز على التزويد بالماء ووقود السيارات والكثير من الاشياء التي تجعل الرحلة آمنة ، مع وجود القوات البريطانية التي دورياتها العسكرية تجوب الصحراء طوال الوقت ووجود الأمريكان العسكري الجوي الذي طيرانه مستمرا في التدريب في سماء ليبيا بدون توقف ، والقوات الفرنسية بالغرب على الحدود ، وبوجود هذه الصعاب العديدة خوفا من الاكتشاف كان يتسلل بسهولة مع طرق مهجورة بالليل والشاحنات تسير بدون أضواء إلى نقاط معينة حيث الضوء والصوت بالصحراء يصل إلى مسافات بعيدة .
               خلال الفجر ، يتوقف الركب في أحد المنخفضات للجبال والتلال الرملية والتمويه والتغطية للشاحنات بالمشمعات الخاصة بلون الصحراء و الإخفاء الجيد الذي من الصعب إكتشاف الطائرات التي في بعض الاحيان تمر فوقهم في إرتفاعات عالية ويرتاح الثوار وينامون  طوال النهار تحت الشاحنات من حرارة ولهيب الصحراء طلبا للظل و عدم إشعال النار والطبخ للطعام إلا للضرورة منعا للدخان بالنهار وضوء اللهب بالليل معتمدين على الطعام الجاهز حتى الوصول إلى احد الواحات في خط السير الطويل .
                  وكان يتخذ الاحتياطات للسلامة قبل دخول أية واحة ، يتوقف الركب من مسافة قبل الوصول ويذهب لوحده في جولة إستطلاعية للتأكد من عدم وجود اي خطر ممكن وكمين في الانتظار .... وكان رؤساء وشيوخ الواحات من كثرة التجوال والمرور عليهم صداقات عديدة وأخوة مع البعض اللذين كانوا يزودونه بالأخبار فترات الغياب ويتبرعون بكميات من التمور والقديد (اللحم المجفف) للثوار بدون مقابل دعما للجهاد .
                وتستمر الرحلة عبر الحدود خلسة حتى يصل الركب إلى المكان المعلوم المتفق عليه داخل الاراضي الجزائرية المهجورة ويتم توزيع الحمولة بسرعة على ظهور الحيوانات، الخيول والبغال ، خوفا من الاكتشاف ويرجع بالكثيرين ... الجرحى ذوي الحالات الصعبة للعلاج في ليبيا ومصر ، وإستمر المناضل عدة سنوات فى الترحال وقطع المسافات الطويلة في الذهاب والإياب حوالي 4000 كم في الرحلة الواحدة وربطته المعرفة وعلاقات النضال والاخوة مع الكثيرين من قيادات الثوار الجزائريين حتى تم النصر والإستقلال وخرجت فرنسا من ارض الجزائر للأبد .

المناضل فتح الله الاشقر (الثاني من اليسار) (رحمه الله) مع احد قادة الثورة الجزائرية
               تم تكريم المناضل من قبل الرفاق الجزائرين عندما زارهم في إحتفالات الإستقلال بناءا على دعوة رسمية وطلب منه الإقامة والمواطنة في الجزائر معززا مكرما في العز والمجد ولكن رفض بلباقة وفضل العيش في ليبيا وطنه وفي مدينة درنة موقع الرأس مع العائلة متوسط الحال عفيفا حرا بدون قيود ولا احراجات للأخوة الرفاق .
                لقد عرفته وسمعت معظم هذه الحكايات والنوادر منه شخصيا ولم أكن وقتها مهتما بقوة مثل الآن وإلا كنت كتبت ذكرياته وأعماله النضالية حرفا حرف حتى تصبح ذكرى مدونة بالتفصيل عن المغامرات والمخاطرة ولا تضيع مع مرور الوقت وتدخل في طي النسيان .
                  كانت لقاءاتنا وسهراتنا في أواخر الستينات وبداية السبعينات وبالأخص في ليالي الصيف.... كنا مجموعة بسيطة نلتقي معظم الليالي  مع الرفاق المناضل فتح الله و السادة فرج الشخترية وفضل الله ساسي ، وفي بعض الأحيان كان يلتحق بنا  الاستاذ عطية ساسي الذي يتحفنا بلحن من المزمار (الزمارة الدرناوية) في المكان المفضل خارج المدينة ونجهز عشاءا خفيفا سريعا ونشرب الشاي الأخضر ونتحدث في حكايات ونوادر بريئة لتمضية الوقت عن قصص النضال والجهاد الليبي وماذا قدمت مدينة درنة من رجال مجاهدين فلذات كبدها في جميع المجالات .... ولكنها للأسف وكأن بها لعنة دائما سيئة الحظ لا يذكر أسمها بالمجد والفخار فقد كانت منذ الإستقلال تعاني من عدم الأهتمام بها سواءا من العهد الملكي وقتها أو الثوري بعدها خوفا من النقد اللاذع من شعبها ، فهي كجذع النخلة الطويل المائل ، أساسها القائم بالمدينة وثمرها اللذيذ الشهي يتساقط عند الآخرين،  الجيران ، يشع بالنور والخير وأهلها غير مستفيدين من أي خير ومصلحة .
                 قصص كثيرة بعضها يشرف ويسعد أي مواطن درناوي أصيل وكثيرا منها مؤلم عن مدى الإستهتار من أي عهد مضى بمقدرات المدينة ، لم يعطى لها حقها الذي يشرف من إهتمام وإنشاء وإعمار والنهوض بالمواطن ... فهى مدينة النور في مجالات عديدة وآن لها الآن أن تنهض من كبوتها بسواعد أبنائها إن شاء الله تعالى .
                استمرت العلاقة والأخوة والرفقة بين الجماعة حتى عام 1972م عندما مرض ودخل للمستشفى للعلاج ، وتصادف أيامها حادث سيارة في منطقة لملودة لقريبي خال أولادي توفى بعد عدة أيام بالمستشفى (عبد السلام زعطوط ) الشاب الذي لم يتجاوز من  العمر 23 سنة  وكانت غرفة المرحوم في نفس العنبر الذي به السيد فتح الله ولم أعلم بوجوده في ذاك الوقت نظير الانشغال بالمريض حتى توفاه الله تعالى وعلمت انه كان مريضا بالمستشفى وتأسفت أنني لم أزوره في أيامه الاخيرة ، وإستلمت برقية تعزية في المرحوم حيث كان مريضا وغير قادرا على حضور العزاء وبعدها بحوالي أسبوعين توفي المناضل في صمت وهدوء وحضرت تشييع الجنازة وحاليا مثواه الأخير جار المرحومين عبدالسلام ووالدي الحاج المبروك حيث توفى الثلاثة في فترة زمنية متقاربة وتم الدفن في المقبرة القديمة بالمدينة وبعدهم بحوالي الشهرين تعبأت المقبرة وتم اقفالها عام 1972م وبدأ دفن الموتى في المقبرة الجديدة بهضبة الفتائح إلى الآن ، رحم الله الجميع.
              إنني مهما كتبت عن هذا المناضل لا أستطيع الشرح الكثير فهو شمعة أضاءت وشعت بالنور بقوة الشخصية والصلابة والشجاعة وكان عفيفا متوسط الحال ، ينظر للدنيا بأنها فانية غير طامع في شهواتها راض بما قسمه الله تعالى له من نصيب، وأذكر في آخر أيامه كلمات كان يقولها للمجموعة أثناء بعض الجلسات ونحن نسهر ونتسامر ، يوما إذا تحصلت على أموال سوف أشتري مزرعة بمنطقة ( كرسة ) وأتقاعد بقية أيام العمر وكل يوم تأتون للزيارة وتمضية الوقت الجميل .
                 هذه الكلمات والأمنية للمرحوم ترن في أذنى وأنا أسطر  هذه الكلمات حيث توفاه الله تعالى ولم تتحقق أمانيه (رحم الله تعالى الجميع ) فقد كان نعم الأخ والرفيق، وكل مرة تصادف المرور أمام المقبرة القديمة بالمدينة أتوقف وانزل من السيارة وأتلو سورة الفاتحة تحية ورحمة للجميع... والله الموفق.

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Tuesday, August 23, 2011

قصصنا المنسية 7

 بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين

               بدايات حرب فلسطين عام 1948 م تطوع الآلاف من الرجال والشباب ذوى الحمية للجهاد من جميع دول المغرب العربي تحت اسم لواء المغاربة الشعبي ( ليبيا وتونس الجزائر والمغرب ) ومن ضمنهم شباب مدن ليبيا العديدة ومنها مدينة درنة المجاهدة والسباقة للنصرة والنجدة رجالا وشبابا كثيرين تطوعوا للنضال والحرب في ساحات القتال العديدة بالرغبة تدفعهم الحمية للدفاع عن أرض العرب والكرامة.... وعلى رأس القائمة الأولى من الشهداء البطل أول شهيد ليبي درناوي ، قتل وسقط شهيدا بالإصابة من شظية قنبلة في الرأس في بداية الحرب المقدسة الشهيد علي عمر جبرين الذي والده العمدة من أعيان المدينة وشيخ من مشايخ قبيلة مصراته في ذاك الوقت .
             كثيرون لم يذكروا في تاريخ الجهاد الليبي من مجاهدي الوطن الوطنيين الأحرار الجنود المجهولين حيث طمست أسماؤهم من قبل أشباه الرجال والمنافقين لنظام القذافي المسؤولين عن كتابة تاريخ الجهاد الليبي بقصد وعدم البحث والتقصي الصادق عن قصص الرجال والذين في السبعينات الكثيرون في اواخر العمر مازالوا أحياءا يرزقون، تم توثيق الكثير من التراهات والزيادات الغير صادقة حتى تدمغ مع الوقت وتصبح متداولة ويصعب الطعن فيها، نظير إشهار وإظهار وتمجيد البعض من المحاسيب أقارب ومعارف القذافى على الرأي العام من بعض العائلات المغمورة بدون ذكر ، أنهم أبطالا مجاهدين من أجل الوطن والواقع المرير عاديين مثل الآخرين من أبناء الشعب .
                قصصا عديدة حدثت وطواها التاريخ والنسيان إلى الابد ولم تعلن وتنشر الا من البعض في السرد أثناء الحكايات والسمر في جلسات السمر السهرات واللقاءات وبقيت في الصدور والقلوب ولم تدون على ورق وتوثق حتى تستمر إلى ماشاء الله تعالى وتبقى إلى ان يأتي اليوم وتجد من يهتم بالنشر والظهور بها لدوائر النور ، وللأسف توفي أصحابها وذهبت إلى ظلام القبور للأبد... مما كانت من أهم أسباب التأخر وعدم السمو والحضارة والتقدم ، النسيان وعدم الاعتراف بالجميل والتذكير بالأبطال العديدين الصادقين حتى يصبحوا عناوين وأمثلة للأجيال الصغيرة والقادمة حتى تعيش الأمجاد وتقوم بالتضحيات والعطاء مثل السابقين .
                لقد عرفت المناضل عبدالرحيم  بن خيال "الغشيم" - عائلة بن خيال مشهورة في مدينتنا درنة بتقديم الشباب المناضلين إلى ساحات الحرب والصدام في عدة أماكن بالعالم دفاعا بالروح والنفس للنجدة ورفع شأن دين الاسلام.... والذي سمعت منه شخصيا إحدى الحكايات عن المعارك والتضحيات في حرب فلسطين عام 1948 م والتي ساهم فيها شخصيا وتم النصر والحصول على الغنائم وسلمت للقيادة المصرية ، واللأسف غيرت وجيرت وحسبت لهم وضاع مجدها للأبطال الصناديد الليبيين المغاربة الذين قاموا بها وضحى البعض بنفوسهم من أجلها.
             في بدايات السبعينات كان لدي موقع عمل مقاولات للبناء والتشييد في الساحل الشرفي بمدينتنا درنة ، وفي ذاك الوقت كانت العادة المتبعة لدينا فترة راحة بسيطة وقت الضحى لتناول بعض الطعام وشرب الشاي وتبادل أطراف الحديث عن مايجري من أمور سريعة ، وشاءت الصدف الحسنة وحضر المرحوم للموقع بالصدفة ، الذي كان يملك ويقود في شاحنة كبيرة للنقل الثقيل ، آتيا ببعض المواد للموقع مما تمت دعوته للإنضمام معنا في الجلسة ولبى الدعوة وجلس ضمن الحلقة .
               كان المناضل وافر البنية ذو شخصية وهيبة معروفا بالصدق والأمانة في الوعد والعهد محترما من الجميع في حوالى العقد السادس من العمر ، وتطرق الحديث في مواضيع عديدة ووصلنا إلى قضية فلسطين وخسائر العرب في 3 حروب ، وهل يوما عن قريب نثأر للهزائم وننتصر؟
               مما فتحنا جروحا لديه كادت تندمل بمرور الزمن وتأثر من الحديث والنقاش عن الحرب وقضية فلسطين وحدثنا عن التطوع في الحرب أيام الشباب والحمية ، وإنضمامه مع العديد من رفاقه الدراونة إلى لواء المغاربة الشعبي عام 1948 م مع الآلاف من رجال وشباب المغرب العربي ( ليبيا وتونس الجزائر والمغرب) وأنه عاصر الحرب حتى النهاية والخسارة والهزيمة للعرب ، و حكى لنا حكاية غريبة عجيبة عن بطولات إحدى الفرق الذي كان من ضمنها .
                 كانوا حوالي 40 متطوعا في حالة مزرية وبائسة يعانون الجوع والنقص في التجهيز والعتاد وقلة السلاح ، ينتظرون في الأوامر من القيادة المصرية للتقدم التي في كل يوم كانت تؤجل مع ان الساحة مفتوحة للإستمرار والعدو الصهيوني متعثرا بالكاد يلتقط في الأنفاس ، ولو تم ترك جميع المتطوعين وهم بالآلاف من غير الجيوش النظامية لكانوا حققوا النصر بسهولة ،  متخذين مقرا لهم مدرسة خاوية مهجورة بدون ماء ولا كهرباء فى بلدة خانيونس الفلسطينية .
                 يوما سمعوا الصراخ والإنذار من احد الفلسطينيين وهو راكبا على صهوة جواده مهرولا بسرعة داخل البلدة رافعا كوفيته لأعلى ملوحا بها لجذب الاهتمام ولإخطار المحليين في السوق بحضور وهجوم مدرعات الصهاينة القادمة في الطريق وراءه لإحتلال خانيونس حتى يتخذوا الحيطة والحذر و لا يباغتون بالغدر والقتل فجأة .
                قرر آمر المجموعة الليبيين المغاربة بأن لا يهتم بأي تعليمات وأوامر من القيادة حيث لا وقت وصعب الاتصال ... وقرر المقاومة دفاعا عن النفس ووزع رجاله على أسطح محلات السوق من الجانبين حتى ينقضوا على المدرعات وقت الدخول في شريط السوق الضيق بغتة حيث لا مجال للمناورة والهرب السريع  ضمن تمويه جيد .
                دخلت المدرعات في طابور طويل وكانت 11 مدرعة ولما تكاملت في الدخول وهم غير عالمين بالكمين وأعطى الآمر الاشارة فجأة وحدثت المفاجأة الغير متوقعة للعدو الزاحف وقفز الأشاوس وتم تعطيل الرتل في المقدمة والمؤخرة مما الباقي حوصرت ولم تتحرك ووبالسلاح الابيض بالخناجر بدون طلقة رصاصة واحدة تم القتل والطعن لجميع الصهاينة وسقط بعض من الليبيين شهداءا وجرحى.
              وكانت فرحة كبيرة بالنصر والغنائم من السلاح والذخائر والتموين ، ومنذ ذاك اليوم والكمين إلى نهاية الحرب لم تحدث اي حالات وحوادث وتعديات من الصهاينة خوفا ورعبا من أي مجزرة من الاسود المغاربة الليبيين. وتم تسليم المدرعات إلى قيادة الجيش المصرى حسب الترتيب والأصول العسكرية ، واللأسف بعد فترة من الوقت ظهرت صور المصفحات والعتاد في مجلة المصور المصرية والحديث عن الحادثة بإسهاب ومبالغات وكيف القوات المصرية تصدت في المعركة وهزيمة العدو الصهيوني ومبالغات كثيرة وتمجيد وجميع المواضيع زيف وكذب لا تمت للحقيقة بأي صورة من الصور ناسين متناسين عن قصد وعمد الشهداء الضحايا والجرحى أثناء المعركة القصيرة الشرسة وان الفضل للمتطوعين الليبيين الذين قاموا بالفعل المعركة والتضحية.
                   مما نتائج هذه الحادثة وكيفية الكذب والتزوير المتعمد وإسناد الحق والعمل الحقيقي لغير أهله ، هبطت الروح المعنوية لدى المتطوعين في جميع جبهات القتال حيث لا إهتمام ولا تشجيع للعمليات ولا أي إعتراف بالجميل والبطولات، تاركين الامور بدون إهتمام كبير لأية أوامر .
                وكانت مثل هذه الاحداث النضالية والبطولات العشرات من الاحداث والمواضيع والمعارك الجهادية الفردية ولو القيادات العربية غير متورطة في العمالة صافية القلوب والنوايا في حربها بدون فساد ورشاوي وتركت المغاوير وغضت البصر عن لواء المغاربة ومجاهدي الاخوان المسلمين المصريين ومتطوعي العرب بالآلاف الراغبين في التضحية والموت والحصول على الشهادة بصفاء القلوب لتم التوفيق من الله تعالى والنصر المبين وفاز العرب بسهولة... والله الموفق .

 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...

Saturday, August 20, 2011

قصصنا المنسية 6

بسم الله الرحمن الرحيم

 رجال ليبيا المنسيين


                    الحاج عبد المنعم قدور (رحمه الله تعالى ) أحد رجال مدينة درنة المخلصين والمناضلين في صمت من ضمن طوابير الجنود المجهولين الذين كان عطاؤهم الوطني بدون حدود في السر والخفاء ، يعلمها الله تعالى ... شموع أضاءت فترة من الزمن بالنور وتلاشت ولكن الأعمال الخيرة التي قاموا بها ولم تظهر إلى العلن إلا للقلائل من البشر العارفين ببعض المواضيع والتي سوف تبقى تشع إلى ماشاء الله تعالى .     
                 كنت أعرفه جيداً فقد كان من أبناء العمومة من  قبيلة التواجير وأخا وصديقا للأسرة طوال عقود عديدة من السنين وتربطه علاقات أخوة حميمة مع إبن العم والصهر الحاج محمد زعطوط جد الاولاد وسمعت الكثير من حكاياته وذكرياته الجميلة الحلوة والأليمة في أثناء بعض الجلسات الظريفة ، عما دارت من أمور وأحداث كثيرة سياسية وجهادية في الأربعينات من القرن العشرين وحتى نهايته في الوطن ليبيا ومدينتنا الحبيبة للنفس درنة ، حيث المرحوم كان من ضمن الشباب المتطوعين والمجاهدين في حرب فلسطين عام 1948 م م وعاصر الحرب وويلاتها وحضر معارك كثيرة ضمن لواء المغاربة منذ بداياتها إلى النهاية والهزيمة وخسران المعركة والحرب التي ألمت بالعرب .
               سوء التخطيط وفساد القيادات المرتشية من ملوك وحكام العرب والذي دفعت الأجيال العربية المتعاقبة إلى الان الثمن الغالى من اهراق الدماء وعشرات الآلاف من الضحايا والجرحى والمعاقين وخلقت دولة اسرائيل من العدم نظير اخطاء زعماء العرب الجهلة المتشددين بدون عقول تفكر وتدرس الأمر وتخطط التخطيط السليم حتى تنال التوفيق والنصر وجرت على شعوبها الويل نظير الاندفاع والعواطف بدون تريث .
                عدم وجود الحكام الصالحين والعمل بما يرضى الله تعالى حسب الشرائع الإلاهية وأننا نحن واليهود أبناء عم نرجع في الأصول والسلالة إلى جد واحد سيدنا إبراهيم عليه السلام خليل الله تعالى ولدينا جميع المعطيات في الوطن العربى الإسلامي الكبير في الشأن والثروات والمساحة لو تعاوننا بالمنطق والحوار الهادف ووحدنا الجهود في إتحاد مع بعض ، وحكمنا العقل والضمير للمصلحة العامة للجميع ، لأصبحنا الأوائل في العالم .
               خسر العرب حرب 1948 م نتيجة عوامل عديدة ، وتآمر العالم فى منظمة الامم المتحدة ، وقامت وظهرت دولة اسرائيل للوجود على انقاض دولة فلسطين وتم إعطاؤها إسم (مظلمة القرن العشرين) من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.
  
              وخسر العرب حرب العدوان الثلاثي على مدينة بورسعيد عام 1956 م والتطبيل في الاعلام المصري غير وزور الحقائق من هزيمة إلى نصر وصدقت الشعوب العربية الساذجة النصر الزائف ، والواقع الفضل لله تعالى وإنذار الرئيس الروسي خوروتشوف بالتدخل العسكري إذا ما لم  يتم التوقف عن غزو القناة  ، وموافقة أمريكا ومساندتها للموقف الروسي ضد حلفائها ، حتى تم الإنسحاب من طرف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل .
                وخسر العرب حرب النكسة عام 1967 م من دولة اسرائيل لوحدها في ساعات وايام والقضاء على 3 جيوش لدول عربية تم الاعداد لها سنوات عديدة وخسرت مصر سيناء وسوريا هضبة الجولان إلى الآن ودولة الأردن الضفة الغربية ومدينة القدس ثالث مدينة مقدسة في العالم الإسلامي ، نظير الأخطاء .
                  خسر العرب ثلاثة حرووب متوالية ضد الصهاينة نظير معطيات كثيرة حيث الزعامات وأصحاب القرار من ملوك بالتوريث ورؤساء معظمهم وصل لسدة الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية وليس بالشورى الانتخابات الحرة وصناديق الإقتراع .
                  لم يطرق اليأس قادة العرب وتم الاعداد الجيد للحرب وتغيير القيادات الفاشلة مما إرتفعت الروح المعنوية إلى أعلى المستويات وتم الفوز للحرب الرابعة والأخيرة عام 1973(حرب العبور في 6 اكتوبر)  بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات وعبر قناة السويس جنود مصر الأسود، وتحطمت أسطورة خط بارليف الحصين على القناة ، وأسطورة الجيش الاسرائيلي أنه قويا لا يهزم ولا يقهر.
                   تنقل المناضل عبد المنعم قدور في الشرق الأوسط مجاهدا في قضية فلسطين متطوعا في عدة أماكن بالخطوط الأمامية وتعرض للموت والقتل عدة مرات ، وله ذكريات عديدة وقصص نضالية للأسف لم توثق وتسجل للتاريخ وطرائف عن التنقل الصعب في جبهات القتال العديدة المحفوفة بالخطر والجهاد والمعارك التي لم تدون التدوين الصحيح عن مدى التضحيات والبطولات لكثير من أبطال العرب الجنود المجهولين للذكرى للأجيال القادمة عن هشاشة القيادات العربية والعمالة للأعداء وترك الجنود الأبطال في المواقع وساحات المعارك حيارى يعانون النقص في المعدات والأسلحة والذخائر والمواد الطبية والدواء للعلاج .
                انطلق المناضل عبد المنعم قدور  من مدينة درنة إلى مصر وغزة فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وتعرف على الضابط الوحدوي حسني الزعيم السوري الذى كان المفتاح الأول في مسلسل الانقلابات العسكرية العربية بقيامه بالثورة الاولى في سوريا(مارس 1949) وكان بعض المغاربة من ضمن رجاله (كلمة مغاربة تطلق على الجميع من شمال أفريقيا) .
              خسر العرب الحرب وخرجت دولة اسرائيل للنور ورجع المتطوعين الأحياء الى ديارهم والبعض إستقروا في معظم البلدان العربية ولم يرجعوا ومنهم الكثيرون من الليبيين الذين خلفوا جذورا و عائلات كثيرة تلاحمت مع الآخرين وتغيرت الاسماء والكنايات والألقاب العائلية إلى اخرى ، وأصول أبائهم وأجدادهم من ليبيا حتى الآن.
                 رجع المناضل بعد الهزيمة بنفسية منهارة على الخسارة الشنيعة وإستقر بمدينته درنة عاملا وموظفا في مهن عديدة للعيش بكرامة وشرف وكان عزيز النفس عفيفا ، ولديه علاقات واسعة مع العديد من رجال الحكم والأعمال الأغنياء وبإمكانه لو نافق وتملق كما فعل الكثيرون من رفاق جيله في ذاك الوقت بدايات الاستقلال ليبيا وبدايات إكتشاف ثروة النفط والغاز لوصل إلى مركز كبير وثراء .
                 كان  في الخمسينات من القرن الماضي شابا وعضوا منضما متحمسا في جمعية عمر المختار التي كانت شوكة في حلق الانتداب البريطاني ورجال الحكم في القصر طوال الوقت والتي تآمر الاستعمار البريطاني والقصر حتى وصل الامر بالملك نتيجة الدس والوشايات الكاذبة على إصدار مرسوم ملكي بالإلغاء والحل والتوقف عن النشاط وكان المسمار الاول في تعطيل الحراك السياسي في ليبيا ودفع الشعب مع الوقت الثمن نتيجة الفراغ السياسي بدون كيانات ولا زعامات تستطيع التصدي.
               الكثيرون من رجال ليبيا الوطنيين شهدوا له بماض مشرف في الذود عن الوطن في الخفاء ووراء الستار أثناء الصراع السياسي للحصول على الاستقلال ، رافضا وجود القوات البريطانية في الوطن بحجج المعاهدة والانتداب الذي كان في ذاك الوقت يعتبر معجزة التحدى ومن المستحيلات خروجهم بسهولة ، حيث البريطانيين يضحكون في الوجه ويطعنون في الظهر نتيجة الخبرة الطويلة في إستعمار الشعوب ، ولكن الإرادة الإلاهية شاءت وخرجت ليبيا من المؤامرات الدولية والمحلية منتصرة وتحصلت على الاستقلال بتوفيق الله عز وجل وعزم وكفاح الرجال .
                   لقد عرفت الرجل عن قرب مع فارق السن بيننا (حوالي 20 عاما) وكان عفيفا شريفا طيب القلب ذو طلاقة لسان وحس وطني صاحب نكت وفكاهة لا يمل الانسان من رفقته والجلسة معه ، وعندما إنتقل إلى رحمة الله تعالى كنت خارج الوطن في رحلة زيارة للعائلة في امريكا ورجعت بعد مدة للمدينة وتصادف قدوم العيد وكان من عاداتنا المحلية الدرناوية عمل مجلس عزاء للعيد الاول للمتوفي المرحوم كذكرى وكأنه توفى بالأمس ، وذهبت للتعزية مثل الآخرين ودخلت للخيمة السرادق حوالي العصر مع أحد الرفاق وذهلت من الوضع حيث لا أحدا موجودا غير أحد أبنائه وصهره زوج إبنته المستقبلين ، وقمت بواجب العزاء كما يجب وبقيت فترة ساعة حسب الأصول مترحما على المرحوم طالبا له الرحمة والمغفرة.
                          وعندما خرجنا وكنا بالسيارة كنت متأثرا حزينا على الموقف ، وقلت لرفيقي سبحان الله العظيم ، الدنيا مظاهر وطمع زائل حيث الرجل عصاميا فقيرا لا جاه ولا مركز لا أحدا مهتما بالحضور والعزاء فيه والترحم عليه ، وبالشارع الخلفي أحد مجالس العزاء لأحد المتوفين الآخرين الذي مررنا عليه وقمنا بالواجب والتعزية ، وكان مليئا بالمعزين وطوابير السيارات تنتظر مما حزنت على الأمر وتذكرت الله تعالى ان كل شئ بالنوايا الصادقة والعمل الطاهر فهنيئا للإنسان الذي فاز ونجح برضاء الله تعالى دنيا وآخرة ...والله الموفق .

                     رجب المبروك زعطوط

Thursday, August 18, 2011

قصصنا المنسية 5

 بسم الله الرحمن الرحيم
 رجال ليبيا المنسيين

الجنرال عمران الجاضرة  - الثالث من اليمين باللباس المدني 
             في أواخر عهد الامبراطورية العثمانية حاولوا التطوير والتقدم ضمن مخططات إصلاحية متأخرة بالدول والشعوب الذين تحت سلطتها وهيمنتها ومنها وطننا ليبيا التي كانت تابعة لها للإصلاح ومتطلبات التجديد ومنها إستجلاب الشباب صغار السن ، الأحداث ، إلى تركيا للدراسة والتعليم ودخول المدارس العسكرية والتخرج كضباط عسكريين ،  والبعض كمسؤولين للأعمال الادارية والرجوع لأوطانهم الأصلية لتولي المراكز والمناصب القيادية وتنفيذ الأوامر من رؤسائهم حسب النظم والعقلية التركية الصارمة وتم الإختيار للعديد من مدينة درنة ونواحيها ومنهم الشباب عمران الجاضرة الحاسي وأخوه الأصغر سنا وخليل باكير بوشيحة وحسن قصار ، خال والدي المبروك،  وغيرهم بالعشرات ونقلهم إلى إسطنبول للدراسة بدايات القرن العشرين قبل الاحتلال الايطالي بسنوات عديدة .
             رجع البعض إلى مدينة درنة بعد إستكمال الدراسة المدنية ومنهم السيد خليل باكير بوشيحة وإمتهن مهنة محرر عقود بمدينة درنة ولسنوات عديدة حتى توفاه الله تعالى، وكان ضليعا ودقيقا في تحرير المستندات والتوثيق الرسمي للعقود،    وعرفته عن قرب وكان إنسانا فاضلا وصديقا للوالد وللأسرة وتعاملت معه شخصيا في العديد من المعاملات الرسمية من بيع وشراء للعقارات وتوثيق عقود شركات وتوكيلات... وكان نعم المستشار الأمين وبالأخص في التوثيق حيث كان منظما بدون مجاملات ولا تجاوزات مثلما يحدث الآن.
            البعض الآخر  حالفهم الحظ والقبول والانضمام إلى  المعاهد العسكرية حتى تم التخرج برتب ضباط أثناء الحرب الشرسة على الامبراطورية العثمانية لتفتيتها نظير الاحتضار في سنواتها الاخيرة وأصبحت عاجزة عن المقاومة والتحكم في شعوبها العديدة مما أطلق عليها الاوروبون نكاية وإستهزاءا "الرجل المريض" .
                  بدأت الحرب مع اليونان ودول البلقان وغيرهم من الحلفاء الطامعين وكان الأتراك عادلين مع الجميع القادمين من شعوب الامبراطورية،  حيث تم تجميعهم كلهم،  وبالأخص  من كانوا ينحدرون من أصول عربية ، وتم إعطائهم الخيار إما البقاء في تركيا و المشاركة في الحرب أو الرجوع والسفر إلى أوطانهم... ووافق الجميع على المغادرة ماعدى القلائل من العرب الذين فضلوا البقاء والولاء. رفض الليبيون خذلان وترك تركيا بالرفض البات، فهي التي حضنتهم وعاشوا بها سنوات الشباب والرجولة ، وكان ولائهم عميقا لها  حيث في نظرهم كان من العار التخلف والنكوص عن الجهاد والدفاع عن الدولة الإسلامية  بالروح والدم... مما كان له الأثر الكبير والإمتنان لدى الاتراك الوطنيين.
                  حاربوا مع القوات التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك الأب الروحي لتركيا الجديدة في ظروف صعبة ومحن رهيبة وإستشهد الاخ الأصغر لعمران الجاضرة في أحد المعارك الشرسة ضد الحلفاء في معركة جاليبولي حتى وضعت الحرب أوزارها وحافظت تركيا على إستقلالها وكرامتها من الاحتلال وأصبح الليبيون جزءا من الدولة التركية وتغيرت أسماؤهم العربية إلى أخرى تركية بناءا على طلب القادة والزعماء الجدد وتدرجوا في الرتب العسكرية حتى وصل الضباط عمران الجاضرة وحسن قصار إلى رتب عالية بالجيش التركي واصبحوا جنرالات .
                    وقت إستقلال ليبيا كانت بحاجة إلى بناء جيش  ليبي للدفاع عن الوطن وتم تقديم الطلب من الملك إلى الحكومة التركية لمساعدة ليبيا  واستعارة ضابط ذو رتبة عالية من أصول ليبية ووقع الإختيار على الجنرال عمران الجاضرة الذي وافق ولبى الطلب وحضر إلى ليبيا وكان أول ضابط يتولى رئاسة الأركان وقيادة  الجيش الناشئ من فلول الجيش السنوسي الذي حارب مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية... وإتخذ من مدينة سوسة الساحلية مقرا للقيادة والجيش حيث كان التخطيط على المدى البعيد ان تصبح مدينة البيضاء العاصمة الشرقية لليبيا .
                أول زيارة إلى مدينة درنة للجنرال عمران. عندما إستلم مهامه زيارته لإخوته وعائلته بعد المدة الطويلة حوالي الأربعين سنة من البعد والغياب كانت عام  1952 م والجميع ينتظر بفارغ الصبر والفرحة رؤيته وكنت صغيرا بالسن حوالي العشر سنوات من العمر موجودا مع الوالد وقتها في الإستقبال حيث تربطنا بأسرة الجاضرة روابط مصاهرة الحاج حسين عوض إبن أخ الجنرال كان زوجا لأختي الشقيقة الحاجة أمنة . وكان جميع إخوته والعائلة في الانتظار وتوقفت السيارة العسكرية في الساحة منطقة ( الكوي ) حيث يقيمون ونزل الجنرال ودوت الزغاريد عالية وإطلاق الرصاص بالفرحة العارمة وبدأ الجميع في المصافحة والعناق إحتفاءا بالوصول والسلامة .
                   كان الجنرال ذو شخصية مهيبة قوية متعودا على إصدار الأوامر وخلق بالإدارة  العسكرية الجيدة... الضبط والربط وكون من المتطوعين جنودا أشداء يعتمد عليهم في الدفاع عن ليبيا وقت الطلب في فترة بسيطة وحدثت له مضايقات عديدة وحسد وحقد وغيرة من بعض رجال العهد الملكي الجهلة بالأصول والأعراف الرسمية في التسلسل الاداري وكان شجاعا لا يخاف ولا ينافق ولم يرضخ مثل الكثيرين المنافقين منهم لقاء الجاه والمركز ..
               الجنرال عمران بجميع المعايير يشرف المهنة العسكرية ، وأذكر البعض من المشاكل التي واجهته أيام نظام الولايات حدثت مشادة وخصام شديد بين قبيلة البراعصة وقبيلة الدرسة في وادي الكوف مما الطرفان تصدوا لبعضهم مواجهة لحسم الأمر بالسلاح وعجزت قوات البوليس وقتها (قوة دفاع برقة) عن فض الاشتباك وطلب الوالي وقتها حسين مازق البرعصي والي ولاية برقة من القائد عمران الجاضرة النجدة وتدخل الجيش لحسم ووقف الامر قبل الصدام والبدء في الرماية واطلاق الرصاص بينهم بصفة عاجلة ... وكان الرد من الجنرال هذه مسألة داخلية ليست من إختصاص الجيش حتى يقحم في الامر،  مما كان صادقا في الامر ، رافضا تسيس الجيش والتدخل في الصراعات الداخلية وكانت ضربة قاصمة للقصر والوالي وقتها.
             على إثرها وخلفياتها تم خلق القوة المتحركة بقيادة ورئاسة الزعيم (السنوسي الفزاني) الذي كانت عائلته من أتباع ومؤيدي الاخوان الطريقة السنوسية الدينية التي كان  زعيمها الروحي الملك إدريس ، وقام القصر والحكومات المتعاقبة للعهد السابق بفتح أبواب التجنيد لها بأجور ومرتبات عالية مما الكثيرون تقدموا كمتطوعين والاختيار كان لنوعيات معينة من البادية موالين للملك ، والدعم المتواصل بالسلاح والمعدات .... مما أصبحت قوية تنافس الجيش وأكثر من حيث القوة والسطوة والتسليح وهي خاصة بولاية برقة ، ومثار تنافس شديد بينهم... ووقت الانقلاب تم الخداع لقادتها ومفرزة صغيرة دورية من الجيش بقيادة موسى أحمد إستولت على قيادة معسكر قرنادة الحصين فجأة بترتيب مع الحراسات وإستسلمت نظير المفاجأة والصدمة ولم تطلق القوة المتحركة طلقة رصاص واحدة للدفاع عن المملكة وقادتها أصبحوا سجناء وعلى رأسهم قائدها الزعيم .
                وحدث موضوع مهم لمسيرة الجنرال عمران ، حسب المعاهدة الليبية البريطانية وقتها ، احد البنود تسمح للبريطانيين مراجعة الجيش والكشف عنه وتزويده بالنواقص ، وشاء سوء الحظ يوما وصول لجنة من كبار الضباط االبريطانيين الى بوابة معسكر القيادة في سوسة ولم يكن لدى الجنرال عمران العلم بالموضوع ، وتم الاتصال الهاتفي من البوابة طالبين الإذن  بالدخول ، وكان رد الجنرال ببساطة عدم السماح لهم  بالدخول حيث كان  المعسكر خاصا بالجيش الليبي وممنوع الدخول ... ورجع البريطانيون بخفي حنين شبه مطرودين بصفعة قوية من الجنرال عمران الجاضرة ابن ليبيا الوفي البار .
                   وزاد الطين بلة  رفضه لقائد الشرطة محمود بوقويطين من التشريف في الصف الأول حسب البروتوكول الرسمي في الزيارة الرسمية على  أن الاول في الصف يكون قائد الجيش وبالخلف قائد الشرطة أثناء زيارة الملك والوفد المرافق له لمصر في عهد الرئيس جمال عبدالناصر... مما زادت الحساسية وبدأت المؤامرات والدس ضده أنه ( تركي ) صعب التفاهم معه ، ولا يعتمد عليه كقصر وحكومة في حالة حدوث أي أزمات خطيرة للوطن نظير الجهل والقصور في الفهم من رجال القصر... ونجحت المكيدة ووافق الملك ، وتم استدعاء الجنرال إلى القصر وقابل الملك الذي كان متحاملا غاضبا عليه في صمت نتيجة الدس ،   وبلباقه وديبلوماسية شكره على الخدمات الجليلة التي قدمها للبلاد وأنهى الاستعارة والخدمات،  مما تقبلها الجنرال بصدر رحب ونفذ الامر .
                  لقد كنت مع والدي طوال الوقت في اللقاءات معه وبالأخص في عطلات نهاية الاسبوع والأعياد التي كان يقضي معظمها  فى زيارات لإخوته في درنة وجاء ضيفا إلى بيتنا العديد من المرات تلبية للدعوات لحضور المآدب والحفلات  ولدي البعض من الصور معه خلال الزيارات العائلية يوما ما، بإذن الله تعالى، سوف تنشر حيث موجودة حاليا في الحفظ والصون وليست في متناول اليد حاليا للنشر .
               غادر الجنرال عمران إلى تركيا وإستمر في الجيش التركي كقيادي آمرا عسكريا رفيع الشأن وحسب العلم كان الآمر العسكري على منطقة  حدودية واسعة مع بلغاريا ... وبعد التقاعد عن الخدمة العسكرية كان يحن إلى أهله وإخوته الأحياء في درنة ويأتي في زيارات حتى كبر في السن وزاره العديد من أقربائه ومنهم أخي الثاني شقيقي الحاج حسن وإبنه محمد في إسطانبول وأنقرة ، تركيا ووجدوا منه كل الترحاب حتى توفاه الله تعالى ودفن في المقبرة الرئيسية في أنقرة مع كبار رجال الدولة والمسؤولين الأتراك المشهورين... والله الموفق .

                 رجب المبروك زعطوط

 البقية تتبع...